مقدمة:

يعدّ النقاش حول اتفاق التطبيع بين المغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي أمرًا جديدًا، فلم يستقطب الموضوع من قبل ردود فعل مجموعات مختلفة من ذوي الاختصاص في القانون الدولي، وظل مجالًا للسياسيين والإعلاميين، حيث أكد بعض منهم أنه يمثل ضربة للسلام والاستقرار في منطقة المغرب العربي وفي فلسطين أيضًا، وفي الآونة الأخيرة يتم الاعتراض عليه من زاوية أنه لم يقدم شيئًا يفضي إلى حل أي من القضايا الدولية، أو يحمي السكان المدنيين في حالات الاحتلال، ومنع القمع، وارتفاع نسبة الجرائم، والحرمان من الحرية، والاحتجاز التعسفي.

يستند الاتفاق إلى قلق المغرب وكيان الاحتلال على مصيرهما في ما يتعلق بالصحراء الغربية وفي فلسطين، والنظرة القانونية الدائبة إلى الأمم المتحدة في الاعتراف بممارسة الحقوق غير القابل للتصرف في تقرير المصير بالنسبة إلى الصحراويين والفلسطينيين، وفي الاستقلال الوطني والسيادة وحق اللاجئين في العودة. فكانت المنظمة قد أسست لهذا الغرض اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1975 بموجب القرار الرقم 3376 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل صوغ برنامج لتمكين هذا الشعب من ممارسة حقوقه، وأصدر مجلس الأمن القرارين 658 (1990) و690 (1991) اللذين أقر بهما خطة التسوية للصحراء الغربية؛ تنفذ بالتعاون مع منظمة الوحدة الأفريقية، من أجل تنظيم ومراقبة استفتاء لتقرير شعب الصحراء الغربية لمصيره.

يُعزى عدم فاعلية الاتفاق في هذا الإطار على تكريس الحقوق غير القابلة للتصرف، إلى مجموعة من العوامل المتنوعة، التي من بينها وأكبرها عجز المغرب و«إسرائيل» عن وقف الجرائم المستمرة، والحرب وأنهار من الدماء في المنطقة المذكورة، وعن مزاولة دورهما بمراقبة تطبيق القانون الدولي الإنساني. وإذا تحدثنا من دون مواربة، فإن الاتفاق يقتصر ظاهريًا على دخول الطرفين في عملية «سلام»[2]. وفي الأصول فإن السلام يأتي أولًا ثم التطبيع ثانيًا، وهي المعادلة التي آمن بها المجتمع الدولي، ما يعني تطبيق مقولة للتهكم «سأدفع لك أولًا، ثم تحضّر البضاعة».

وباستثناء تنظيم العلاقات على أسس القانون الدبلوماسي في ما يتعلق بأحكام التعاون المشترك في مختلف المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية، يلاحظ أن هناك اتجاهًا للإبقاء على مشكلتي الصحراء الغربية وفلسطين تنزف على جانبَي الشارع، وأن هناك قصورًا متعمدًا على مستوى معالجة الإشكالات المتصلة بالحالات المعنية بالاحتلال. لذا يمكن وصف الجدوى بهذا التطبيع عمومًا بجدوى اتفاق السلام مع مصر، واتفاقية أوسلو المتعلقة بإقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة[3]، التي أبرمت كذلك بدعوى تحقيق السلام.

وأخيرًا، يظهر التطبيع المغربي – الصهيوني، بأنه خارج عن العرف السائد وأحكام القانون الدولي العام، وغير متماشٍ مع أمور قانونية، مثل احترام قرارات الأمم المتحدة في شأن الصحراء الغربية والشعب الفلسطيني، ومع الاتفاقيات المبرمة في نطاق اتحاد المغرب العربي، وأحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. ولا نبالغ إذا قلنا بأن المسار الحالي للتطبيع يقدم الحلول ذات الطابع الخاص التي تعَدّ حيوية للطرفين، ويمعزل عن أوليات السلوك الذي يسعى ميثاق الأمم المتحدة وهو إيجاد حلول لجميع المشكلات المتعلقة بالمنطقة. فضلًا عن حفظ السلم والأمن، والتعاون على تطبيق حقوق الإنسان وشعوب المغرب العربي، وملاحقة مرتكبي الانتهاكات إذا ما شكلت انتهاكات لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، بالنظر إلى نص المادة (1) المشتركة التي تنص بأن «تحترم جميع الأطراف هذه الاتفاقيات وتكفل احترامها في جميع الأحوال»[4].

توجد بالتالي عدة نقاط ينبغي بحثها: الفكرة الأساسية للتطبيع من زاوية قانونية سياسية بعض الشيء، ثم مناقشة خلفية التطبيع كما هو الآن، واختبار تطبيع في العلاقات بين المغرب و«إسرائيل» وفتح السفارات والقنصليات وتبادل السفراء، الذي كان جزءًا من الدافع إلى التطبيع. والمخاطر الخاصة على الوضع الأمني في المنطقة، وما نراه من نتائج بخصوص الاختراقات المتعلقة بالقانون الدولي بشأن حماية الأفراد في حالة النزاع المسلح وتسيير الأعمال العدائية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

[1]عمر سعد الله: أستاذ في جامعة الجزائر.

[2]   لا يمكن استخدام هذا المصطلح إلا في حالة وجود حرب بين المغرب و«إسرائيل»، في حين أن الواقع يثبت أنه ليس هناك أي حرب بين البلدين. ولعل الهدف من استخدامه من جانب السياسيين المغاربة صناعة رأي عام من الأجيال الصاعدة يقبل بتطبيع علاقته مع كيان الاحتلال.

[3]  هو اتفاق سلام وقعه الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن الأمريكية في 13  أيلول/سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. وسمي الاتفاق نسبة إلى مدينة أوسلو النرويجية التي جرت فيها المحادثات السرّية في عام 1991 وأفرزت هذا الاتفاق في ما عرف بمؤتمر مدريد للسلام بين العرب وإسرائيل، الذي عُقد في العاصمة الإسبانية مدريد في ما بين 30 تشرين الأول/أكتوبر و1 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1991، ورعته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق سعيًا لإقامة سلام دائم بين الدول العربية وإسرائيل.

[4]   انظر مثلًا المادة 1 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى في القوات المسلحة في الميدان، المبرمة في 12  آب/أغسطس1949 ، المجلد 75، العدد 31 من مجموعة معاهدات الأمم المتحدة التي دخلت حيز النفاذ في  21تشرين الأول/أكتوبر 1950 .


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز