مقدمة
تستثمر هذه الورقة «الجهاز المفاهيمي» لما بات يُعرف بدراسات الانتقال الديمقراطي، وهو فرع حظيَ من داخل العلوم السياسية، في العقود الثلاثة الأخيرة، بأهمية متزايدة، فضلًا عن أنه مثّل محور استعراض لمقاربات تخصصية مختلفة تمتد من العلوم القانونية إلى السوسيولوجيا وعلم النفس وأدب السجون والتاريخ… إلخ. من هذه المفاهيم: التحول الديمقراطي؛ الانتقال الديمقراطي؛ العدالة الانتقالية؛ الإصلاح السياسي، الإصلاح الدستوري، والهندسة الدستورية، وغيرها. ولتقريب موضوعها أكثر، انصبّ الاهتمام بداية على استرجاع أهم مراحل تطور الإصلاح السياسي والدستوري في المغرب منذ إعلان الاستقلال حتى تعديل دستور 2011، مع وصف مُركّز للمحطات الفاصلة في تاريخ الصراعات السياسية ما بين السلطة الملكية وقوى المعارضة الإصلاحية، ثم تحليل أهم النتائج التي ترتّبت عنها، سواء على مستوى خصوصية المقاربات، أو على صعيد المخارج المقترحة لتصفية تركة الماضي الاستبدادي، أو ما تعلّق منها بتبنّي خيار التوافقات والمداخل المؤسساتية لتطبيق العدالة الانتقالية. ولفهم أفضل للرهانات التي انطوت عليها مسيرة الإصلاحات المتعاقبة، ستتوقف الدراسة بتحليل مركّز عند السياقات والظروف المحلية والدولية التي رجّحت جُنوح النظام المغربي إلى تبنّي «انتقال ديمقراطي» مُراقب، ومدى استجابة المقاربة المغربية للعدالة الانتقالية لمتطلبات ومقوّمات التحول الديمقراطي، وبخاصة ما يتعلق بالضمانات المؤسساتية والدستورية، وإصلاح حقيقي لمنظومة الحكم في شموليته. وستتقدم الدراسة في الاتجاه نفسه عبر استذكار سريع بالإطار النظري للهندسة الدستورية والإصلاحات السياسية، وتحليل السياقات التاريخية والسياسية التي تم ضمنها وضعُ الدساتير من سنة 1962 إلى سنة 2011، ثم استرجاع أهم ما راج في النقاشات الفقهية والسياسية حول طريقة وضعها وهندستها وشمولها للحريات والحقوق، وعلاقتها بالالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، وطبيعة نظام الحكم، ومسألة الهوية والمرجعية الدينية، وسمُوّ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على القوانين الوطنية… إلخ. وفي الأخير ستمُرّ الدراسة على نوع من التحليل المقارن لتجربة العدالة الانتقالية في المغرب، ومكانة الوثيقة الدستورية في تأمين انتقال ديمقراطي فعلي يعكس الإرادة الشعبية ويترجم التزام الدولة بأسس التعاقد السياسي، وتوفير الضمانات القانونية والسياسية لِطيّ صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبالتالي ترجمة التوافقات المعلنة في مقتضيات دستور ديمقراطي شكلًا ومضمونًا.
أولًا: الإصلاحات السياسية والدستورية بين التراكم والهدر
إن تقييم مسلسل الإصلاحات السياسية والدستورية في ضوء المعايير الدولية يجعل من الصعوبة بمكان الحكم لمصلحة النموذج المغربي في مضمار الانتقال الديمقراطي، أو حتى حسبانه الأفضل أفريقيًا أو عربيًا، سواء نظرنا إلى الأمر من زاوية المنجز فعليًا منذ تدشين ورش «المصالحة» وإرساء هيئة الإنصاف والمصالحة في كانون الثاني/يناير 2004، السنة التي أصبح فيها للمغاربة أيضًا مدونة جديدة للأسرة؛ أو من زاوية ما انتهت إليه تجرية «التناوب التوافقي» من فشل وارتباك وتراجعات بعد تولّي الملك الحالي العرش مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي، ومحدودية المكتسبات المحقّقة، وطبيعة الآليات والأدوات التي تم الاستناد إليها في تصور وتخطيط وإطلاق مسلسل الانتقال الديمقراطي «على الطريقة المغربية»، أو كذلك من الطريقة الفوقية التي تم انتهاجها من جانب النظام على نحو منفرد لتجاوز هبّة 2011 والالتفاف على المطلب التاريخي لحركية الإصلاح السياسي والدستوري المتمثل بإرساء «ملكية برلمانية» يسود فيها الملك ولا يحكم.
1 – المسألة الدستورية وسياسة الإصلاح المراقب
بعد أشهر قليلة من حصول المغرب على «استقلاله»، دخل حقبة البحث عن هوية نظامه السياسي من بوابة الفكر الدستوري، بالرغم من أنه لم يغيّر شيئًا من طبيعته الموروثة كنظام ملكي. تميزت هذه الحقبة بسباق وصراع محمومين بين القصر وأحزاب «الحركة الوطنية» من أجل السلطة والسيطرة على المؤسسات السياسية[2]. كان «حزب الاستقلال»، المهيمن على الواجهة السياسية للحركة الوطنية المقربّة من القصر، قد وجّه أول مذكرة إلى الملك محمد الخامس بتاريخ 22 نيسان/أبريل 1958 ركزت على تحديد أجل الانتخابات الجماعية، غير أنها تجنّبت إثارة المسألة الدستورية، بينما قاد عبد الله عبد إبراهيم، رئيس التيار اليساري المنشق عنه، الذي أنشأ حزب «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، أول حكومة وطنية من دون اشتراطات دستورية، قبل أن يفطن إلى الأمر قُبيل حلّ الحكومة وبداية شدّ الحبل مع الملك الجديد، الحسن الثاني. وإذا كانت وثيقة «مطالب الشعب المغربي»، التي وجّهتها «كتلة العمل الوطني» سنة 1934 إلى سلطات «الحماية» الفرنسية، تضمّنت ما يصبُّ في اتجاه الإصلاحات السياسية والدستورية غير الناضجة، فإن المطلب الدستوري في المحطة التالية للمطالبة بالاستقلال تم استبعاده نهائيًا، إذ تجنّبت وثيقة المطالبة بالاستقلال (11 كانون الثاني/يناير 1944) الإشارة إلى طبيعة الحكم والدستور[3]، أولًا بسبب وجود توافق مسبق بين الملك محمد الخامس وبين القطب المحافظ المهيمن على تركيبة الشخصيات الموقعة الوثيقة، وثانيًا لأن الحركة الوطنية كانت «منشغلة أكثر بتقاسم السلطة من مساءلة أسسها»[4].
وبعد «الاستقلال» سيقبل قادة الحركة الوطنية العمل من داخل مؤسسات غير دستورية أو خاضعة لمطلق سلطة السلطان، حيث ترأس المهدي بنبركة، الذي سيتحول إلى أشهَر وأشرس معارض للحسن الثاني قبل اغتياله في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1965 في منفاه في باريس، المجلس الوطني الاستشاري المنشأ بمقتضى ظهير ملكي في آب/أغسطس 1956، وكذلك سيترأّس علال الفاسي المجلس الدستوري المحدث بظهير 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1960. وبعد صدور مذكرة حزب الاستقلال المشار إليها، أصدر محمد الخامس في 8 أيار/مايو 1958 «العهد الملكي» في خطابه لملء الفراغ الدستوري وتثبيت السلطة الملكية، وهو ما سيستفيد منه وريثه الحسن الثاني على نحوٍ أفضى إلى استفراده بالحكم لأزيَد من أربعة عقود متتالية.
أعادت الكتلة الوطنية المؤسسة في 22 تموز/يوليو 1970 مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي إلى واجهة الصراع السياسي في ظرفية ملتهبة تميزت بالقمع وتضييق الخناق على الأصوات المعارضة الإصلاحية منها والراديكالية، والعودة إلى ما يشبه حالة استثناء غير معلنة، بعد فرض حالة الاستثناء الأولى بصفة رسمية في إثر الانتفاضة الشعبية التي هبّت بالدار البيضاء في 23 آذار/مارس 1965، وتعليق الحياة النيابية، وتعطيل العمل بدستور لم يُعمّر سوى بضعة أشهر[5]، لكن من دون جدوى. فقد جاء دستور 31 أيلول/سبتمبر 1970 متراجعًا حتى عن سلفه الممنوح، وعلى بعد أشهر من بداية أزمة داخلية للنظام تجلّت في تجدّد محاولات الانقلاب العسكري، وهو ما دفعها إلى مقاطعته وتعليق مشاركتها في الانتخابات التشريعية المُقامة على أساسه، وستكون هذه المرة الأولى والأخيرة التي تُسجل فيه هذه القوة السياسية الانسجام بين الموقفين الدستوري والسياسي. وقد عاد الملك ليُجرّب إقناع «الكتلة الوطنية» بمباركة مراجعة دستوره السابق، لكن انفراده بالإعلان عن الاستفتاء على تعديل فاتح آذار/مارس 1972 قاد إلى تجدّد الفتور في علاقتهما من دون أن يصل إلى درجة القطيعة، مع أن العمل بالدستور المعدّل لم يبدأ فعليًا إلا بعد خمس سنوات بانتخاب مجلس النواب في تموز/يوليو 1977، ثم سرعان ما سينجح الملك في استدراجها إلى رحاب «مسلسله الديمقراطي» المزعوم، مستغلًا التعبئة حول قضية الصحراء، وبخاصة بعد المنعطف الذي دخله الجناح اليساري بخروج أغلبية منه إلى خيار النضال الديمقراطي (المؤتمر الاستثنائي الذي انبثق «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» منه سنة 1975)، والقطيعة مع الاختيار الثوري (خط المهدي بنبركة والفقيه البصري)، ومع الميراث الإصلاحي الجذري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية (المجلس التأسيسي…).
كانت الموجة الأولى من الإصلاحات الدستورية (1970 و1972)، بعد أول دستور ممنوح أعطى للوزير الأول السلطة التأسيسية الفرعية (الفصل العاشر)، إلى جانب البرلمان، ليأخذها منه بعد ذلك، قد انتهت بتكريس ملكية رئاسية تتصرف بأبوية مفرطة وترفض مشاركتها السلطة والحكم. لم تُغيّر المعارضة الإصلاحية من أسلوبها في المطالبة بالإصلاح السياسي في ما تبقى من زمن الصراع مع النظام القائم، عدا محطات قليلة تمرّد فيها جناحها اليساري على الموروث التقليدي والمحافظ من دون أن ينجح في الوفاء لمطالبه (المجلس التأسيسي، ملكية برلمانية…)، بل انتهت تلك المعارضة بإسكات الأصوات النقدية بداخلها وشجبتها بقوة بدايةً من منتصف التسعينيات من القرن الماضي عندما قبلت بالتصويت بـ«نعم» لدستور 1996، بل إن بعض مكوناتها لم تجد حرجًا في المشاركة في مؤسسات منبثقة من دستور لم تُصوّت لفائدته (1992)، فحدث مثلًا أن ترأّس قيادي من «الاتحاد الاشتراكي» مجلس «الشباب والمستقبل» في تناقض صارخ بين المواقف والممارسات.
وحتى بعد الإعلان عن تأسيس «الكتلة الديمقراطية» في أيار/مايو 1992، تحاشت أحزابها استثمار الوضع المتأزم وضعف النظام للمطالبة بإصلاحات جذرية على طريق التحول الديمقراطي، بدلًا من ذلك عادت إلى أساليب الاستجداء من طريق المذكرات الموجهة إلى الملك، حتى إنها لا تعكس مطالب تستدعي ردًا واضحًا من جهة محددة بدقة، وتوحي بوجود ضغط وقوة وراءها، وتترك الانطباع لدى الناس بأنها في الواقع لا تُفاوض خصمًا أو طرفًا محددًا، بل تتشاور معه بإرادته في أحسن الأحوال من دون شروط أو ضغوط[6]. والأدهى أن المراجعة الدستورية 4 أيلول/سبتمبر 1992 لم تأتِ بما تشتهيه «الكتلة» الجديدة، ولا جاءت الانتخابات الجماعية والتشريعية بعدها (1992 و1993) نزيهة وشفّافة كما كانت تحلم، وحتى التماسها لملكية مُتخفّفة قليلًا من ممارسة الحكم بتخويل بعض سلطاتها للوزير الأول، وجعل تأليف الحكومة منبثقًا من أغلبية برلمانية، كما وردت في مذكرتها في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1992، وقبلها بمذكرة حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي التي قُدّمت سريًا في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1991، تحول إلى سراب بعدما قامت بتزكية العملية السياسية المنبثقة من الدستور المعدل بصيغته الممنوحة، على نحو غير مسبوق من الانتهازية السياسية والتناقض الصارخ بين الخطاب والممارسات السياسية.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 539 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.
[1]عبد المجيد السخيري: كاتب ناقد وباحث في الفلسفة والعلوم السياسية والجماليات – المغرب.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



