المؤلف: ناصر الدين سعيدوني

مراجعة: نور الدين ثنيو

الناشر: بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 664

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ الجزائري ناصر الدين سعيدوني، الذي وفّر للمكتبة العربية الكثير من البحوث والدراسات وبخاصة منها الحقبة العثمانية[1]. واليوم، يطلع علينا بهذا الكتاب القيم المسألة الثقافية في الجزائر[2]، من أجل أن ينخرط في حوار ونقاش يحتدم في الأوساط العلمية والسياسية والفكرية ليس في الجزائر فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص. ولعلّ صدور هذا السّفر عن مركز مرموق يؤشر إلى أكثر من بيان عن أهمية الموضوع وتقدم مهم على صعيد بحث المسائل الثقافية والسياسية في وطننا العربي. فقد تحولت كل القضايا الوطنية إلى قضايا عربية على أكثر من وجه. وبتعبير واحد، فقد أخذت قضايانا الوطنية حجمها العربي وصارت تستمد منه شرعية البحث ومعقولية الفهم.

وصدور المسألة الثقافية في الجزائر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يقطع فعلًا أن الثقافة العربية همُّ مشترك بين المثقفين والكتّاب العرب وأن كتاباتهم الحالية هي التي تترجم حقيقة ما يقع وما يجب أن يفهم. فعندما تطرح المسألة الثقافية في الجزائر «على بساط البحث العربي يصبح نقدها في خدمتها وليس للتنكر لها، على ما تفعل الكتابات المغرضة ذات الحمولات المبيتة، في الجزائر وفي فرنسا بسبب الاستعمار ومخلفاته وتداعياته. كما أن قراءة مكونات المسألة الثقافية في الجزائر بإعادتها إلى مجالها العربي يساعد على معقوليتها وفهمها أفضل، تدفع أكثر إلى شرعية التكوين ذاته، أن ينشأ المكون من صلب جنسه ومن رحم هويته.

مؤلف الكتاب، آخر المؤرخين[3] لجيل يغادر ساحة الكتابة التاريخية ولا يجد من يواريه الغياب بسبب الأزمة المستعصية على الحل التي حلَّت بالجزائر، ليس بسبب الاستعمار فحسب، بل – وبخاصة – بسبب الاستقلال أيضًا، أو على ما صار يطلق عليه ما بعد الاستعمار (Postcolonial) الذي له حقبته ومقاربته ومعايير وشروط الحكم عليه وتقييمه. والجزائر في هذه الحقبة من الزمن العربي الخائب، شهدت حالة من التعثر، على ما يشهد عليه الكتاب، قلّما عرفته دولة عربية أخرى: أزمة ثقافية حادة ومدلهمة لا يمكن فك خيوطها المعقدة وعناصرها المبهمة. فالاستقلال الوطني عجز عن حل المسألة الثقافية بقدر ما أن الحياة العربية في مكونها الثقافي هو الذي أسعف أجيال من الجزائريين إلى الانخراط في صناعة وإبداع النص والخطاب والحقيقة العربية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر.

أولًا: في معنى الاندماج والنزعة الاندماجية

يجب أن يتحلى الخائض في بحث المسألة الثقافية، على ما يرى الكاتب، بالنزاهة الفكرية والأخلاقية والشجاعة السياسية التي قلّما نحفل بها سواء في نضالنا اليومي أو في بحث قضايانا العلمية والتاريخية. إن الانتقال من النضال السياسي والحديث عنه من قبل صنّاعه ومُحْدثيه إلى الكتابة عنه وفق مقررات البحث العلمي وما يقتضيه المجتمع الأكاديمي يجب أن يخضع لمؤسسات تهتم بالمعرفة ومناهجها وطُرُق الحصول عليها من أجل قراءتها قراءة موضوعية. ومن هنا، جاءت التوصية بضرورة التخلص من الأفكار المسبقة والأحكام الجاهزة أو مجاراة ما هو سائد، لأن أصل البحث العلمي، وبخاصة التاريخي منه، يلح دائمًا على ضرورة التصحيح والتعديل وإعادة فهم قضايا ومسائل وموضوعات لها صلة بوجود الدولة والأمة والمجتمع والفرد.

المسائل التي عرض لها المؤلف مثل: النخبة، الثقافة، الهوية واللغة… مسائل لا يمكن الوقوف عندها بالتعريف بنفس المصطلحات السائدة وشرحها وفق المعاني التي شُكّلت وحُددت في سياقات مختلفة في التجربة الجزائرية في عهدها الاستعماري وما بعده أيضًا. فالمصطلح يأخذ معناه الكامل أو الناقص في خصوصية التجربة المحلية كشرط لازب يحصِّن الكتابة التاريخية ويدرجها في المقرر الدراسي ويُراكمها في الإنجاز الوطني، لأن كتابة التاريخ والبحث في قضاياه وسياقاته، يعني صناعة الحدث واكتشاف الواقعة وتحديد الموقف وتوضيح الفكرة.

فالمصطلحات التي أوردها المؤلف كمحددات للمسألة الثقافية في الجزائر، تقتضي أن تقدم شواهدها وتجلياتها ومظاهرها من جدلية الوجود والعدم زمن الحقبة الاستعمارية ومرحلة ما بعد الكولونيالية، والتجربة الجزائرية غنية وثرية وحيوية تصل إلى تقديم المَثَل والنموذج لمسار تاريخي يريد أن ينجح في الانتصار على الاستعمار والتغلب عليه أيضًا في كلتا العهدين، لأن الإخفاق في بناء الدولة المستقلة من شأنه أن يعيد النظر في مدى الانتصار الحقيقي على الاستعمار… ساعتها نرجع من أجل تصحيح المفاهيم وتصويب المعاني وتحديد المصطلحات.

وحتى لا نغرق كثيرًا في مسائل الرؤية والمقاربة والمنهج وطريقة التفكير، وتصحيح المفاهيم[4]، نورد مفهوم الاندماج أو النزعة الاندماجية التي سادت خطاب الحركة الوطنية. بداية، لم يكن خطاب الحركة الإصلاحية الدينية والعربية في الجزائر، يعي مفهوم الاندماج في معانيه كافة ولا يورده ولا يتداوله لا من الناحية الفكرية ولا القانونية، لأن الجزائر واقعة في مجتمع متخلف لا يبدع ولا يكتشف العلم والمعرفة العَالِمة… وأن الخطاب الفلسفي غير متكوّن أصلًا من أجل التوضيح والشرح. والمعنى المتوافر في ذلك الوقت وبقي إلى ما بعد الاستقلال، هو التغريب والمسخ والاستلاب وما في حكمه من التجنيس والفرنسة … وكلها مفردات لا تعادل المدلول الذي حددته السلطة الفرنسية في الجزائر، حيث التمسته الإدارة الاستعمارية من أجل تعمير البلد بالفرنسيين والأوروبيين الأجانب وإدراجهم أو إدماجهم في الحظيرة الفرنسية بالقدر نفسه الذي يحظى به المواطن الفرنسي في المتروبول[5].

وعليه، فعندما نلحظ كلمة إدراج ودمج، فالمقصود في الخطاب الإداري والقانوني الاستعماري، هو سياسة استيعاب العنصر الفرنسي في المستعمرات وترقيته عبر برامج ومشاريع وخطط ترمي كلها إلى إحكام السيطرة على أقاليم فرنسا لما وراء البحر. والمصطلح هو من إفرازات ونتاج المعمرين الذين كان ديدنهم دائمًا المطالبة بالمساواة ومعاملة مماثلة مع سكان المتروبول. هذا جانب من مفهوم الاندماج، الذي يفهم بسهولة ودونما عناء في الخطاب الاستعماري، لكن عندما ينتقل إلى خطاب الحركة الوطنية المناهضة أصلًا وغاية للاستعمار، يتحول المصطلح إلى مدلول مستهجن ومعيب لا يرشَّح إطلاقًا إلى الترقية وتصحيح المراكز والأنظمة.

أخذ مفهوم الاندماج أو الاندماجية حمولة سلبية جدّا، مع الكثير من المفردات الأخرى، لأن السياق التاريخي سياق صراع ومعركة وحرب، ومن ثم يُنْظَر إلى الكلمات على غير معناها ويُنْتَظر منها أن تساهم في الصراعات الثقافية والسياسية، على ما جاء في فصول كتاب المسألة الثقافية، حيث انخرط المؤلف بدوره ليس في جدال ونقاش فحسب، بل في معارك لا تزال تُدوّي أسماعنا إلى اليوم.

استخدم مصطلح الاندماج والاندماجية، للتجريح والعتاب وغالبا في السّجالات والمُمَحكات، لأن الحركة الوطنية والإصلاحية كانت دائمًا في المعارضة[6]، وتنظر إلى نفسها كذلك. والحقيقة أن كل المفردات المتداولة في الخطاب الوطني لا تأخذ المعنى الرسمي والقانوني، لأن الخطاب المتداول داخل مؤسسات الدولة، يختلف بطبيعة الحال عن المفردات المتداولة خارج المجال الذي تحتكره الدولة.

وقصارى القول في موضوع الاندماج، أنه سياسة فرنسية ترمي إلى تحويل الأجانب الأوروبيين إلى مواطنين فرنسيين في الجزائر، كانت لهم مطالب ورغبات وانشغالات تطورت، بفعل السيرورة التاريخية، إلى احتكار الجزائر ككيان جغرافي لهم وحتى ضدًّا على الإدارة العليا في باريس، كانت أهم نتائجه حصولهم عبر الحكومة الجزائرية العامة في الجزائر، على الاستقلال المالي عام 1900، لم تلبث النخبة المثقفة منهم أن بلورت مفهومًا جديدًا من وحي التجربة، هو مفهوم الجزائري الذي يتحلى بمركز المواطن (Citoyen français) والشعب Peuple algérien[7] (courant algérianiste) ، وليس «المسلم الأهالي» أي الذي يعيش في الجزائر من غير العرب والمسلمين. فالذين يستحقون الاندماج والاستيعاب في المنظومة الفرنسية هم المستوطنون المواطنون وليس الأهالي، أي الشعب الجزائري الجديد في المستعمرة الفرنسية، الآيلة إلى زوال لمصلحة العنصر الجزائري الجديد[8].

ويبقى في نهاية المطاف والتحليل، الإشارة إلى حالة المفارقة التي يقبل بها البحث التاريخي الجزائري، بخاصة منه الذي يُدَرّس ويبحث قضاياه ومسائله باللغة العربية. فحالة الوعي الشقي تلازم هذا الصنف من البحث عندما يسرد صاحبه الكثير من الميادين والمجالات والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية، ويظهر مدى تقصير الإدارة الاستعمارية في توفير الحد الأدنى من الخدمات والإمكانات المادية والمعنوية للأهالي المسلمين، فضلًا عن انتهاكها أهم مقومات الأمة الجزائرية وتاريخها. فالغالب أن الباحث هنا يسرد كافة المظالم والخروقات وصور الحرمان والاستغلال والمنع والحظر، وهذا كله يمثل حقًّا تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر. ومع ذلك أو بالرغم من ذلك، يُصِر على أن فرنسا أرادت أن تدمج المسلمين الجزائريين وتربطهم بمصير الدولة الفرنسية وأن تُحَوِّل سكانها إلى فرنسيين عبر سياسة التعليم. ولعلّ شواهد الإحصاءات والمعطيات في نسبة التّمدرس بين المسلمين والفرنسيين تظهر حالة من المفارقات والتناقضات تؤكد فعلًا الحالة الاستعمارية..!

ثانيًا: المسألة الثقافية في الجزائر .. لا، بل غيابها؟

من القضايا أو المسائل التي ينبغي أن نثيرها، من وحي قراءتنا كتاب المسألة الثقافية في الجزائر موضوع الثقافة في صلتها بالحضارة. فكلنا نعرف، وهذا قاسم معرفي مشترك بين من درسوا العلوم الإنسانية والاجتماعية والنقد الأدبي، أي بصورة عامة جميع من مرّ على الجامعة والبحث الأكاديمي، أن هناك صلة قوية وعضوية بين الثقافة والحضارة من خلال تجارب تاريخية مرّت بها كثير من الحضارات ولعلّ العصر الحديث والمعاصر أفضل من أعطى الشاهد على ذلك.

تشير ثقافة مجتمع إلى ما هو معنوي، روحي وكافة الجوانب العقلية والنفسية وحياة الوعي والضمير والأخلاق والدين، أي البنى المثالية في المجتمع. وحضارته، وتحيل أيضًا إلى الجوانب والمكونات المادية، أي الإنجازات الاقتصادية والتكنولوجية التي يجري تطبيقها في المجتمع من أجل مواصلة الحياة المدنية والثقافية معًا[9]. وهذا التلازم هو ما يجب أن نفهمه أيضًا حين ندرس المسائل الثقافية في مجتمعاتنا الراهنة، ومنها الوضعية الثقافية في الجزائر في العهدين الاستعماري وما بعده.

لم تكن المسألة الثقافية مطروحة في العهد الإستعماري، كما سبقت الإشارة، بالنسبة إلى الجزائريين، عرب ومسلمين، لأن السلطة القائمة هي الإدارة الفرنسية التي تفرض لغتها للتعبير عن الحياة الثقافية في تفاصيل حياة الفرنسيين والأهالي. وهذا ما كانت تعنيه الحركة الوطنية، فشرط الحياة الثقافية هي التحرر التام من الوضعية الاستعمارية. جاء في وثيقة «تحيا الجزائر» التي أصدرتها حركة انتصار الحريات الديمقراطية عام 1951، ما يلي: «وحتى نضع حدّا لمعاناتنا تحت نظام استعماري ظالم وبغيض، يجب أن نتحرر تحررًا كاملًا: التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي والتحرر الثقافي». وفي معنى التحرر الثقافي، كتبت الوثيقة: «إمكانية الشعب الجزائري في التمتع والانتفاع بتراثه الذي خلّفه له العلماء والفنانون، ثم المساهمة من ناحية أخرى في تطويره بشكل علمي وبالقدر الذي يحمل أصالة الجزائريين وملامحهم الخاصة. غير أنه، يجب أن لا يغرب على البال، بأن كل أشكال التحرر التي أشرنا إليها، أي الاجتماعي والثقافي واجبة وحتمية إلا أنها محددة ومشروطة بالتحرر السياسي حتى تأخذ في النهاية معناها الحقيقي»[10].

أخذت كلمة ثقافة، مثلما وردت في هذه الفقرة من وثيقة حركة الانتصار للحريات الديمقراطية(MTLD)  في جناحه اليساري الشيوعي، من البُنى التحتية وانعكاساتها على الهياكل والمؤسسات المعنوية والروحية للشعب والمجتمع. فتفسيره المادي للثقافة على هذا النحو ساير فيه الحركة الشيوعية الفرنسية ليس بسبب تداوله للغة الفرنسية فحسب، بل لأنه يريد أن يفعّل الحياة الأهلية بالإبداع والخلق والاكتشاف والتصوير، أي حمل المجتمع الأهلي على إنتاج معادله الثقافي كأفضل سبيل للبقاء في الحياة. وواضح من هذه الفقرة الواردة في وثيقة حركة الانتصار، ربط «ثقافة» المجتمع الجزائري بالأصالة والتراث وما وصله من الماضي التَّليد للحضارة العربية والإسلامية. بينما الغامض في هذه الفقرة أنها تَكَتَّمت على الحياة الاقتصادية والإنتاج المادي والغالب في تفسير ذلك أنها تجاري الطبقة العاملة، إن في فرنسا أو الجزائر وسائر بلاد العالم من ضرورة التحرر من نظام رأسمالي في أعلى مراتبه عندما يعني الإمبريالية. فلا يوجد اقتصاد في حياة الأهالي، لأنهم مرتبطون بالوضع الفرنسي العام.

وهكذا، يجب أن ننتظر بداية حياتنا الثقافية إلى ما بعد التحرر السياسي وامتلاك ناصية الحكم والشروع في بناء مؤسسات الدولة الوطنية. وهذا ما سعت إليه السلطة الوطنية الجديدة في مشروع ثوراتها الكبرى «الثورة الزراعية» و«الثورة الصناعية» و«الثورة الثقافية»، التي نجد مرجعتيها الفكرية في أهم وثيقة صدرت في جزائر ما بعد الاستقلال ونقصد «الميثاق الوطني» عام 1976، لا بل هو في ذاته يعد أفضل عمل ثقافي وطني جرى إنجازه في عهد الاستقلال دلَّل على إمكانية تحقيق الهوية على أساس من الإبداع والصياغة والإنتاج، كما برهن على إمكان تحقيق النظام الديمقراطي بناء على الطريقة وأسلوب الحوار والجدل الذي حام حوله.

وبالعودة إلى جدلية الثقافة والمدنية لحظة ما بعد الاستعمار أو في حقبة الاستقلال، نجد أن تعثر تجربة الإنتاج الثقافي والحسم في مسألة الثقافية على النحو الذي يلبِّي العلاقة بين الحضارة أو المدنية والثقافة، لم يحقق شرط التحرر السياسي بناء على وثيقة «تحيا الجزائر». فقد جرت مصادرة الاستقلال، وفق ما جاء في كتاب فرحات عباس[11]، وأحكمت السلطة العسكرية قبضتها على الحكم وآلت على نفسها مواصلة الحرب ومعركة السلاح بوسائل أخرى مُوهِمة الجميع أن عدو الأمس لا يزال قائمًا. فموضوع الثقافة ابتلعته الثورة التحريرية لحد الابتذال ومزيد منه.

ولئن كانت واضحة الصلة العضوية والجدلية بين الحضاري والثقافي، فيجب أن نحسن النظر والتفكير لمَّا يصبح الأمر معالجة حالة مثل حالة الجزائر. ولا بد أن نبدأ وننتهي إلى أن إشكالية أو المسألة الثقافية في الجزائر لا تطرح كمسالة قائمة بذاتها لأن المعادل لها غير موجود، ونقصد البناء المادي والإطار الجمالي والإنجاز الحضاري الذي يجب أن يرافق إمكانية البحث في الشأن الثقافي والإبداع فيه على ما هي كل الأمم التي وفّرت حياة الإبداع والخلق في مدنها وأريافها التي رُتِّبَت وهُيِّئت من أجل تشكيل فضاءات للحياة الثقافية وازدهار الهوية الجزائرية.

ثالثًا: لغة عربية … أم تعريب، الصراع الضائع

لم تكن اللغة العربية في العهد الاستعماري لغة متداولة بتلقائية ويسر، بل كانت لغة يطلب استعادتها من السلطة الفرنسية التي سبق أن صادرتها منذ عقود من الزمن الاستعماري. فهي مطلب أساسي من مطالب الحركة الوطنية في مدلولها العام الذي يتسع إلى الفاعلين كافة في حركة تغيير، تتطلع إلى الاستقلال التاريخي لأمة جزائرية تبحث عن نظام سياسي لائق بها، ضمن فضاء العالم العربي العام. وعليه، أو هكذا يجب أن ندرك مسألة اللغة العربية عندما تأخذ المعنى السياسي وليس الثقافي فحسب. فقد تَصَدَّر مطلب استعمال اللغة العربية واستخدامها في شكلها الرسمي والتعليمي وبوصفها محددًا قويًا للذات الجزائرية في بعدها الجغرافي والتاريخي، أي تواصلها مع العالم العربي وفي عمقها الحضاري الكلاسيكي.

كانت اللغة العربية، موضع إجماع التشكيلات السياسية والمهنية والمدنية، لا بل حتى من جانب الإدارة الفرنسية التي كانت تُسَطِّر برامج لتعليمها بقدر حاجتها إليها مثل تكوين القضاة والمترجمين والوكلاء الشرعيين في مدارس خاصة تقدم تعليمًا مزدوجًا «عربي فرنسي». فاللغة العربية، في وضعية استعمارية، لم تكن مكتفية بذاتها ولم تكن قادرة على النهوض الذي يكفل للأمة إمكان امتلاك ناصيتها واستخدامها في وجوهها وتعبيراتها كافة. فقد كان الإبداع في صفوف الأهالي المسلمين يتم بالتعبير العربي الدارج، على ما فعل الفنان والكاتب المسرحي، محي الدين باش تارزي، في أعماله: فاقو، حب النساء، … ومع ذلك يبقى مؤطرًا باللغة الفرنسية على صعيد التواصل مع الإدارة الفرنسية وتحديد مضامين مسرحياته وتقنيات العمل الفني، بل قد يفضي الأمر إلى ترجمة العمل إلى اللغة الفرنسية إذا اتسع العرض إلى المدن الفرنسية.

تُدْرَس اللغة العربية، في الحالة الجزائرية، زمن الاستعمار من خلال نشاط الحركة الإصلاحية الدينية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي آلت على نفسها، بداية من سنة التأسيس عام 1931، أن تعتني بها في مدارسها التعليمية لتربية وتهذيب البنين والبنات. وتعدّ النصوص التي وردت في صحف الحركة الإصلاحية الدينية أهم ما يمكن أن نعود إليه لبحث ومعالجة مسألة اللغة العربية. أما بقية الكتابات الجزائرية فقد اكتفت بالمطالبة بها والإلحاح على إدراجها ضمن المجال العام والمؤسسة والبرامج الحكومية، كشرط لازب لتنميتها وترقيتها وتوفير الفضاء لازدهار الشخصية القاعدية للإنسان الجزائري وأمته.

إن اعتراف الجميع بقيمة اللغة العربية وأهميتها لدى الفرد والمجتمع أو الجماعة هو الذي أضفى شرعيتها ورسميتها لاحقًا بعد الاستقلال، بحيث صارت أحد مقوِّمات الذات وضرورة لمن يمثل الذات، وبخاصة على صعيد السلطة السياسية والدستورية. وبتعبير آخر يفيد ذات المعنى، إن اللغة العربية ليست كباقي التعابير واللهجات، على ما كانت تتعامل به الإدارة الفرنسية، بل لغة عَالِمة ولغة تداول ولغة رسمية محددة للدولة والهوية الجزائرية، وأي نقص فيها هو نقص في مؤسسة الدولة ذاتها. تلك هي الحقيقة التي كانت تُلِح عليه اللغة العربية لحظة الاستعمار وما بعده.

اللغة العربية، ليست كباقي اللهجات والتعابير المحلية سواء أكانت عربية أو بربرية لأن هذه الأخيرة لم تطلب للتعميم وكانت تقتصر على المنطقة التي انتشرت فيها وبخاصة بين الأهالي الذين يتحدثون بها، ولم تكن موضع دراسة واستقصاء إلا لحظة وصول الإدارة الاستعمارية إليها من أجل ضبط الحالة المدنية وتيسير التواصل مع سكّانها. وقد حفل الأرشيف الفرنسي بكرّاسات ودفاتر مقيدة لمفردات اللهجات الدارجة والمحلية وبخاصة منها ذات النبرة العربية.

تحتاج اللغة العربية إلى إعادة قراءة؛ ليس وفق ما أراده مؤلف كتاب المسألة الثقافية، أي اختزال الموضوع برمّته في قضية التعريب والصراعات والسِّجَالات التي دارت حوله بعيدًا أو قريبًا من السلطة وقوتها الباطشة. فاللغة العربية توافرت للمجتمع الجزائري في المدارس والجامعات التي أنشأتها الدولة في عهد الاستقلال، وهي كافية جدّا لامتلاكها والإبداع بها وتداولها على سبيل التواصل والتفاعل والتفاهم والاختلاف البناء. فالجهد الذي ضاع، كما يسرد المؤلف، بين المعربين والمفرنسين، لا يعكس حقيقة المشكلة اللغوية في الجزائر، لأنه إذا كان فيه إخفاق في التعريب، فقد كان لازمه إخفاق أكثر منه في امتلاك واستخدام وتعميم اللغة الفرنسية كلغة أجنبية في الجزائر، على ما تنص عليه وتوصي به مقررات التعليم في دول العالم كافة، التي تلح دائمًا على لغة البلد ولغة أجنبية.

انطوت القضايا الثقافية، كما عرضها المؤرخ الجزائري في كتابه الأخير المسائل الثقافية في الجزائر على أبعاد سياسية وتاريخية وأيديولوجية سواء في حقبتها الاستعمارية أو ما بعد الكولونيالية. ولكل حقبة مجالها وطريقة عرضها لمسائلها، ويجب أن لا نخلط اللغة التي نعالج بها الموضوع، ولا ندخل في صراعات وسِجَالات لم تعد تجد نفعًا، لأن الموضوع مع سياقه ووثائقه انتهى ولو نوعًا من النهاية، ولم يعد من عصرنا الذي يتطلب ليس التحليل والنقد والمراجعة فحسب، بقدر ما يحتاج إلى أخذ المسافة النقدية بين الباحث الفاحص والموضوع المستقل بذاته ولحظات تكوينه.

أوراق ذات صلة:

ضعف المواطنة اللغوية في المغرب العربي

التأريخ والمؤرخون الجزائريون في العهد العثماني 1518 – 1830

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

نور الدين ثنيو: جامعة الأمير عبد القادر – الجزائر.

[1]حول مجمل أعمال وسيرة المؤلف، يمكن العودة إلى كتيب، ناصر الدين سعيدوني، الباحث في التاريخ العربي الإسلامي والمحقق في التاريخ الجزائري (الجزائر: المركز الثقافي الإسلامي، 2015).

[2] العرض الوصفي للكتاب موجود على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في إطار التعريف بآخر إصدارات المركز.

[3] حول ما صدر عن أعماله ومسيرته العلمية، يمكن العودة إلى الكتاب/الملتقى الذي نُظِّم حوله، المؤرخ ناصر الدين سعيدوني: رائد الدراسات العثمانية في الجزائر، تنسيق وتقديم ودّان بوغوفالة (الجزائر: مخبر البحوث الاجتماعية، جامعة معسكر، مكتبة الرشاد للطباعة والنشر، 2014).

[4] يندرج كتاب معركة المفاهيم للمثقف والمفكر الراحل عبد الله شريَّط، في مسار تصحيح الأفكار وطريقة معالجة قضايا الجزائر، وبخاصة منها التاريخية التي تحتاج إلى قدرة على الفهم والإدراك والوعي والتفكير على أكثر من صعيد. فالأمر لا يحتاج فقط إلى السرد التاريخي ورواية الحدث أو الكتابة الرسمية. انظر: عبد الله شريط، معركة المفاهيم (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981).

[5] في موضوع سياسة الاندماج والفرنسة والتجنيس، الأفضل العودة إلى الكتب القانونية والدراسات التي تنظم هياكل الإدارة الاستعمارية في الجزائر. وللوقوف على مصطلح الاندماج(Assimilation)  مع مفردات أخرى قريبة منه مثل سياسة الإلحاق (Assujettissement) والإدراج(Intégration) ، سياسة المشاركة (Politique d’association)، سياسة التعاون (La Politique de coopération) وسياسة الاستقلال الذاتي (La Politique d’autonomie) . يمكن العودة إلى الباحث الفرنسي كلود كولو الذي دَرَّس في الجزائر سنوات الستينيات من القرن الماضي، انظر: Claude Collot, Les Institutions de l’Algérie durant la période coloniale (1830-1962) (Paris: Centre national de la recherche scientifique (CNRS); Alger: L’Office des publications universitaires (OPU), 1987).

[6] بيان تأسيس حزب الشعب الجزائري، أبريل/نيسان 1937، حمل شعار «لا اندماج ولا انفصال ولكن انعتاق»، انظر: «Déclaration du bureau politique du peuple algérien, avril 1937,» dans: Claude Collot et Jean-Robert Henry, Le Mouvement national algérien, textes 1912-1954 (Alger: L’Office des publications universitaires (OPU), 1981), pp. 91-94.

[7] يمكن جدّا أن نحيل إلى بعض الصحف الفرنسية التي كانت تصدر نسبة إلى الشعب الجزائري، أي الفرنسي في الجزائر، مثل Le peuple algérien, organe de défense économique et sociale, 1910. ويمكن أيضًا أن نحيل إلى بعض الكتب التي تعتبر السكان الفرنسيين في الجزائر شعبًا جزائريًا: Victor Démontes, Le Peuple algérien: Essai de démographie algérienne (Alger: Imprimerie Algérienne, 1906).

ونقتطف منه هذه الفقرة ذات الدلالة: «هناك شعبٌ جديد يتشكل على ضفاف المتوسط المُشْرِق، ونشهد هذا التكوين كل يوم. فهو شعب متنوع من عناصر وإثنيات مختلفة: فرنسية، إسبانية، إيطالية، مالطية وألمانية. شعب سوف تكون له خصوصيته وفَرَادته ووحدته. ستمحى كل هذه التناقضات تحت تأثير فعل الأرض وشمس أفريقيا ووجود أعراق أوروبية مختلفة. وبسبب الدين والعادات سوف تزول كافة الاختلافات مهما أوغلت في أصولها» (ص 8-9).

[8] انظر مجموعة شهادات هذا الصنف من الفرنسيين أو فرنسيي الجزائر، وكيف ضاعت منهم الجزائر. في كتاب:   Jeannine Verdès-Leroux, Les Français d’Algérie 1830 à aujourd’hui (Paris: Fayard, 2015).

[9] تندرج أعمال المفكر الجزائري ضمن هذه الثنائية: الحضارة/الثقافة. وكل إسهاماته تعبر عن مدى التداخل بين الحضاري والثقافي ولا يكاد القارئ يميز بينهما. وتتمحور كافة مؤلفاته في المشكلات الحضارية والمشكلات الثقافية. فعندما يتحدث عن المشكلة الثقافية يتحدث بالضرورة عن المسألة الحضارية. والحقيقة أن مالك بن نبي كمثقف جزائري كتب باللغة الفرنسية هو أفضل مثال يمكن أن يرتقي فعلًا إلى بحث المسألة الثقافية في الجزائر كمسألة غير مكتفية بذاتها بل تقتضي أن تلحق بغيرها من الجوانب والمقومات والسياقات التاريخية أو ضرورة تكوينها.

[10]         Idir El Watani, Vive l’Algérie!: Document (Alger: Tafat Editions, 2015), pp. 18-19.

[11]         Ferhat Abbas, L’indépendance confisquée, 1962-1978 (Alger: Livres-Editions, 2011).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز