مقدمة:

دأبت دولة إسرائيل منذ تأسيسها واحتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1967 على فرض سياسات توسعية تهدف من خلالها إلى تثبيت السيطرة وتعزيز السيادة على كل أراضٍ تستولي عليها، حيث اعتمدت جميع حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة سياسة بناء المستوطنات وتوسيعها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقديم الحوافز والتسهيلات لتشجيع هجرة الإسرائيليين إليها. ورسخّت تلك السياسات الاستيطانية مشروع تفتيت الضفة الغربية، وعزل المواطنين الفلسطينيين في مناطق محدودة المساحة مقطعة الأوصال، وعملت لاحقًا على تجزئة الأسواق والمجتمعات المحلية الفلسطينية، ومنعت من تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، وإلغاء أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تعرّضت الضفة الغربية للاستعمار الاستيطاني، مدعومًا بقوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية كبيرة، وبتأثير دولي واضح من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، وصمت عربي رهيب. وبدلًا من وقف هذا الاستيطان، وخصوصًا بعد توقيع اتفاق أوسلو، استخدم الكيان الصهيوني هذا الاتفاق لتسريع وتيرته في الضفة الغربية، تجسد في عملية تطهير عرقي في فلسطين وتشريد وطرد ومصادرة أراضي نسبة كبيرة من السكان الفلسطينيين الأصليين وممتلكاتهم وإحلال المهاجرين اليهود مكانهم وبناء نظام قائم على الفصل والتمييز العنصري.

لم يكن قطاع غزة بمنأى عن تلك السياسات التوسعية الاستيطانية؛ فمنذ اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي القطاعَ في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدا واضحًا أن هناك مخُططًا صهيونيًا كبيرًا يُحاك ضد القطاع من خلال فصل شماله عن جنوبه من المنتصف، هذا الوضع يشي بأن ثمة ترتيبات أو صيغًا جديدة، تقضي بتشريد وتهجير قسري لأهالي غزة إلى أراضٍ مصرية في سيناء وكذلك لأهالي الضفة الغربية إلى الأردن، وهذا ما ينسجم ويتوافق مع مصالح الكيان الإسرائيلي وأهدافه التوسعية الاستيطانية التي يسعى إلى تحقيقها منذ نشأته في الأراضي الفلسطينية.

نظرًا إلى خطورة هذا المخطط، ينبغي استكشاف جذور هذا التوجه، وسياسات تنفيذه، والمواقف المتباينة في شأنه ومظاهر مقاومته، والسيناريوهات المحتملة، وكذا التنّبه إلى مآلاته وهو ما يتطلب التحرك الفوري والعاجل من جانب الأطراف المعنية ولا سيمّا القيادة السياسية في حركة حماس خارج فلسطين والقوى الإقليمية التحررية الداعمة لها، لمواجهة الاحتلال والتصدي لخططه وسياساته التوسعية. والسؤال المطروح هو: كيف يمكن إفشال المخطط الصهيوني في قطاع غزة؟ وما الخيارات المتاحة أمام الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة للحؤول دون وقوعه؟

أولًا: الكيان الصهيوني: نحو نهج استيطاني إحلالي في الأراضي الفلسطينية

تعَدّ سياسة الاستيطان جزءًا جوهريًا من سياسة التوسع الجغرافي التي تنتهجها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي استمرار للسياسة نفسها التي بدأتها منذ تأسيسها في عام 1948، وتتجه نحو تحقيق هدف واحد دون سواه، يتمثل بتوطيد السيطرة الإسرائيلية والهيمنة على الأراضي الفلسطينية على نحو يقضي مع الوقت على أي فرصة لقيام الدولة الفلسطينية والحؤول دون استعادة ولو جزء من حقوق الشعب الفلسطيني المسلوبة.

من المفارقات، لم تتمكن الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال من تحقيق هدف التهجير بصورة كاملة، ويعزى ذلك لعدة عوامل، لعل من أبرزها: المقاومة الباسلة التي تبديها الأطراف الفلسطينية وصمودها في أرضها، ومن ثم تفويت الفرصة على الاحتلال من تحقيق ما يصبو إليه في ظل عدم توافر الغطاء الدولي للتهجير بصورة كلية، فضلًا عن مراهنة الاحتلال لبعض الوقت على استراتيجية إدماج واحتواء، أو ما يمكن وصفه بــ «أسرلة» الفلسطينيين في الأراضي المحتلة[1].

تجدر الإشارة إلى أن سياسة التوسع الاستيطاني التي اتبعتها حكومات الكيان الإسرائيلي المتعاقبة بدأت من القدس القديمة، ومرت بأربع مراحل، وهي كالآتي:

–           جاءت المرحلة الأولى، عقب الاحتلال مباشرة، وأدت إلى تقويض حي المغاربة وإجلاء سكانه من الفلسطينيين.

–           ثم بدأت المرحلة الثانية في عام 1968، واستمرت حتى أواخر السبعينيات، ومن خلالها تم الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية والإسلامية في الأحياء الواقعة بين حارة الأرمن وحي المغاربة. وتم إجلاء السكان الفلسطينيين وأحلت اليهود مكانهم.

–           بدأت المرحلة الثالثة في أوائل الثمانينيات على يد جماعات المستوطنين المتحمسين بهدف تثبيت الحضور الإسرائيلي في قلب المناطق الفلسطينية من المدينة القديمة وعلى مقربة من الحرم الشريف.

–           أما المرحلة الرابعة، المستمرة إلى اليوم، فبدأت منذ عام 1987، مع استيلاء وزير البناء والإسكان آنذاك أرئيل شارون على مبنى في أحد الأحياء الإسلامية الذي مثّل معلمًا بارزًا في دعم حكومة الكيان للمستوطنين[2].

في المقابل، أسفرت السياسات التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، بوصفها البديل لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال العقدين الأخيرين، عن الافتقار إلى الدوافع البنيوية وإلى استراتيجيات التغيير العملية والجادة، انطلاقًا من أن هدفها الأساس محاولة استعادة طرح القضية الفلسطينية بواقع جديد. وهذا ما أوصلها إلى هذا المآل الصعب، حيث بنت السلطة الفلسطينية استراتيجيات أكثر انتهازية واستعلائية على التطلعات المجتمعية والتنموية للشعب الفلسطيني، سواء كان ذلك داخل مؤسسة الرئاسة نفسها أو بينها وبين المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية أو قطاع غزة. لا يختلف واقع اليوم عما يشهده القطاع من محاولات تدمير ممنهج وشامل من جانب الكيان الصهيوني لقضم الأراضي الفلسطينية، مع اختلاف حدّة الصراع وآلياته واستراتيجياته. ومن أهداف هذا السلوك دفع أهل القطاع إلى الهجرة، وهذا استنساخ أكثر إجرامًا وقسوة لنموذجي التهجير في عام 1948 و1967‏[3].

في أوقات الحرب، اعتمدت دولة الاحتلال سياسات من شأنها أن تدفع إلى تفريغ أرض فلسطين من سكانها، وذلك بارتكاب المجازر المروعة ونشر الإشاعات لدفع الفلسطينيين إلى الفرار من بيوتهم ومدنهم وقراهم، كما حدث في مجازر دير ياسين وقبية والدوايمة عام 1948، بينما في أوقات السلم انتهج الكيان الصهيوني وسائل تعتمد على تضييق الخناق الأمني والاقتصادي والمعيشي على السكان، من خلال تقييد الخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى تقييد حركتهم في الحواجز التي أقامتها دولة الاحتلال بين مدن أهل الضفة الغربية وقراها والسيطرة على الموارد الطبيعية وحرمان الفلسطينيين من استغلالها أو الاستفادة منها. وقد اتضح ذلك بفرض العقوبات الجماعية وغرامات مالية وعدم الاعتراف بمواطن البدو وتهجيرهم منها وإحلال المهاجرين اليهود مكانهم أو وضع يدها على ممتلكاتهم. كما أظهرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في مفاوضات التسوية رفضها القاطع إزاء عودة اللاجئين ولمّ شمل العائلات المشتتة بين الداخل الفلسطيني والخارج[4].

بعد أن فرغت الولايات المتحدة وإسرائيل من تدمير الربيع العربي، لا يزال نهم الأطماع يدفع بهما إلى مخططات هي الأكثر عبثًا وخطرًا في العمق العربي، وتحديدًا في فلسطين. لقد اتضح عمق الرؤية الأمريكية الصهيونية الخبيثة وهول مخاطرها وتداعيات هذا التوجه والمسار، مؤشرات الاستهداف والخطر تلقتها المقاومة في غزة، لتحقيق الحلم الصهيوني الكبير في المنطقة لتقسيم غزة وتدمير مقدراتها البنيوية والاقتصادية، بمباركة سياسات أنظمة عربية وتنكرها لحقوق أهل غزة، مع الدمار الذي تبارك فعل صناعته، فبعض الأنظمة العربية لا تمتلك الجرأة والشجاعة لممارسة العداء لإسرائيل.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 549 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

محمد عبد الحفيظ الشيخ: رئيس قسم العلوم السياسية، الأكاديمية الليبية للدراسات العليا – طرابلس.

الصورة عن موقع “المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية-مدار”

[1] محمد غازي الجمل، «تهجير سكان غزة.. جولة من صراع الديمغرافيا مع الاحتلال،» الجزيرة.نت، 2 آذار/مارس 2024، <https://2u.pw/N6nVSrI> (تاريخ الدخول 12 آذار/مارس 2024).

[2] مايكل دمبر، «الاستيطان اليهودي في القدس القديمة،» مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 2، العدد 8 (خريف 1991)، ص 31.

[3] جميل هلال، «في المأزق الفلسطيني والمأزق الإسرائيلي،» المستقبل العربي، السنة 42، العدد 487 (أيلول/سبتمبر 2019)، ص 11 – 15.

[4] الجمل، «تهجير سكان غزة.. جولة من صراع الديمغرافيا مع الاحتلال».


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز