مقدمة

في سياق المسعى الفكري ـ الفلسفي لناصيف نصار لإطلاق النهضة الثانية في الوطن العربي، يدعو في كتابه الأول باللغة العربية سنة 1970 المعنوَن نحو مجتمع جديد: مقدّمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي إلى استبدال المجتمع التقليدي الموسوم بالطائفية والعائلية والقبلية بمجتمع آخر جديد حدّد له ماهيته وطبيعته ومرتكزاته الفلسفية[1].

ومنذ ذلك الحين، لم يغادر ناصيف نصار هذا الهَمّ الساكن فيه الذي رافق معظم مؤلفاته المنشورة التي كشفت لنا تباعًا صورة ووجه «المجتمع الجديد» كمثال أعلى فلسفي يعرضه على بساط البحث أمام العقل العربي عمومًا واللبناني خصوصًا.

لذلك، كان من الضروري بالنسبة إلينا كشف النقاب بأسلوب واضح ومبسَّط وموجز نسبيًا عن هذا «المجتمع الجديد» كما يعقله ويراه ناصيف نصّار عبر إظهار الرؤية الفلسفية إليه وهويته الخاصة التي تميّزه من سواه من المجتمعات التقليدية المعروفة تاريخيًا بتمركزها حول الدين والعائلة وممارستها الاستبداد والتمييز السلبي داخلها بين فرد وآخر تبعًا للمعتقد الديني أو الولاء السياسي أو الانتماء الإتني…

لكن قبل الوصول إلى الإشكالية الأساسية المطروحة في هذا المقال، لا بدّ لنا من التوقف عند منطلقات فلسفية أساسية تطبع نظرة ناصيف نصار إلى «المجتمع الجديد» وتحدد لها مضمونها وآفاقها وهي:

أولًا: الإنسان كائن اجتماعي أصيل

يعرّف ناصيف نصار الإنسان فلسفيًا بأنه «كائن اجتماعي يمارس اجتماعيّته وفقًا لعلاقات الجدليّة بين الفرد والجماعة، بالمعنى الواسع لهذه الكلمة (أي كلمة «جماعة»)…»[2]. وعلى هذا الأساس، ينظر ناصيف نصار إلى الإنسان ككائن يجمع في طبيعته وصفته الأصلية ما بين الفرد من جهة والعضو المحكوم بالانتماء عضويًا إلى وجود اجتماعي (أي مجتمع) خاص ينتسب من خلاله إلى الأسرة البشرية الجامعة والشاملة كونيًا[3].

ثانيًا: الوجود الاجتماعي للإنسان مركّب من كيانات متعددة متفاوتة الاتساع والأهمية

يُصرّح ناصيف نصار في متن نصّ منشور له بأن «اجتماعيّة كل فرد من أفراد البشر لا تلقي به في خِضَمّ البشرية بأسرها بصورة مباشرة، بل تجعله يشعر بوحدة المصير البشري بواسطة مُتَّحَدات [جمع مُتَّحَد أي كيان اجتماعي قائم بذاته] مُتَدَرِّجة اتّساعًا حتى البشرية بأسرها.[4]«

وهذا ما يُسْتَدَلّ منه مباشرةً بأن ناصيف نصّار يجعل من الوجود الاجتماعي للإنسان مُرَكّبًا من سلسلة كيانات أو مُتّحَدات متفاوتة الحجم والاتساع والأهمية، تتدرّج صعودًا من العائلة وصولًا إلى الأسرة الإنسانية الشاملة كونيًا مرورًا بالمجتمع الوطني أو المجتمع – الدولة[5].

الجدير بالتنويه هنا أن ناصيف نصّار قد فرّق المُتّحَد أو الكيان الاجتماعي عن بقية الجماعات الجزئية من الأفراد المجتمعية مطلقًا عليه مُصْطَلَح «المجتمع» الشائع[6]، ومُعَرِّفًا إياه بأنه «واقع (اجتماعي) كُليّ يشمل جميع الأشكال الاجتماعية (عائلة، قرية، مدينة، المجتمع – الأمة، المجتمع الوطني أي الشعب…)، فهو أكبر من الجماعات (الجزئية) وأغنى وأتمّ وأقوى. إنه الواقع البشري الذي يؤلّف بأفراده وجماعاته، على اختلاف أنواعها وأدوارها، كلًا واحدًا مترابطًا يعمل على تأمين حياته وازدهارها بصورة مستمرة في إطار جغرافي معيَّن. ينطبق هذا التعريف أحسن ما ينطبق على المجتمع – الأمة لكنه ينطبق أيضًا على العائلة والقرية والمدينة، كما ينطبق على كيانات أوسع على العائلة والقرية والمدينة، كما ينطبق على كيانات أوسع من الأمة …»[7]. وهكذا، يتميّز المجتمع لدى نصار عن الجماعة الجزئية بأنه كليّ الأبعاد (أي شامل)، وهو ما يجعل منه كيانًا اجتماعيًا قائمًا في ذاته (ولو نسبيًا)، ويستوعب في داخله الأفراد وما يُشكّلونه من جماعات وفئات جزئية، فيعلوهم ويعلوها جميعًا[8].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 539 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 539 كانون الثاني/ يناير 2024

كتاب ذات صلة:

الإنتاج الفلسفي في الفكر العربي المعاصر في أطروحات ناصيف نصار

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

شادي الطبر: باحث وطالب دكتوراه في الجامعة اللبنانية، قسم الفلسفة.

[1]   أحمد عبد الحليم عطية، «مغامرة ناصيف نصار الفلسفية،» ص 16 و37، وعصام الدين هلال، «التربية والعقل الملتزم: مداخلة تربوية في فكر ناصيف نصار،» في: أحمد عبد الحليم عطية [وآخرون]، طريق الاستقلال الفلسفي (باب الحرية): قراءات نقدية في فكر ناصيف نصار، إشراف وتقديم أحمد عطية، أوراق فلسفية؛ الكتاب 2 (القاهرة: منشورات الاتحاد العربي للجمعيات الفلسفية، 2004)، ص158.

[2]    ناصيف نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2013)، ص 143 – 144، وشادي الطبر، «فلسفة الطائفية في لبنان بين كمال الحاج وناصيف نصار،» (رسالة ماستر في الفلسفة، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2015-2016)، ص 63.

[3]   الطبر، المصدر نفسه، ص 63 – 64، ونصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل، ص 57 – 58.

[4]   نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل، ص 57 – 58.

[5]  المصدر نفسه، ص 57-58؛ الطبر، المصدر نفسه، ص 69، وناصيف نصار، نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي، ط 5 (بيروت: دار الطليعة، 1995)، ص 82.

[6]   الطبر، المصدر نفسه، ص 69 و208 – 209، ونصار، نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي، ص 86.

[7]   نصار، نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي، ص 85.

[8]   المصدر نفسه، ص 86، 89-90 و133؛ ناصيف نصار، الفلسفة في معركة الأيديولوجيّة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 1986)، ص 86-87، والطبر، المصدر نفسه، ص 69 و208 – 209.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز