مقدمة

عند إلقاء نظرة عامة حول تداعيات طوفان الأقصى، سندرك آليًا أنّ هناك أمرًا مختلفًا عما هو متعارف عليه في السابق، فتحديد هدف حركة حماس – تقود النضال الفلسطيني في قضية القدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية – من القيام بهجومِها المباغت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، يجد الجميع تقريبًا صعوبةً في فهمه وتفسيره. وفي المقابل كثف الكيان الإسرائيلي ممارساته العدوانية. هذه الحرب القائمة بينهما تلوّح إلى إعادة الهندسة الجيوسياسية القائمة على إحدى نظريات الجغرافيا السياسية الخاصة بـ«أحزمة التحطم» التي أشار إليها كل من فيليب كيلي[1]  وكولن غراي[2]  في كتاباتهما، حول تصاعد الصراع الإقليمي من المنظور الجيوسياسي. وفي إطار لعُبة «توازنات القوى» فإن الصراعات تُمثل مجالًا خصبًا لاستدراك القوى الخارجية للتدخل استنادًا إلى نظريتي «التمدد الحيوي» و«تقاسم النفوذ»[3]. وإسقاطًا على الحرب الفلسطينية – الإسرائيلية، فهي تعدّ بمنزلة «النافذة» لإعادة التنافس الدولي على المنطقة وهو ما يتضح في تحركات الولايات المتحدة الأمريكية مع الكتلة الأوروبية لدعم إسرائيل، مقابل التحركات الروسية والصينية وعدد من الدول الغربية في مجلس الأمن الرافضة للهجمات المتتالية للجيش الإسرائيلي، وذلك في إطار إعادة ترسيم الخيارات السياسية لكل الأطراف الدولية وفقًا لمحددات وخصائص إقليمية جديدة يُعاد تكوينها في إطار ما بات يُعرف بـ«خريطة أحزمة التحطم»، التي أوجدت مناطق نفوذ ومواطئ قدم استراتيجية للقوى المناوئة لواشنطن وحليفتها تل أبيب، على نحو مكَّنها من تطويقها عبر «حزام تحطم» بؤر الصراعات في منطقة الشرق الأوسط في كل من سورية ولبنان والعراق[4].

أمّا التداعيات المباشرة لطوفان الأقصى على فلسطين وعلى قطاع غزة بصفة خاصة – وبما أننا نهتم في هذا البحث بدراسة تداعيات طوفان الأقصى على القطاع التعليمي، الذي اعترته «هشاشة في أدوات التّسيير» على حد تعبير بيار إيريك تيكسيي (Pierre Eric Texier)،[5]، الناتجة من الخاصيّة الوقتيّة للمرجعيّات القانونيّة وارتباطها بالتغييرات السّياسية للدولة الفلسطينية – فقد استهدف الاحتلال الصهيوني قطاع غزة وعمل على تدمير البنية الحياتية فيه، هذا القطاع المحاصر جوًا وبحرًا منذ 17 عامًا، في حرب تعدّ الأكثر وحشية إلى حد هذا التاريخ؛ فالقصف الإسرائيلي يتعمّد تدمير المؤسسات التربوية بمختلف أنواعها واغتيال الطلبة والأكاديميين. وهو ما وصف بالتدمير الاستراتيجي الممنهج للمؤسسات التربوية الذي أشارت إليه مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «الحرب المفتوحة على التعليم»[6].

الإطار المنهجي

الإشكالية: يهدف الاحتلال الإسرائيلي إلى القضاء تدريجًا على مقومات المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجعل الفلسطينيين يعيشون عزلة حضارية. فما يعيشه الشعب الفلسطيني منذ بدء القصف في السابع من أكتوبر، ووسط دعوات علنية إلى الإبادة الجماعية، مع تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بتحويل غزة إلى جزيرة مهجورة، ودعوة وزير التراث الإسرائيلي بإلقاء قنبلة نووية على غزة، وتشديد الحصار المفروض عليها وإغلاق جميع مخارج القطاع، كان من نتائجه آلاف الضحايا وعدد كبير من المفقودين تحت الأنقاض، أغلبهم من النساء والأطفال، ومع مواصلة السلطات الإسرائيلية انتهاكها المتصاعد في غزة للحقوق التعليمية من خلال استهدافها المدارس والجامعات والطلبة والكوادر، لذلك يتساءل هذا البحث عن واقع التعليم في غزة بعد طوفان الأقصى، وينظر في الوضع الفلسطيني بخاصة في الأيام الاحتفالية السنوية، وينظر في ردود أفعال بعض المنظمات الدولية مما يحدث في فلسطين بعد طوفان الأقصى. كما يمكن أن يكون هذا البحث فاتحًا للآفاق للتساؤل عن التأثيرات القريبة والبعيدة المدى لطوفان الأقصى في المشاريع التربوية الفكرية العربية، فهل يمكن بناء نموذج فكري جديد على أنقاض ما يحدث في غزة؟

الفرضية: تعدّ إعادة بناء المؤسسات التربوية التعليمية أولويةً في قطاع غزة تسعى إليها الدولة الفلسطينية رغم محدودية الإمكانيات، وبقطع النظر عن إعادة الهندسة الجيوسياسية في إطار الصراع الإقليمي وإعادة رسم الخيارات السياسية.

منهج البحث: تعتمد الدراسة المنهج التاريخي من أجل تحليل الاتجاهات والوقائع والأحداث السابقة لفهم تعمُّد الكيان الإسرائيلي استهداف المؤسسات التربوية الفلسطينية؛ وكذلك للاستفادة من الماضي في فهم وتحليل الحاضر عبر وصف الحوادث بطريقة موضوعية، ومحاولة ربطها في سياق زمني ومن ثم استقراء الحقائق، واللجوء إلى المنهج الوصفي المتجسد في الإحصاءات الوصفية التي تعنى بجمع البيانات الرقمية وعرضها في جداول بيانية. فالمنهج الإحصائي يهتم بتطوير الأفكار النظرية وتطبيقها من أجل تفسير بيانات رقمية معينة والخروج منها باستدلالات واضحة.

أهمية البحث: يرى البحث في مسألة انتهاك الاحتلال الصهيوني لحق الشعب الفلسطيني في المجالات التربوية والثقافية، عمقًا يدفع الباحث الاجتماعي إلى ملامسته. وقد لفت الانتباه إلى أنّ المقاومة الفلسطينية هي حالة اجتماعية تاريخية، فهي ظاهرة اجتماعية مركّبة ومتعددة المستويات، تخلق سياقًا اجتماعيًا يعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية. يرصد البحث الانتهاكات الإسرائيلية عبر عرضه واقع التعليم في غزّة قبل طوفان الأقصى وبعده، مبينًا في ذلك حجم الدمار الذي لحق بالمؤسسات التعليمية والضحايا البشرية التي نجمت عنها. ينظر البحث في الوضع الفلسطيني الكارثي، وبخاصة في الأيام الاحتفالية السنوية، وما يحمله هذا الوضع من معاني تتعدّى كلّ ما مرّت به الدول من مآسٍ عبر التاريخ، فيبيّن التعدي الصارخ للسلطات الإسرائيلية على النصوص والمعاهدات والمواثيق الدولية. كما يتناول ردود أفعال بعض المنظمات الدولية (اليونسكو، الألكسو، والإيسيسكو)، تجاه ما يحدث في فلسطين بعد طوفان الأقصى، وضرورة العمل على الاضطلاع بمسؤولياتها في حماية المنظومة التربوية والتراث الإنساني في غزة والأراضي الفلسطينية كافة.

الإطار النظري

يكمن جوهر دينامية المجتمع بحسب آلان تورين في الحركات الاجتماعية بوصفها ذوات فاعلية، ترتبط مباشرة بالتاريخانية؛ أي بالعلاقات وصراعات القائمة[7]، وهو ما جعل تورين يراهن على سوسيولوجيا الفعل التي تهتم بدراسة الأفعال والعلاقات والصراعات[8]. كما تعمل الحركات الاجتماعية بأن تمتلك التاريخ لنفسها من خلال الدفاع عن هويتها واستقلالها ضد خصومها. فأهم ما يميزها هو المرور من الهوية الدفاعية إلى الهوية الهجومية، وهذا ما ميّز طوفان الأقصى؛ فما عرف عن الفلسطينيين هو محافظتهم في المقاومة على مستوى ردّ الفعل، إلا أنّهم في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أخذوا زمام المبادرة وشنّوا هجومًا على الكيان الإسرائيلي. فالمقاومة لا تأتي من قوة خارجية وإنما هي تشبهها، وليس هناك أسبقية منطقية أو زمنية للمقاومة، فزوجي «المقاومة والقوة» يختلف عن ثنائي «التحرر والسيطرة» ويجب أن تتمتع المقاومة بخصائص القوة نفسها[9].

نشأت حركة حماس في استقلال نسبي عن الدولة وسعت إلى التعبير عن امتلاكها التاريخانية، ويتبلور مفهوم الذات الفاعلة كتعبير عن هذه الحركية الاجتماعية[10]. وفكرة الذات الفاعلة تستدعي فكرة النضال الاجتماعي[11]، وهي تتجسد بوضوح في صور المقاومين في غزة من أجل الحرية، ويظهر من خلال التزاماهم ومسؤولياتهم «تجاه حق كل فرد في العيش بكرامة والاعتراف له بهذه الكرامة»[12].  وتتجلى فكرة الكرامة بوضوح حينما تصبح هي الفكرة المركزية عند الفاعلين الاجتماعيين الذين يصارعون من أجلها[13].  فالمقاومة الفلسطينية هي حالة اجتماعية تاريخية، يتمثل وجهها الأبرز بالمواجهة المسلحة التي تقوم على المواجهة بين الإرادة التحررية، والإرادة الاستعمارية، التي هي في الحالة الصهيونية إرادة احتلال إحلالي واستيطاني، يمارس التهجير ويعمل على تعويض أصحاب الأرض الأصليين بغُزاة ومستوطنين. وللمواجهة العسكرية انعكاساتها على المجتمعات، إذ يقع المساس بالتنظيم الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي والسياسي. وبهذا المعنى، تصبح المقاومة ظاهرة اجتماعية مركبة ومتعددة المستويات، تخلق سياقًا اجتماعيًا يعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية فيه[14].

أفرز طوفان الأقصى مخرجات تربوية وقيميّة جليّة تتمثل بخاصة بالهمّة العالية والصمود القوي للفلسطينيين، وفي معاملة المقاومة الفلسطينية للأسرى لديها. كذلك تظهر في مجتمع المقاومة العربي الإسلامي، الذي ظهر في الحركة الواسعة لدى الجماهير عبر التظاهر لمساندة المقاومة الفلسطينية. أمّا على المستوى الإنساني العالمي، فقد تمّت مساندة الكثير من الدول للمقاومة الفلسطينية. لذلك فقد مثّل مجتمع المقاومة نقطة مركزية في تحول ثقافة المقاومة لاستعادة التفكير النقدي في كثير من المقولات، لا فقط في اتجاه كشف المقولات السياسية الاستعمارية المساندة للاحتلال الصهيوني، بل في اتجاه إحداث انعطافة كبرى على المستوى العالمي لأنها وضعت على محك الاختبار جملة الادّعاءات التي قامت عليها الثقافة الفكرية والعلمية السائدة[15].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 545 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 545 تموز/يوليو 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 545 في تموز/يوليو 2024.

وفاء كردمين: أستاذة مساعدة للتعليم العالي في علم الاجتماع

المعهد العالي للعلوم الإنسانية، مدنين – تونس.

حقوق الصورة لوكالة فرانس برس.

[1]   Philip L. Kelly, «Escalation of Regional Conflict: Testing the Shatterbelt Concept,» Political Geography Quarterly, vol. 5, no. 2 (April 1986), pp. 161-180, <https://tinyurl.com/5n974w6a> (accessed on 10 October 2023)

[2]   Colin Gray, «In Defense of the Heartland: Sir Halford Mackinder and his Critics a Hundred Years On,» Comparative Strategy, vol. 23, no. 1 (2004), pp. 9-25 (Published online 24 June 2010).

[3]   «نظرية «الردع الإسرائيلي» بين حرب الغفران وطوفان الأقصى،» مركز سوث 24 للأخبار والدراسات، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://south24.net/news/news.php?nid=3596>

[4]   مهاب عادل، «التداعيات الجيوبوليتيكية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في ضوء عملية طوفان الأقصى،» مركز الأهرام للدارسات السياسية والاستراتيجية، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://acpss.ahram.org.eg/News/21028.aspx>.

[5]   Jacques Ardoino, Education et politique, collection hommes et organisations (Paris : Ed Anthropos, 1999), p. 124.

[6]   نجاح حمود، «الحرب على التعليم.. لماذا تتعمّد «إسرائيل» تفعيلها في قطاع غزة؟،» الميادين.نت، 8 شباط/فبراير 2024، <https://tinyurl.com/2s3d6rnv>.

[7]           Alain Touraine, Production de la société (Paris : Le Seuil, 1973), p. 19.

[8]    عبد الإله فرح، آلان تورين ودينامية السوسيولوجيا (الرباط: مؤمنون بلا حدود، 2018).

[9]           Michel Foucault, Le Courage de la vérité (Paris : Gallimard Seuil, 2009).

[10]         Alain Touraine, Le Retour de l’acteur (Paris : Fayard, 1984), p. 15.

[11]   آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان؛ مراجعة سميرة ريشا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص 179.

[12]   المصدر نفسه، ص 233.

[13]         Alain Touraine, Nous-sujets humains (Paris : Ed. du Seuil, 2015).

[14]   منير سعيداني، «مجتمع المقاومة وثقافتها،» محاضرة على منبر إلكتروني، مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب العربي- تونس، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://tinyurl.com/22bj5r5y>.

[15]    المصدر نفسه.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز