مقدمة

تعَدّ الولايات المتحدة الداعم الرئيسي والأقوى لإسرائيل منذ تأسيسها في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948 إلى الوقت الراهن، ومن فرط التزام الولايات المتحدة حماية أمن إسرائيل وبقائها يحسبها البعض بمنزلة الولاية 51 للولايات المتحدة، وذلك راجع إلى عدة اعتبارات رئيسية أبرزها التوجهات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها ونفوذها، فإسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي ضرورة ينبغي أن تكون وتستمر، لذلك تحرص على ضمان ميزان القوة لمصلحة حليفتها دومًا في منطقة الشرق الأوسط، من خلال تزويدها بأحدث الأسلحة العسكرية اللازمة، إضافة إلى قوة اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة الذي يعمل باستمرار للضغط من أجل مصالح إسرائيل والتصدي لأي سياسة معادية، ومن ثم فالعلاقة بين الطرفين معلومة منذ القدم ولا أحد يمكنه أن يشكك في ذلك، لكن أن تعدّ ألمانيا أمن إسرائيل وبقاءها من أمنها القومي، فهذا أمر يطرح مجموعة من التساؤلات.

تحاول هذه الورقة التركيز على علاقة ألمانيا بإسرائيل وفهم ما وراء دعمها اللامشروط، حتى لو تعلق الأمر بجريمة إبادة ضد شعب أعزل، فهرولة ألمانيا إلى إدانة حماس وأحداث طوفان الأقصى، والتشديد على دعم إسرائيل في الدفاع عن نفسها كيفما رأت ذلك مناسبًا، أعاد إلى الواجهة الدور الألماني في بناء دولة إسرائيل منذ تأسيسها، وبالتالي ضرورة تسليط الضوء على طبيعة هذه العلاقة لفهمها أكثر، فالقارئ العربي يجب أن يعلم أن موضوعات حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي والديمقراطية وغيرها، لا ينبغي أخذ الدول الغربية كمرجع يحتذى فيها، لأنها تكيل بمكيالين، بحيث إنه لو كانت الصين أو روسيا على سبيل المثال هي من تقصف وتبيد شعبًا معينًا، لكانت تلك الدول الغربية هي السباقة في فرض العقوبات والظهور بمظهر الحامي والمنقذ، لكن إذا تعلق الأمر بإسرائيل فالأمر يختلف تمامًا.

تكمن الإشكالية المحورية، التي تحاول الورقة الإجابة عنها في ما وراء دعم ألمانيا اللامشروط لإسرائيل حتى لو تعلق الأمر بارتكابها جريمة إبادة جماعية، فهل حقًا يستحق دعم إسرائيل مخاطرة ألمانيا بسمعتها ومكانتها في مجال حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن ألمانيا أن تكفّر عن ذنوب المحرقة «الهولوكوست» بالمساعدة على إبادة شعب آخر؟

أولًا: العلاقة الألمانية – الإسرائيلية بين الماضي والحاضر

ترجع العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل إلى ما قبل تأسيس إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخصوصًا في الحقبة التي حصل فيها الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر على السلطة في ألمانيا، ما بين عامي 1933 و1945، حيث مارس الحكم النازي آنذاك عمليات الاضطهاد والقتل الممنهج التي شملت أيضًا اليهود بدرجة كبيرة. وقد كان الغرض من هذا النهج النازي هو التخلص ممن يعدّون دون البشر، للحفاظ على العرق الألماني النقي، فكان اليهود مستهدفين بصورة واضحة في تلك الحقبة بالإبادة، أو ما يعرف بالهولوكوست أو المحرقة، التي راح ضحيتها عدد كبير من اليهود[2]. واستمرت الحال على هذا المنوال إلى حين هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية ووضع حد لحكم النازية، لتظهر بعد ذلك بوادر علاقات جديدة بين ألمانيا واليهود الذين رفضوا فكرة ألمانيا اتخاذ مدغشقر موطنًا لهم، وفضلوا إقامة دولتهم في الأراضي الفلسطينية، مباشرة بعد انتهاء الانتداب البريطاني عليها سنة 1948.

كانت حقبة ألمانيا النازية تمثل مأساة عظيمة لدى اليهود من الصعب نسيانها بسهولة، لكن بمجرد إعلان دولة إسرائيل حرصت ألمانيا على التكفير عن ماضيها ببناء علاقات متينة معها وجبر الضرر الذي أحدثته النازية، وخصوصًا أن إسرائيل دولة حديثة ستكون بحاجة إلى حلفاء يساعدونها على النمو، في ظل نطاق إقليمي يرفض قيام دولة إسرائيل على أراضٍ ليست لها. فبالرغم من كون ألمانيا قد خرجت للتوّ منهارة ومنهكة في تداعيات الحرب العالمية الثانية، فإن الظروف الدولية المستجدة كانت فأل خير لتحررها اقتصاديًا مجددًا، بحيث إن بوادر تغيُّر بنية النظام الدولي باتجاه الثنائية القطبية وانضمام ألمانيا الشرقية إلى معسكر الاتحاد السوفياتي، فرض على الحلفاء دعم ألمانيا الغربية وضمها إلى المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، لذلك فإن العلاقة بين إسرائيل وألمانيا سوف نتطرق إليها في مرحلتين:

1 – ألمانيا الغربية ودعم بناء دولة إسرائيل

لم يكن التأسيس لعلاقات رسمية بين الطرفين أمرًا ميسرًا، إذ طالبت إسرائيل حلفاءها الغربيين (الولايات المتحدة وبريطانيا) بالضغط على ألمانيا وعدم دعمها إلى حين دفعها تعويضات مهمة عن مخلفات الحقبة النازية، كما أن اليهود رفضوا رفضًا قاطعًا التفاوض مع من وصفوهم بالقاتلين، لكن على الرغم من كل تلك الضغوط تم التوصل إلى اتفاقية بين إسرائيل وألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) سنة 1952، تدفع ألمانيا الغربية بموجبها 3000 مليون مارك ألماني (العملة المعتمدة آنذاك) لمصلحة إسرائيل في غضون 12 سنة[3].

تعاملت إسرائيل بنوع من الذكاء في وضع بنود الاتفاقية، فهي لم ترد الحصول على التعويضات كلها في صيغتها المالية فحسب، وإنما شملت السلع والخدمات أيضًا، إذ تم الاتفاق على تعامل إسرائيل مع الشركات داخل ألمانيا الغربية وتلقي مدفوعاتها مباشرة من الحكومة الألمانية، إضافة إلى سداد ثلث المدفوعات لشركات النفط البريطانية التي تشحن النفط نحو إسرائيل.

إذًا، الغرض الذي ابتغته إسرائيل من تلك الاتفاقية هو تطوير بنيتها التحتية والنهوض باقتصادها، نظرًا إلى طبيعة إقليمها المجاور الرافض تمامًا لقيام دولة «إسرائيل» عبر احتلال أرض فلسطين العربية، وهو ما فجّر صراعًا عربيًا – إسرائيليًا لا يزال قائمًا إلى الوقت الراهن، فالضغط العربي على إسرائيل جعل اقتصادها ضعيفًا نوعًا ما، زد على ذلك أن التراجع الحاد في قطاع الطاقة الكهربائية عمّق الوضع أكثر فأكثر وأدخل الاقتصاد الإسرائيلي في حالة سيئة جدًا، لكن الالتزام الألماني بالوقوف إلى جانب إسرائيل ومحو الماضي النازي، كان بمنزلة جرعة الحياة للإسرائيليين، فقد قامت ألمانيا الغربية ببناء وتركيب خمس محطات للطاقة، ساهمت في تضاعف قدرة التوليد أربع مرات في «إسرائيل»، وذلك بين عامي 1953 و1956 [4].

تطور دعم ألمانيا الغربية لإسرائيل ليشمل قطاع السكك الحديد، وأنظمة الهاتف والتلغراف، ومعدات استغلال المعادن والتنقيب عنها، علاوة على ذلك، قام الألمان الغربيون بتوسيع ميناء حيفا ورفع تصنيفه الدولي، كما مدوا 280 كم من الأنابيب العملاقة لري النقب[5]، وغير ذلك من آليات ووسائل الدعم القوي لبناء دولة إسرائيلية قوية ومتماسكة في محيطها الإقليمي.

وفي ما يتعلق بالجانب العسكري، كان دعم ألمانيا الغربية العسكري للكيان الصهيوني سخيًا ومؤثرًا لخلق الفارق وإحداث تفوق في ميزان القوى الإقليمي لمصلحة «إسرائيل»، وصمودها وانتصارها في الحروب التي تخوضها ضد العرب، فقد كان الدعم السري لإسرائيل في بداية الستينيات يتم بمنحها مجموعة من المعدات والأسلحة العسكرية[6]، تمثلت بـ200 دبابة، و50 طائرة، وصواريخ مضادة للطائرات، وصواريخ مضادة للدبابات، وشاحنات عسكرية، وغيرها من المعدات التي ساعدت على تفوُّق الجيش الإسرائيلي، ناهيك بدورات التدريب والتكوين التي تلقاها على يد الألمان الغربيين. تؤكد هذه العناصر مجتمعة أن الداعم الأساسي لإسرائيل في حسم الحرب العربية – الإسرائيلية سنة 1967، هو ألمانيا الغربية لا الولايات المتحدة الأمريكية[7].

من ناحية أخرى، اعترف كونراد أديناور (Konrad Adenauer)، وهو أول مستشار لألمانيا الغربية، بالجرائم المرتكبة ضد اليهود في الحقبة النازية، وأكد ضرورة إصلاحها إذا أرادت ألمانيا استعادة مكانتها الدولية[8]، وخصوصًا أنه لا يمكن الاستهانة بقوة اليهود، ولا سيما في أمريكا، وهو المسار نفسه الذي ذهب فيه جل مستشاري ألمانيا بعد سقوط جدار برلين إلى وقت حدوث طوفان الأقصى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 544 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 544 حزيران/يونيو 2024

كتب ذات صلة:

غزة: بحث في استشهادها

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

[1]عبد الصمد فاضل: باحث في جامعة القاضي عياض مراكش- المغرب.

[2] لا يوجد عدد حقيقي أو رسمي لعدد ضحايا الهولوكوست اليهود، فالمزاعم التي تدعي أنه تمت إبادة 6 ملايين يهودي، أو أقل من ذلك أو أكثر، هو ادعاء مبالغ فيه لا يعدو أن يكون بروباغندا إعلامية لتضخيم العدد لأغراض غير معلنة، ساهمت في بسط اليهود نفوذهم حول العالم واتهام من يعاديهم بمحاربة السامية.

[3] الاتفاقية مسجلة لدى الأمم المتحدة تحت الرقم 2137، ولمزيد من الاطلاع حول بنودها، انظر: <https://tinyurl.com/bdaanfk3>.

[4]           انظر: Kenneth M. Lewan, «How West Germany Helped to Build Israel,» Journal of Palestine Studies, vol. 4, no. 4 (Summer 1975), p. 42.

[5]           Ibid., p. 43.

[6] Ofer Aderet, «How Israel Tried to Conceal Its Biggest Arms Deal with Germany,» Haaretz, 27/2/2014, <https://tinyurl.com/2s4kw3av> (Last Accessed 18 January 2024).

[7] انظر: Daniel Marwecki, Germany and Israel: Whitewashing and Statebuilding (New York: Oxford University Press, 2020), p. 7.

[8]           Ibid., p. 15.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز