أولًا: ظاهرة التطبيع العربي – الإسرائيلي

بدايةً لا بد من تعريف ما المقصود في مصطلح «التطبيع»، الذي يعني قيام دولة عربية ما بإقامة علاقات مع إسرائيل، من خلال المشاركة في أي نشاط أو مشروع أو مبادرة، سواء كان محليًا أو دوليًا يجمع العرب مع إسرائيل. والتطبيع من الممكن أن يكون سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا… وغيرها، وذلك بتجاهل الحرب القائمة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، والاعتراف بمشروعية الدولة الإسرائيلية على حساب أرض فلسطين والشعب الفلسطيني[1].

لفهم ومناقشة ظاهرة التطبيع يجب العودة إلى أصول وتاريخ تطور العلاقات العربية - الإسرائيلية في ظل الصراع العربي الفلسطيني – الإسرائيلي انطلاقًا من حقيقة أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية. إلا أن تبني الدول العربية للقضية الفلسطينية لم يكن دومًا في مصلحتها، ابتداءً من المراسلات بين قادة الحركة الصهيونية وعدد من قادة الدول العربية التي أسفر بعضها عن نتائج تتضمن التنازلات لمصلحة الطرف الأول مقابل الحصول على مساعدته على الوصول إلى دولة، إلى أن توجت في اتفاقية فيصل – وايزمان على هامش مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولى، في مقابل قيام الحركة الصهيونية باستخدام نفوذها لدى الدول العظمى، وتحديدًا بريطانيا، لإقامة دولة عربية شرق نهر الأردن، مرورًا بالدور السلبي الذي أدّته الأنظمة العربية في التعاطي مع دعم الثورات المسلحة للشعب الفلسطيني، ومشاركتها في إفشال إضراب الميناء في حيفا، خدمة لبريطانيا، وصولًا إلى اتفاقية كامب دايفيد، التي أسفرت عن خروج مصر من حالة الحرب مع إسرائيل كأكبر قوة عربية، وانتقالها إلى حالة السلم، الأمر الذي مثّل ضربة قاصمة للخيار العسكري في حسم الصراع[2].

أما بالنظر إلى المواجهات العسكرية التي خاضتها الدول العربية مع إسرائيل فقد كانت في معظمها مضطربة وغامضة، تحكمت فيها الحسابات السياسية لكل دولة على حدة، ولا يمكن القول إنها كانت جميعها مواجهات خاضتها الدول العربية المشاركة في الحرب مجتمعة، وإن حصل ذلك في بعضها، وبخاصة لحظة الدخول في المواجهة ثم لا تلبث أن تنسحب بعض تلك الدول من دون تنسيق. ففي حرب 1948 كانت مشاركة القوات العربية رمزية، ودخلت الجيوش بصفة منفصلة، الجيش الأردني والجيش العراقي والجيش المصري… إلخ. وكانت مشاركة هزيلة لم يتخللها سوى جولات خفيفة من القتال، وبعد أشهر قامت مصر بتوقيع اتفاق الهدنة مع إسرائيل ثم تلتها الأردن، وترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره بنفسه من دون أن يكون له رأي مؤثر في تلك الأحداث.

في تلك الأثناء كان يُنظر إلى العمل الفدائي الفلسطيني وأي تحرك من جانبه لاستعادة الحقوق المسلوبة على أنه عمل تخريبي يضر بالجهود التي تقوم بها الدول العربية لاستعادة فلسطين، وبخاصة أن مثل هذا العمل قد يدفع إسرائيل إلى مواجهة الدول العربية المعادية من دون أن تكون مستعدة للمواجهة، لذلك تم رفض الاعتراف بوجود ممثل للشعب الفلسطيني، وأن عليه ترك ذلك للجيوش العربية التي أخذت على نفسها عهدًا بذلك، ثم جاءت المفاجأة سنة 1967، بسبب خطأ السياسات التي اتبعتها الأنظمة العربية في إدارة الصراع، ووقوعها في فخ الاستدراج الإسرائيلي لمكان المعركة وتوقيتها، فحلت الهزيمة بتلك الجيوش. ومنذ تلك اللحظة دخل الصراع مع العدو الإسرائيلي مرحلة جديدة ومختلفة عمّا قبل الحرب، فقد دخلت الجيوش العربية الحرب واضعة نصب عينيها هدف إزالة إسرائيل من على الخارطة السياسية والدولية، وخرجت منها رافعة مطالب أكثر مرونة، استبدلت شعارات إنهاء الوجود الصهيوني في فلسطين بشعارات «إزالة آثار العدوان» والتفاوض على الانسحاب من الأراضي المحتلة بعد سنة 1967، الأمر الذي يعني اعترافًا ضمنيًا بحق إسرائيل في الوجود[3].

وفي سبعينيات القرن الماضي وقعت المواجهة العسكرية الوحيدة التي اختارت فيها الجيوش العربية ساعة البدء، وسجلت انتصارًا حاسمًا في بدايتها، حيث أرادها السادات لتشكل نقطة انطلاق لتحريك الوضع الساكن في سيناء منذ توقف حرب الاستنزاف، ولتكون رافعة لتدعيم الموقف التفاوضي للجانب المصري. وبانتقال مصر من حالة الحرب إلى حالة السلم مع إسرائيل أُسقط الخيار العسكري بصورة نهائية كحل للصراع العربي – الإسرائيلي.

ولم تكن أحداث العقد التالي أكثر خدمة للقضية الفلسطينية، وقد أدى اندلاع حرب الخليج الأولى إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ثم ما لبثت إسرائيل أن شنت عدوانها على لبنان سنة 1982، الذي انتهى بخروج منظمة التحرير إلى تونس، وبالتالي إبعادها من نقاط التّماس والمواجهة بعد أن كانت قد خسرت قواعدها في الأردن، فقلّ تأثير المنظمة في المشهد السياسي العربي، فصمت البنادق الفلسطينية جعل آذان العالم صمّاء عن سماع صوتهم، قبل أن تنفض انتفاضة الحجارة عام 1987 الغبار عن ملف القضية الفلسطينية، وتعيده إلى طاولة المحافل الدولية والإقليمية، وفرض خيار التسوية على الجانب الإسرائيلي الذي لم يجد بديلًا من الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين لوقف الانتفاضة. كما أن الوضع الفلسطيني لم يكن أفضل حالًا بعد عدة أعوام على انطلاق الانتفاضة، فاحتلال القوات العراقية للكويت والانقسام العربي حياله، أثرا سلبًا في سير الانتفاضة وتراجع الاهتمام بها، يضاف إلى ذلك الموقف الفلسطيني الرسمي الصادر عن منظمة التحرير، الداعم للاحتلال العراقي للكويت، الذي خلف أزمة دبلوماسية وسياسية بين منظمة التحرير والدول الخليجية وتحديدًا الكويت؛ ليكون خيار الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام مدفوعًا بكل تلك الأحداث والتطورات التي شهدتها المنطقة، وكذلك انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور نظام أحادي القطب في العالم بتفرّد الولايات المتحدة برسم السياسات الدولية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

ثانيًا: اتفاق أوسلو مفتاح التطبيع العربي

قامت منظمة التحرير بتوقيع اتفاق أوسلو، الذي نص على اعتراف إسرائيل بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، في مقابل اعترافها بدولة إسرائيل على 78 بالمئة من الأراضي الفلسطينية، وقد ووجهت الاتفاقية بالرفض من جانب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية[4].

جاء توقيع اتفاق أوسلو كثمرة للمفاوضات السرية التي خاضتها المنظمة بعيدًا من أعين الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن. وقد نص الاتفاق على البدء بتنفيذ مرحلة انتقالية تمتد لمدة 5 سنوات يتخللها إعادة انتشار القوات الإسرائيلية من التجمعات السكانية في الضفة وغزة إلى خارجها، ومن ثم الوصول إلى مرحلة الحل الدائم وإنهاء الصراع، بعد الانتهاء من حل جميع القضايا المعلقة التي تم تأجيل التفاوض عليها للمرحلة النهائية. وقد كان لهذا الاتفاق أهمية كبيرة لإسرائيل، إذ فتح لها آفاقًا سياسية واقتصادية إقليميًا وعالميًا، فأقدمت كثير من الدول على الاعتراف بإسرائيل بعد أن كانت قد امتنعت عن ذلك منذ قيامها وحتى ذلك الحين، ومن ضمنها دول ذات حضور ووزن سياسي واقتصادي على الساحة الدولية مثل الصين والهند. كما فتح هذا الاتفاق المجال لدول عربية ليست على تماس مع الكيان لإقامة علاقات سرية معه تحت مسميات مختلفة. فقد كان مبدأ إقامة العلاقات مع إسرائيل حاضرًا وبقوة في ظل توقيع أصحاب الشأن اتفاقًا مبدئيًا يشمل الاعتراف بإسرائيل وإنهاء الصراع.

وهذا ما نصت عليه المبادرة العربية للسلام التي أقرها اجتماع جامعة الدول العربية في بيروت سنة 2002، حيث تضمنت بندًا ينص على تطبيع تام للعلاقات بين العرب وإسرائيل بالتزامن مع إقامة الدولة الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية، وبخاصةٍ القراران 242 و338، إلا أن بعض الدول العربية سارعت إلى التطبيع مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق فلسطيني- إسرائيلي.

أما من حيث الذرائع التي حاولت تلك الدول تسويقها، فقد كانت واهية، فقضية التصدي لخطر التمدُّد الإيراني في المنطقة التي تم دفعُها من أكثر من زاوية إحداها هي أن إيران ليست كيانًا طارئًا على المنطقة ولم تخلق في آخر شهرين من ولاية الرئيس ترامب. كما أن العلاقة مع إيران مرت بكثير من التجاذبات والمد والجزر من دون أن يؤدي ذلك إلى تشكيل خطر وجودي على كيان تلك الدول. الحقيقة أن كل دولة قبضت ثمنًا مختلفًا عن الأخرى مقابل هذا التطبيع: السودان بإزالة اسمها من قائمه الإرهاب، والمغرب بالاعتراف الصوري بالصحراء الغربية كجزء من الأراضي المغربية، وقبل ذلك صفقة الطائرات للإمارات التي تستوجب موافقة إسرائيل بحسب قرار الكونغرس الأمريكي بضمان التفوق النوعي الإسرائيلي. أما عن تحميل المسؤولية للفلسطينيين عمّا حصل بدعوى الانقسام الفلسطيني فلا يعدو كونه إسقاطًا للمسؤولية عن كاهل تلك الأطراف، فالرد على جريمة الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني لا يكون باقتراف جريمة أكبر.

عادة ما تكون اتفاقيات السلام بين أطراف تسود بينها حالة من العداء والحرب كما حصل مع الأردن ومصر بعد جولات من الحروب التي لا تقارن بما قامت به الدول المطبعة، فهي لم تكن على تماس مباشر مع إسرائيل، ولم تخض معها حروبًا، وإنما التوصيف الصحيح لما حصل هو أن تلك الدول كانت على علاقة سرية مع إسرائيل، وقررت بين عشية وضحاها إخراجها إلى العلن تحت ضغط البيت الأبيض.

تكمن خطورة التطبيع العربي الجديد مع إسرائيل ليس في إقامة علاقات دبلوماسية معها، وإنما في تبني رواية إسرائيل التي تزعم أنها كانت دومًا تسعى للسلام ولكن المقاطعة العربية والمقاومة الفلسطينية هما العائق أمام تحقيق السلام[5].

ثالثًا: التطبيع كرؤية إسرائيلية ناظمة

إن التطبيع من الممكن أن يطبق مع دولة تلتزم بمبادئ القانون الدولي، بينما مع إسرائيل فهو غير ممكن، لأنها لا تلتزم بقرارات المنظمات الدولية، وتتجسس على كل دول العالم، كما تتدخل على نحو غير مشروع في شؤون الدول[6].

هناك ثلاث نظريات يمكن من خلالها فهم التصور الإسرائيلي لتلك الاتفاقيات، سنتناولها بإيجاز:

 1 – نظرية المحيط: استراتيجية إسرائيلية عليا[7]

تعرف هذه النظرية أيضًا بنظرية الأطواق، وهي تبلورت في سنة 1957–1958 على يد رئيس الحكومة بن غوريون ومساعديه، بالرغم من أنها طرحت عام 1948 على يد باروخ غورئيل من التيار اليميني، وقد قضت هذه النظرية في ظل محاصرة إسرائيل بطوق عربي معادٍ صد الأيادي من خلف هذا الطوق، وخارج الحيز الجغرافي والإثني لهم إلى محيط دول الطوق العربية للتفتيش عن حلفاء وأصدقاء، وقد اشتمل هذا المحيط على ثلاث فئات أو دوائر من الشركاء والحلفاء وهم الدول غير العربية وغير الإسلامية المحاذية لدول الطوق العربية، والطوائف والجماعات غير العربية وغير الإسلامية التي تعيش داخل دول الطوق العربية، ودول عربية على هوامش الشرق الأوسط شعرت أن القومية العربية المتشددة تهددها، أو بعض الدول التي تبحث عن شراكة مع إسرائيل لأسباب محلية أو إقليمية.

هدفت تلك النظرية إلى خلق توازن في العداء مع إسرائيل وإخراجها من عزلتها السياسية والدبلوماسية والإقليمية والدولية، وإثبات أنها ليست كيانًا غريبًا وأن الشرق الأوسط ليس كتلة واحدة، وفي إثر ذلك نشأ مثلثان شمالي وجنوبي، عرف المثلث الشمالي بتحالف كاليل، وجمع ما بين تركيا وإسرائيل وإيران والأكراد في العراق والموارنة في لبنان، أما المثلث الجنوبي فجمع إسرائيل وإثيوبيا المسيحية ولمرحلة ما السودان ثم جنوب السودان، والمغرب وعمان واليمن الملكية، وقد فشلت هذه النظرية بعد إطاحة شاه إيران، وصعود رجب طيب إردوغان إلى الحكم في تركيا، وهروب قيصر إثيوبيا هيلا سيلاسي وإطاحته، كما تحطم التحالف الإسرائيلي – الماروني بعد حرب لبنان، وتقطعت السبل مع الأكراد. في إثر ذلك أُعيد تشكيل نظرية المحيط الجديدة التي باتت تعرف بنظرية دوائر أطواق العروس منذ سنة 2010 لتشمل أذربيجان من الشمال كدولة محاذية لإيران، وقبرص واليونان وبلغاريا ورومانيا في الشمال الغربي مقابل تركيا، وإثيوبيا والسودان في الجنوب والمغرب والأكراد استمرارًا لنظرية المحيط القديمة، وبعض الإمارات الخليجية كجزء من هذا الإطار.

2 – نظرية المركز والأطراف[8]

سعت إسرائيل دومًا لتكون دولة مركزًا في ظل افتقار دول المحيط للمقومات التي تؤهلها لتأدية مثل هذا الدور، فالبنية الاقتصادية لإسرائيل التي تطرح نفسها كدولة أوروبية ذات حضارة غربية في مواجهة التخلف الشرقي تسمح لها باستقطاب الاستثمارات والكفاءات، مع تقدم صناعة التقنية العالية والأمن فيها، وبالتالي لا بد من كسر طوق العزلة الذي يحيط بها حتى تتمكن من ربط الكيانات السياسية المحيطة بعلاقات تجارية واقتصادية معها.

3 – نظرية الجدار الحديدي[9]

تعَدّ هذه النظرية ناظمًا أساسيًا للرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية، ولا يزال اليمين الإسرائيلي المتطرف يستقي منها سياساته الخارجية التي يتعامل فيها مع المحيط العربي. وضعت هذه النظرية في مقالة كتبها زئيف جابوتنسكي في سنة 1923، وذلك قبل قيام دولة إسرائيل بقرابة ربع قرن، والجدار الحديدي، وهو جدار وهمي يقام في أذهان العرب وكل من يفكر بمعاداة إسرائيل مستقبلًا، وأن الهدف أو الغاية العليا للجدار هو تسليم العرب بوجود إسرائيل والتوصل إلى اتفاق سلام معها.

لقد فهم العرب أن تقديم التنازلات لإسرائيل سيقابل بتنازلات من جانبها لمصالحهم، أما هي فقد فهمت تلك التنازلات على أنها دليل ضعف وانعدام الرؤية السياسية، وقراءة خاطئة للواقع.

رابعًا: المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية وصفقة القرن

كانت بداية الاتصالات الرسمية ما بين منظمة التحرير والولايات المتحدة الأمريكية عبر التواصل مع السفارة الأمريكية في تونس نهاية عام 1988، أي بعد مرور عام على اندلاع الانتفاضة الأولى، وقد أبدت المنظمة حينها استعدادها للدخول في مفاوضات مع الإسرائيليين على أساس القرارين 242 و338، وفي إشارة واضحة إلى التحول الجذري في منهج وبرنامج المنظمة، الذي بدأ بالتبلور أواسط السبعينيات مع طرح البرنامج المرحلي على أجندة العمل الفلسطيني المقاوم، ففي الوقت الذي كانت الانتفاضة في أوج عطائها تنفض الغبار عن ملف القضية الفلسطينية، الذي غاب عن أروقة المؤسسات الدولية، وتراجَع عربيًا بفعل التغيرات الحاصلة على الساحتين الدولية والإقليمية، فلم يعد يحظى بالأولوية كما في السابق. وهذا ما دفع الفلسطينيين إلى تلقف أول العروض المطروحة عليهم لعقد مؤتمر دولي للسلام في مسعى للتوصل إلى حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، مع توافر الرغبة لدى الطرفين اللذين وجدا فيها فرصة تتقاطع فيها مصالح الطرفين، الفلسطينيون الذين سئموا التنقل بين العواصم العربية التي لم تعد أبوابها مشرعة لهم كما في السابق، أما دولة الكيان فكانت قد فشلت في وضع حد للانتفاضة التي سببت لها الحرج الكبير، وأضرّت بصورة وهَيبة الجندي الإسرائيلي الذي بات يلاحق ملقي الحجارة بدلًا من مواجهة الجيوش الجرارة، فرأت في الذهاب إلى المفاوضات شكلًا جديدًا من أشكال إدارة الصراع بدلًا من تسويته.

وبتوقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) والبروتوكولات والملاحق الخاصة به، بات للفلسطينيين كيان سياسي أشبه بدولة من حيث البناء المؤسسي والنظامين السياسي والاقتصادي، وذلك بانسحاب الإدارة العسكرية والمدنية من التجمعات السكانية في الضفة وغزة، ونقل الصلاحيات والمسؤولية عن إدارة الأوضاع فيها إلى السلطة الفلسطينية.

إن اتفاق أوسلو والمفاوضات اللاحقة التي أجريت فيما بعد استنادًا إليه، كانت بمنزلة النكبة الثانية بعد نكبة سنة 1948، وإن كانت الأرض قد أخذت زمن النكبة عنوةً ورغمًا عن إرادة أهلها، فإن ما تبقى منها قد منحه لهم أوسلو عن رضى وطيب خاطر، وبموافقة طوعية وبرعاية دولية.

لقد أوصلت العملية السلمية الأوسلوية القضية الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة من الانحدار والتراجع، فاعتماد التفاوض كخيار وحيد من جانب صاحب القرار الفلسطيني وإسقاط خيار المقاومة الذي يُعد الرافعة المركزية لأي نشاط سياسي، منح الاحتلال الأفضلية في المناورة والتهرب من الالتزامات المترتبة عليه؛ لعدم وجود أي ضغط يمارس عليه من قبل الطرف الفلسطيني، فتمكن من استخدام أوراقه التفاوضية بصورة أفضل وأكثر نجاعة من المفاوض الفلسطيني.

ومن ثم جاءت صفقة القرن لتثبت فشل الرهان الفلسطيني على المسار السياسي كخيار للحل، ولتكشف عورة الراعي الأمريكي الذي أعلن انحيازه الكامل لمصلحة الكيان طوال مراحل التفاوض، هذه العورة التي حاول الطرف الفلسطيني غض بصره عنها حتى تلك اللحظة.

فصفقة القرن صفقة إسرائيلية خالصة، لم يكتب فيها حرف أمريكي واحد، ضمت بين جنباتها رؤية اليمين الصهيوني المتطرف وزعيمه بنيامين نتنياهو للحل، وكل ما ورد فيها من بنود وإملاءات على الجانب الفلسطيني مطابق تمامًا للطرح الإسرائيلي الذي صاغه نتنياهو وطاقمه التشاوري، ليقوم جاريد كوشنير، وهو يهودي صهيوني (وصهر الرئيس الأمريكي ترامب)، ودايفيد فريدمان السفير الأمريكي في إسرائيل (وهو يهودي صهيوني أيضًا)، بدور العراب لهذا الاتفاق، وإقناع الرئيس ترامب به، وهو شخص لا يمتلك أدنى فكرة عن طبيعة الصراع الدائر، وبخاصة أنه قادم من عالم المال والأعمال، فقدم تلك الرؤية بوصفها صفقة لا كخطة مفاوضات، بمعنى إما أن تؤخذ كما هي وإما أن تُترك، ولم يترك خيارًا للقيادة الفلسطينية سوى إعلان الرفض.

لقد أدرك الطرف الأمريكي أن تمرير الصفقة لا يمكن أن يتم إلا بغطاء ودعم عربيين سياسي ومالي، وأن الثمن الذي من المفترض أن يقبضه الفلسطينيون مقابل التنازل عمّا تبقى من أرض يجب أن يقدَّم من جيوب العرب، فعقد مؤتمر المنامة في البحرين لجمع المال اللازم، الذي سيقدم على شكل استثمارات ومشاريع اقتصادية معظمها في دول الجوار؛ لتوطين واستيعاب اللاجئين وحل مشكلتهم، كما استدعيت دول عربية لتوقيع اتفاقات التطبيع كنوع من الموافقة الطوعية على كل ما يجري في إطار تنفيذ الصفقة، من اعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان ونقل السفارة الأمريكية إليها، إلى العقوبات التي فُرضت على الفلسطينيين من إغلاق للمقار وقطع للدعم المالي الأمريكي وسحب تمويل الأونروا.

أما في خصوص رد الفعل الفلسطيني، سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي، فلم يرتقِ إلى المستوى المطلوب، ولم يكن بحجم الحدث وضخامته، فعلى المستوى الرسمي، اكتفت السلطة بموقف الرفض وتمسكت به جيدًا، من دون أن يكون هناك خطوات عملية على أرض الواقع لمواجهة الصفقة، وظل تلويح القيادة الفلسطينية بحل السلطة وتسليم المفاتيح إلى دولة الكيان لتتحمل مسؤولياتها كسلطة احتلال تراوح مكانها ولا تخرج من نطاق التهديد إلى التنفيذ. أما على المستوى الشعبي، فقد أصبح يوم الغضب الفلسطيني الذي تكررت الدعوة إليه يوم الإعلان عن القدس عاصمة لدولة الكيان ونقل السفارة إليها، وكذلك يوم الإعلان عن الصفقة مثارًا للسخرية والتهكم من جانب الصحافة الصهيونية وبعض ساسة الكيان.

لقد فشلت كل أسلحة المفاوض الفلسطيني طوال تلك المدة في حماية الشعب الفلسطيني وضياع الأرض الفلسطينية، ولم تعد عليه سوى بمزيد من النكبات والنكسات، وقد آن الأوان لأن يمتلك المفاوض الفلسطيني الجرأة ليقف ويعلن أنه قد فشل في تحقيق أدنى طموحات الشعب الفلسطيني، وأن يبادر إلى تشييع المشروع الأوسلوي إلى مثواه الأخير قبل فوات الأوان، والبحث عن بداية جديدة في التعامل مع هذا الكيان، معلنًا سحب الاعتراف به.

خامسًا: مخاطر تطبيع الدول العربية مع إسرائيل

لقد عُدّت إسرائيل دولة معادية من جانب الدول العربية لسنوات متعددة، ورفضت كل أوجه التطبيع معها، قبل التوصل إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية. إلا أن مصر فتحت طريق التطبيع بتوقيع معاهدتي السلام مع إسرائيل سنة 1979، من دون اشتراط السلام بحل القضية الفلسطينية، ومن بعدها وقّعت منظمة التحرير اتفاق أوسلو مع إسرائيل، ووقّعت المملكة الأردنية اتفاق سلام مع إسرائيل سنة 1994. إلا أن هذه الاتفاقيات لم تسهم في حل القضية الفلسطينية، وإنما ازدادت إسرائيل تطرفًا وحدّة. فقد فهمت إسرائيل قيام الدول العربية تطبيع العلاقات معها بأنه موافقة على سياساتها الصهيونية والعنصرية والاستيطانية[10].

إلا أن تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل قد تسارعت في الحقبة الأخيرة، ففي عام 2018، زار نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، سلطنة عمان، وفي شباط/فبراير 2020 التقى برئيس المجلس السيادي في السودان، عبد الفتاح البرهان، في أوغندا. كما شارك وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في المؤتمر الافتراضي السنوي للجنة اليهودية – الأمريكية في 17 حزيران/يونيو 2020 [11].

هذا التطبيع قائم على عدة مستويات، منها التطبيع الاقتصادي، فقد قُدّر إجمالي صادرات السلع والخدمات الإسرائيلية إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 7 مليارات دولار أمريكي سنويًا، منها أكثر من مليار دولار أمريكي إلى دول الخليج[12].

كما أن هناك اهتمامًا من جانب بعض الدول الخليجية بشراء التكنولوجيا الاستخباراتية الإسرائيلية، وذلك من أجل التجسس على معارضيها السياسيين، وتتبُّع أنشطتهم. وعسكريًا، شاركت الإمارات والسعودية في مناورات عسكرية مع إسرائيل في عدة مناسبات[13]. وهذا دليل على أن التطبيع تخطى الجوانب السياسية والاقتصادية والدبلوماسية ليصل إلى الجوانب الأمنية، وهو ما يشير إلى تحالف الدول المطبعة بقيادة إسرائيل تحت رعاية أمريكية في المستقبل القريب.

كما قامت شخصيات خليجية بزيارة إسرائيل، والتقت بمسؤولين إسرائيليين، كان من بينها لقاء اللواء السابق في القوات المسلحة السعودية، أنور عشقي، مع دوري غولد المسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية، في تموز/يوليو 2016. إضافة إلى زيارة وفد بحريني من جمعية «هذه هي البحرين» للقدس المحتلة، في نهاية 2017. وقد قامت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، ميري ريغف، بزيارة أبو ظبي في تشرين الأول/ أكتوبر 2018. وشارك في الوقت نفسه وزير الاتصالات الإسرائيلي، أيوب قرا، في مؤتمر «المندوبين المفوضين للاتصالات» الذي عقد في دبي. كما قام يسرائيل كاتس وزير الخارجية والاستخبارات الإسرائيلي، بحضور المؤتمر البيئي في أبو ظبي في سنة 2019 [14].

إضافة إلى قيام كل من الإمارات العربية والبحرين بتوقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل في البيت الأبيض في منتصف أيلول/سبتمبر 2020، التي أُطلق عليها «اتّفاقيات أبراهام»[15]. وهذه الاتفاقيات تركّز على المصالح الأمنية للدول الموقعة في مواجهة التهديد المزعوم الذي تمثله إيران على دول المنطقة، إضافة إلى مصالح اقتصادية واستراتيجية، في ظل إغفال القضية الفلسطينية، هذه الاتفاقيات تبعد كل البعد من معاهدتي السلام المصرية والأردنية، اللتين قامتا أساسًا على مبدأ إقامة سلام مقابل استرداد أراضيها المحتلة[16].

لقد عدَّت الدول الخليجية وإسرائيل سعي الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى إبرام اتفاقية نووية مع إيران أمرًا مثيرًا للقلق، وعليه مثّل البحث عن وسائل لمواجهة خطط إدارة أوباما فرصةً للدول الخليجية وإسرائيل للعمل المشترك، حيث مثّلت هذه الخطوة القاعدةَ اللاحقة للعمل مع إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. وبالفعل، تبيّن أنّ هذه الاستراتيجية ناجحة جدًّا، حيث اتخذت إدارة ترامب من تحالف إسرائيل ودول الخليج جوهرًا لسياستها الخارجية في الشرق الأوسط. وعبر القيام بذلك، قدّمت الولايات المتحدة الأمريكية دعمًا شبه مفتوح إلى الطرفين وانسحبت من الاتفاقية النووية التي أطلقها أوباما وطبّقت حملة «الضغط الأقصى» على إيران.

من جهة أخرى، اعتقدت الدول الخليجية أنّ التطبيع مع إسرائيل سيساعدها على تحصين صلاتها الأمنية الخاصة بالولايات المتحدة، نظرًا إلى الدور الأمريكي في حفظ أمن إسرائيل [17]؛ فقد يكون هذا التحليل صحيحًا، إذ بعد توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل، أصبحت ثاني أكبر متلقٍّ للمساعدات الأمريكية، على الرغم من سياساتها السلطوية[18].

ومن وجهة نظر فلسطينية، يرى الفلسطينيون أن هرولة بعض الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني خيانة، وقد فشلت محاولات الرئيس عباس جعل الجامعة العربية تستنكر هذه الاتفاقيات[19]. أما ردود فعل شعوب الدول الخليجية المطبعة، فمن الصعب معرفته، بسبب ما تتعرض له هذه الشعوب من قمع للحريات وحكم غير ديمقراطي، إضافة إلى غياب استطلاعات الرأي[20].

وفقًا لموقع «واللا» العبري في 21 تشرين الأول/أكتوبر2021، بحثت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع السعودية إمكان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولم يرفض بن سلمان صراحة إمكان التطبيع مع إسرائيل، لكنه أكّد أن مثل هذه الخطوة ستستغرق وقتًا، إلا أن السعودية قد أعلنت أكثر من مرة أنها لن تقوم بالتطبيع مع إسرائيل إلا بعد إيجاد حل للقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي[21].

أما الدول التي أعلنت رسميًا عن رفض التطبيع مع إسرائيل فهي الكويت، فلم تخضع الكويت في يوم من الأيام للضغوط الأمريكية الرامية إلى إقامة علاقات تطبيع مع إسرائيل[22]. وعلى هذا المنوال، صرح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أيلول/سبتمبر 2020 بأن الجزائر لن تبارك ولن تشارك في ما سمّاه الهرولة نحو التطبيع، مضيفًا أن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الشعب الجزائري قضية مقدسة، وأم القضايا، وأكد أنه لا يمكن حل القضية الفلسطينية إلا من خلال قيام دولة فلسطينية في حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشريف[23]. وفي الاتجاه نفسه، بينت الحكومة العراقية أن التطبيع مرفوض دستوريًا وقانونيًا وسياسيًا، وبينت موقفها الثابت الداعم للقضية الفلسطينية العادلة، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه بدولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف، وكانت قد صرحت في 25 أيلول/سبتمبر 2021 بأنها ترفض الاجتماعات التي عقدتها بعض الشخصيات العشائرية المقيمة في مدينة أربيل في إقليم كردستان، للمطالبة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل ووصفتها بغير القانونية[24].

وفي ما يخص موقف سورية من التطبيع العربي – الإسرائيلي، فقد أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بيَّنت من خلالها الأضرار الناتجة من اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال في المنطقة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأكدت رفضها لأي محاولات للتفريط بالحقوق، واستباحة الأرض، وتكريس سياسات الأمر الواقع[25]. وعلى المنوال إيَّاه، وصف الرئيس التونسي قيس سعيّد إقامة علاقات مع إسرائيل بـالخيانة، مؤكدًا أن المشكلة هي مع الصهيونية التي تريد إبادة الشعب الفلسطيني لا مع اليهود[26].

وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة اليمنية في أيلول/سبتمبر2020، رفضها التطبيع مع إسرائيل، مؤكدة دعمها للشعب الفلسطيني حتى نيل حقوقه غير القابلة للتصرف وعلى رأسها «إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس»[27]. وفي هذا الإطار، أكد شوقي بو نصار السفير اللبناني لدى روسيا، رفض بلاده التطبيع مع إسرائيل ما دامت تحتل الأراضي اللبنانية وتنتهك حدوده وسيادته، فإسرائيل بالنسبة إلى لبنان عدو كان وسيبقى[28].

أما في خصوص عُمان، فقد أشار مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى أنها ستنضم إلى اتفاقيات أبراهام، فعُمان إحدى الدول القليلة التي سمحت بإنشاء مكتب مصالح لإسرائيل بعد اتفاق أوسلو، وأغلقتها بعد اندلاع الانتفاضة الثانية[29]. من جهتها، ترى الإدارة الأمريكية في هذا التحالف الإسرائيلي – الخليجي الجديد وسيلةً فعّالة لتحييد النفوذ الإقليمي الإيراني، كما تهدف إلى الاستفادة من هذا التحالف في إبطاء تقدّم الصين في المنطقة[30].

إلا أن هناك عقبات تقف أمام تعميق وتيرة التطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية المطبعة حاليًا، وتوسيعها لتشمل دولًا أخرى في المستقبل، وهي تتمثل بسياسة الإدارة الأمريكية الحالية، فإدارة الرئيس الأمريكي السابق ترامب، كانت القوة المحركة لاتفاقيات التطبيع، حيث كان التهديد الإيراني هو العامل المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية[31].

إن مخاطر التطبيع مع إسرائيل لن تقتصر على الإضرار بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وإنما مخاطره ستكون بعيدة وطويلة الأمد، فالأمة الإسلامية هي المستهدف الرئيس، وذلك من خلال تفكيك هوية الأمة الإسلامية، وإضعاف الاهتمام بالقضايا التي تهم المسلمين والثوابت الإسلامية[32].

إن قيام بعض الدول العربية بالتطبيع واحدة تلو الأخرى يمثل تغيرًا خطيرًا في المنطقة العربية، حيث أضر بالقضية الفلسطينية، وهو ما قد يسارع من وتيرة انهيارها، وهو في المقابل مثل دعمًا لإسرائيل ومصالحها[33]. كما أن بعض المصالح الاقتصادية لدول عربية قد تتأثر من هذا التطبيع، مثل مشاريع مع الإمارات لمد خط أنابيب ينقل نفط الخليج إلى الموانئ الإسرائيلية من الممكن أن يؤثر في تنافسية خط سوميد الذي ينقل النفط عبر الأراضي المصرية[34]. وهكذا فالحصيلة النهائية لاتفاقيات التطبيع هي حصر التوتر في المنطقة العربية بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين بسبب احتلال إسرائيل أجزاء من أراضي كل من سورية ولبنان ومواصلة تهديدها بآلتها الحربية لهم[35].

خاتمة

لقد أقدمت بعض الدول العربية الخليجية، لأسباب ذاتية وموضوعية، على التطبيع مع إسرائيل، وذلك قبل إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وعودة الحقوق لأصحابها؛ معتقدة بأنها من خلال هذه البوابة ستحظى برعاية أمريكية وتحافظ على عروشها وأنظمتها السياسية، بعيدًا من قضية العرب الأولى القضية الفلسطينية، وممارسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني من قتل وهدم واغتيالات وتوسيع للمستوطنات. وقد تجاوزت العلاقات ما بين الطرفين وصف التطبيع فهو لا يعبر فعليًا عن مدى التحالف وطبيعة العلاقات الذي وصل إليه الطرفان، إلا أن بوابة التطبيع لن تحقق للدول المطبّعة الأمن ولا الرخاء، كون إسرائيل دولة إرهابية عدائية تسعى من خلال هذه البوابة للسيطرة على المنطقة العربية. أما بالنسبة إلى شعوب تلك الدول فهي المتضرر الأول قبل الشعب الفلسطيني من هذا التطبيع، لأن التطبيع سيمكّن قادة هذه الدول من إحكام سيطرتها وسيقف أمام أي إصلاح في الأنظمة السياسية الدكتاتورية، وعليه ستعاني الشعوب عبر سلب حريتها وممارستها الديمقراطية وثروات بلادها □

أوراق ذات صلة:

مقاومة التطبيع في الخليج العربي: تجارب البحرين وعُمان وقطر والكويت

التطبيع المغربي مع إسرائيل وآثاره في نزاع الصحراء الغربية وفي القضية الفلسطينية

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.

عقل صلاح: كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية.

رائد أبو بدوية: أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية.

الصورة من رويترز.

[1] وصال الطناني، «التطبيع العربي الإسرائيلي وآثاره على مستقبل القضية الفلسطينية،» مركز دراسات الشرق الأوسط (آذار/مارس 2021)، <https://bit.ly/3LidEN4>.

[2]  مقابلة مع القائد زيد بسيسي، الأمير العام لأسرى الجهاد الإسلامي في السجون الإسرائيلية، تم إجراء المقابلة بطريقة خاصة، سجن ريمون بتاريخ 15 شباط/فبراير 2022.

[3]  مقابلة مع القائد زيد بسيسي، مصدر سابق.

[4]  الطناني، «التطبيع العربي الإسرائيلي وآثاره على مستقبل القضية الفلسطينية».

[5]  إبراهيم أبراش، «القضية الفلسطينية في زمن التطبيع الرسمي العربي،» ميدل إيست أون لاين، 21 كانون الأول/ديسمبر2020، <https://bit.ly/3ypQ6hK>.

[6]  مصطفى كامل السيد، «التطبيع مع إسرائيل: بين أنصاره وخصومه،» الشروق، 3/1/2021، <https://bit.ly/3L9HfIv>.

[7]  مقابلة مع القائد زيد بسيسي، مصدر سابق.

[8]  مقابلة مع القائد زيد بسيسي، مصدر سابق.

[9]  المصدر نفسه.

[10]  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «التطبيع العربي مع إسرائيل: مظاهره، ودوافعه،» تقدير موقف، 21 حزيران/يونيو، 2020، <https://bit.ly/3ZyM6rj>.

[11]  المصدر نفسه.

[12]        «Assessing Israel’s Trade with its Arab Neighbours,» Tony Blair Institute for Global Change, 14 August 2018, <https://bit.ly/2XZMrFZ> (accessed on 14 June 2020).

[13]  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «التطبيع العربي مع إسرائيل،» مصدر سابق.

[14]  المصدر نفسه.

[15]  عمر حسن عبد الرحمن، «نشأة العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل في شرقٍ أوسطٍ متغيّرٍ،» تقرير، 29 تموز/يوليو 2021، <https://bit.ly/3ZLs5xy>.

[16]  فاتحة دازي هاني، «دول الخليج وإسرائيل بعد اتفاقيات إبراهيم،» مبادرة الإصلاح العربي، 6 تشرين الثاني/نوفمبر2020، <https://bit.ly/3J5wpk7>.

[17]  عبد الرحمن، المصدر نفسه.

[18]        Jeremy M. Sharp, «Egypt: Background and U.S. Relations,» Congressional Research Service, 27 May 2020, <https://fas.org/sgp/crs/mideast/RL33003.pdf>.

[19]        «Arab League Refuses to Back Palestinians in Rebuke of Israel-UAE Deal,» Al-Monitor, 9 September 2020, <https://www.al-monitor.com/originals/2020/09/arab-league-palestinian-uae-israel-normalization-condemn.html>.

[20]        Elham Fakhro, «Selling Normalization in the Gulf,» Middle East Research and Information Project, 23 June 2021, <https://merip.org/2021/06/selling-normalization-in-the-gulf/>.

[21]  أمد للإعلام، «تقرير: إدارة بايدن تبحث مع السعودية تطبيع العلاقات مع إسرائيل،» 21 تشرين الأول/أكتوبر2021، <https://bit.ly/3LaulKp>.

[22]  هاني، «دول الخليج وإسرائيل بعد اتفاقيات إبراهيم».

[23]  الجزيرة نت، «الرئيس الجزائري: لن نبارك أو نشارك في الهرولة نحو التطبيع وفلسطين أم القضايا،» 20 أيلول/ سبتمبر 2020، <https://bit.ly/3JqGY2I> .

[24]  تلفزيون الحرة، «الحكومة العراقية تعلق على مطالب التطبيع مع إسرائيل،» 25 أيلول/ سبتمبر 2021، <https://arbne.ws/3Fc1amp>.

[25]  فلسطين اليوم، «سوريا توضح موقفها من التطبيع العربي مع «إسرائيل»،» 11 تشرين الأول/أكتوبر 2020، <https://bit.ly/3ylCOD7>.

[26]  عادل الثابتي، «رئيس تونس: التطبيع خيانة.. والقضية مع الصهيونية لا اليهود،» وكالة الأناضول 19 أيار/مايو 2021، <https://bit.ly/3FaBUgs>.

[27]  أشرف الفلاحي، «اليمن يجدد موقفه الرافض من التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي،» 11 تشرين الأول/أكتوبر 2020، <https://bit.ly/3L8x5rE>.

[28]  وكالة سبوتنيك، «لبنان يكشف رسميًا موقفة من التطبيع مع إسرائيل ويعلق على قرار الإمارات،» 19 آب/أغسطس 2020، <https://bit.ly/3YxEcx8>.

[29]  أمد للإعلام، «إسرائيل تلمح إلى أن عُمان هي الدولة التالية التي ستنضم إلى اتفاقات التطبيع،» 7 تشرين الأول/أكتوبر 2021، <https://bit.ly/3ZxT4Nd>.

[30]  هاني، «دول الخليج وإسرائيل بعد اتفاقيات إبراهيم».

[31]  أحمد صقر، «دراسة إسرائيلية ترصد 4 عراقيل أمام توسيع «التطبيع»،» 25 آب/أغسطس 2021، <https://bit.ly/3ys1DNM>.

[32]  الطناني، «التطبيع العربي الإسرائيلي وآثاره على مستقبل القضية الفلسطينية».

[33]  المصدر نفسه.

[34]  السيد، «التطبيع مع إسرائيل: بين أنصاره وخصومه».

[35]  المصدر نفسه.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز