لم تكن تجربة الأربع سنوات الأخيرة من تاريخ الوطن العربي مجرد مرحلة عابرة سيطويها الزمن بسهولة، بل كانت واحدة من أهم لحظات التاريخ العربي المعاصر الذي سيكون لها ما بعدها، على الرغم من أن مياهاً كثيرة قد جرت تحت الجسر منذ تفجر الثورة التونسية المجيدة في نهاية 2010، وانتصارها المظفّر بهروب الدكتاتور المخلوع بنعلي يوم 14 كانون الثاني/يناير 2014، ثم انتشار تأثيرها كما تنتشر النار في الهشيم، حاصدة معها مستبدّيْن آخريْن في مصر وليبيا واليمن .. وموقظة آمال باقي العرب في الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والكرامة.

لكن سفينة التغيير لم تصل إلى مرفئها بأمان، بل واجهتها رياح عاتية من التدخل الخارجي، ومن تَمَنُّع الدولة العقيمة وأركانها، وكذا من أخطاء القوى الجديدة التي صعدت بها الثورات إلى سطح الأحداث؛ فبعد مرحلة الأحلام والنهوض، وإمساك قوى الثورة والتغيير بزمام المبادرة، عاش الوطن العربي في السنة الأخيرة مرحلة التراجع والسقوط، حيث استعادت قوى التسلط والاستبداد والثورة المضادة توازنها، وبدأت تسيطر تدريجياً على الأوضاع في الأقطار التي عرفت ثورات، ولم ينجُ من هذا الوضع إلا تجربة تونس اليتيمة التي استطاعت أن تخرج من عنق الزجاجة، وتؤسس لتجربة محترمة في الانتقال الديمقراطي جنّبت الشعب التونسي ويلات السقوط في شَرَك التسلط أو الفوضى، في حين آلت باقي النماذج الأخرى إلى دول فاشلة يسودها الإقصاء والفوضى والحروب الأهلية والطائفية البغيضة.

لذا لن نستغرب أن تكون هذه السنة ضائعة من عمر أمتنا في نضالها الطويل من أجل الديمقراطية والكرامة واحترام حقوق الإنسان.

وإذا سلّمنا جدلاً بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يعودا اليوم مجرد شرط تكميلي للأمم والشعوب التي تحترم نفسها، بل أضحيا ضرورة وجودية للوطن العربي حتى يستطيع استنهاض جهود الأمة في التنمية والتقدم وبناء نموذج نقدمه للعالم، كما يشير إلى ذلك المشروع النهضوي العربي الذي جعل من الالتزام بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لَبِنة من لبناته الأساسية، حتى تستأنف دورها في التاريخ خدمة لأبنائها وللإنسانية جمعاء، تماماً مثلما أصبح مؤشر الالتزام بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان معياراً أساسياً في اعتبار تقدم الأمم ونهضة شعوبها.

وعلى هذا الأساس، فإن رصد التطورات الحاصلة في هذا المجال، بين دورتي انعقاد المؤتمر، يجعلنا ننطلق من مجموعة من المؤشرات المتعارف عليها (على الأقل في حدودها الدنيا)، والتي يمكننا عبرها أن نقيس مستوى التطور أو التراجع عن هذا المستوى. وهي مؤشرات صارت معتمدة عند غالبية الباحثين المهتمين بموضوع الانتقال الديمقراطي أو التحول الديمقراطي، بحسب المفهوم الذي نستخدمه، ومن ضمنها: الانتخابات الديمقراطية باعتبارها جوهر الممارسة الديمقراطية التي تحيل إلى مجموعة من الإجراءات والمؤسسات التي يستطيع الأفراد من خلالها المشاركة في صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرة، بالطبع، تشكّل أساساً لممارسة الشعب لسيادته، لكنها لا تكون انتخابات ديمقراطية إلا إذا سبقها التمتع بحقوق أخرى من قبيل: حرية التعبير، وحرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة، وحرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة، ثم تتويج ذلك بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، لتكون هذه الأخيرة ذروة الديمقراطية وليست بدايتها، ما دامت الانتخابات لا تسبق، وهي لا تنتج، لا الديمقراطية، ولا الحريات، كما يشير إلى ذلك الباحث «روبير دال»[1].

وإذا أردنا الحديث عن شروط أساسية لقيام الديمقراطية، يمكننا اعتماد شروط «ديفيد باتلر» التي تبنتها معه مجموعة من الباحثين حول شروط الانتخابات العامة للديمقراطية، وهي: حق التصويت العام لكل المواطنين البالغين، ودورية الانتخابات وانتظامها، وعدم حرمان أي جماعة من تشكيل حزب سياسي ومن الترشح إلى المناصب السياسية، وحق التنافس على كل مقاعد المجالس التشريعية، وحرية إدارة الحملات الانتخابية في ظل وضع لا يحرم فيه القانون، ولا وسائل العنف، المرشحين من عرض آرائهم وقدراتهم، ولا الناخبين من مناقشة تلك الآراء، وتمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم وسط جو من الحرية والسرية وفرز الأصوات وإعلانها بشفافية، وكذا تمكين المنتصرين من مناصبهم السياسية حتى وقت الانتخابات التالية[2].

وعلى هذا الأساس، يكون الحكام من اختيار الشعب، حيث يشارك المواطنون في صناعة القرار السياسي، وتستند عملية اتخاذ القرار إلى حكم القانون الذي يضعه الشعب بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق نوابه المنتخبين، بما يمكن من تسوية الصراعات السياسية بالطرق السلمية، وضمان التداول السلمي حول السلطة ومحاسبة الحكام، بما يجعل من الانتخابات مصدراً للشرعية السياسية.

كل ذلك يجري، بالطبع، في نطاق دستور ديمقراطي يجعل من الشعب صاحب السلطة الحقيقية، سواء في المرحلة التأسيسية أو في ما بعدها، بحيث يكون الحكام من اختيار الشعب حقيقة، وليس بطريقة شكلية، مثل تلك التي تجري في غالبية الأقطار العربية، مع استثناء وحيد هو تجربة تونس بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 التي أقرّ شعبها بعد مخاض طويل دستوراً ديمقراطياً وانتخابات نزيهة لم يطعن فيها أحد من التونسيين، باستثناء قلّة متطرفة لا تؤمن أصلاً بالديمقراطية، وتعتبرها كفراً يستوجب المواجهة بالعنف والدماء.

كل تلك الضوابط تترابط مع أخرى، مثل احترام الأقليات، واحترام حقوق المرأة، وحرية الولوج إلى المعلومات، وضمان حرية الصحافة والإعلام، واستقلالية السلطة القضائية وفاعليتها، واحترام التعدد والتنوع، واحترام حقوق الإنسان في شموليتها من قبيل تجريم التعذيب والاختفاء القسري وصنوف المعاملة السيئة.. وهي مؤشرات سنعمل على استحضارها في مقاربتنا لسنة مرت منذ انعقاد آخر مؤتمر.

أولاً: الديمقراطية

عرف الوطن العربي طيلة هذه السنة سلسلة من العمليات الانتخابية في اكثر من بلد، طبعتها جميعاً أصناف من الانتهاكات والتجاوزات التي جعلت منها عملية غير نزيهة وفاقدة للمصداقية، مع ما يترتب على ذلك من تأثير سلبي في شرعية العملية السياسية والعلاقات الناظمة بين فرقاء المجتمع .. باستثناء تجربتين اثنتين، إحداهما مؤثرة بحكم رمزيتها، وهي تجربة تونس، والثانية تجربة جزر القَمَر.

1 – التجارب الناجحة

أ – التجربة التونسية

شكّلت التجربة التونسية نموذجاً ملهماً في نجاح الانتقال الديمقراطي، على الرغم من الصعوبات المحلية والإقليمية والدولية التي أحاطت بالتجربة. لكن العبرة بالمآلات، حيث نجح الشعب التونسي ونخبته السياسية، على تنوع مشاربها، في تجاوز مطبّات مرحلة الانتقال الصعبة عبر تحالف استراتيجي بين قوى أساسية داخل المجتمع (الترويكا)، سهّل عملية انتخاب المجلس التأسيسي وإقرار دستور ديمقراطي نموذجي، ثم بعدها تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة اعترفت بنتائجها كل القوى، وأُنجز عبرها التداول السلمي حول السلطة بين أطراف سياسية متناقضة. ولم تقتصر التجربة التونسية على ذلك، بل أطلقت مؤسسة للعدالة الانتقالية تم تضمينها في الدستور للوقوف على ما عرفته البلاد من انتهاكات لحقوق الإنسان منذ فجر الاستقلال سنة 1956 حتى هروب الدكتاتور بنعلي في مطلع سنة 2011، وهي خطوة رائدة لحلّ مجموعة من الملفات العالقة بروح الانتقال الديمقراطي، بعيداً عن الانتقام وتصفية الحسابات، وبشكل يحفظ الذاكرة، ويضمن عدم تكرار الماضي الأليم.

ب – تجربة جزر القمر

وكانت التجربة الثانية هي تجربة دولة صغيرة هي جزر القمر، إذ بعد معاناتها لمدة عشرين سنة من تبعات الاستعمار الفرنسي، حيث عانت إسهالاً في الانقلابات العسكرية التي قادها مرتزقة مسنودون فرنسياً، عرفت جزر القمر في العشرين سنة الأخيرة نوعاً من الاستقرار في تجربة ديمقراطية يختار فيها الشعب رئيسه ونواب البرلمان، بطريقة تحترم المعايير الدنيا لممارسة ديمقراطية سليمة، وهي الروح نفسها التي أطّرت الانتخابات الرئاسية لسنة 2011، وتلك التشريعية التي عرفتها في مطلع سنة 2015.

هذا في ما يتعلق بالتجارب الناجحة، وهي قليلة واستثنائية، للأسف، وغير مؤثرة في المسار العام للوطن العربي، حيث الطابع الغالب هو التحكّم والتسلط وتزوير الانتخابات.

2 – التجارب الفاشلة

لقد طغى الفشل والإخفاق على باقي التجارب الأخرى، حيث أجهضت تجربة التحول الديمقراطي بفعل مجموعة من العوامل، إذ إن عامل التدخل الخارجي كان لغير صالح استمرار التجربة، إضافة إلى استرجاع الدولة العقيمة زمام المبادرة بعد مرحلة انكفاء أمام عاصفة الثورات التي فاجأتها، ناهيك عن الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها القوى التي تسلّمت الحكم بعد مرحلة سقوط الأنظمة واحتلال الشعوب للميادين والساحات.

ورغم أن الانتخابات تم تنظيمها في أكثر من بلد، غير أن الثيمة الغالبة عليها كانت هي التحكم، وغياب شروط النزاهة، وتسخير الإعلام العمومي لخدمة الثورة المضادة، وإقصاء المخالفين ومحاصرتهم، وإصدار أحكام الإعدام بالجملة في حق المعارضين، مع انتهاك ممنهج لحرية الصحافة ولحقوق الإنسان في تفاصيلها المختلفة.

كما تميّزت تجارب أخرى بمقاطعة قوى أساسية للعملية الانتخابية أو بسيادة منطق المحاصصة الطائفية المقيتة المحروسة بحراب المليشيات، وبالتحطم الفاضح فيها، واستمرار إعلان النتائج بأرقام مضحكة تتجاوز نسبة 90 بالمئة التي صارت عنواناً للانخراط في نادي الدكتاتوريات الآيلة إلى الانقراض.

ثانياً: حقوق الإنسان

شهدت وضعية حقوق الإنسان في الوطن العربي طيلة السنة الفارطة انتكاسة كبرى طغت عليها عودة الدولة العقيمة للتحكّم في معظم البلاد العربية بعد التراجعات التي عرفتها الأقطار التي عرفت حراكاً اجتماعياً (باستثناء تونس)، كما شهدت فيها فلسطين عدواناً إرهابياً قام به الصهاينة على قطاع غزة الذي يعاني أصلاً حصاراً جائراً منذ عهد الرئيس المخلوع مبارك.

1 – القضية الفلسطينية

بدأ الهجوم العسكري الصهيوني الغادر على قطاع غزة بعد الساعة الواحدة من فجر يوم 8 تموز/يوليو 2014. وقد خلّف العدوان استشهاد 1742 فلسطينياً، 81 بالمئة منهم من المدنيين، بينهم 530 طفلاً، و302 امرأة، و64 لم يتم التعرّف إلى جثثهم لما أصابها من حرق وتشويه، واستشهاد 340 مقاوماً فلسطينياً، وجرح 8710 من مواطني القطاع.

كما استشهد 11 من العاملين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، و23 من الطواقم الطبية العاملة في الإسعاف.

ودمر القصف الإسرائيلي للقطاع 62 مسجداً بالكامل، و109 مساجد جزئياً، وكنيسة واحدة جزئياً، و10 مقابر إسلامية، ومقبرة مسيحية واحدة، كما فقد نحو مئة ألف فلسطيني منازلهم، وعددها 13217 منزلا، وأصبحوا بلا مأوى.

على صعيد خسائر الكيان الغاصب، قُتل 64 جندياً، و6 مستوطنين، ومن بين الجنود القتلى من يحملون أيضاً جنسيات أخرى، كالأمريكية والبلجيكية والفرنسية وغيرها، أما الجرحى فقد بلغ عددهم 720 جريحاً.

وقد عرف هذا العدوان انتهاكات مفجعة لحقوق الإنسان، ومجازر مروّعة، واستهدافاً مباشراً للمدنيين بهدف زرع الرعب في قلوب الفلسطينيين. والأخطر من ذلك عدم وفاء الصهاينة بتعهداتهم بإعادة الإعمار، مع تواطؤ فاضح للنظام المصري في إحكام الحصار على القطاع، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من فلسطينيي غزة تتطلع إلى ركوب البحر للهجرة نحو أوروبا، رغم مأساوية التجربة.

إن أولى أولويات احترام حقوق الإنسان هي النضال من أجل تحرير كل الأراضي العربية المحتلة من رجس الاحتلال الأجنبي، حتى تنعم أمتنا بالعيش في سلام، وفي طليعتها تحرير كامل تراب فلسطين المحتلة، حتى يستعيد الشعب الفلسطيني كرامته، لأن المشكل في الأصل هو مشكل احتلال، وليس مشكل حصار وإعادة إعمار، وكذا باقي الأراضي العربية المحتلة من طرف الصهاينة، سواء تعلق الأمر بالجولان السوري أو بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية، أو بمدينة أم الرشراش، وجزيرتي صنافير وتيران المصرية، أو بمدينتي سبتة ومليلية والجزر المتوسطية المغربية المحتلة من طرف الإسبان، أو بجزيرة مايوت التي تحتلها فرنسا.

2 – بقية الأقطار العربية

أ – الأقطار التي عرفت حراكاً شعبياً

كانت السمة البارزة لهذه السنة هي التراجعات المخيفة التي عرفتها أوضاع حقوق الإنسان في الأقطار التي عرفت حراكاً شعبياً، حيث الإقصاء والتنازع والحروب الأهلية الداخلية، وارتفاع صوت التحشيد الطائفي، والتناحر بين القبائل، واستحضار الهويات الفرعية القاتلة التي ترسم حدوداً لها ولنفوذها بالدماء والأشلاء، ناهيك عن عودة القوات الأجنبية، كما هو الشأن في العراق، حيث عاد التدخل الأمريكي بوضوح بعد هزيمته هناك بفضل صمود المقاومة العراقية.

ب – بقية الأقطار

تكاد كل التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية والعربية تُجمع على قتامة وضعية حقوق الإنسان في تلك الأقطار، حيث الاعتقال السياسي، وقمع الرأي الآخر، واستهداف الصحفيين بالعقوبات السالبة. أما في الخليج، فالصورة شبه موحّدة، حيث منع الرأي الآخر، وغياب الانتخابات في أكثر من قطر، واضطهاد المرأة، ومنع العمل الحزبي، وتجريم انتقاد الحاكم، والاستمرار في تطبيق عقوبات وتشريعات عفا عليها الزمن، ولا تنتمي إلى الحاضر، ولا حتى إلى قيم الإسلام الثابتة القائمة على تكريم الإنسان، كأحكام الإعدام وقطع الأطراف وغيرها من العقوبات الوحشية التي ينبذها العقل السليم.

لقد كانت السنة الماضية بالفعل سنة جَزْر حقيقي مرت فيها حقوق الإنسان بمرحلة صعبة، هيمن فيها منطق القمع والإقصاء، واعتقال المعارضين، وتوقيف الصحف بالجملة، وتزوير الانتخابات، والحروب الأهلية المتنقلة من قُطر إلى آخر.

ثالثاً: الإعلام والصحافة

يعتبر هذا المؤشر من أهم العلامات على مدى احترام حقوق الإنسان وتعزيزها، حيث إن وضعية حرية الإعلام والصحافة تعاني الكثير في الأقطار العربية جميعها، باستثناء تونس التي أصبحت في مصاف الأقطار المعتبرة في هذا المجال. وهكذا تحتل الأقطار العربية أسفل القائمة في ما يتعلق بحرية الصحافة، وكذا في ما يتعلق بحرية نشر الأخبار والمعلومات، إذ تتحكّم الأنظمة السياسية في وسائل الإعلام العامة، وتوجهها نحو ما يخدم مصالح الفئات الحاكمة، كما تتحكّم حتى في وسائل الإعلام الخاصة، وتعمل على توجيهها بطرق مختلفة. كما أن هذه الأنظمة تتبنى محطات ومؤسسات إعلامية تقوم بالتحريض على الطوائف، ونشر الكراهية بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة، وبين العرب، مسلمين ومسيحيين.

وقد أوردت بعض المصادر إحصاءات لتقرير بريطاني، وهو دراسة إحصائية مليئة بالمعلومات والمعطيات البيانية، كشف أن أطرافاً خليجية رسمية أخرى تمول حوالى 273 فضائية دينية، برنامجها شبه الوحيد هو التحريض بما لا يقلّ عن خمس لغات شرق أوسطية على الشيعة وفروعهم التاريخية، و/أو الفقهية الأخرى (علويين، وإسماعيليين، ودروزاً … إلخ)، والإفتاء بكفرهم، وبالتالي تيسير الظروف أمام داعش والنصرة وأضرابهم لتصفيتهم.

هذا طبعاً من دون إغفال قنوات أخرى مضادة يمولها طائفيون من مذاهب أخرى مليئة كذلك بالخزعبلات لتكفير السنّة والتحريض عليهم.

رابعاً: المسيحيون والأقليات في المشرق

في الوطن العربي هناك أكثريتان: عربية، وتتشكل من مسلمين ومسيحيين في المشرق العربي، ويهود في المغرب العربي، وأكثرية مسلمة تتشكل من عرب وغير عرب، وبالتالي منطق الأقلية غير مطروح هنا. غير أن طريقة تعامل الحركات المتطرفة مع المسيحيين والأيزيديين خلقت وضعاً خطيراً في الوطن العربي نكاد نفقد فيه خاصية التعدد والتنوع الذي تتميز به منطقتنا عبر التاريخ، مع النزيف الذي تعرفه أعداد المسيحيين في الشام والعراق، في خدمة واضحة للمشروع الصهيوني في المنطقة الذي يركّز على تفريغ فلسطين المحتلة من العرب المسيحيين، سعياً إلى جعل المواجهة دينية بين المسلمين واليهود، ليربح معركة الدعاية في الغرب.

خامساً: المرأة

بالرغم من التحسن الذي حققته المرأة على مستوى أوضاعها القانونية وحقوقها السياسية، لا تزال وضعية المرأة في البلاد العربية تدعو إلى القلق، وخاصة في المجتمعات المغلقة، حيث لا تزال محرومة من الحق في الانتخاب في السعودية، وكذا من حقوق بسيطة ومحسومة، مثل سياقة السيارة وغيرها. كما لا تزال المرأة تعاني العنف والتحقير، وعدم تمتعها بالمواطنة الكاملة تماماً مثلما هو شقيقها الرجل.

سادساً: تحدّي الإرهاب والتنظيمات المتطرفة

تشكّل الظاهرة الإرهابية تحدياً خطيراً واختباراً حقيقياً بالنسبة إلى الأنظمة الديمقراطية، وكذلك بالنسبة إلى احترام حقوق الإنسان، ذلك أن الإرهاب يمثل الوجه المقابل للاستبداد، وهما يخدمان بعضهما البعض بطريقة شعورية أو بطريقة لاشعورية. ويمثل الإرهاب تحدياً من حيث تشجيع الأنظمة الاستبدادية على انتهاك حقوق الإنسان في مواجهة العنف، خاصة مع حركات إرهابية معولمة تستخدم أداة لخدمة مصالح القوى الكبرى، وتطبيق أجندتها، كما هو الحال في ما يتعلق بداعش والنصرة والحشد الشعبي، وغيرها من التنظيمات والمليشيات الإرهابية، حتى في الأقطار التي حسمت فيها مشكلة الشرعية الديمقراطية، مثل تونس، التي تجدها تواجه تحدي الفاعل الإرهابي. لكن المبدأ العام يقتضي التأكيد أن احترام القانون من طرف الدولة وأجهزتها الأمنية ينبغي أن يكون مقدساً، ولا مجال لتبرير انتهاك حقوق الإنسان تحت أي مبرر من المبررات.

إن مواجهة تحدّي الإرهاب لا ينبغي أن يقتصر على احترام قيم حقوق الإنسان فحسب، بل ينبغي أن يرفق بتجديد عميق للخطاب الديني ليصبح خطاباً للبناء ونشر ثقافة الحياة، لا خطاباً للهدم ونشر ثقافة الموت، وذلك عبر جعله خطاباً نهضوياً ذا نَفَس تنويري يتصدّى للاستبداد والإرهاب معاً، باعتبارهما وجهان لعملة واحدة يخدم أحدهما الآخر.

سابعاً: تحدّي الحروب الأهلية وتحقيق السلم الأهلي

تعاني المنطقة العربية حروباً داخلية دموية في كل من ليبيا وسورية والسودان واليمن والعراق، وهي حروب تذكّيها عوامل داخلية، وأخرى خارجية. وفي سياقها يكون التحدّي أكبر، لأن حقوق الإنسان تكون المتضرر الأكبر في منطقة الصراعات الأهلية بين الفرقاء. فلو أخذنا الأزمة السورية كمثال، فإنها بدأت تحت عنوان تحقيق طموحات الشعب السوري في الديمقراطية، والإصلاح، والعدالة، وحقوق الإنسان، وانتقلت من الاحتجاجات السلمية المدنية إلى مواجهات مسلحة، وتدخلات من قوى خارجية، وها هي توشك أن تدخل مرحلة التقسيم والتفتيت الفعلي، إن لم تكن قد دخلتها فعلاً. فهذا نائب رئيس الوزراء التركي تحدث قبل أيام معدودة عن مخطط «سايكس – بيكو» جديد يقسم سورية إلى عشرة كيانات، ومصر إلى كيانين، وليبيا إلى أربعة، وكذلك السودان. وهذا الرجل يعي ما يقول، لأن بلاده تعرف كل التفاصيل أو معظمها، لأنها رأس الحربة في هذا المخطط. لذا ينبغي على العرب أخذ الدروس من مآسيهم، والعمل على إيجاد حلول سياسية لما يعانونه من مشاكل، حفاظاً على مصالحهم وحماية لها في عالم لا يرحم. وفي مقدمة هذه الدروس، الابتعاد عن استخدام السلاح بين الفرقاء داخل البلد الواحد أو بين بلد عربي وشقيقه الآخر، وأن يبقى السلاح مقتصراً على مواجهة الغزو الخارجي، وخاصة في مواجهة العدو الاستراتيجي الكيان الصهيوني.

خاتمة

يمثل الانتقال إلى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان واحداً من أهم التحديات التي تواجه الوطن العربي، وهو بالإضافة إلى كونه حاجة وجودية لانتظام الاجتماع السياسي وترتيبه وفقاً لمنطق العقل والحكمة، فإنه كذلك يمثل قيمة مضافة لكل شعب من الشعوب، بما يساعد على تفجير طاقاته ووضعها على الطريق القويم للبناء والنهضة. وباعتبار ثقل هذه المهمة، وصعوبة قيام تيار واحد داخل الأمة يتحمل أعباءها، يجدر التنبيه إلى أهمية بناء كتلة تاريخية تنهض بأعباء هذه المهمة الشاقة، وهي كتلة تتشكل من كل القوى التي لها مصلحة في التغيير السلمي العميق، كما وقع في إسبانيا عقب رحيل الدكتاتور فرانكو أو كما وقع في اليونان البلد الذي عانى استعصاءً طويلاً في تحقيق انتقاله الديمقراطي (إلى جانب البرتغال وإسبانيا، حيث إن هناك تشابهاً كبيراً مع أقطار الوطن العربي التي تعاني الاستعصاء نفسه، باستثناء النموذج التونسي)، حيث عانى الشعب اليوناني نظام حكم ملكياً استبدادياً، أطيح به في ثورة قطف العسكر ثمارها، قبل أن يختار الشعب إقامة نظام جمهوري عبر استفتاء ديمقراطي سنة 1974، أنهى دورات صراع مزمنة بين الملكية والعسكرتاريا، الأمر الذي فتح الطريق أمام تحقيق انتقالها العسير لبناء نظام ديمقراطي في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وهو ما شكل مفاجأة كبيرة للعالم الذي لم يكن يتصور إمكانية نجاح الانتقال في اليونان الذي أدى فيه اليسار دوراً أساسياً، وهو الدور الذي أدته جبهة سيريزا مؤخراً في اليونان، وهو ما وضع البلاد على سكة الخروج من النفق المظلم الذي علقت به البلاد في الست سنوات الأخيرة. ومن دون هذه الكتلة ستظلّ نخبنا السياسية والفكرية تجتر الهزائم الواحدة تلو الأخرى من دون استفادة من دروس الماضي البعيد والقريب. إنها كتلة تاريخية تنقل النظام السياسي العربي في أقطاره المختلفة إلى نظام ديمقراطي يستمدّ شرعيته من سيادة الشعب الحقيقية المعبر عنها في انتخابات نزيهة، وهو نظام يقوم على التداول السلمي حول السلطة، وتطبيق القانون، واحترام التعددية السياسية وقيم المواطنة والمساواة، بعيداً عن الإقصاء والإكراه.

إنها مهمة صعبة، لكنها ليست بالمستحيلة، طبعاً، وهي مهمة تقوم فيها النُّخب بدورها الرسالي في نشر ثقافة حقوق الإنسان وتطويرها داخل المجتمع العربي؛ نخب ذات مصداقية تمتلك جرأة استئناف مسيرة التجديد التي بدأها رواد النهضة الأوائل.

إنها الطريق الوحيد لربح معركة النهضة كأمة، وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

 

قد يهمكم أيضاً  الثقافة السياسية الحضرية في الوطن العربي: العلاقة بين الاتجاه نحو الديمقراطية والاحتجاج السياسي

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الديمقراطية_في_العالم_العربي #حقوق_الإنسان_في_البلدان_العربية #الأمة_العربية #الربيع_العربي #الحريات #الحروب_الداخلية_في_الوطن_العربي