مقدمة

حدّد محمد عابد الجابري (1935-2010) لـ «العقل السياسي العربي»، كما هو معلوم، ثلاثة محددات، وهي العقيدة والقبيلة والغنيمة. وهذه المحدِّدات، في نظر الفيلسوف الراحل، تعايشت سياسيًا بدرجات متفاوتة خلال التاريخ الإسلامي الكلاسيكي، وميزت العقل السياسي العربي الإسلامي، الذي ظهر وتكوّن من الدعوة إلى الدولة، ومن ثم إلى الملك العضوض، ثم إلى الدولة السلطانية[1]. وما زالت هذه المحدِّدات الثلاثة تحكم العقل السياسي حتى اليوم، بحسب الجابري، لعدّة أسباب يسردها بإيجاز كالتالي: أسباب خارجية، وهي الاستعمار وامتداداته، وأسباب داخلية جاءت نتيجة تطبيق سطحي للحداثة في الفضاء العربي الإسلامي[2]. وهكذا فإن القبيلة أصبحت محركًا رئيسيًا للسياسة مرة أخرى، أما الاقتصاد، فقد ظل في الأساس ريعيًا، كما كان اقتصاد الغنيمة، في حين أن العقيدة ما زال العائدون إلى حضنها، إما تبريريين منتفعين من الريع، وإما رافضين الوضعَ السياسيّ، خارجيّين (نسبة إلى الخوارج)[3].

في الواقع، لا يمكن إلا تأييد هذه الأطروحة في عدد من جوانبها؛ فالأحداث التي وقعت في المنطقة العربية منذ عام 2011 (الربيع العربي) تؤكد إلى حد بعيد أطروحة الجابري. بعد ذلك، وإدراكًا للحاجة إلى تجديد العقل السياسي العربي، وبناءً على المحددات الثلاثة المتقدمة، يقترح الجابري تطورًا دلاليًا لهذه الأخيرة لتتناسب بصورة أفضل مع نموذج الحداثة السياسية الغربية. وهكذا، بحسب قوله، يجب أن تفسح القبيلة في المجال لتنظيمات مدنية وسياسية واجتماعية، إذ يتميز المجتمع السياسي من المجتمع المدني في المجتمعات العربية المعاصرة. أمَّا اقتصاد الريع (الغنيمة) السائد إلى الآن كسياسة وكعقلية أيضًا في معظم الدول العربية الإسلامية، فمن المفروض أن يصبح اقتصادًا ضريبيًا، وبالتالي إنتاجيًا، ليصبح هذا الاقتصاد الريعي، اقتصادًا منتجًا. وأخيرًا، في ما يخص العقيدة، فإن على الإيمان العقيدي، المتعصّب والمدّعي امتلاك الحقيقة، أن يتحوّل إلى مجرد رأي. بهذا ستذوب الأصولية بمختلف أنواعها، تاركة المجال أمام حرية الفكر والاختلاف[4].

يبدو واضحًا أن الجابري قد أفصح عمّا هو أمنية، أكثر ممّا هو تحليل أو تنظير. على أي حال، فمنذ إصدار الكتاب في عام 1990، لم تسر الأمور في البلدان العربية وَفقًا لما تمنّاه الجابري. كما يبدو أيضًا أنّ الفيلسوف المغربي كان واعيًا الحاجة الماسة إلى جعل تلك الأمنية واقعًا على المستوى التنظيري. لهذا سيخصِّص عددًا من المقالات، جمع الكثير منها في كتب صدرت بعد ذلك حول بعض المفاهيم التي تهم هذه الدراسة، كالديمقراطية والعقد الاجتماعي وعلاقة الدين بالدولة والمجتمع. وقد حاول الجابري من خلالها تبيئة بعض المفاهيم التي أنتجتها الحداثة السياسة الغربية، وإعادة استعمال مفاهيم أخرى تنتمي إلى المجال التداولي العربي الإسلامي. ويظل الهدف هو إيجاد أرضية معرفية للدولة العربية الحديثة.

تبقى الإشكالية التي تطرحها الورقة هي معرفة مدى نجاح القراءات التي قدّمها الفكر العربي المعاصر للمفاهيم السياسية الغربية والعربية الإسلامية لوضع الأسس النظرية للدولة العربية الحديثة. تأخذ الورقة أطروحات ناقد «العقل العربي» محمد عابد الجابري نموذجًا يمثل الفكر العربي المعاصر.

وسعيًا للإجابة عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بالإشكالية المطروحة، ستحاول الورقة في مرحلة أولى، إجراء مقارنة بين استعمالات بعض هذه المفاهيم من طرف الجابري، كالعقد الاجتماعي والكتلة التاريخية، وبين استعمالاتها الأصلية في المجال التداولي الطبيعي لفلسفة الأنوار في نظر المفهوم الأول، والطرح الماركسي في النصف الأول من القرن العشرين في نظر المفهوم الثاني. كما ستنظر هذه الورقة في مدى تماسك القراءة الجابرية لمفاهيم سياسية تنتمي إلى المجال التداولي العربي الإسلامي، يقصد منها صاحبها تأسيس علاقات اجتماعية وسياسية تواكب مفهوم الدولة في العصر الحديث.

ثم في خطوة ثانية، تبحث الورقة في رفض الجابري مفهومَ العلمانية الذي ترتكز عليه الحداثة الغربية، وستجري مقارنة رفضه هذا بقراءة المفكر السوري جورج طرابيشي (1939-2016) للمفهوم عينه، وحسبانه الحل الأمثل لنكبات السياسة في البلدان العربية والإسلامية في كتاب صدر له في جزأين[5]. وتخلص الورقة في الأخير إلى أنّ طرح الجابري للدولة الحديثة، رغم تماسكه المعرفي، يظل رهينَ التأرجح بين الانجذاب الحذر نحو المفاهيم السياسية الغربية من جهة، ومحاولة قراءة تجديدية لمفاهيم سياسية تنتمي إلى مجال الفقه الإسلامي، من جهة ثانية. وربما تتّسم هذه الأخيرة بالاستعصاء على التجديد إلّا من داخل مجالها المعرفي حصرًا.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 545 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 545 تموز/يوليو 2024

كتب ذات صلة:

الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن

قضايا إشكالية في الفكر العربي المعاصر

بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية

تكوين العقل العربي

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 545 في تموز/يوليو 2024.

محمد أوريا: باحث في مركز أبحاث المجتمع والقانون والأديان، جامعة شيربروك (شيربروك) – كندا.

[1]   محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1991)، ص 364.

[2]   المصدر نفسه، ص 373.

[3]   المصدر نفسه، ص 374.

[4]   المصدر نفسه، ص 374.

[5]   جورج طرابيشي، هرطقات: عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية (لندن: دار الساقي، 2006)، وجورج طرابيشي، هرطقات 2: عن العلمانية كإشكالية إسلامية-إسلامية (لندن: دار الساقي، 2008).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز