تمهيد

يُعَدُّ الصراع العربي – الصهيوني، الذي أصبح يُختصر من جانب أوساط كثيرة بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، المتجذِّر بعمق في المظالم التاريخية التي تعرَّض الشعب الفلسطيني لها، أكثرَ صراعات عصرنا تعقيدًا وأطولَها أمدًا؛ فمُذ حُرِم الشعب الفلسطيني أرضَه وحريتَه على يد الاستعمار البريطاني، الذي منح اليهود بموجب وعد بلفور حقَ إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، وما تلاه من سياسات الانتداب البريطاني ودعم إنشاء الكيان الإسرائيلي الغاصب وإقرار خطة أممية للتقسيم، لم يلقَ الشعب الفلسطيني عمليًا سوى المزيد من ضياع حقوقه في أبشع عملية استيطان عنصري واقتلاع قسري تعرّض له شعب في التاريخ الحديث.

إن الفهم الموضوعي لما يجري اليوم في فلسطين المحتلة يقتضي الإحاطة بجذور المشكلة التي تعود إلى أوائل القرن العشرين، لكنها من ناحية أخرى تنطوي على عوامل وأبعاد حضارية ودينية وثقافية عميقة الجذور لا يمكن تجاهلها. كما أن القضية الفلسطينية، منذ بداية وجود الكيان الغاصب، لم تعد مجرد قضية لشعب فلسطين أو مجرد عملية اغتصاب لأرض ووطن من سكانه الأصليين، بل صارت قضية عالمية ذات أبعاد تاريخية وسياسية واجتماعية وعالمية معقدة.

ومع أن الصراع في جوهره هو بين هويتين وإرادتين لا مجرد صراع على الأرض، فقد تفاقم بسبب فرض إسرائيل كيانًا عنصريًا استيطانيًا غير مشروع في عام 1948. وبفعل الحروب اللاحقة التي أدت إلى عمليات نزوح جماعية واستمرار الأعمال العدائية والانتهاكات المتواصلة للقانون والقيم الإنسانية، فقد أصبح للقضية جوانب ومستويات تتصل بالصراع العالمي أيضًا، وهو يتطلب الخوض في النسيج المعقد للموروثات الاستعمارية، والمصالح الجيوسياسية، والأهمية الدينية المرتبطة بالأرض، وسلسلة من عمليات السلام الفاشلة، لكن حدود هذه الدراسة وتركيزها على المستقبل يجعل تناول ذلك غير ممكن.

أولًا: تعثر جهود السلام
منذ اتفاقات أوسلو (1993-1995)

بصرف النظر عن سلسلة متواصلة من القرارات التي اتخذتها منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في شأن القضية الفلسطينية وتأكيد المحافل والمنظمات الدولية المستندة إلى القانون الدولي ومبدأ تقرير المصير أحقيةَ الشعب الفلسطيني في استرداد أرضه وإقامة دولته، فإن قيادات الشعب الفلسطيني وبعد سنوات من العمل النضالي بمختلف أدواته، قبلت الحلول السلمية التي اقترحتها قوى عالمية وإقليمية مختلفة.

بل إن من قيادات العمل الوطني الفلسطيني من قبلت بخفض سقف الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقبلت بالتفاوض مع العدو ضمن صفقة الأرض مقابل السلام التي كانت اتفاقيات أوسلو الترجمة العملية لها. هدفت اتفاقيات أوسلو إلى حل الصراع من خلال إنشاء السلطة الفلسطينية وتحديد عملية الحكم الذاتي. ومع ذلك، لم تعالج الاتفاقيات على نحو كامل القضايا الأساسية مثل الحدود واللاجئين ووضع القدس. هكذا، أدى الفشل في التوصل إلى اتفاق الوضع النهائي والإحباط من استمرار الاحتلال، إلى اندلاع الانتفاضة الثانية (2000-2005). لكن تلك الانتفاضة والصلف الإسرائيلي قادا إلى فصل قطاع غزة والضفة الغربية في عام 2007، حيث أدت الانقسامات الفلسطينية الداخلية بين فتح وحماس إلى سيطرة الأخيرة على قطاع غزة، في حين حافظت فتح على سيطرتها في الضفة الغربية[2].

ومع ذلك، فالواقع هو أن إسرائيل تستمر في بناء المستوطنات في انتهاك صارخ لحقوق الفلسطينيين ولاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر صراحةً نقل السكان المدنيين التابعين لقوة الاحتلال إلى الأراضي التي تحتلها هذه الدولة. أما السلطة الفلسطينية فلم تتجاوز مهمتُها الترتيباتِ الأمنيةَ مع العدو بينما تزداد كل يوم الاعتداءات على حقوق الفلسطينيين والقيود المفروضة على حركتهم. ولعل الأسوأ ذكرًا هو جدار العزل المعروف. إن ضم إسرائيل القدسَ الشرقية، الذي أدانه المجتمع الدولي، يمثل انتهاكًا صارخًا للقواعد القانونية المعمول بها. ويستمر وضع مدينة القدس موضوعًا للصراع، وتصر دولة الاحتلال الغاصب بدعم غربي على تجاهل ذلك لتجعل من القدس عاصمة لها. لذلك اتخذت عمليات المقاومة «طوفان الأقصى» شعارًا لها تعبيرًا عمّا للقدس من أهمية دينية وتاريخية وثقافية عميقة لدى الشعب الفلسطيني.

ليس ذلك وحسب، بل يصر الكيان الغاصب على إقرار سياسة ومبدأ الدولة العرقية العنصرية وفقًا لفكرة يهودية الدولة التي تعني أنه في نهاية المطاف لا مكان للفلسطينيين في أرضهم إطلاقًا[3]. وفي حين تستمر محنة اللاجئين، يرفض الكيان الغاصب الإقرار بحقهم في العودة ويفشل المجتمع الدولي منذ ثلاثة أرباع القرن في إنهاء محنتهم وفقًا لمقتضيات الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، والتشديد على حقهم في العودة والتعويض.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 546 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 546 آب/أغسطس 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

الصورة من رويترز.

[1]يوسف محمد الصواني: أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس – ليبيا.

[2]   انظر عرضًا مختصرًا لمسار القضية الفلسطينية بعد أوسلو، في: عبد القادر عبد العالي، «طوفان الأقصى: بين مأزق القضية الفلسطينية والدولة الكولونيالية الإسرائيلية،» المستقبل العربي، السنة 46، العدد 542 (نيسان/أبريل 2024)، ص 32-34.

[3]   يوسف تيسير جبارين، «قانون الدولة القومية والفوقية اليهودية قانون القومية،» قضايا إسرائيلية، السنة 14، العدد 56 (شتاء 2014)، <https://www.madarcenter.org/files/475/–56/711-pdf>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز