مقدّمة

في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 شنّت المقاومة الفلسطينية هجومًا مباغتًا أُطلق عليه «طوفان الأقصى» فاجأ إسرائيل وأدى إلى اشتباكات واسعة النطاق. أعقب ذلك تحوّل المقاومة (حماس والفصائل المتحالفة معها) إلى موقف دفاعي شامل داخل قطاع غزّة المحاصر. وجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام حرب مدن وعصابات غير تقليدية في بيئة حضرية شديدة الكثافة، في وضعٍ يذكّر بتاريخٍ عسكري بعيد: معركة ديان بيان فو (1954) في فيتنام. في تلك المعركة تمكّن ثوار الفيت مين، بقيادة الجنرال فو نغوين جياب من استنزاف قوات استعمارية متفوقة تقنيًا (الجيش الفرنسي) ومحاصرتها وإجبارها على الاستسلام. تعيد الحالة الفلسطينية – الإسرائيلية اليوم فتح المناقشة حول مدى صلاحية نماذج حروب التحرير الشعبية وأدبياتها الكلاسيكية للتطبيق في نزاعات معاصرة ذات طابع حضري.

تكمن أهمية هذه الدراسة في اختبار فرضية مفادها أن نموذج «حرب الشعب» الدفاعي الذي أثبت نجاعته تاريخيًا يمكن أن يتكيّف مع بيئة حضرية محدودة المساحة وذات حصار محكم كغزّة. مع الأخذ في الحسبان أن البيئة الفيتنامية وفّرت عمقًا استراتيجيًا ودعمًا خارجيًا مكثفًا، في حين تواجه غزة حصارًا خانقًا وانعدامًا لأي مجال مناورة جغرافي خارجي. فإلى أي مدى نجحت استراتيجية الدفاع التي تبنتها المقاومة الفلسطينية في غزّة خلال معركة «طوفان الأقصى» في تحقيق عوامل الفاعلية الدفاعية نفسها التي حققها نموذج حرب العصابات التقليدي في معركة ديان بيان فو؟ وبصيغة أخرى، هل استطاعت حماس عبر التحصينات والأنفاق والتعبئة الشعبية والدعم الخارجي واستنزاف العدو وتكبيده أثمانًا كبيرة تحول دون انتصاره أن تحوّل التفوّق التقني الإسرائيلي إلى عبء استنزافي مشابه لما فعله ثوار فيتنام بالقوات الفرنسية؟

تنطلق هذه الدراسة من وعي نقدي باختلاف السياقات البنيوية بين غزة وديان بيان فو؛ ففي حين تمتع الفيت مين بعمق جغرافي واسع مكّنه من المناورة والانسحاب وإعادة الانتشار، تعمل المقاومة الفلسطينية ضمن فضاء حضري محاصر بالكامل. هذا التباين يفرض مقاربة تحليلية تتجنب إسقاطات مباشرة، وتُعلي من قيمة الاستلهام من دون الوقوع في التماثل الكامل. تعتمد الدراسة منهجية نوعية مقارِبة تتضمن دراسة حالتين تاريخيتين ضمن إطار نظري مشترك. تم اختيار معركة ديان بيان فو (1954) كنموذج تاريخي لحرب تحرير نجحت عبر الدفاع الاستراتيجي الشعبي، ومقاربتها بمعركة غزّة التي بدأت عام 2023 بوصفها حالة معاصرة لحرب غير متناظرة بين جيش نظامي وحركة مقاومة مسلحة.

أولًا: الخلفية التاريخية: معركة ديان بيان فو (1954)
ملحمة الدفاع الشعبي

مثّلت معركة ديان بيان فو ذروة حرب التحرير الفيتنامية ضد الاستعمار الفرنسي، وتجسيدًا عمليًا لنموذج الدفاع الاستراتيجي الشعبي في مواجهة جيش نظامي متفوّق. اندلعت المعركة في إطار حرب الهند الصينية الأولى بين قوات الفيت مين (جيش استقلال فيتنام الشمالي بقيادة الجنرال فو نغوين جياب) والجيش الفرنسي في وادٍ منعزل شمال غرب فيتنام قرب حدود لاوس، خلال المدة من 13 آذار/مارس إلى 7 أيار/مايو 1954. قرّرت القيادة الفرنسية إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة ومدعّمة في ذلك الوادي (منطقة ديان بيان فو) لاستدراج الثوار إلى مواجهة تقليدية حاسمة في أرض مفتوحة. في المقابل، وضع الجنرال جياب خطة لحصار القاعدة واستنزافها بدلًا من المجازفة بهجوم مباشر خاطف.

مع فجر 13 آذار/مارس 1954، باغت نحو 50 ألف مقاتل فيتنامي نحو 10 آلاف جندي فرنسي بقصف مدفعي مكثّف. كانت المفاجأة أن الثوار امتلكوا مدفعية ثقيلة وتمكنوا من جرّها سرًا عبر الجبال المحيطة – وهو أمر لم يتوقعه الفرنسيون. خلال يومين فقط، نجح الثوار في احتلال تلَّتين استراتيجيتين تشرفان على المعسكر الفرنسي. أحكم الفيت مين طوق الخنادق حول القاعدة، فقطعوا خطوط الإمداد الجوية الفرنسية تحت نيران المضادات الأرضية. مع استمرار الحصار ونفاد المؤن، أخذت الدفاعات الفرنسية بالتآكل تدريجًا.

حاولت فرنسا يائسةً إنقاذ موقفها؛ طلبت دعمًا جويًا أمريكيًا تكتيكيًا (بل حتى طُرح خيار استخدام قنبلة نووية تكتيكية على مواقع الثوار)، لكن واشنطن رفضت التدخل المباشر. وهكذا تُركت الحامية الفرنسية لمصيرها. في 7 أيار/مايو 1954 – بعد56 يومًا من الحصار – شنّ الثوار هجومًا كاسحًا اقتحم الموقع الرئيسي وأسِر في إثره الجنرال دي كاستري قائد القاعدة مع كبار ضباطه. بلغت خسائر الفرنسيين نحو 1140 قتيلًا و4500 جريح إضافة إلى وقوع آلاف الأسرى، في حين قُدّر عدد قتلى وجرحى الفيت مين بنحو 20 ألفًا. لكن الحصيلة الاستراتيجية كانت انهيار هيبة فرنسا الاستعمارية، إذ اضطُرت بعد أسابيع قليلة إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات في مؤتمر جنيف حيث أُقر استقلال شمال فيتنام، وهو ما مهّد لاحقًا لاندحارها الكامل عن الهند الصينية.

تعَدّ ديان بيان فو علامةً فارقة في التاريخ العسكري؛ فهي أول مرة تهزُم فيها حركةُ تحرر وطنية جيشًا غربيًا حديثًا في معركة حاسمة. شجّعت هذه النتيجة الكثير من حركات التحرُّر الوطني العالمية وعُدَّت بداية سلسلة هزائم للاستعمار الغربي بلغت ذروتها بهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام عام 1975. لقد جسدت المعركة انتصار استراتيجية الدفاع المستميت المدعوم شعبيًا: حيث نقل جياب المعركة إلى حرب استنزاف طويلة بدلًا من الاشتباك التقليدي السريع، واعتمد على تحصينات الخنادق والتعبئة الشعبية (حمل القرويون المعدات والذخائر على ظهورهم عبر الجبال)، وتلقى دعمًا سوفياتيًا – صينيًا بالغ الأهمية على المستوى التسليحي والمالي. تحقق كل ذلك ضمن إطار زمني مثّل حصارًا مضادًا على الفرنسيين الذين وجدوا أنفسهم معزولين في القاعدة بلا إمداد.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 568 حزيران/يونيو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.

سعيد زياد:

أستاذ السياسات العامة في جامعة لوسيل – قطر.

عبيد الله الهاشمي:

باحث في الشؤون الاستراتيجية.

الصورة من رويترز.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز