مقدمة

سعت إدارتا باراك أوباما ودونالد ترامب، إلى خفض مستوى الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، الذي كان قد تصاعد عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وهو خفض واكبه إنتاج سياسات ترمي إلى إعادة تكوين الشرق الأوسط بما يتواءم ومصالحها[1].

ومع تبني أوباما منذ عام 2009 سياسة تقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط، شهد الإقليم متوالية انسحاب أمريكي واكبته ترتيبات إقليمية سياسية وأمنية، وتنوعت هذه السياسات من محاولات احتواء إيران عبر الاتفاق النووي (2015)، إلى محاولات تكبيل طهران بحقبة ترامب عبر تعطيل الاتفاق النووي ومحاولة بناء تحالف إقليمي مضاد لها، ومحاولة استثمار مسار اتفاقيات أبراهام عام 2020 في هذا الإطار، التي حاولت جعل إسرائيل مركز الأمن الإقليمي، وفق الرؤية الأمريكية.

يشير هذا التحول إلى تبني واشنطن سياسات التوازن خارج المجال (Offshore Balancing)، التي تعتمد فيها الولايات المتحدة على حلفاء رئيسيين إقليميين في الدفاع، وتتخلص بالتالي من العبء العسكري وتكلفته[2].

خلال السنوات الثلاث الأولى لولاية جو بايدن، أتبعت إدارته نهجًا مشابهًا، فلم تظهر نيات أمريكية للعودة إلى التدخلات المباشرة في الشرق الأوسط. ففي العام الأول من ولايته، ركزت إدارته بصورة أقل على المنطقة، ثم كيَّفت دبلوماسيتها ودعمها الأمني للمنطقة عام 2022، قبل أن تلوح بوادر توسُّع الحضور الإقليمي في العام الثالث لولايته[3].

سعت واشنطن، من خلال محاولة توسيع اتفاقيات أبراهام، إلى هندسة شرق أوسط مختلف يطوِّق إيران ويحتوي القضية الفلسطينية، بما يسمح للولايات المتحدة التوجه بحرية إلى المحيطين الهندي والهادئ وإعادة موضعة مواردها العسكرية والسياسية لمواجهة التحدي الصيني. لكن الحرب على غزة خلخلت هذه الترتيبات وفرضت مشهدًا مختلفًا[4].

مس «طوفان الأقصى» موقع إسرائيل الإقليمي، كقوة عسكرية أمنية متفوقة، فنالت التداعيات من المؤسستين الأمنية والعسكرية، والمشروع الصهيوني برمّته، ومست أدوار إسرائيل الإقليمية كفاعل آخذ في الانخراط اقتصاديًا وجيوسياسيًا – عبر اتفاقيات التطبيع المتوالية – وضامنٍ أمني إقليمي للولايات المتحدة.

ومع السابع من أكتوبر، شدد الرئيس بايدن على دعمه إسرائيل: «نحن نقف مع إسرائيل… وسنتأكد من أن إسرائيل لديها ما تحتاج إليه لرعاية مواطنيها، والدفاع عن نفسها. والرد على هذا الهجوم»[5]، وقدم إليها الدعم المتعدد الأوجه منذ اللحظة الأولى. في ظل كل ذلك يتساءل هذا المقال عن حدود الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى إسرائيل في سياق الحرب على غزة؟ ومدى التغير والاستمرارية في هذا الدعم خلال عهدة إدارة بايدن مقارنةً بسابقيه؟

تفترض هذه الدارسة أمرين: أن التغيير السياسي الأمريكي اتجاه إسرائيل يكمن في الأدوات فقط مع الإبقاء على سياسة ثابتة، وأن الدعم لإسرائيل خلال هذه الحرب، نتاج عدة متغيرات مادية وقيمية متشابكة.

تعتمد الدراسة على الانتقائية التحليلية[6] كمنهج لتحليل الطبيعة المعقدة للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وبخاصة في الحرب على غزة. وعليه، سنستعين بالنظرية الواقعية والبنائية، ومن خلال ذلك يمكن التغلب على الحدود التي تفرضها كل نظرية، لتقديم تحليل أكثر شمولًا يأخذ في الحسبان العوامل المختلفة. كما تستخدم المقالة المنهج المقارن لتحديد الاستمرارية والتغيير بين الإدارات الأمريكية في دعمهم إسرائيل.

أولًا: مفهوم التغيير وأنواعه
في السياسة الخارجية

قدم  تشارلز هرمان تصنيفًا لأنواع التغيير في السياسات الخارجية، فقسمها إلى أربعة أنماط رئيسية: التغيير التكيفي، المرتبط بمستوى الاهتمام بقضية معينة، من دون تغيير في الأهداف والأدوات. والتغيير البرامجي المرتبط بتغيير الأدوات، مع ثبات الأهداف الرئيسية. والتغيير المرتبط بالأهداف، الذي يشمل الأدوات المستخدمة، عاكسًا تحولًا بأولويات الدولة واهتماماتها. والتغيير في توجهات العامة للسياسة الخارجية، بما في ذلك تغيير الأهداف والأدوات والاستراتيجيات المتبعة، وهذا التغيير الأكثر تطرفًا ويتضمن تحولًا شاملًا بالسياسة الخارجية[7].

يرى هيرمان أن الشكل الأول لا يعد تغييرًا فعليًا، في حين الأشكال الثلاثة الأخرى تقع في إطار التغيير الفعلي. يعد التغيير في توجهات السياسة الخارجية نادر الحدوث، لأن التحول في السياسة الخارجية غالبًا ما يأتي متدرجًا، فلا يمكن للدول أن تحدث تحولات جذرية مفاجئة[8]. باستخدام هذا التصنيف، يمكن تحديد نوع التغيير في حقبة بايدن تجاه إسرائيل في حربها ضد غزة مقارنة بسابقاتها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 545 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 545 تموز/يوليو 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 545 في تموز/يوليو 2024.

لورد حبش: أستاذة مشاركة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ومديرة معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية، جامعة بيرزيت – فلسطين.

إبراهيم سميح ربايعة: أستاذ غير متفرغ في العلوم السياسة والعلاقات الدولية، جامعة بيرزيت – فلسطين.

حقوق الصورة لوكالة أسوشيتد برس.

[1]    Yaacov Bar-Siman-Tov, «The United States and Israel since 1948: A «Special Relationship?,» Diplomatic History, vol. 22, no. 2 (April 1998), pp. 231–262.

Brian Katulis, «Trending Cautiously on Shifting Sands: An Assessment of Biden’s Middle East Policy Approach,» 2021-2023, Middle East Institute, 26 September 2023, <https://rb.gy/a4er3g>.

[2]   John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt, «The Case for Offshore Balancing: A Superior US Grand Strategy,» Foreign Affairs, vol. 95, no. 4 (July – August 2016), p. 70.‏

[3]     Katulis, Ibid.

[4]    Charles W. Dunne, «Gaza, the Ruin of US Policy, and a Transformed Middle East,» Arab Center, Washington DC, 16 November 2023, <https://rb.gy/o59qbk>.

[5]     Nicole Narea, «How the US Became Israel’s Closest Ally the US has Stood with Israel throughout History. What Does it Mean for the Gaza War?,» VOX, 13 October 2023, <https://rb.gy/vwhy0q>.

[6]   لمزيد من الاطلاع حول الانتقائية التحليلية، انظر: Rudra Sil and Peter J. Katzenstein, Beyond Paradigms: Analytical Eclecticism in the Study of World Politics (London: Palgrave, 2010).

انظر أيضًا: محمد حمشي، «الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية،» سياسات عربية، العدد 28 (أيلول/سبتمبر 2017).

[7]    Charles F. Herman, «Changing Course: When Governments Choose to Redirect Foreign Policy,» International Studies Quarterly, vol. 34, no. 1 (March 1990), p. 5.

[8]   محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1998)، ص 101.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز