مقدمة

لا شك في أن الشعوب في بلدان الخليج العربي ثابتة على موقفها الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وموقفها الداعم للقضية الفلسطينية. ولا تعبِّر والاتفاقيات التطبيعية الأخيرة عن الإرادة الشعبية في الخليج، التي متى ما سنحت لها الفرصة للتعبير فهي تؤكد هذا الموقف الراسخ. في الوقت نفسه، تمثل هذه الاتفاقيات والتحركات على المستوى الرسمي تحديات أمام جهود مناصرة فلسطين ومقاومة التطبيع، وذلك في سياقات الدول التي طبّعت على الصعيد الرسمي، كالبحرين والإمارات، أو الدول التي لم تطبع على الصعيد الرسمي كالكويت وعُمان وقطر.

تجلّت في العقد الأخير التداعيات الرئيسية للفكر الذي ساد في العالم العربي منذ هزيمة حزيران/ يونيو 1967 ومن بعدها حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، والذي اتسم بسِمة الارتهان والتبعية لمشروع آخر، متخليًا بذلك عن الاستقلالية الشكلية التي حازها في حدودها الدنيا، ليكون أحد أهم وأبشع تجليات ذلك الفكر الرُّكون الذي نراه اليوم إلى المشروع الإمبريالي وابنه غير الشرعي الكيان الصهيوني.

منذ عام 2003 واحتلال العراق ومن بعده انتصار المقاومة اللبنانية في حرب تموز/ يوليو 2006 وصولاً إلى انطلاق الربيع العربي الذي تركزت فصوله الأعنف في عام 2011، أتت التغيرات العالمية والإقليمية على نحوٍ عاصف وبالذات على القضية الفلسطينية. وما زاد الطين بلة الانقسام الفلسطيني، وما كان لهذه التغيرات أن تقع على المنطقة العربية وقضيتها المركزية بهذه الدرجة من التأثير لو لم تكن الحالة العربية أساساً ضعيفة ومهترئة إلى الدرجة التي جعلتها في موقع الخضوع التام، وبالأخص في محاولة التمسك بنظم الحكم القمعية والكراسي عبر الارتهان الكامل للمشروع الإمبريالي وقواه في المنطقة كحامٍ لتلك الأنظمة ضد شعبنا العربي. غير أنه منذ احتلال العراق وحتى اللحظة، تشهد المنطقة عموماً حالة من الاستقطاب والعراك بين المشروع الصهيو-أمريكي والمشروع الآخر المستند إلى الشعب العربي وقواه الحية.

في نظرة خاطفة إلى حال الأقطار العربية كافة نلاحظ على نحوٍ أكثر من كافٍ الانقسام الواسع بين الحالة الرسمية والحالة الشعبية في النظر إلى النظام الإمبريالي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، ففي حين يرى الشعب العربي، الولايات المتحدة الأمريكية على حقيقتها كخصم إمبريالي منحاز بصورة كاملة للكيان الصهيوني الغاصب، ومصالحه الاستغلالية، يسير النظام الرسمي العربي إلا من رحم ربي، في اتجاه معاكس، جاعلًا من الولايات المتحدة الأمريكية حليفاً يلزم رضاه.

لكن في ظل استسلام معظم الأنظمة والأحزاب والقوى العربية لمعادلة الأحادية القطبية وتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في السياسة الكونية وعدم إمكان الخروج عن إمرتها، رفضت بعض دول المنطقة وقواها ذلك المنطق، الذي يقود بطبيعته إلى الخضوع للقطب المهيمن (الولايات المتحدة الأمريكية)، ومارست سياساتها الوطنية والقومية وروجت لمشروعها، وصمدت وما زالت في مواجهة الضغوط الأمريكية، واحتفظت لنفسها بمقعد دائم في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية تحت بند «الدول الراعية للإرهاب» أو «التنظيمات الإرهابية».

وعليه فإن من مستلزمات تثبيت وجودنا في العالم والتاريخ، كشعب عربي يستحق الحياة الخيِّرة بجدارة، تحقيقُ مهمة نبيلة ومصيرية وضرورية تتمثّل بتوفير وعي سياسي نقدي وتحرري للإنسان العربي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه من دون توفير آليات فعلٍ شعبي عربي تتوحد على الاستراتيجية، وتقاتل بالمهمات المباشرة، وهنا تكون البداية في مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية.

تعرض هذه الورقة أربع تجارب خليجية لمقاومة التطبيع في كلٍ من البحرين، إعداد غسان سرحان، وعُمان، إعداد حاتم اليافعي، وقطر، إعداد هاني الخراز ومريم الهاجري، ومن الكويت، إعداد فريق حركة المقاطعة في الكويت.

أولًا: مقاومة التطبيع في البحرين وبعدها القومي

ليس مقاومة التطبيع ودعم القضية الفلسطينية اليوم بوصفها القضية المركزية للشعب العربي بمهمة جديدة مفروضة على الشعب العربي والبحريني على وجه الخصوص، وهما ليسا أمرًا منقطعاً عما سبقه من نضالات أو وليد اللحظة، كما أنهما ليسا إذعاناً للمرحلة التي سبقت والتي تعتقد فيها الأنظمة والقوى المرتهنة للقطب الأمريكي بأنها أغلقت الطريق أمام إدامة الحالة الصراعية مع العدو الصهيوني، وأسست لمرحة جديدة لا علاقة لها بالقرار الكفاحي العربي بأسره والبحريني على وجه الخصوص.

لذا، على الرغم من كل المحاولات لفصل الشعب البحريني عن الأهداف القومية والقضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية، وعن الصراع العربي – الصهيوني، وفرض التطبيع القسري، الذي سار به «الليبراليون السياسيون» في البحرين، فإن حالة اليقظة القومية لا تزال حاضرة وسط هذا الشعب، وقد تبيّن ذلك من جاهزية المواجهة التي أظهرتها القوى الحية والشعب البحريني أمام كل خطوة من خطوات التطبيع التي أقدمت عليها حكومة البحرين مع الكيان الصهيوني المحتل بإرادتها المنفردة المرتهنة لإملاءات البيت الأبيض الأمريكي.

إذاً، وفي كل الحالات، فإن صفحة الصراع الجديدة المتمثلة بمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني والمقاطعة الاقتصادية وغيرها هي في حقيقتها استكمالٌ للأهداف النبيلة نفسها التي حملها الشعب العربي، والبحريني على وجه الخصوص، على امتداد عقود النضال السابقة، مضافاً إليها ما راكمه الشعب البحريني من خبرة ومعرفة بأولوياتها تجاه مبادرات السلام وحل الدولتين والتسوية السياسية للقضية الفلسطينية، إضافة إلى الهزيمة السياسية والقومية التي تجّر لها الحكومة البحرينية وغيرها من الحكومات العربية باتخاذ خطوات واسعة نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني الغاصب، وتبديد الإرادة الشعبية بمقاومة الاحتلال وإنهائه وتوقيع اتفاقيات التطبيع المرفوضة شعبياً.

من هنا فإن المهمة المنوطة بنا كمناضلين عرب، وبحرينيين بالذات، في هذه المرحلة من التاريخ، هي مهمة إعادة الأمور إلى نصابها من حيث خيار مقاومة التطبيع ودعم المقاومة الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للبعد القومي في إدارة صراع طويل الأمد بيننا وبين الكيان الغاصب، وبخاصة أن الكيان الصهيوني ما هو إلا الثكنة العسكرية الدائمة للإمبريالية العالمية في العالم العربي، وأن قدر شعب فلسطين ومناضليه أن يكونوا طليعة هذه الأمة ورأس حربتها في مواجهة المشروع الصهيو-أمريكي نيابةً عنا.

ومثلما سبق تبيانه من أن مقاومة التطبيع مع الكيان الغاصب هي حالة فعل صراعي، كما برزت إبان مرحلة ورشة المنامة وما سبقها، وكيف أزعجت الاحتلال والداعمين له، فهي أيضاً تبث في الشعب البحريني حالة قلق من أن التضحيات الجسام كافة التي دفعها شعبنا في سبيل تحقيق الأهداف القومية للأمة العربية مهددة من جانب السلطة السياسية في البحرين، ففي الوقت الذي يتضح الموقف الشعبي من القضية الفلسطينية والقضايا القومية كافة والتطبيع مع العدو الغاصب على نحو لا يقبل التأويل، تظهر السلطة وبعض الشخصيات بلقاءات صحافية مع الكيان الغاصب وتشارك في زيارات للأراضي المحتلة عن طريق معابر يسيطر عليها الكيان، وتوقّع اتفاقيات التعاون مع الكيان الغاصب في الخدمات الأساسية والأمنية في سبيل إجبار الشعب البحريني على التعامل مع هذا الكيان، وذلك في سبيل كسر الحاجز النفسي بين الشعب البحريني والأجهزة الإجرامية الصهيونية، ناهيكم بالوفود الرياضية والتجارية وما إلى ذلك.

إن الآمال الكبيرة التي نعلقها ويعلقها الشعب البحريني على مقاومة التطبيع في البحرين واستمرار حركة المقاطعة فيها وفي البلدان العربية كافة، منبعها شعور الشعب البحريني في الحقبة الأخيرة بالإخفاق والخيبة. وعلينا أن نبين أن هذه الآمال يجب ألّا تغيِّب الاشتراطات الضرورية للنجاح كي تتحقق، وفي مقدمها تحصين الموقف الشعبي البحريني الرافض للتطبيع من الاختراق وتوحيد مرجعيته، ومواصلة تحصين السوق البحرينية عن البضائع الصهيونية وبناء حالة اجتماعية تشمئز من الأماكن التي تعرض تلك البضائع وتتاجر بها أو من يقوم بشرائها، والأهم ترقية العمل المقاوم للتطبيع من خلال ترسيخ مبدأ المقاطعة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والضغط لفرض إلغاء الفعل المادي المتمثل بتوقيع اتفاقية التطبيع، إذ إن ما قامت به الحكومة البحرينية من توقيع لتلك الاتفاقية لا قيمة له، وهو عمل غير دستوري، إذ نص الدستور البحريني واللائحة الداخلية للمجلس الوطني على أنه لا يمكن توقيع اتفاقية تحوِّل العدو إلى صديق إلا بموافقة المجلس، وهذه الاتفاقية لم تُعرض على المجلس، ووُقعت بقرار منفرد من الحكومة. وعليه يجب الاستمرار في المطالبة بمحو آثار هذا الفعل الباطل وفرض قانون يجرِّم التطبيع، فيخلق أداة للملاحقة القانونية للمطبعين كسبيل من سبل توفير المرتكزات اللازمة لتحقيق الآمال العربية والبحرينية على وجه الخصوص من القضايا القومية وعلى رأسها القضية المركزية، ذلك كله وصولاً إلى منع التطبيع مع الكيان الغاصب وتوفير سبل صمود شعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة على الخطوط الأمامية وإدامة الصراع العربي – الصهيوني حتى تحرير فلسطين كل فلسطين، وانتصار المشروع العربي الوحدوي.

وباستقراء بسيط للمعطيات كافة وبقراءة أكثر بساطة لمن طعن في فكر ومسيرة النضال القومي داخل البحرين واستهان بنتائجه، وبالوقائع المعاشة اليوم بعد أعوام من زمن التفكير القُطري الضيق والاستسلام للمشروع الأمريكي والارتهان للتحليل المبني على وحدانية القطب الأمريكي، يتبين لنا وللجميع أننا لا نزال في زمن الصراع العربي – الصهيوني موضوعياً، الذي يمثّل في حقيقته صراعاً ضد الإمبريالية العالمية، وهي الحقيقة التي لا جدوى من تغطيتها بغطاء المصطلحات القديمة أو كون هذا التفكير تفكيراً عفّى عليه الدهر.

وبالتالي فإن المسألة أصبحت، أكثر من أي وقت مضى، تتطلب السير قدماً في تعديلات متدرجة في ميزان القوى، وإدامة العمل المقاوم للتطبيع والداعم للنضال القومي وتوفير أبعاده الاستراتيجية وطنياً وقومياً من خلال معرفة مخططات العدو وسبل مواجهتها بالإمكانيات المتاحة، إضافة إلى تبني مشروع نهضوي صراعي عربي شعبي.

1 – مقاومة التطبيع ضد الأنظمة العربية

لو لم يكن الوضع العربي اليوم في أقصى حالات التردي، ولو لم تكن معظم الأنظمة العربية في أشد حالات الارتباط بالإمبريالية وخططها، وفي حالة تنصّل شبه كامل من التزاماتها من القضية القومية وصولاً إلى حد الخيانة وفك عزلة الكيان الصهيوني الغاصب، سواء عن طريق الاتفاقيات أو عن طريق التطبيع معه، ولو لم تكن الحركة الوطنية العربية في أشد مراحل أزمتها في ظل صعود الهويات الفرعية وتراجع الهوية القومية الجامعة، لما أمكن الأنظمةَ العربية ومن بينها حكومة البحرين نقلُ العلاقات والتطبيع السري من تحت الطاولة إلى دائرة الضوء، ولما أمكن الكيانَ الغاصبَ الاعتداءُ على أراض عربية إضافية، ولما أمكن الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ طرحُ مغامرتها بتصفية القضية الفلسطينية عن طريق الاتفاقيات الإبراهيمية.

بالتعمق قليلاً بما رُسم للبحرين اليوم من دور في صفقة القرن وخطوات التطبيع الواسعة التي اتخذتها السلطات البحرينية، يتبين أن البحرين أصبحت ساحة إضافية لمقاومة الاحتلال، فما أقدمت عليه حكومة البحرين يؤكد أن القرار السياسي لديها هو قرار بمواجهة المقاومة، وبالوقوف في الضفة الأخرى من التاريخ، وباتخاذ موقف معادٍ للحركة القومية والوطنية.

وعليه، في الحقبة الماضية كان رد القوى الوطنية، التي تبقت بشكلها الرسمي ونجت من مقصلة الحل حتى تاريخه في البحرين، وفي مقدمها الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني واللجنة الأهلية لمقاومة التطبيع التي تمثّل تحالفاً من 23 مؤسسة من المجتمع المدني البحريني، هو تنظيم الفعاليات في سبيل رفع صوت شعب البحرين الرافض للتطبيع والتأكيد أن التطبيع الرسمي لن يقود إلى تطبيع شعبي مهما كان الثمن، وتم تجديد الدعوات إلى مقاطعة الكيان والداعمين له والمطبعين معه، وفضحهم وطلب مقاطعتهم اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وإطلاق المبادرات الواحدة تلو الأخرى لحشد أكبر قوى اجتماعية شعبية حول ضرورة مقاومة التطبيع مع الكيان الغاصب.

غير أن كل هذه القوى الوطنية التي تسبح عكس التيار كانت منهكةً نسبياً ومقيدة ومحاصرة، فضلاً عما تعانيه من خلل في بعض جوانب نضالها، ذلك بأن النضال الممتد منذ عقود حول التحشيد للقضية الفلسطينية لم يعدُ كونه تحشيداً عاطفياً، إلا أنه لم يتم التأصيل لفكرة وثقافة المقاومة وعلى رأسها مقاومة التطبيع والمقاطعة في الدول العربية كافة بما فيها البحرين، وهي المهمة التي تطرح نفسها اليوم على نحوٍ ملح. غير أن المخزون العاطفي ساهم في استنهاض الناس بصورة عفوية لمقاطعة كل ما هو صادر من الكيان.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 535 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 535 أيلول/سبتمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 535 في أيلول/سبتمبر 2023.

(*)      في الأصل قدمت هذه الأوراق إلى منتدى عبد الرحمن النعيمي الفكري في دورته السابعة تحت عنوان: «انعكاسات وآثار التطبيع مع الكيان الصهيوني على فلسطين والبلدان العربية،» بيروت، 16 كانون الأول/ديسمبر 2022.

إعداد: غسان جاسم سرحان: عضو الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز