المؤلفة: تغريد القدسي الغبرا

مراجعة: فادية حطيط

الناشر: بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 230

 

 نساء في مهب الانتماءات المتعددة
– 1 –

[1]هذه سيرةُ امرأة تتقاطع عندها الكثير من المسارات. تغريد القدسي غبرا، أستاذةٌ جامعيةٌ وأمٌ  وزوجةٌ و«مناضلة» و«مفكرة». الصفتان الأخيرتان بين مزدوجين قصدًا. فالنضال والفكر، بدَيا حتى اليوم ساحتين حكرًا على الرجال. لا وقت للنساء للنضال وللفكر، في خضم الانهماك بأمور الحياة «الصغيرة». تدبير شؤون الأهل والأسرة والبيت والأبناء. ولكن حين تتحول هاتان الصفتان كضرورة لوصف الاستحقاق الوجودي، فإن النساء يشعرن بالغبن. أيكنّ ضيّعن الحياة بما لا اعتبار اجتماعيًا له بينما طموحهن كان الحضور على الساحة العامة؟

تفرد المؤلفة في كتابها المعنوَن عندما يكون امتلاك العقل عبئًا هذا الغبن على 230 صفحة. تفلّيه وتنقيه، كأنها تنقّي حبات العدس على صينية. هذه حبة زؤان وهذه حصاة وهذه تالفة وهذه صالحة. هذا الغبن يطبع الكتاب كله، وأنت حين تقرأ لا السطور فحسب وإنما ما خلفها، يأتيك صوت يقول: «هذا بعضي. هذا لست أنا بالكامل، حتى ولو فرشت حياتي كلها أمامكم. فالاضطرار حكم ما قلته وما فعلته أكثر مما وسعني القول».

والنساء يعرفن أن عرض الغبن في تجربة شخصية سوف يصيب بسهامه الكثير من المقرّبين. لذا ينتبهن أن يكن عطوفات متفهمات. ولكن لا يمنع أن فعل الكتابة الشخصية هو فعل جريء مهما تم التحسب والانتباه. سيأتي أحدهم ويقول «هذا ما ترينه، وليس ما كان». سيحاسبك الزوج والأبناء ومؤسسة العمل، ولكل من هؤلاء سطوة تلقي بظلها على الكتابة. ومع ذلك فالكاتبة لم تَهَبْ عرضَ التجربة والتلميحَ حينًا والتصريحَ أحيانًا بأن ثمة بين المعارف والأقرباء مَن وضع العوائق في طريقها.

 – 2 –

تهدي تغريد القدسي كتابها إلى الرجال. فهؤلاء حاملو لواء العقل، وهي في عنوانها تتقصّد أن تقول إنها تلعب في ملعبهم. ولكن الثقافة الذكورية تجعل الأمر عبئًا عليها ويحيله إلى «معاناة مكبوتة» على حد تعبيرها. أول عناوين هذه المعاناة هو التضحيات التي تقدمها المرأة من دون ملاحظة الآخرين. هذه التضحيات حقيقية وملموسة وتذهب نتائجها لمصلحة أناس محددين. المُمِضّ في الأمر أنهم لا يعترفون بها، فكأنهم بذلك يسرقون الجهد وينسبونه إلى أنفسهم. وهذا معروف لدى النساء، اللواتي وصل الكثير من الرجال على أكتافهن وبفضل جهودهن. إنه شعور بالضيم يتضاعف داخل النفس ويحرق طاقتها.

هذه سيرة امرأة عربية من هويتين فلسطينية وكويتية تحمل على كاهلها ثقل العائلة، الزوج والأبناء وتربيتهم والحفاظ على أمنهم في زمن الاضطرابات السياسية التي لا تنتهي. ناهيك بكل ذلك إنها منذ تتذكر وهي «امرأة عاملة ومثقلة بعبء المهنة وضغوطها ومتطلباتها». تبدأ السيرة بالاعتراف بفضل نسَبٍ أمومي يعود إلى جدتيها لأبيها وهي فلسطينية من أم من الحجاز، وجدتها لأمها وهي فلسطينية من أم بيروتية. وتنطلق من كونها البنت البكر لعائلتين عملتا في التجارة في شيء من الوسع ما لبث أن ضاق بسبب نكبة 1948 ورماهما في الشتات، عائلة الأب رحلت إلى الكويت في أوائل الستينيات وذهبت عائلة الأم إلى الأردن. وتعتني الكاتبة بتبيان أثر الشخصيات الأنثوية في حياتها، من جدّتيها إلى العمّتين؛ الطمأنينة التي أسبغنها عليها، والتعليم المباشر الذي أخذته منهن؛ الاعتناء بالطبخ وبالتدبير والاعتناء بالأسرة والالتزام بمهنة التعليم. فتضع الكاتبة مرتكزات بناء شخصيتها في تعلُّم مهارات الحياة العملية التي منها تنبثق الأفكار والاتجاهات الفكرية وليس العكس. من هذه الأفكار التي تنثرها الكاتبة على مدار الصفحات، تتبدى فكرة الانتماء بأنها العامل الجوهري في النماء على حدّ قولها. كذلك تلك الأفكار التي حملتها من بيئتها حول أهمية العلم وضرورته والاستثمار بالدماغ البشري الذي هو شعار كل فلسطيني، والالتزام بالقضية الفلسطينية الذي هو سبب للتحرر، وذاكرة الفلسطيني التي يحملها لأولاده فتضحي حقيقة مُرة مستمرة.

 – 3 –

في خضم هذا الانتماء العميق، لن يفاجأ القارئ بمن سيكون شريك الحياة المقبل. إنه شفيق الغبرا الذي يمثل بالنسبة إلى الكاتبة عددًا من المبادئ الأساسية في مسارها. فهو، مثلها، مناضل فلسطيني ويحمل الجنسية الكويتية إضافة إلى كونه بنّاء لذاته، ما سيؤهله لاحقًا ليكون اسماّ عربيًا لامعًا في حين وقفت الصعوبات أمامها. وتخبرنا الكاتبة عن التجربة العسيرة التي مثّلها هذا الارتباط. فهي ستخوض معه مشوارًا صعبًا ومحفوفًا بالخطر. هو المقاتل مع الفدائيين في جنوب لبنان، الذي يغيب أوقاتًا كثيرة من غير أن تستطيع الاتصال به. وهي ستضطر إلى الرضوخ لمترتبات ذلك الوضع. فتعيش حياةً لا تتطابق مع الحياة التي أعَدّت نفسها لها. من لحظة الزواج ومجيئها إلى بيروت وإقامتها في بيت وجدته جاهزًا لها من دون أن تتدخل في تأثيثه، تحمل جدرانه صور شهداء كانوا رفاقًا أعزاء للزوج. ومن ثم دخولها في علاقات مع أمهات الشهداء وأُسَرهن. وبصورة الحاذق تجعلنا الكاتبة نشعر بأنها باتت أسيرة جدران القضية. صحيح أنها كانت قضيتها هي نفسها، غير أن خدمة هذه القضية بالنسبة إليها يمكن أن تتم بطرائق أخرى. وهي، على الرغم من إيمانها العميق بهذه القضية لم تستطع أن تكبت رغبتها في استكمال تعليمها وطموحها بالنجاح الفردي. لقد خلق الأمر عندها توجسًا لم تتوقعه، فقرارها يجب أن يبقى لها وهي لن ترضى بغير ذلك (ص 72). وسوف تجد منفذًا من خلال عملها في مؤسسة أبحاث في الترجمة، ثم التسجيل في الجامعة اللبنانية لإكمال شهادة ليسانس اللغة الأجنبية وفي كلية بيروت الجامعية لإكمال شهادة في علم المكتبات. كل ذلك لم يمنع الكاتبة من الشعور بنقص قيمتها الفعلية في بيروت. فالجميع هنا لخدمة القضية فقط ولا شيء غير ذلك، وهذا ما أدى من ثم إلى إحساسها بالضجر من دورها التابع لظرف زوجها ومحيطه النضالي. هي تقول «كنت أفكر للحياة وشفيق يفكر للموت والشهادة». ولن تبقى الحال على ما هي عليه، إذ ستكون ولادة طفلتهما الأولى العامل الحاسم في إقناع زوجها بإمكان خدمة القضية بصيغة مختلفة. فالقضية بحاجة إلى محام وصحافي ومؤرخ كما المحارب على حد قولها. كان القرار بالعودة إلى الكويت ومن ثم الحصول على بعثة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث سوف يكمل الزوجان تعليمهما. وتفرد الكاتبة صفحات للعناء الذي كابدته من أجل الدراسة، وتأمين أمور الأبنة الصغيرة وتحضير الوجبات والقيادة لمسافات طويلة لحضور المحاضرات. كانت الهزيمة تطل برأسها بين الفينة والأخرى ولكنها لم تسمح لها بالنيل منها؛ «أنا تغريد ويجب أن أتفوق وأنجز، كما تربيت». ولسوف تنجز أطروحة الدكتوراه على الرغم من «العبء النفسي الذي لاحقني… فالإحساس بالذنب نتيجة ترك عائلتي كان يثقل كاهلي كيفما تحركت» (ص 138). وسوف تعود إلى الكويت في نهاية عام 1988 لتلتحق بجامعتها وتبدأ رحلة إنشاء أول برنامج ماجستير لتدريس علوم المكتبات والمعلومات فيها. ولكن كأن الصعاب كانت قدرها، فلن يتأخر الاحتلال العراقي للكويت في عام 1990 لكي يضع الكاتبة وأسرتها أمام محنة جديدة. فكان الانتقال بين العلاقات الفلسطينية والكويتية، الذي لم يكن أمرًا سهلًا، «فالجانب الفلسطيني لا يؤمن ولا يثق بنوايا الأمريكيين… أما الجانب الكويتي، والذي فقد الكويت للتو، فمستعدٌ للتحالف ولو مع الشياطين لتحرير الكويت» (ص 150). وهنا سوف تروي الكاتبة تفاصيل صعوبة الحواجز التي تفتش عن الكويتيين وعن هربها مع ابنتيها إلى العراق ومن هناك إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

 – 4 –

ما الدروس والعبر التي خرجت بها تغريد المرأة المستقلة التي أرادت لنفسها دربًا فرديًا لا يرتسم فقط على مقاس جماعات الانتماء والهوية والعائلة والزواج والأمومة؟ يفاجئنا اعترافها الذي يجافي منطق عنوان الكتاب ومحوره العقل، فتقول «كان التفكير السحري محفزًا دائمًا لعلاقاتنا وتصرفاتنا الشخصية والاجتماعية. هذا التفكير الذي، وفي كل مرحلة من حياتنا، جعلني أعتقد أن بإمكاني تحقيق الكثير والمستحيل. هو الوجه الآخر للمثالية التي تجعل الشخص يطير على بساط سحري، معتقدًا أن ما من أحد قبلًا جرّب الطريقة، أو المنهج أو الأسلوب الذي نسلكه، ولذا سيكون الكسب فقط من نصيبنا» (ص 216)؛ لتخلص: «عندما أنظر إلى تجربتي عبر السنين… تهولني من جهة هذه الجرأة، ولكن هل هي جرأة أم تهوُّر؟ كانت جرأة في وقتها أما الآن فأنا أعتبرها سوء تقدير. إنها مثالية، قد لا تكون تهورًا وتسرعًا. عبر السنين يكتسب الإنسان واقعية ويصبح أقرب للأرض وللموضوعية، وتصبح القرارات لا خيالية ولا سحرية. تجثو القرارات على الأرض» (ص 216).

أين العقل في كل ذلك؟ ولو وضعنا الحدس بدلًا منه، على ما تميل النساء لفعله عادة، مثلهن مثل الكاتبة نفسها التي تعترف بأن «المرأة عندها نظام إنذار ذاتي وطبيعي يرى الخطر ويحدس به قبل وقوعه وبسرعة قبل الرجل» (ص 31)؛ فهل كان اتجاه الكتاب مغايرًا لما ذهب إليه؟ حياة اكتنفها الخطر وجرت في مهبّ الانتماءات السياسية العربية التي دفعت بصاحبتها في هذا الطريق وذاك، فكان العقل الذي ينغل بما أخذته من تربيتها الأولى محركًا لها للفعل، وكان حدسها دليلًا للسير. والكاتبة في مسارها كانت وفية لذاتها الأنثوية. إن الجملة المفتاح في الكتاب «الرجل دائم التغير والمرأة على العهد تبقى» (ص 67) يمكن أن نفهمها جيدًا إذا كانت كلمة الرجل تعني القضية والمشاعر والمصلحة وكلمة المرأة تعني الجدة الأم الابنة.

 – 5 –

أفكر في أن لو مسؤولة التوثيق في إحدى المكتبات أرادت أن تضع كلمات مفاتيح لهذا الكتاب لوجب عليها أن تكتب: سيرة ذاتية، طفولة، إرث فلسطيني، تعدد الهويات، الصراعات العربية، أمومة، طموح مهني، تدبير منزلي، اضطرابات نفس – جسدية، تربية أطفال… أما أنا القارئة فبقي معي من كل ذلك أمومة طافحة غنية ممتلئة بذاتها ساعية لتحسين الحياة وتعلّم الوقوف عند هبوب الرياح.

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

فادية حطيط: أستاذة في الجامعة اللبنانية.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز