مقدمة

مثَّلَ التقدم الرقمي نقلة إبستمولوجية في حقل الفنون الأدائية ودراسات الفُرجة، انتقلت الممارسة الحكواتية بموجبه من طورها المادي الملموس إلى آفاقها الافتراضية التي لا تتبلور إلا عبر الوسيط الرقمي، واليوم تظهر الفنون الشعبية الأدائية، وفي مقدمها فُرجة «الحلقة»(**)، كموضوع متغلغل في عمق البديل الرقمي. أفرز هذا التغيرَ بوضوح جائحة «كوفيد – 19»، وهي مرحلة تاريخية استحوذت فيها الوسائط الرقمية على الفضاء الوجودي للإنسان، فاسحة المجال للثقافة الافتراضية لتمثّل أرضًا خصبة لنشر مفاهيمها. في المقابل، أحدثت هذه المرحلة تحولات جوهرية في آليات الفعل المسرحي التقليدي، الأمر الذي خلَّف تداعيات عميقة على الوسط الفني الذي لم يخلُ بدوره من مشاعر متأرجحة بين الحنين والتحوُّل.

في هذا الإطار، تُعدّ فُرجة «الحلقة» نموذجًا فنيًا عفويًا حيًا، يجسّد تقاطعات فريدة بين الأداء الشفهي والتفاعل الآني المباشر. في الساحات العمومية المفتوحة ينسج الحكواتي روايته أمام الجمهور. يخلق هذا النسيج الأدائي تجربة متفردة تعتمد على اللحظة الزمانية والحضور الجسدي الذي يهيمن عليه فعل «التجسيد» (Embodiment)‏[1]، غير أن وطأة التطور التكنولوجي وظهور الفضاء الرقمي فرض باراديم مغايرًا، دفع بفُرجة الحلقة إلى إعادة تكوين بنيتها. من هذا المنطلق، فإن عبور الحلقة من فضاء الشارع إلى الشاشة الرقمية لم يكن مجرد تحوُّل شكلي أو تقني، بل هو إعادة تعريف إبستمولوجي لمفاهيمها الأساسية. وعليه، يمثل هذا التغير مرحلة جديدة لدراسة الفنون الشعبية، بحيث تتماهى فيه أصالة السرد الشفهي مع إمكانيات الوسائط المتعددة المعاصرة. في هذا الفضاء المعلوماتي، تتم إعادة صوغ شروط التفاعل الإنساني بما يتجاوز الحواجز والقيود الجغرافية التقليدية، ليقدّم بذلك صيغة فنية متفردة تؤلف بين الجذور السردية الشفهية وبين الإمكانيات اللامحدودة للعصر الرقمي.

أولًا: من الساحة إلى الشاشة: فُرجة الحلقة كوسيط تفاعلي

الحديث عن الحلقة كفُرجة هو حديث عن فن له عشاقه ورواده، سواء في الشارع العام أو في الفضاء الرقمي، ويرى بعض الدارسين أن الحضور عبر الوسائط الإلكترونية مُجرَّد وَهْم، إذ يفتقر إلى الشعور العاطفي والتواصل المباشر‏[2]، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل مع الباحث جواد رضواني، في مقالٍ له حول المسرح المعاصر والوسائط: «هل يُعتَبر مسرح الوسائط مسرحًا حقيقيًا؟»‏[3]. وهل في إمكان «فُرجة الحلقة» أن تواكب التطور الرقمي المتحور؟

منذ أن تبنّى حسن المنيعي «الفُرجة» في كتابه أبحاث في المسرح المغربي، أصبح هذا المفهوم جزءًا لا يتجزأ من النقاش النقدي الأكاديمي المغربي، بما يحمله من أبعاد جمالية وثقافية تعكس التحوّلات الاجتماعية والفنية التي شهدتها التجربة المغربية. لأن فُرجة الحلقة «ممارسة تعتمد التواصل مع الجمهور عبر مشاركته الفعلية في الحكاية أو التفاعل مع الحلايقي»‏[4].

كما هو معلوم، حظي مدلول «الفُرجة» باهتمام كبير في البحث المسرحي المغربي، تُوِّج بتأسيس المركز الدولي لدراسات الفُرجة في عروس الشمال طنجة. التقط خالد أمين هذا المفهوم وجعله منطلقًا لدراساته، حيث تجلى ذلك في مشروعه من مسرح المثاقفة إلى تناسُج ثقافات الفُرجة. ومن المسلّم به أن ماهية «الفُرجة» مثلت رافدًا من روافد أدبيات النقد المسرحي في المغرب، «إذ تم توظيفها في الحقل المسرحي بوصفها مرادفًا وليس بديلًا للعرض والأداء»‏[5]. ضمن هذا السياق الرقمي للفُرجة، يمكن الاستدلال بما ورد في كتاب المسرح والوسائط، حيث يناقش المؤلف دور الوسائط في نقل الفُرجة وتوسيع فضائها، ومدى تأثيرها في تجربة المشاهدة وإدراك الجمهور للأداء المسرحي لكون المسرح على حد تعبير خالد أمين «وسيط موسع يعرض وسائط أخرى، إنه يتمتع بقابلية استيعاب الوسائط الأخرى والتفاعل معها»‏[6].

صحيح أن تفشي وباء كورونا ساعد على تقليص موقع الفُرجة الحيّة. لذلك أصبحنا اليوم نتحدث عن مسرح الدار، المسرح عبر ZOOM‏[7]، وعروض أونلاين، ومسرح نت، والبث الحي، المنصّات الرقمية (Digital Platforms)‏[8]. ساهم تغيّر موقع الفُرجة من الشارع إلى الفضاء الرقمي في تقلص المساحات التي يتجسّد فيها الفعل الفُرجوي حضوريًا، وهو ما أدى إلى فتح الحدود الجغرافية افتراضيًا بين الثقافات، وجعل العالم تحت قبضة ما يُطلق عليه «المجتمعات الافتراضية»‏[9].

من المؤكد أن الحلقة فنّ فُرجوي جامع، يشمل مجموعة من السلوكيات الفُرجوية التي تنتمي إلى أجناس وأنواع مختلفة، تُقام في إحدى ساحات المدينة، مثلًا: ساحة جامع الفنا في مراكش، ساحة الهديم في مكناس، ساحة الحْمَامْ في الدار البيضاء، ساحة الفدان في تطوان… أو في زوايا الأسواق الأسبوعية، مثلًا: سوق الأحد الفنيدق، سوق الأحد الراشيدية، وغيرهما من الأسواق. «يختار صانع الفُرجة المكان والزمان المناسبَين، فيتحول المكان إلى فضاء فُرجوي مفتون بلحظته، والزمان إلى زمن الفُرجة، كما يتحول المارة إلى جمهورٍ للفُرجة»‏[10]. لا يمكننا الحديث على الفُرجة في الهواء الطلق التي تركز على قوة التأثير في المتفُرج من دون هذا التوافق بين هذه العناصر‏[11]. هذا التنوع الفُرجوي السابق له قاسم مشترك يتمحور حول «قوّة الفُرجوي» (Spectaculaire)»‏[12]، من هنا «تبدو حاجة الفُرجوي إلى الذات المشاهدة أكثر من حاجة الجمهور إلى الموضوع المشاهد»‏[13].

تستدعي المقاربة الرقمية لفُرجة الحلقة بالضرورة استحضار التحولات الكبرى التي شملت الممارسة الفنية بوجه عام، في سياق ما عُرف بـ«المجال العمومي الافتراضي»، ويظهر ذلك بوجه خاص أثناء الجائحة وبعدها، وهي التي واكبت ظهور جيل جديد من البرامج المتطورة، وكذا من خلال ما أتاحته الشبكة العنكبوتية، لتبقى الفُرجة بهذا المعنى راهنة وافتراضية‏[14]، إذ يتحول الطقس الجماعي للمشاهدة إلى فعل فردي، يتركز فيه الاهتمام على المشاهدة التحليلية التي تسعى إلى استخراج المعلومة، بدلًا من المشاهدة التلقائية المنخرطة في اللحظة التفاعلية‏[15].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 568 حزيران/يونيو 2026

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.

ياسين الهواري:

طالب باحث في سلك الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
جامعة عبد المالك السعدي تطوان – المغرب.

[1](**) فُرجة الحلقة: المشاهدة بصورة مباشرة ورؤية فن الحلقة في جامع الفنا في مراكش بتاريخ 1 أيار/مايو 2025، الحضور والمشاهدة عبر الوسيط بالاطلاع على الرابط التالي بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، <https://youtu.be/krtH5b_Gzpk?si=pjWj2hTiqDeW_WfR>.

خالد أمين، المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف (طنجة، المغرب: المركز الدولي لدراسات الفرجة، 2019)، ص 31.

[2] سياران ماهون، سيكولوجية وسائل التواصل الاجتماعي، ترجمة عمر فتحي؛ مراجعة وتحرير ديفيد فرج (القاهرة: منشورات مركز المحروسة، 2014)، ص 85.

[3] كتاب جماعي، المسرح والوسائط (طنجة، المغرب: منشورات المركز الدولي لدراسة الفرجة، 2012)، ص 136.

[4] المصدر نفسه، ص 27.

[5] أمين، المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف، ص 15.

[6] كتاب جماعي، المسرح والوسائط، ص 11.

[7] مجلة دراسات الفرجة، مجلة محكّمة تصدر من المركز الدولي لدراسات الفرجة ومجموعة البحث في الدراسات المسرحية التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، إعداد وتنسيق خالد أمين وهشام بن الهاشمي، ملف العدد 15: الفرجة وجغرافيات المعرفة، (2024)، ص 45.

[8] فرجات الشارع والأمكنة الأخرى، تنسق محمد العناز ومحسن الزكري (طنجة، المغرب: منشورات المركز الدولي لدراسة الفرجة، 2021)، ص: 115.

[9] ماهون، سيكولوجية وسائل التواصل الاجتماعي، ص 12.

[10] أمين، المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف، ص 51.

[11] حسن اليوسفي، المسرح والفرجات (طنجة، المغرب: منشورات المركز الدولي لدراسة الفرجة، 2012)، ص 10.

[12] أمين، المصدر نفسه، ص 68.

[13] عبد الإله علام، أنثروبولوجيا المقدس والفرجة الشعبية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2023)، ص 59.

[14] رشيدة التريكي، الصورة كما نراها وكما نتصورها، ترجمة فريد الزاهي، طبعة جديدة (عمّان: منشورات خطوط وظلال، 2022)، ص 155.

[15] مجلة دراسات الفرجة، ملف العدد 15: الفرجة وجغرافيات المعرفة، مصدر سابق، ص 63.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز