مقدمة
[1]في عالم متشابك المصالح ومعقد التركيب، أضحت حتمية الاعتماد المتبادل الأساس في العلاقات الدولية، ومصدرًا للتفكير المستقبلي لمختلف دوائر الحكم في دول العالم، وهي أيضًا إحدى أهم سمات وخصائص النظام الدولي، الذي يفرض نفسه وتجلياته على سلوكيات مختلف الوحدات السياسية الفاعلة فيه، سواء ذات التأثير الواضح أو المحدودة التأثير، ومن هذا المنطلق أضحت كل التحولات والتغيرات التي قد تطرأ على المنظومة الدولية، ذات تأثيرات متعددة في الدول والحكومات كافة، والحروب والنزاعات البينية بين الدول هي أبرز هذه التحولات على الإطلاق.
بعد الإعلان في فجر يوم 24 شباط/فبراير 2022 عن اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، التي كانت متوقعة بحسب دوائر الحكم وصناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، انطلقت أقلام الكتّاب والباحثين المهتمين بالقضايا والشؤون الروسية، وكذا متتبعي تطورات الأوضاع بالفضاء الأوروبي، في التحليل وبناء التنبؤات في ما يخص المواقف الأوروبية المختلفة من الحرب، وتداعياتها على اقتصادات بلدان القارة والعالم ككل، كون الحرب جمعت بين قطبين أساسيين يتحكمان ويؤثران في قطاعَي الطاقة والأمن الغذائي.
وعلى نحوٍ موازٍ، ظهرت عدة تحليلات تناولت موقع البلدان العربية من أحداث الحرب، والتجاذبات المتسارعة التي رسمتها على خارطة وتوازنات إمدادات الطاقة، حيث إن كثيرًا من البلدان العربية تدخل ضمن الحسابات الدقيقة لسوق الطاقة العالمية لما تحوزه من احتياطيات هائلة وقدرات إنتاجية كبرى، وبخاصة في ظل تلويح واستخدام روسيا الاتحادية لسلاح الغاز، وهي تعَدّ صاحبة النصيب الأكبر من حيث تمويل البلدان الأوروبية من هذه المادة الحيوية.
وفي هذا الإطار ليست الجزائر بمنأى من هذه الأحداث والتجاذبات، بل تُصنّف كمحورٍ أساسي ولاعب مهم جدًا في ظل هذه الظروف الاستثنائية، فهي من أهم مصدري الغاز الطبيعي للقارة الأوروبية وأبرز مستوردي الحبوب والقمح منها. وهذه المعطيات جعلتها تقع ضمن معادلةٍ جدُّ معقّدة إقليميًا ودوليًا، وهذا ما يفسّر توالي الزيارات المكوكية لقصر المرادية في الجزائر العاصمة، بدايةً بوزير الخارجية الرّوسي ثم وزير الخارجية الأمريكي، وأعقبتها مباشرةً زيارة المفوض الأوروبي للشؤون الخارجية. ومن جهةٍ أخرى تسارعت وتيرة عقد الاتفاق الثلاثي لـ «خط غاز الصحراء الكبرى» ما بين كل من: الجزائر والنيجر ونيجيريا، وهو الاتفاق الذي كان معطّلًا لحقبة قاربت الخمس عشرة سنة.
الإطار المنهجي
يكتسي البحث أهمية بالغة كونه يعالج جزئية محورية وحساسة بالنسبة إلى حسابات صناع القرار في مختلف الأنظمة السياسية. إن الجزائر، وبحكم قربها الجغرافي من القارة الأوروبية، وكذا كبر حجم التبادلات والتدفقات بشتى أنواعها بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي، تجد نفسها في قلب الانشغال العالمي حول مسألة إمدادت الطاقة للقارة من جهة، وهي معنية أيضًا لدواعٍ واعتبارات داخلية بضمان أمنها الغذائي الذي يعتمد قطاع كبير منه على الشركاء الأوروبيين.
يهدف البحث بالأساس إلى دراسة أوجه التداخلات والتعقيد الذي ميّز تجاذبات الأطراف الأوروبية والغربية في تعاملها وتوجسها من الطرف الجزائري، وذلك في ظل أزمة الطاقة التي تواجه الدول الأوروبية بعد الخناق الذي فرضته روسيا عليها بعد اندلاع الحرب على أوكرانيا، وكذلك يهدف إلى معرفة أهم التوجهات العامة لرؤى النظام الجزائري حيال جدلية توفير موارد الطاقة للشركاء والدول الأوروبية من جهة، والبحث عن مقاربة لتأمين وضمان إمداد الغذاء والحبوب من القارة الأوروبية للبلاد.
في ضوء ما سبق يحاول البحث الحالي التعامل مع إشكالية الدور الجزائري الممكن إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، وبخاصة مع ما أفرزته من أزمة غذاء حادّة بالأسواق العالمية بوجهٍ عام والعربية بوجهٍ خاص، وكذا ما أنتجته من ارتفاع لأسعار الطاقة بسبب زيادة الطلب وقطع روسيا تمويل الغاز لكثير من الدول الأوروبية، وستسعى الورقة للإجابة عن سؤال رئيسي مفاده:
ما حدود وهامش تحرّك صانع القرار في الجزائر إزاء الحرب الروسية – الأوكرانية في ظل ما تملكه البلاد من فرص تحقيق مكاسب اقتصادية من جرّاء الأهمية المضطردة للغاز في الفضاء الأوروبي؟ وما بدائل التعامل مع ما تفرضه تداعيات مهددات الأمن الغذائي المتوقعة من الانعكاسات السلبية للحرب على الجزائر؟
بناءً على ما تفرضه الأحداث الجارية من جرّاء تداعيات الحرب الروسية – الأوكراينة على الدول ككل والجزائر بوجه خاص، وكذا ما أنتجته من وقائع ومستجدات على الساحتين العربية والأفريقية، فإن البحث ينطلق من فرضية رئيسية مفادها أنّ الجزائر ستحاول قدر المستطاع أن تستفيد من الواقع الذي يضعها في مركز قوة لامتلاكها ورقة الطاقة المتمثلة بالغاز الطبيعي، مع الأخذ في الحسبان جوانب التأثر من جرّاء اعتمادها شبه الكلي على القارة الأوروبية في وارداتها من الحبوب والقمح.
اعتمد البحث بصورة أساسية على المنهج الإحصائي التحليلي، وذلك لكونه الإطار المنهجي الأكثر ملاءمة لتحليلات كهذه. وهو المنهج المناسب لمعرفة وإدراك التوجهات المستقبلية للنظام السياسي الجزائري في ظل التطورات والمستجدات على الساحة الدولية، الناتجة أساسًا من انعكاسات الحرب الروسية – الأوكرانية.
أوّلًا: حجم تأثير الغاز الجزائري في السوق الأوروبية
بوجود كثير من المصادر والثروات الطبيعية التي تزخر بها الجزائر، مع البنية التحتية الملائمة التي تمّ إنشاؤها في مجال الطاقة (استكشافًا واستخراجًا وإنتاجًا)، تبقى الجزائر إحدى أبرز وأهم الدول المنتجة والمصدّرة للغاز الطبيعي، وذلك بنسبةٍ تسويقية قدرها 65 مليار م3 سنويًا، تُصدَّرُ في شكليها أي عبر الأنابيب وفي صيغة الغاز المسال. وقد سطّرت الجزائر منذ أواخر تسعينيات القرن المنصرم برنامجًا لمضاعفة تصدير الغاز الطبيعي نحو الأسواق العالمية، وبالأخص الأوروبية، لعدّة أسباب أهمها القرب الجغرافي وسهولة النقل، وقد رسمت الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك لهذا الغرض خطة بعيدة المدى، اعتمدت بالأساس على تدعيم ثلاثة محاور أساسية هي:[2]
– مضاعفة مبيعات الدولة من الغاز الطبيعي مقارنة بالبترول.
– تطوير حقول الغاز الطبيعي وتكثيف عملية الاستكشافات الجديدة.
– إعادة خلق شبكة جديدة لنقل صادرات البلاد من الغاز الطبيعي.
وبالنسبة إلى سوق الغاز الأوروبية التي تعد الأكثر استهلاكًا للإنتاج الجزائري، فقد شهدت ارتفاعًا مضطردًا منذ مطلع سنة 2021، وذلك حتى قبل ما شهدته القارة من أحداثٍ سياسية متسارعة، تمثّلت بالأساس في الحرب الرّوسية – الأوكرانية. وقد تولّد من هذه التغيرات والمستجدات الكثير من الانعكاسات على حركية ودينامية الطلب الأوروبي الكلي على الغاز، الذي يعدّ مادةً حيوية في تفعيل وتنشيط عجلة اقتصادات بلدان القارة، وكذا في توليد الكم الهائل من الطاقة الكهربائية ذات الأهمية القصوى في إقامة وإطلاق المشاريع الصناعية الكبرى. تأثر الوسط الأوروبي بحالةٍ من زيادة الطلب العالمي على الغاز، وبخاصة منذ الربع الثالث لسنة 2021. على سبيل المثال «سُجلت زيادة ملحوظة لإمدادات الغاز الطبيعي على مستوى القارة الآسيوية نتيجة موجات الحر المفاجئة والحاجة إلى توليد مستويات أكبر من الطاقة الكهربائية»[3]، الأمر الذي ساهم في زيادة قيمة العقود الدولية لمادة الغاز التي أثرت بالضرورة في مستويات الطلب والاستهلاك في القارة الأوروبية.
وعليه، فقد مثّلت سنة 2021 بداية التذبذب في سوق الغاز الأوروبية، سواءٌ التفاوتات والتباينات البينية من حيث حجم الاستهلاك، أو من حيث التعاقدات المختلفة مع أهم المورّدين لدول القارة، ونتيجة لجدلية الحاجة المتزايدة إلى الغاز من جهة، والاحترازات الحكومية والإقليمية بضرورة ترشيد وعقلانية الاستهلاك الكلي للغاز في مجالَي الصناعة وتوليد الطاقة، وزيادة الطلب العالمي مع تخوفات من زيادة الإنتاج من طرف أهم الدول المصدّرة للغاز بالعالم من جهةٍ أخرى، كانت النتيجة تذبذبًا حادًا في حجم الاستهلاك الأوروبي على هذه المادة، الأمر الذي لم تتوقف تأثيراته على مستوى الاقتصاد الكلي للبلدان الأوروبية وكذا حلقة وسلسلة التصنيع المرتبطة بها بصورة مباشرة فقط، بل أثرت أيضًا في الحياة اليومية للمواطنين في القارة. وفي هذا الإطار سجّل تقرير اللجنة الأوروبية للطاقة الخاص بحوصلة سنة 2021 «تراجعًا في مستويات استيراد الدول الأوروبية للغاز بنسبة 9 بالمئة بداية من نهاية الربع الثاني من سنة 2021، أي نحو 17 مليون م3 وبنسبٍ متفاوتة بين الدول الأوروبية. وقد أشار التقرير إلى أكثر الدول الأوروبية تراجعًا في مستوى الاستيراد على النحو التالي: إسبانيا 4.9 مليون م3، فرنسا بـ 3.7 مليون م3، ثم إيطاليا بنحو 2.3 مليون م3 »[4].
في السياق نفسه جديرٌ بالذكر أنه قبل التفصيل في مكانة وتموضع الغاز الجزائري في السوق الأوروبية بوجهٍ عام، وبُعيد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية بوجهٍ خاص، لا بد من دراسة وضع الطلب والاستهلاك الكلي في السوق الأوروبية على الغاز الطبيعي، لمعرفة حجم أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الجزائر في ظل هذه التطورات والمحددات. من هذا المنطلق، أشارت أغلبية التقارير والبيانات إلى وجود حالةٍ من التراجع في معدلات الاستهلاك لمادة الغاز الطبيعي بمختلف البلدان الأوروبية في منتصف سنة 2021 (انظر الشكل الرقم (1))، فقد رصدت هيئة Eurostat, data نسبة انخفاض في استهلاك الغاز على مستوى القارة الأوروبية قدرها «10.4 بالمئة، أي ما يقدر بـ 7.5 مليون م3، فبعد أن كان الاستهلاك الكلي بنحو 71.9 مليون م3 في الثلاثي الثالث لسنة 2021، فقد تراجع إلى نحو 64.4 مليون م3 في نفس الثلاثي من سنة 2021»[5]، وقد عُزي هذا الانخفاض بالأساس إلى عوامل مرتبطة «بالارتفاع الواضح لأسعار الغاز في السوق الدولية، وكذا للتغيرات المناخية التي طرأت قبيل صيف سنة 2021»[6].
الشكل الرقم (1)
الفرق في الاستهلاك الكلي للغاز في أوروبا 2015-2021

المصدر: Eurostat, data as of December 9, 2021 from data series nrg_103m.
في الإصدار التالي من هذا التقرير، قد تتغير الأرقام بأثر رجعي.
كما هو موضح في الشكل الرقم (1)، شهد الطلب على الغاز، وكذا معدلات توريده لمختلف البلدان الأوروبية، تراجعًا واضحًا في الأشهر الأخيرة من سنة 2021، وهذا راجع بالضرورة إلى حالة الاحتقان والتوتر الذي شهدته القارة في بدايات الحشد العسكري الرّوسي على الحدود مع أوكرانيا، وهو ما يبيّن نسبة الاعتماد الكلي من طرف الدول الأوروبية على المصدر الرّوسي، وهي الجزئية التي يجب أن تستدركها دوائر الحكم في الجزائر، لكي تؤدي دور البديل لقطاع كبير ومهم من دول القارة.
تعَدّ الجزائر إحدى أبرز الدول النفطية والمصدّرة للغاز الطبيعي في القارة الأفريقية والوطن العربي، وإن كانت لا تمتلك تلك الاحتياطيات الكبرى مقارنة بدولة قطر العربية مثلًا، إلا أنها تبقى تمثّل رقمًا صعبًا، وبخاصة إذا تحدثنا عن علاقتها وتأثيرها في السوق الأوروبية، وذلك لعدّة أسباب ومحددات أهمها على الإطلاق، الانخفاض في تكلفة الاستخراج والإنتاج، وكذا النقل إلى عمق عدد من العواصم الأوروبية، وبخاصة تلك التي تعتمد إلى حدٍّ كبير على البديل الجزائري، على غرار فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن هذه الدول تحتل المراتب الأولى في القارة الأوروبية من حيث نسب استيراد الغاز، «ففي الوقت الذي تحتل فرنسا المرتبة الأولى بنسبة 25 بالمئة من إجمالي واردات القارة، تحتل إسبانيا المرتبة الرابعة بنسبة 11 بالمئة، وتليها إيطاليا في المرتبة الخامسة بنسبة 10 بالمئة» [7].
بالنظر إلى السوق الأوروبية، في ما يخص الحاجات من الغاز الطبيعي، تواجه الجزائر منافسةً كبيرة مع كثير من القوى والمنتجين الرئيسيين الذين تعتمد عليهم أغلبية البلدان الأوروبية في سد حاجاتهم (انظر الشكل الرقم (2)). وفي هذا الإطار، وتركيزًا على الحقبة التي سبقت الحرب الروسية – الأوكرانية، فقد أُتيحت للجزائر فرص متعددة لتحسين موقعها ونيل مكاسب جديدة، «مكّنتها من تأدية دورٍ مهم بحسابات إمدادات الغاز لأوروبا بزيادة قدرها 48 بالمئة. أهم هذه التغيرات تراجع الدور الليبي في ما يخص حجم توريد الغاز لأوروبا بنسبة 22 بالمئة» [8]، بالنظر إلى الحالة السياسية غير المستقرة التي تشهدها البلاد منذ سنة 2011، وكذا التحسّن الطفيف في مناخ الاستثمار في الجزائر وبخاصة مع بعض الشركاء الأساسيين مثل إيطاليا، لتعزيز الحضور الجزائري في سوق الطاقة الأوروبية.
الشكل الرقم (2)
أهم الدول المصدّرة للغاز إلى القارة الأوروبية 2018 – 2021

المصدر: ENTSO-G Transparency Platform, data as of December 2, 2021, p. 7.
بمجرّد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية مطلع سنة 2022، التي أثرت في أغلب – إن لم نقل كل – اقتصادات البلدان الأوروبية بصورةٍ مباشرة، وفي الاقتصاد العالمي ككل بصورة غير مباشرة، أصبحت الجزائر في صلب اللعبة والحسابات القارية الأوروبية في ما يخص حرب الطاقة والغاز التي اجتاحت أجندات صنّاع القرار في القارة الأوروبية، وبخاصّة أنّ روسيا تحظى بالنصيب الأكبر كونها تعدّ المورد الأساسي والرئيسي للغاز إلى أغلبية الدول الأوروبية، بنسبٍ وحصص متفاوتة ومؤثرة بقوة في حركية الطاقة والتصنيع ككل. منذ ذلك الحين أضحت الجزائر كوجهة وبديل مطروح لبقية الدول في ما يخص سد حاجاتها من الغاز الطبيعي، «الأمر الذي تمّ رصده منذ الأشهر الأولى لسنة 2022، حيث أتاحت الجزائر ما نسبته 12.6 بالمئة من حاجات القارة من الغاز الطبيعي»[9]، لترسخ بذلك مكانتها كثالث أبرز مصدّر للغاز إلى القارة الأوروبية بعد كل من روسيا والنرويج.
عقب هذه المستجدات، سعت عدة دول أوروبية إلى عقد تفاهمات ورسم بدائل متعددة، بُغية مواجهة عواقب وانعكاسات استخدام روسيا الاتحادية ورقة الغاز، في خضم التطورات التي تشهدها الحرب في أوكرانيا. وقد طرحت في هذا الشأن عدّة بدائل وخطط، من بينها تقوية خطوط إمداد جديدة تنطلق من قطر وأذربيجان، أو الإبقاء على مصادر الإمداد القديمة مع تبني سياسة ترشيدية عقلانية في استهلاك الطاقة، وهو الأمر الذي لم يلقَ ترحيبًا وتوافقًا أوروبيين. وفي هذا الشأن مثّل موضوع الاعتماد على الغاز الجزائري نقطة نقاش وجدل كبيرين في أوساط القرار الأوروبي، وأثيرت حوله عدّة تحليلات خرجت بعضها عن السياق الاقتصادي إلى وصفها مسألة متعلقة بالتوازنات السياسية الإقليمية القارية.
في هذا الشأن كتب الباحثان رينهيلد بوكايرت وكلير ديبون (Reinhild Bouckaert and Claire Dupont) بلهجة تحذيرية من التوجه إلى اعتماد الجزائر كبديل لتنويع مصادر تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي، دراسة لخّصا فيها هذه المخاطر في نقطتين أساسيتين هما:
– «الشراكة والتحالف التاريخي – الجزائري الروسي في عدّة مجالات وقضايا محورية، والتشديد على الطبيعة التسلطية للنظام الجزائري»[10]، وهو ما من شأنه أن يورط الدول الأوروبية المتعاقدة والمعتمدة على الغاز الجزائري، ويُعقّد حساباتها، وبخاصة أن مسار الحرب الروسية – الأوكرانية يتجه نحو التعقيد بحلول فصل شتاء 2022.
– استخدام الجزائر ورقة الغاز لتحقيق أهدافٍ سياسية، وهنا أشار الباحثان إلى مسألة تدهور العلاقات الجزائرية – الإسبانية بسبب موقفها من قضية الصحراء الغربية و«تلويح الجزائر بفسخ عقود إمداد الغاز لإسبانيا كإجراء عقابي ردًا على موقفها السلبي المذكور آنفًا»[11].
بالنظر إلى هذا التوجه والتحليل الضيق، والتوقع غير الدقيق لموقف وسياسة الجزائر لتصدير الغاز إلى أوروبا، يبقى هذا التحليل قاصرًا لعدّة أسباب، أهمها أن الشراكة الجزائرية – الأوروبية قديمة في عدة مجالات بما فيها الطاقة، ولم يتم طرح مسألة «التسلط» وقضايا حقوق الإنسان من قبل، على الأقل طوال العقدين الماضيين، وأنّ ما شهدته العلاقات الجزائرية – الإسبانية يبقى فقط في جانبه الثنائي ومنعزلًا عن علاقات الجزائر ببقية الدول الأوروبية، بدليل اتفاقيات الشراكة الجزائرية – الإيطالية، وكذلك إطلاق كل من الجزائر والنيجر ونيجيريا مشروع «خط غاز الصحراء الكبرى»، الذي من شأنه أن يضمن قدرًا كبيرًا من حاجات أوروبا لهذه المادة الحيوية.
ثانيًا: أبعاد الاعتماد الجزائري
على موارد الغذاء من البلدان الأوروبية
يعَدّ مفهوم الأمن الغذائي أحد أهم المفاهيم والأهداف المحورية في سياسات الحكومات والدول، إذ ترتبط تأثيراته السلبية والعكسية في حال محدوديته على الوضع الاجتماعي العام لأي مجتمع، وقد يكون سببًا مباشرًا في إثارة وإحداث حالات اللاأمن وعدم الاستقرار، وبحسب مؤتمر قمّة الغذاء العالمي لسنة 1996، فإنّ «الأمن الغذائي يتوافر عندما يتمكن الجميع في جميع الأوقات بالقدرة المادية والاقتصادية من الحصول على كميّات كافية من الغذاء السليم والمغذي لتغطية حاجاتهم، ويحقق تفضيلاتهم الغذائية ليعيشوا حياة فعّالة وصحية»[12].
من جانب آخر، وبحسب المنظمة العربية للتنمية الزراعية، يتمثّل الأمن الغذائي بـ«توفير الغذاء بالكمية والنوعية اللازمتين للنشاط والصحة وبصورةٍ مستمرة لكل أفراد الأمة العربية، اعتمادًا على الإنتاج المحلي أوّلًا، وعلى أساس الميزة النسبية لإنتاج السلع الغذائية لكل قُطر، وإتاحته للمواطنين العرب بالأسعار التي تتناسب مع دخولهم وإمكانياتهم المادية»[13]، ووفق هذا التعريف من الضروري وضع استراتيجية عربية متكاملة تعكس آلية للاعتماد المتبادل في إطار سد حاجات الحكومات العربية من المواد الغذائية الأساسية، وهذا كأولوية ثانية بعد تحفيز الإنتاج المحلي، قبل التوجه إلى سياسات الاستيراد والاعتماد على الخارج، الهادفة إلى ضمان الأمن الغذائي للبلدان العربية.
ما إن اندلعت الحرب الرّوسية – الأوكرانية مطلع عام 2022 حتى أثارت كثيرًا من الانعكاسات والتداعيات على اقتصادات أغلب البلدان، وهذا يعود في الأساس إلى حالة الارتباط ومستويات الاعتماد المتبادل الوثيقة بين الوحدات السياسية، وهذا يعَدّ أحد أبرز سمات بُنية النظام الدولي الحالي القائم. وقد مثّلت مسألة الأمن الغذائي أحد أهم التحديات التي واجهت المنظومة الدولية، وبخاصة أن الحرب جمعت ما بين أكبر الدول المنتجة والمصدّرة للقمح في العالم. تمثل أوكرانيا السلة الغذائية لقطاع كبير من بلدان القارة الأوروبية وغيرها (42 بالمئة من الإنتاج العالمي لزيت بذور عباد الشمس، 16 بالمئة من إنتاج العالم من الذرة، و9 بالمئة من إنتاج القمح)[14]. لقد وضعت هذه الحرب الأمن الغذائي للدول التي تعتمد على الإنتاج والمصدر الأوكراني في موقف شديد الحساسية، وهو ما أدى إلى إعادة النظر في البدائل الممكنة لتأمين حاجاتها من المواد الغذائية.
لم يمثّل الوطن العربي استثناءً عن الوضع العام للأزمة الغذائية التي شهدها العالم منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، إذ عرفت المنطقة العربية صعوبة متزايدة في التأقلم مع المستجدات التي فرضتها التحولات المتسارعة في مسار الحرب وسيرورتها، نظرًا إلى حالة الاعتماد الكبير لكثير من الأقطار العربية على كل من روسيا وأوكرانيا في تلبية حاجاتها الغذائية. وفي هذا الإطار وبحسب تقرير وبيانات برنامج الغذاء العالمي، «فإن المنطقة العربية تتأثر بشكل كبير من تبعات الحرب الأوكرانية، نظرًا لأنها تستورد نحو 42 بالمئة من حاجاتها من القمح و23 بالمئة من حاجاتها من الزيوت النباتية من كل من أوكرانيا وروسيا»[15].
لطالما حظي موضوع الأمن الغذائي باهتمامٍ بالغ لدى دوائر صنع القرار في النظام السياسي الجزائري منذ نيل الاستقلال عن المستعمر الفرنسي سنة 1962، وقد رسمت السلطات الجزائرية على مرّ هذه السنوات، الكثير من الخطط والبرامج الحكومية الرّامية إلى سد فجوة الاعتماد الخارجي على حاجاتها من المواد الغذائية الأساسية، وبخاصةٍ تلك التي تدخل ضمن نطاق المواد الأكثر استهلاكًا، أهمها على الإطلاق القمح بنوعيه (صلب وليّن)، ونظرًا إلى كون الجزائر مصنّفة من بين البلدان النفطية في المنطقتين العربية والأفريقية، فقد كانت ولا تزال تعتمد على مداخيل النفط لتلبية ودفع فاتورة الاستيراد من حاجاتها الغذائية، وبخاصة القمح والحبوب، وقد مثّلت القارة الأوروبية في هذا الشأن المورد الأساسي لمختلف المواد الغذائية للسوق الجزائرية، «فاستنادًا إلى الإحصاءات الصادرة من مرصد بيانات التجارة (Trade Data Monitor (TDM)) تعتمد الجزائر في استيراد الحبوب على بلدان الاتحاد الأوروبي بنحو 5.94 مليون طن سنويًا، أي ما نسبته 78 بالمئة من إجمالي فاتورة استيراد المواد الغذائية»[16].
واللافت للانتباه في هذا السياق، أن الاستيراد الجزائري من القمح بوجهٍ خاص، قد عرف خلال السنوات الخمس الأخيرة تغيرات ومستجدات جذرية، ففي الوقت الذي «أسست الحكومة الجزائرية سياساتها الزراعية على أساس تشجيع الاستثمار في المواد الغذائية الأكثر استهلاكًا على غرار القمح لكبح فاتورة الاستيراد»[17]، «لوحظ عودة البديل الروسي إلى السوق الجزائرية بقوة منذ سنة 2016، كتطبيق لمبدأ تعميق الشراكة الجزائرية – الروسية الاستراتيجية في شتى المجالات»[18]، لتدخل روسيا الاتحادية كطرف منافسٍ قوي للدول التقليدية المصدّرة للحبوب والقمح إلى الجزائر، على رأسها كل من فرنسا وألمانيا. وقد أثرت هذه التغيرات في هامش حركة النظام الجزائري في الوقت الرّاهن الذي يشهد حربًا روسية – أوكرانية والتداعيات التي نجمت عنها، وهي النقطة التي سيأتي التفصيل عليها في المحور الأخير من هذه الورقة.
على الرغم من إقرار الكتابات والدراسات المتعلقة بالسياسات الحكومية الجزائرية في القطاع الزراعي، بوجود إرادة سياسية هادفة إلى تدعيم ومضاعفة إنتاج الدولة من الحبوب والقمح، وبخاصة في العقد الأخير، إذ تشير أغلبية التقارير إلى حدوث ارتفاع ملحوظ ولو على نحوٍ طفيف، فبحسب وزارة الزراعة الأمريكية شهدت وتيرة الإنتاج تحسنًا ملحوظًا منذ سنة 2019، إذ حققت الجزائر محصولًا إجماليًا في القمح قدره 3.94 مليون طن، إلا أنّ هذه السياسات لا تزال تواجه عدّة تحديات، أهمها الزيادة في عدد السكان، إذ يفوق عدد السكان في البلاد 44 مليون نسمة، وكذلك ظاهرة النزوح الريفي التي بلغت 73 بالمئة[19]، اللتان أثرتا بصورة مباشرة في نقطتين أساسيتين هما:
– العزوف عن الأنشطة الزراعية وانحسارها في رقع ومساحات زراعية قليلة (انظر الشكل الرقم (3))، بالرغم من أن الجزائر معروفة بشاسعة مساحتها الجغرافية وخصوبة أراضيها وبخاصة في الشريط الشمالي.
– الزيادة الهائلة في نسبة استهلاك القمح التي بلغت 10.7 – 11 مليون طن سنويًا[20]، الأمر الذي يدفع باستمرار حلقة الاستيراد الخارجي لتغطية العجز الحاصل ما بين نسبة الإنتاج ومعدلات الاستهلاك.
الشكل الرقم (3)
مردود متوسط زراعة القمح في الجزائر مقارنة ببعض الدول الأخرى 2009

المصدر: رشيد حويشيتي وعمار فوفو، «ضرورة رفع الإنتاجية الزراعية في الجزائر من أجل دعم الأمن الغذائي،» ورقة قدمت إلى: أشغال الملتقى الدولي حول «إشكالية الأمن الغذائي في الوطن العربي التحديات المستقبلية في ظل تقلبات الأسعار»، جامعة سكيكدة، تشرين الثاني/نوفمبر 2011، ص 8.
من جهةٍ أخرى أيضًا، إن هذه الإرادة السياسية في الجزائر التي بنيت على أساسها مختلف البرامج الحكومية في قطاع الزراعي، لم تكن كافية للتقليل من فاتورة الاستيراد الضخمة في المواد الغذائية الآتية من القارة الأوروبية، فبحسب تقرير لوكالة رويترز الإخبارية، يظهر وجود تزايد في تكاليف الاستيراد في السنوات الثلاث التي عرفت انتشارًا لجائحة كورونا، «فبعد أن كان إجمالي مدفوعات الجزائر لتغطية حاجاتها من القمح (اللين والصلب) المستورد من أوروبا نحو 614.39 مليون دولار سنة 2019، قفز إلى نحو 629.50 مليون دولار سنة 2020»[21]، وذلك بالرغم من التصريحات الحكومية الجزائرية المتعددة بوجود نوع من الأريحية في إنتاج الدولة من القمح، والاقتراب من سقف «الاكتفاء الذاتي».
بالنظر إلى كل هذه المعطيات المتحكمة في سوق الغذاء الأوروبي، وكذا في البدائل المتاحة لدى صانع القرار الجزائري في تعاملاته التجارية الخارجية، وبخاصة في ما يتعلق بالمواد ذات الصلة الوثيقة بالأمن الغذائي القومي للبلاد، يبقى الوضع دقيقًا جدًا، وخصوصًا مع ما تشهده القارة والعالم من الحرب الروسية – الأوكرانية، ومع الأخذ في الحسبان أيضًا وقوع الجزائر في المنطقة الرّمادية في ما يخص توازنات ودينامية العلاقات الأوروبية من جهة، والشراكة الاستراتيجية التاريخية مع روسيا من جهة أخرى، وهذا ما يُبرز بصورة جلية الحالة الجدلية التي تواجهها الحكومة الجزائرية في هذا الظرف الحساس.
ثالثًا: تموضع الجزائر في ضوء تداعيات
الحرب الروسية – الأوكرانية
حاول الكثير من التحليلات والكتابات، الصحافية منها والأكاديمية، من خلال التطرق إلى مسار الحرب الروسية – الأوكرانية، رصد وحصر التداعيات والانعكاسات الممكنة للحرب على اقتصادات الدول من جهة، وكذا تبيان الاستراتيجيات والسيناريوهات الممكنة التي من شأنها أن تجنبها الأثر السلبي لهذه التداعيات من جهةٍ أخرى. وعليه، فالجزائر، وبالنظر إلى الحالة التوسطية المحورية التي تطبع موقعها من هذه الحرب، وكذا استنادًا إلى ما يمكن أن تؤديه انطلاقًا من المحدّدات الاقتصادية التي تمّت الإشارة إليها سلفًا، فإنها أمام عدّة سيناريوهات وقراءات مختلفة، بل قد تكون متضاربة في بعض الأحيان، بسبب اختلاف الزوايا التي ينظر إليها كل باحث لطبيعة أبعاد مفهوم «المصلحة القومية» للبلاد.
يحلّل البعض الموقف الجزائري انطلاقًا من مقاربة تقوية الأدوار الإقليمية للنظام، وذلك في ظل ما يشهده العالم من حالة غموض وتشابك المصالح، التي لها دور إيجابي إذا نظرنا إليها كونها قد ساعدت حتى هذه الساعة على كبح جماح التداعيات السلبية للحرب الروسية – الأوكرانية. من هذا المنطق هناك توجه يرى أن الجزائر قد استغلت هذه التطورات الجيوسياسية التي ضربت أوروبا والعالم الغربي من جهة، والوضع العام للاقتصاد الوطني من جهةٍ أخرى، لتبني أو بالأحرى لتدعّم من خلالها شبكة العلاقات الإقليمية ذات المصالح المشتركة، بغية مواجهة أي مستجدات محتملة في المستقبل القريب، وفي هذا الصدد يشير الباحثون إلى إعادة إحياء الجزائر لمشروع خط الصحراء الكبرى للغاز.
تاريخيًا تعود فكرة إقامة خط غاز طبيعي عابر للصحراء الكبرى باتجاه القارة الأوروبية إلى نحو 40 سنة ماضية، أي أن الفكرة في حدّ ذاتها قديمة واكبت واقترنت بالسنوات والعقود الأولى لنيل أغلبية البلدان الأفريقية استقلالها، بما فيها الجزائر، التي ما لبثت أن استقلت عن المستعمر الفرنسي حتى انطلقت في رسم توجهات قومية عربية/ قارية أفريقية وقُطرية وطنية، استهدفت جميعها تحقيق التنمية الاقتصادية للبلاد، «أما البروز الأول للفكرة فكان عند توقيع أول مذكرة تفاهم للمشروع (MOU) ما بين الشركة الوطنية سوناطراك من جهة، وشركة النفط النيجرية سنة 2002 من جهةٍ أخرى، تلتها بعد ذلك انضمام نيجيريا في تموز/يوليو سنة 2016 خلال انعقاد أشغال القمة السابعة والعشرين للاتحاد الأفريقي، إلا أنه ولأسباب تقنية سياسية تأخر التوقيع النهائي على المذكرة إلى 20 – 21 حزيران/يونيو 2022»[22]، حيث عُقد في العاصمة النيجيرية أبوجا اللقاء الثلاثي لوزراء النفط والطاقة للبلدان الثلاثة وأطلقوا ميلاد المشروع بصورة نهائية.
لا يخفى على المتتبعين أن السرعة التي تمّ من خلالها إعادة إحياء المشروع، الذي كان معطّلًا لقرابة خمسة عشر 15 عامًا تقريبًا، توحي بوجود ضغوط وتصاعد حدّة التطورات والمستجدات الدولية، فرضتها تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على سوق النفط والغاز العالمي، وكذا الزيادة الهائلة في الطلب العالمي على الغاز، وبخاصة مع التنبؤات بامتداد الحرب إلى ما بعد شتاء 2022، لهذا فالتصور الجزائري في هذا الشأن يأتي من منطلق اعتبار هذا المشروع كورقة ضاغطة ورابحة في الوقت نفسه، بالنظر إلى ما تشهده القارة الأوروبية من توترات حكومية متعلقة باستنفاد كل سبل توريد الطاقة والغاز الطبيعي في ظل استمرار استخدام روسيا الاتحادية لهذه الورقة، كإحدى أبرز الوسائل الضاغطة على التوجهات الأوروبية من العملية الروسية في الأراضي الأوكرانية.
لخط غاز الصحراء الكبرى أهمية استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة إلى صانع القرار الجزائري، فبعيدًا من العوائد الاقتصادية المحتملة والمتوقعة من إنشاء وإطلاق هذا المشروع، تبقى الحسابات السياسية ذات أهمية لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال تجاهلها على الإطلاق، فإلى جانب كون الخط «يعبر نحو 2310 كلم من الأراضي الجزائرية، وهي مسافة تمثّل أزيد من 50 بالمئة من طوله الإجمالي الذي يبلغ نحو 4128 كلم، انطلاقًا من نيجيريا مرورًا بالنيجر فالجزائر، والخط أيضًا سيوفر توريدًا للغاز الطبيعي للقارة الأوروبية قدرها 30 مليار م3» [23]، وهو الأمر الذي يجعل البلدان الأوروبية تفكّر بعمق شديد في ضرورة إنجاح هذا المشروع الحيوي، وبخاصة في ظل ما تشهده من سياسات روسية خانقة تستهدف شرايين العجلة الاقتصادية والصناعية لأغلبية بلدان القارة، كونها المورد الأول لها بالغاز.
من زاوية أخرى، ركزت بعض القراءات الخاصة بمستقبل التموضع الجزائري في الظروف والمستجدات الراهنة في القارة الأوروبية، على المحدّدات والمعطيات الداخلية المتعلقة بتقوية بدائل فعالة يقوم عليها الاقتصاد الوطني، ففي ظل ما تشهده سوق النفط العالمية من تزايد ملحوظ في بيانات أسعار الخام، طرحت عدّة تصورات الهدف منها استغلال الطفرة التي تعرفها أسعار النفط في تطوير البنى التحتية لبقية القطاعات المنتجة خارج المحروقات لتنويع بدائل الاقتصاد الجزائري. وفي هذا الشأن فقد ذهب الباحث العابد بكاري في مقالته حول طوق النجاة الجزائري الناجم عن التحسن في مداخيل النفط، ذهب إلى تأكيد عدّة محاور قد يستفيد منها الاقتصاد الوطني من جهة، وكذا تقوي الموقف السياسي الخارجي في مقابل تجاذبات الحرب الروسية – الأوكرانية من جهةٍ أخرى. أهم هذه المحاور هي:
التركيز على تحسين البنية التحتية للقطاع الزراعي والصناعة الزراعية، وذلك من خلال عدّة آليات وسياسات، أهمها تشجيع الاستثمار في المجال الزراعي، «وكذا توسيع نطاق المساحات الزراعية واستحداث محيطات كبرى للزراعة في الصحراء الجزائرية، التي تعَدّ وجهة زراعية واعدة وذات مردود بالغ الأهمية، إذ تشير التقديرات الحكومية الرسمية في هذا الصدد إلى استغلال نحو 8 ملايين هكتار فقط من إجمالي 44 مليون هكتار»[24].
ضرورة ضخ أموال إضافية بغية تحسين المناخ العام للاستثمار في شتى المجالات والقطاعات، وبخاصة القطاع الزراعي الذي يُعوّل عليه كآلية للتنويع مع المورد النفطي، والتركيز على القطاع الزراعي يأتي في ظل ما شهده العالم ويشهده من أزمات تموين الغذاء لمختلف الدول والأقاليم من جرّاء الحرب الروسية – الأوكرانية، التي جمعت ما بين أكبر قطبين زراعيين في القارة والعالم ككل.
في ظل التطورات الجيوسياسية التي تشهدها القارة الأوروبية حاليًا، وكذا التوقعات والسيناريوهات المحتملة لما سيكون عليه المشهد السياسي العام في قادم الأيام والأشهر اللاحقة، فإن القراءات والتنبؤات البحثية والأكاديمية حول طبيعة ومستقبل التموضع الجزائري بين جدليتي قدرتها على تأدية دور مهم في إمداد للغاز الطبيعي للقارة، والحفاظ على أمنها الغذائي الذي هو مرتبط أكثر فأكثر بأطراف الحرب والأزمة الدولية الحالية، قد تختلف هذه القراءات وتتباين، إلا أنها جميعًا تلامس الطموحات والأهداف السياسية الجزائرية، سواءٌ تلك المعلنة منها أو الضمنية؛ فالجزائر، انطلاقًا من مبدأ المصلحة القومية، قد تستخدم الأداة الاقتصادية المتمثلة بإمدادات الغاز لتثبيت توجهات سياسية معينة تربط علاقتها ببلدان القارة الأوروبية، وفي الوقت نفسه تحاول ألّا تسعى إلى هدم إرث وحاضر علاقاتها الاستراتيجية الممتازة مع روسيا الاتحادية.
خاتمة واستنتاج
مرّت الجزائر منذ استقلالها بعدة مراحل تاريخية مهمة، أثرت جميعها في تحديد طبيعة الفواعل الأكثر تأثيرًا في نظامها السياسي، سواء إبّان حقبة حكم الحزب الواحد، التي اتسمت بتطبيق نموذج الاقتصاد المركزي الموجَّه، الذي يستلهم أفكاره وتفاعلاته من مبادئ الأفكار الاشتراكية، أو حتى بعد تبني التعددية بشتى صورها السياسية والاقتصادية، وهي الحقبة التي تلت نهاية ثمانينيات القرن الماضي، شهدت خلالها البلاد كغيرها من بلدان العالم الثالث دخول مرحلة الرأسمالية والاقتصاد الحر، وقد خبرت الدولة الجزائرية طوال هذه المراحل أزمات اقتصادية وانفراجات مالية متعاقبة، كان من المفروض أن تمثّل بالنسبة إلى صانع القرار دليلًا وبوصلة عمل جاهزة يستخدمها ويستعين بها أثناء أي تغيرات وتطورات مشابهة.
إنّ ما يشهده العالم الآن من تزايد لحدّة مخاطر الانعكاسات المحتملة للحرب الروسية – الأوكرانية على الاقتصادات والبُنى الاجتماعية ككل، يجعل كل حكومة تتبنى نهجًا وقائيًا يمكّنها من تجنُّب الآثار السلبية لهذه التغيرات قدر المستطاع. والجزائر، وبناءً على ما تمّ التطرق إليه، تقف موقفًا يتوسط أطراف الصراع الدائر حاليًا في القارة الأوروبية، المؤثر بدرجة كبيرة في مختلف الدول والأقاليم الأخرى من العالم، ذلك لكونها تمثّل رقمًا صعبًا ومهمًا في حسابات الطاقة بالنسبة إلى عدد الدول الأوروبية من جهة، وصاحبة سوقٍ مهم بالنسبة إلى الدول المنتجة والمصدّرة للمواد الغذائية بالغة الحساسية.
وبالنظر إلى كل ما قامت به مؤسسة الخارجية والدبلوماسية الجزائرية من تحرّكات إقليمية ودولية، يبدو أنّ الدولة الجزائرية، وتصور النخبة الحاكمة فيها، متجهان إلى البقاء على مسافةٍ واحدة مع كل الأطراف المتقابلة، مع التركيز على تأكيد مستوى التعاون والشراكة الاستراتيجية التي تربطها بروسيا الاتحادية من جهة، والتلويح الضمني بامتلاكها وسائل مهمة بالنسبة إلى الشركاء الأوروبيين والمتمثلة بورقة الغاز، سواء على المستوى القُطري الفردي، أو كمشروع إقليمي قاري قد يقلل من حدّة اعتمادهم على الطرف الروسي ولو بصورة ظرفية.
إلا أنه كحصيلة وقراءة للوضع الذي تقف فيه الجزائر في هذا النطاق، لا بد للفاعلين الأساسيين في النظام السياسي الجزائري من إدراك محاور ونقاط مهمة عليهم العمل من أجل تدعيمها، لكي لا تتكرر الأخطاء السّابقة، سواءٌ إبّان الأزمات، أو أثناء ما شهدته الجزائر من مراحل طغت فيها البحبوحة المالية على المشهد الاقتصادي العام؛ على غرار العشرية الأولى من القرن الحالي، أولى الخطوات الواجب اتباعها هي ضرورة العمل على بناء وتشييد بنية وقاعدة تحتية صلبة في القطاعات المنتجة إلى جانب المحروقات على غرار الصناعة والزراعة، وكذلك التركيز أكثر فأكثر على وضع تصورات من شأنها أن تساعد على تحقيق قدر كبير من الأمن الغذائي اتقاءً لأي طارئ عالمي قد يحصل، ولا يكون هذا إلا بتدعيم وإرساء أسس الحكم الرشيد.
دراسات ذات صلة:
الأمن الغذائي العربي في ضوء الحرب الروسية – الأوكرانية
الأمن الغذائي في القرن الأفريقي: دور «إيغاد» التنموي (2020 – 2023)
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.
محمد الأمين بن عودة: أستاذ محاضر في قسم العلوم السياسية، جامعة تامنغست – الجزائر.
[1](*) في الأصل ورقة قدّمت إلى: المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والسياسية للمؤسسات العربية البحثية المستقلة بعنوان: «التغيرات الدولية وتأثيرها على المنطقة العربية» الذي نظّمه مركز دراسات الوحدة العربية مع منتدى البدائل العربي للدراسات و«دار الخبرة» (العراق) و«مجلة قضايا سياسية» (كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين – العراق) و«المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي» في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
[2] Mustapha K. Faïd, «Impact of the Rise in Oil Prices Perspectives for Algerian Natural Gas,» (SPTEC, Pétrole and Gaz – Etudes et Conseil, Paris 2007) p. 57, <https://www.iemed.org/wp-content/uploads/2021/04/Perspectives-for-Algerian-Natural-Gas.pdf>.
[3] European Commission, Quarterly report on European Gas Markets, vol. 14, no. 3 covering third quarter of 2021, Brussel, 2021, p. 3.
[4] Ibid., p. 3.
[5] Eurostat, data as of 9 December 2021 from data series nrg_103m.
في الإصدار التالي من هذا التقرير، قد تتغير الأرقام بأثر رجعي.
[6] Ibid., p. 5.
[7] <https://www.npd.no/en/facts/news/Production-figures/2020/production-figures-march-2020/>.
[8] ENTSO-G Transparency Platform, data as of 2 December 2021, p. 7.
[9] European Commission, 20 April 2022, In Focus: Reducing the EU’s dependence on imported fossil fuels, <https://ec.europa.eu/info/news/focus-reducing-eus-dependence-imported-fossil-fuels-2022-apr-20_en>.
[10] Freedom House Index, 2021, Algeria, <https://freedomhouse.org/country/algeria/freedom-world/2021>.
[11] «Algerian Threatens to Cut Gas Contract with Spain,» Euractiv, 28 April 2022, <https://www.euractiv.com/section/globaleurope/news/algeria-threatens-to-cut-gas-contract-with-spain/>.
[12] سهيلة شيخاوي وعدالة العجال، «نمذجة التنبؤ بقيمة الواردات الغذائية الجزائرية.. آفاق 2022،» مجلة الباحث الاقتصادي، السنة 6، العدد 10 (كانون الأول/ديسمبر 2018)، ص 81.
[13] عبد الغفور إبراهيم أحمد، الأمن الغذائي: مفهومه، قياسه ومتطلباته (عمّان: دار آمنة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 12.
[14] «روسيا وأوكرانيا: لماذا يحتاج العالم إلى شحن القمح من أوكرانيا؟ وكيف سيؤثر اتفاق تصديره على الملايين؟،» بي بي سي عربي، 23 تموز/يوليو 2022، <https://www.bbc.com/arabic/world-62277486> (تاريخ التصفح 27 أيلول/سبتمبر 2022).
[15] سمية نصر، « كيف أثرت ثلاثية كورونا وتغير المناخ والحرب في أوكرانيا على الأمن الغذائي العربي؟،» بي بي سي عربي، 8 حزيران/يونيو 2022، <https://www.bbc.com/arabic/middleeast-61721397> (تاريخ التصفح 27 أيلول/سبتمبر 2022).
[16] Agence ecofin, «Algeria: The Wheat Market is the Second Largest in Africa after Egypt,» 26 October 2021, <https://bit.ly/46KWi42> (accessed on 26 September 2022).
[17] Nabila Hales, Grain and Feed Annual, USDA: Grain and Feed, Report number: AG2022-0002, 20 April 2022, p. 1, <https://bit.ly/44trin1>.
[18] Nabila Hales, Grain and Feed Update, USDA: Grain and Feed, Report number: AG2021-0009, 15 October 2021, p. 1, <https://bit.ly/3rilPB3>.
[19] Sham Oirer; «Algeria Seeks Reduced Dependence on Wheat Imports,» World-grain.com, 22 January 2021, <https://bit.ly/3NWoMQS> (accessed on 26 September 2022).
[20] Ibid.
[21] Reuters Staff, «Algeria’s Cereal Imports’ Bill Rises in First Quarter,» 12 June 2020, <https://reut.rs/3XAm8TW> (accessed on 26 September 2022).
[22] المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، «خط الصحراء: تحركات جزائرية لإحياء التعاون مع نيجيريا والنيجر،» تقديرات المستقبل (أبو ظبي)، 3 تموز/يوليو 2022، ص 1، <https://bit.ly/43fruVY>.
[23] المصدر نفسه، ص 2.
[24] العابد بكاري، «ارتفاع عائدات النفط في حرب أوكرانيا طوق نجاة لانعاش الاقتصاد،» الخبر (الجزائر)، 5/9/2022، ص 16
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



