مقدمة 

لا شك في أن القضية الفلسطينية تبقى جزءًا من معضلة السيرورة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وتحولاتها الجيوسياسية المتلاحقة. هذا الوضع الإقليمي الجديد الذي أصبح يمس مباشرة المصلحة الفلسطينية والتعقيدات السياسية التي تحيط بها، مثّل عاملًا يغذي الميل نحو اتخاذ خطوات مؤثرة من جانب فصائل المقاومة الفلسطينية لاستيعاب حركة المتغيرات الجديدة في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، كانت فصائل المقاومة تنظر إلى مسار التطورات في العلاقات العربية – الإسرائيلية بحساسية عالية، خشية تغيير ديناميات دعم القضية الفلسطينية وتهميشها، ومن ثم فقدان دعم الأطراف الإقليمية والدولية، إذ من المؤكد أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق مشروع جيوسياسي في المنطقة بدأته باتفاقيات متعددة مع الكثير من الأطراف الإقليمية، وهو ما فتح الطريق لها لأن تصبح قوة فاعلة إقليميًا وتعمل على تعزيز حضورها داخل جغرافية المنطقة من خلال التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني.

وعليه، كشفت عملية طوفان الأقصى التحول في القدرات العسكرية لفصائل المقاومة، واعتمادها تكتيكات جديدة تمثل تغييرًا في أنماط الاستراتيجية العسكرية، في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وهذا ما أتاح لفصائل المقاومة فرصة إعادة صوغ التوازن في معادلة المواجهة. بعبارة أوضح، أصبحت فصائل المقاومة تمتلك خيارات متعددة للتأثير في ماجريات الأحداث، وفقًا لما تمتلكه من إمكانيات وقدرات متاحة.

انسجامًا مع ذلك تواجه فصائل المقاومة الكثير من التحديات بناء على معطيات الوقائع في الوقت الراهن، وهي مبنية على تصاعد التدخلات الدولية والإقليمية في ماجريات الأحداث الحالية، وهو ما يجعلها أكثر تمسكًا بمواقفها ومقاومة أي محاولة لمبادرات تفاوضية لا تحقق الأهداف والمصالح الوطنية الفلسطينية، إضافة إلى ذلك عدم وجود اتساق في المواقف بين فصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية حيال الدور الذي يمكن أن يؤديه كل منهما في سلوك المواجهة مع التجاوزات الإسرائيلية المتكرر.

تأتي أهمية الدراسة في كونها تبحث في تحديد آليات المواجهة بين فصائل المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، التي تعكس تحولًا استراتيجيًا في مجال القدرات العسكرية لفصائل المقاومة، ولا سيما في إطار الظروف الإقليمية الجديدة التي تشهدها بيئة منطقة الشرق الأوسط.

تجيب الدراسة عن عدد من التساؤلات منها: ما طبيعة تطورات الأحداث التي شهدتها بيئة منطقة الشرق الأوسط؟ كيف نظرت فصائل المقاومة الفلسطينية إلى مسارات التطبيع العربي – الإسرائيلي في محيطها الجغرافي؟ وكيف ساهمت التحولات الإقليمية في إعادة صوغ المقتربات الاستراتيجية لفصائل المقاومة من خلال اللجوء إلى الممارسة العسكرية؟ ما مستويات التحدي والتهديد التي تواجه فصائل المقاومة ضمن إطار المواجهة مع إسرائيل؟

من هنا تقوم الدراسة على فرضية أن التحولات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما المتعلقة بطبيعة السياسات الإسرائيلية المتنامية ومساعيها لتذويب مركزية القضية الفلسطينية في علاقاتها الإقليمية، مثلت حافزًا دفع بفصائل المقاومة إلى انتهاج سلوك يعيد تصحيح مسار المعادلة الإقليمية على نحو يحقق المصالح الفلسطينية.

أما منهجيًّا فيفرض علينا تناول هذا الموضوع اتباع أكثر من منهج بحسب اقتضاء الضرورة، فقد استخدم المنهج الوصفي، وذلك من أجل تحليل طبيعة التغييرات في منطقة الشرق الأوسط الناتجة من سياسات التطبيع العربية الإسرائيلية، وانسداد أفق الحلول السياسية للقضية الفلسطينية تحت تأثير التحوّلات الجديدة في المنطقة. كما جرى توظيف المنهج الاستقرائي لفهم التحولات الاستراتيجية في القدرات والإمكانيات لفصائل المقاومة التي انعكست مؤشراتها في عملية طوفان الأقصى، وهو ما يعزز ملامح التغيير في معادلة التوازن الاستراتيجي ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية.

اتساقًا مَع ما تقدم سيتم توزيع هيكلية الدراسة على ثلاثة محاور. يركز المحور الأول على ديناميات التحول الاستراتيجي في بيئة منطقة الشرق الأوسط؛ أما المحور الثاني فيتناول إعادة رسم مسارات استراتيجية المواجهة تجاه التخوم الجغرافية؛ في حين تيَناول المحور الثالث انعكاس تأثيرات التحولات الدراماتيكية الإقليمية في النزاع الفلسطيني.

أولًا: ديناميات التحول الاستراتيجي
في بيئة منطقة الشرق الأوسط

لا شك في أن طبيعة التطورات التي تشهدها جغرافية منطقة الشرق الأوسط ارتبطت بالمتغيرات الجوهرية على مستوى حركة تفاعلات أطرافها الإقليميين وسعيهم لتعزيز مصالحهم من جهة، وإظهار قدراتهم في رسم المشهد الاستراتيجي الإقليمي من جهة أخرى، وهذا ما فعلته إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية، في ظل انفتاحها واندماجها مع الحيز الجغرافي العربي.

1 – الشرق الأوسط وإرساء دعائم التغيير الجيوسياسي

من نافلة القول، أن مفهوم الشرق الأوسط كمنطقة جغرافية محددة المعالم متوارث عن مرحلة الاستعمار الأوروبي، فحدوده قد تغيَّرت بتغير العصور ورسمتها قوى سياسية مختلفة ولأغراض مختلفة، وهي الفكرة نفسها التي عبر عنها أفنر كوهين (Avner Cohen) الذي وصل في تحليله إلى القول بأن فكرة الشرق الأوسط في حد ذاتها تمثل في التحليل النهائي مصادفة تاريخية سياسية، أدى ذلك إلى أن الدراسات القائمة حول الشرق الأوسط واجهت تلك المشكلة الخاصة بتحديد حدود المنطقة، وعجزت عن الوصول إلى اتفاق حول الدول التي تمثل هذا الإقليم، وبخاصة أن هذا الإقليم قد بدأ في التحرك شرقًا خلال النصف الثاني من القرن العشرين بفعل متغيرات جديدة[2].

وعليه، اكتسبت منطقة الشرق الأوسط أهميتها الاستراتيجية بفضل موقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فضلًا عن نمو التجارة العالمية بفضل أسواقها، وبالتالي هذا يجعلها مركزًا مثاليًا للاستثمارات العالمية، يضاف إلى ذلك أن قربها من مراكز التجارة الدولية الرئيسية في آسيا وأوروبا وشركاتها التجارية والاستثمارية المتنامية مع هذه المجالات المهمة، جعلها منطقة للتنافس والصراع بين القوى الكبرى[3].

ومن دون شك، فإن ذلك يعني أن منطقة الشرق الأوسط تمثل المنطقة المحورية الدولية الأكثر تأثيرًا واضطرابًا في السياسة الدولية المعاصرة والنظام الدولي القائم. ومن جملة ما أشارت إليه تلك التوجهات السياسية الكبرى التي تحاول اختراق جغرافية منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة مع ظهور ما يمكن أن يُطلق عليه صراع المحاور الجيوسياسية في مواجهة القوى الإقليمية التي يطلق عليها اللاعبون والفواعل الجيوستراتيجيون في المنظومة الدولية المتحكمة في توجيه العلاقات الدولية الراهنة[4].

من هذا المنطلق، أصبحت منطقة الشرق الأوسط وعاءً حاملًا لتحولات جيوسياسية مستمرة في ظل ظروف تتعلق بالصراع والتنافس في المنطقة، من المتوقع حدوثها في المديين القصير والمتوسط، وسيكون لها تأثيرات حقيقية في بنية التفاعلات الإقليمية والدولية، ومنظومة العلاقات الدولية ككل، بدليل أن إعادة تدوير حسابات بعض الدول في الإقليم سيكون لها تأثيرها الحقيقي استنادًا إلى أن الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي لا تزال تتبنى رؤية أكثر ارتباطًا بدول الإقليم الرئيسية برغم ما جرى قبل أزمة جائحة كورونا وبعدها، واستمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وهو ما تؤكده جملة الاضطرابات والفوضى المتزايدة كل يوم في المنطقة وأشكال وأنماط الصراعات ومسارات السلطة، وطموحات النفوذ والهيمنة بين الدول الكبرى المتحكمة في مسارات العلاقات الدولية[5]. يبدو جليًا أن مسألة المتغيرات التي يشهدها هيكل بنية المنطقة على اختلاف خصائصها وأحداثها المختلفة، تمثل محور الاهتمام في المقاربات المتعلقة بمناقشة قضايا السياسة الدولية بسبب الديناميات الإقليمية التي تتطلب إعادة تنظيم السياسات الاستراتيجية للفواعل في المنطقة، والتي ستفاقم حدة المنافسة والصراع على نحوٍ محتمل خلال السنوات القليلة القادمة.

إلى جانب ذلك، تمثل المنطقة حلقة جغرافية تعاني فقدان التوازن الاستراتيجي في شكل العلاقات الإقليمية، وتساهم في ظهور مشكلات عابرة للجغرافيا، بحيث تسود حالة من اللاتوازن بين القوى الإقليمية الفاعلة (إيران، وتركيا، ومصر، والسعودية، وإسرائيل)، التي لها مصالح عميقة داخل المنطقة وترغب كل واحدة منها في التوسع على حساب الآخرين والحفاظ على مكانتها، ويرجع انعدام حالة «التوازن الاستراتيجي» في الشرق الأوسط إلى سببين أساسين، الأول يتمثل بضعف قوة العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، والثاني إلى تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، الذي كان يمثل عامل توازن وردع استراتيجي فيها[6].

وفي إطار متصل، فإن الحديث عن اضطراب الإقليم أو تصاعد التوتر تصيغه جملة من المتغيرات الإدراكية، التي تعد الأكثر تعقيدًا بمعايير التوازن الاستراتيجي بوجه عام، والبيئة الأمنية الجديدة بوجه خاص، وذلك من خلال إحياء وتفعيل معايير جديدة سماتها ترتبط بكثرة الفواعل من داخل الإقليم، وتغير إدراكاتهم وطموحاتهم ومصالحهم وأدواتهم، ومن ثم، علاقاتهم بدول الجوار والقوى الدولية لتتزايد وتيرة التنافس والصراع على النفوذ والثروات من دون التوافق على آليات لإدارة التنافس أو التفاعل بمنهجيات الحد الأدنى أو القبول بالأطر المؤسسية التي ساهمت في توفير أطر التفاعل المشترك النوعي خلال مراحل تاريخية سابقة[7].

تلخيصًا لما سبق، يمكننا القول إن مظاهر التغيرات الجوهرية في منطقة الشرق الأوسط تجلت، على مدى العقدين الماضيين، في الكثير من الحروب والصراعات المسلحة، فضلًا عن التغيرات السياسية الحادة التي شهدتها بعض البلدان العربية فيه، وهي تغيرات كشفت ما تعانيه تلك الدول من ضعف وهشاشة عرّضاها لدورات متوالية من الأزمات، ولا سيما في خضم ما يشهده الإقليم من تحولات جيوسياسية وتغيرات متعددة الأبعاد؛ كشفت عن مخاطر افتقار إقليم الشرق الأوسط إلى بنية أمنية تُعزز قدرة بلدانه على معالجة ما تواجهه من تحديات في عدد من مناطق النزاعات الممتدة في جغرافية المنطقة[8].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 544 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 544 حزيران/يونيو 2024

كتب ذات صلة:

القضية الفلسطينية والمشكلة الإسرائيلية: رؤية جديدة

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

[1]فراس عباس هاشم مجيد: جامعة البصرة – كلية القانون – العراق.

[2]  فراس عباس هاشم وعلي حسين حميد، ارتدادات الجيوبوليتيكيا: الدلالات النظرية الموجهة لمسارات التأثير الإيراني في الشرق الأوسط (القاهرة: المكتب العربي للمعارف، 2020)، ص 62.

[3]           «The Strategic Importance of the Middle East,» LinkedIn, 14 February 2023, <https://tinyurl.com/kjskk5vr>.

[4]  طارق فهمي، «تأثير التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في العلاقات الدولية،» موقع السياسة الدولية، 24 شباط/فبراير 2021، <https://www.siyassa.org.eg/News/18028.aspx> (شوهد بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر 2023).

[5]  المصدر نفسه.

[6]  مصطفى كمال، «تحولات خريطة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط،» موقع المركز العربي للبحوث والدراسات، 15 نيسان/أبريل 2018، <https://www.acrseg.org/40698> (شوهد بتاريخ 6 كانون الأول/ديسمبر 2023).

[7]  أيمن السيد عبد الوهاب، «السياسة الخارجية المصرية في إقليم متغير.. المصالح والتكلفة،» الملف المصري (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)، العدد 108 (آب/أغسطس 2023)، ص 28، <https://acpss.ahram.org.eg/News/20995.aspx>.

[8]  «الرؤية الاستراتيجية المصرية تجاه متغيرات الأمن الإقليمي»، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 16 كانون الثاني/يناير 2022، <https://acpss.ahram.org.eg/News/17376.aspx> (شوهد بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر 2023).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز