توطئة

يأخذ مفهوم المواطنة نقاشًا دستوريًا وقانونيًا على الصعيدين الوطني والدولي، بل إن النقاش تجاوز البعد العلمي الموضوعي إلى الإطار السياسوي الذي يشمل النقاشات الانتخابية، والمناظرات المناسباتية السياسية والعمالية والنقابية.

هناك تنظيرات تذهب إلى القول إن النقاش العلمي للمفهوم تجاوز الأمن الوطني إلى الأمن المواطَني (From National Security to Citizen Security)[1]. وتذهب تقارير دولية الى وصف المواطنة بأنها مرهونة بقضية إنسانية قوامها «أنسنة الأمن» (الأمن مع المواطن ومن أجل المواطن) وصولًا إلى توطيد العلاقة بين الحوكمة الأمنية (Gouvernance sécuritaire) ودرجة الديمقراطية، وهو ما أضحى يسمى في الأدبيات الدولية العلمية الأمن المواطني (La Sécurité citoyenne) [2].

نحاول، في هذه الورقة، دراسة العلاقة بين المواطنة كمفهوم مركب ومتعدد الفضاءات والتطبيقات، والأمن كتوجه عام يتجاوز السرديات الكلاسيكية إلى إطار عام يتضمن الإدراكات المرتبطة بالأمن الإنساني والاقتصادي والسياسي والسوسيو- ثقافي في الحالة الجزائرية؟

أولًا: المقاربة النظرية للمواطنة

يبدو أن مفهوم المواطنة من المفاهيم المتداولة والمستهلكة على مستوى الخطاب الرسمي السياسي وغيره على نحوٍ يجعل منها مفهومًا عائمًا يعتقد مستعملوه أنه على درجة من الوضوح تغنيهم عن تعريفه ورصد مقوماته وخصائصه؛ بيد أن الأمر يتعلق بوضوح مغلوط يتجاهل في بعض الأحيان السياق النسقي الذي يكسبه دلالاته المتعددة وإن كانت متكاملة؛ ذلك بأن مفهوم المواطنة له بعد قانوني وسياسي – إغريقي وروماني – (أرسطو وأفلاطون)، ويمتد في الفكر التنويري والسياسي الحديث (روسو وفولتير ومونتسكيو وغيرهم) وما تأسّس عليه من تنظير سياسي وإنجازات قانونية (دستورية بالأساس نذكر منها على سبيل المثال إعلانات الحقوق، كإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789، وحركة تدوين الدساتير التي دأبت عليها البلدان الغربية، والميثاق الأممي للحقوق المدنية والسياسية). لقد ارتبط مفهوم المواطنة أساسًا بالمنوال الديمقراطي الليبرالي وبفكرة الحرية والمساواة[3].

ولئن كانت المواطنة خلال هذا المسار أكثر تجُذّرًا في أُسُسها وأكثر واقعية في مضمونها، فإنها لا تزال تحافظ على مدلولها العام كصفة «ممتازة» يكتسبها الفرد كمكوّن للجسم الاجتماعي والسياسي لـ«المدينة السياسية»  (la cité) أو «الدولة الوطنية» لتأسيس هوية انتظامه في مجاله السياسي والاجتماعي وانتمائه إليه وتكسبه الحق والقدرة على المشاركة في الشأن العام، لتؤلف في النهاية تلك الرابطة القانونية والسياسية التي تربط الفرد المواطن بدولته.

يتم تعريف المواطنة كرابطة قانونية انطلاقًا من الشروط المحدّدة للمركز القانوني للمواطن الذي ينبني على ثلاثية متكونة من مفاهيم السيادة (La Souveraineté) والجنسية (La Nationalité) والتمثيل  (La Représentation) كمفاهيم متعدِّية (Transitives) لبعضها، بحيث يكتسب الفرد صفة المواطنة بفعل انتمائه إلى الشعب صاحب السيادة، وبالخصوص إلى الجسم السياسي (بمعنى مجموع الأفراد المتمتعين بصفة المواطنة) المتشكل منه، وهو انتماء يجد تعبيراته القانونية في رابطة الجنسية التي تُعدّ في حدّ ذاتها شرطًا قانونيًا لتمتع المواطن بالحقوق السياسية المرتبطة بصفته المواطنية التي اختُزِلت في إطار الديمقراطية التمثيلية في حق المواطن في الانتخاب والترشُّح للوظائف العامة كشكل وحيد للمشاركة في الحياة السياسية.

تبرز العناصر المرتبطة بالمواطنة فيما يلي:

1 – يقترن مفهوم المواطنة اليوم، بتوسيع مجال حرية الإنسان وتطويره، كما يرتبط بتطوير المطالب المتعلقة بكرامته ومستقبله.

2 – لا تنفي رابطة المواطنة في أبعادها الجديدة، صنوف الروابط الأخرى الصانعة لنسيج التجمعات البشرية، من قبيل الروابط الثقافية والعقائدية.

3 – يُلحّ مبدأ المواطنة على ضرورة التقليل من البعد الإثني والديني من دون نفيهما، لكنه يتطلع إلى منح الاعتبار الأول للرابطة المدنية، وذلك بالإعلاء من شأن القيم الصانعة لها، والقادرة في الآن نفسه على استيعاب الاختلافات العقائدية والإثنية، من دون أن يعني هذا كما قلنا، نفي الأبعاد الأخرى المعززة للمواطنة الثقافية والقيمية.

4 – لا يمكن فصل المواطنة عن الديمقراطية وقيمها، فهي أساس المجتمع المدني.

5 – يترتب على تشبّع المجتمع بالمواطنة انتعاش الحس المدني والقيم المدنية، الأمر الذي يعزّز قيم المساواة والتعاون.

6 – يشتمل مبدأ المواطنة وفق هذا الاتجاه على مؤشرات التربية على المواطنة على اعتبار أن ترسيخ أي مبدأ قانوني يحتاج إلى تكامل جهود نفسية واجتماعية وتربوية لتوطينه وتعزيز بنائه.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 545 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 545 تموز/يوليو 2024

دراسة مشابهة:

الدولة الجزائرية ومسألة الهوية الوطنية

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 545 في تموز/يوليو 2024.

بوحنية قوي: أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية،

وعميد سابق لكلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة ورقلة – الجزائر.

[1]  Achel Neild, From National Security to Citizen Security: Civil Society and the Evolution of Public Order Debates,» This paper was written in 1999 for the International Center for Human Rights and Democratic Development Montréal, Canada, 1999, <https://tinyurl.com/ycxrt79z>.

[2]   Rachid Id Yassine, Mame Penda Ba et Khalifa Diop, dirs., La Sécurité citoyenne: Pour un contrôle citoyen de l′action publique sécuritaire en Afrique: le cas de la Sénégambie (Saint-Louis: Université Gaston Berger, 2020).

[3]  سعاد موسى السلامي، التفكير في المرفق العام والحكامة بمفردات المواطنة، تقديم محمد العجمي؛ إشراف أحمد السوسي (تونس: دار الأطرش، 2017).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز