المؤلف: سعيد بوعيطة

مراجعة: نادية بلكريش[1]

الناشر: دار نشر جامعة قطر، الدوحة

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 244

 

اعتمدت الرّواية في مختلف مراحلها، على المادة التاريخية في صوغ متنها الحكائي. برزت في إثر ذلك قراءات نقدية متفاوتة. إلا أن إشكالية هذه القراءات تأبى النظر إليها من خلال صيرورتها التاريخية، بوصفها كتابة جديدة. لعل هذا ما جعل مفهوم التخيّل التاريخي مفهومًا ملتبسًا عند كل مقاربة نقدية لهذه الأعمال الرّوائية، لكونه يمثل بديلًا من الرّواية التاريخية بمفهومها التقليدي. لكنْ على الرغم من ذلك، فقد برزت أهمية النصوص السّردية التي تمتح من التاريخ من دون أن يهيمن عليها هذا الأخير؛ إذ صُنّفت ضمن الرّواية التاريخية الجديدة. فقد أغنت المادة التاريخية النص السّردي، من جهة، كما عملت على تطوير العلاقة بين السّرد الرّوائي (التخييلي) والتاريخ، من جهة أخرى. إذ تم تقديمها من زوايا جديدة ومتنوعة، أصبحت في إثرها بنى السّرد الرّوائي عبارة عن بنى مأخوذة من التاريخ والواقع الإنسانيين على السواء. إن تجريد النص الرّوائي من التاريخ والرؤى الفكرية والفلسفية يجعله بعيدًا من فنيته وشعريته، نظرًا إلى استحالة إلغاء دور البنى السّردية المختلفة (الزمن والمكان والشخصيات والوقائع). لكن على الرغم من ذلك، تبقى المادة التاريخية في هذا النوع السّردي موضوعًا محايثًا لسردها على الدوام.

اختلفت الطرائق التي اعتمدتها الرّواية العربية في تكوين مادتها الحكائية، منذ بداياتها الأولى؛ وصولًا إلى أواخر ستينيات القرن الماضي. حيث أسهم هذا التطور في تجاوز تلك النظرة السلبية للرواية التاريخية العربية السائدة، من جهة، ومكّن الرّوائيين العرب الذين وظّفوا المادة التاريخية من امتلاك رؤية واضحة وشمولية، من جهة أخرى. كما منح الدرس النقدي العربي إمكان قراءة الرّواية العربية الجديدة التي تستلهم التاريخ من منظور مختلف. فكيف تتحقق للروائي العربي الكتابة عن الإنسان من دون أن يتضمّن نصه السّردي تاريخ هذا الإنسان؟ كيف يتمكن من تناول حقبة زمنية تحتمل بناءً زمنيًا ومكانيًا، وشخصية، وحدثًا – وقع أو محتمل الوقوع – من دون أن يكون خطابه تاريخيًا؟ مما يؤكد أن المادة التاريخية حاضرة، بكيفية أو بأخرى في النص السّردي. لكنّ توظيفها يختلف من روائي إلى آخر. يرتبط هذا الاختلاف باختلاف الرؤى والمنطلقات الفكرية والثقافية. ولعل هذا ما يميز الرّوائي عبد الرحمن منيف، على سبيل المثال، من سالم حميش، أو عن واسيني الأعرج، أو عن إبراهيم نصر الله، أو عن رضوى عاشور، أو عن أمين معلوف… وغيرهم.

مثّل هذا التصور الإطار العام للكتاب الأخير للناقد المغربي سعيد بوعيطة التاريخ والمتخيل السردي في الرواية العربية: دراسة في نماذج مختارة الصادر في طبعته الأولى عن دار نشر جامعة قطر 2023 في 244 صفحة من الحجم المتوسط.

مكونات الكتاب: يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة فصول. جاءت كالتالي:

المقدمة (ص 9)

– الفصل الأول: الرّواية والتاريخ والعلاقة الملتبسة (ص 17).

– الفصل الثاني: الوقائع التاريخية في ثلاثية أرض السواد لعبد الرحمن منيف (ص 63). تناول من خلاله مستويات عدة: تأطير الثلاثية، وعتبات الرّواية، وتجليات التاريخ في الرّواية، والمتخيّل السّردي في الرّواية، وبنية الزمن في الرّواية، والحدث والمرجعية التاريخية، وبنية الشخصيات بين التاريخي والمتخيّل، والفضاء ولغة السّرد، واللغة بين السّردي والتاريخي، ومستويات الحوارية.

– الفصل الثالث: التوليف الفني للسيري والتاريخي في رواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج (ص 109). ركّز فيه على التوليف الفني للسيرة والتاريخ في رواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج، من خلال مستويات عدة: التاريخ واستراتيجية السّرد، والتشكيل السّردي في الرّواية، والمتخيّل السّردي في الرّواية، وبلاغة التخييل وطمس التاريخ، وتاريخية الإخبار وشعرية المحكي، وبنية العتبات، والميثاق التاريخي والأدبي.

الفصل الرابع: التاريخ وشعرية التعالق النصي في رواية العلامة لبنسالم حميش (ص 163). تناول هذا الفصل التاريخ وشعرية التعالق النصي في رواية العلامة لسالم حميش، من خلال: العناوين والإحالة على التاريخ، وتجنيس الرّواية، وبناء التصديرات، وآلية التعالق النصي، وتجليات التناصّ، والتاريخ وبناء الخطاب السّردي، ومظاهر السّرد وأنماطه.

– الفصل الخامس: التاريخ وترميم الذات في رواية «قناديل ملك الجليل» لإبراهيم نصر الله (ص 241). تناول هذا الفصل التاريخ وترميم الذات في رواية قناديل ملك الجليل لإبراهيم نصر الله، ركّز فيه على عدة مستويات: التاريخ والمتخيّل والنص الموازي، وتقنيات السّرد، وعلاقة زمن الكتابة بزمن القصة، ورسم الشخصيات الرّوائية، والطقوس الشعبية في الرّواية.

أولًا: منهج الكتاب وأسئلته المحورية

  أشار الباحث سعيد بوعيطة في مقدمة الكتاب إلى أن أيّ منهج من المناهج النقدية لا يمكنه أن يدّعي الشمولية. إذ يبقى موضوع النص وقراءاته حقلاً متسعًا، تتداخل فيه المناهج والرؤى النقدية، وكذا المجالات الفكرية إلى حد التشعب والتعقيد. لعل هذا ما جعل فصول الكتاب التطبيقية (الثاني، الثالث، الرابع، والخامس) تعتمد المنهج النقدي التكاملي. حيث اعتمد الباحث على ما تحقق في السّرديات النصية من خلال فرعيها الأساسيين: السّرديات الحصرية والسّرديات الموسعة. يركز الفرع الأول السّرد على مستويين أساسيين: السّرد بوصفه خطابًا. يشتغل هذا المستوى على مجموعة من البنى (الصيغة السّردية، الزمن، التبئير)، والسّرد بوصفه حكاية. ويشتغل هذا الأخير على مستويات الحدث، والشخصية، والفضاء. تجلّى ذلك في التصورات النقدية لرولان بارت وجيرار جينيت وتزفيتان تودروف. أما السّرديات الموسعة، فعالجت خصائص النص في علاقته بالقارئ والسياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي ظهر فيها. تجلّى ذلك في التصورات النقدية للوسيان غولدمان وجوليا كريستيفا وفيليب هامون. وهذا ما مثّل نوعًا من الانتقال من المستوى البنيوي إلى المستوى الوظيفي (الانتقال من السّرديات الحصرية إلى السّرديات الموسعة). إذ انفتح النص على عوالم وعلوم أخرى (الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، علم النفس… إلخ). إلا أن الانتقال من الحصري إلى الموسع، سواء على مستوى التنظير أو الممارسة، لا يعني القطيعة بينهما. لأن المستوى الخطابي (البنيوي) ظل حاضرًا أثناء المقاربة النصية، من خلال: البناء النصي، والتفاعل النصي، والبنيات السوسيونصية. وهو ما جعل الباحث سعيد بوعيطة يعتمد منهج السّرديات الحصرية بخاصة في الفصلين الثالث والرابع، في حين اعتمد في الفصلين الثاني والخامس السّرديات الموسعة. يثير الباحث العديد من الأسئلة الجوهرية، أهمها: هل الرّواية التاريخية هي التي تعتمد الحدث التاريخي بكونه مرجعية للسّرد الرّوائي؟ كيف يشتغل هذا المعطى الحقيقي ضمن النص التخييلي؟ ما الحدود الفاصلة بين المادة التاريخية والمادة السردية/التخييلية؟

ثانيًا: المرجعية المعرفية للكتاب

 نهل الباحث سعيد بوعيطة في هذا الكتاب من حقول معرفية متعددة انطلاقًا من اجتهادات الشكلانيين الروس واشتغالهم بأدبية النص في إطار الشعرية الجديدة (Poétique)، كما ارتبطت مرجعيته المعرفية كذلك بالسرديات الفرنسية لكل من تزفيطان تودروف، ورولان بارط، وجيرار جينيت. كما نهل من سيميوطيقا السرد مع غريماس وكذا النظريات النصية مع كل من: جوليا كريستيفا، جيرار جينيت، روجيه فاولر، وفان ديك، وغيرهم. وسوسيولوجيا النص الأدبي (بيير زيما، وجوليا كريستيفا، وأخرون). لكن نهل الباحث من هذه التصورات والرؤى، لا يعني التوظيف الميكانيكي لمفاهيم ومصطلحات هذه الحقول المعرفية المتعددة، بل عمل على توظيفها بطريقة مرنة. تنسجم مع النصوص السردية (موضوع الدراسة في جانبها التطبيقي: الفصل الثاني، الفصل الثالث، الفصل الرابع، الفصل الخامس) من الكتاب. وإذا كان هذا الإطار الفكري الذي اعتمده الباحث قد ظهر في الغرب في بداية خمسينيات القرن العشرين، فإنه لم يظهر بشكل جلي في النقد العربي الحديث إلا في ثمانينيات القرن العشرين([2]). حيث تبلور من خلال الكثير من الأعمال التي عرفها النقد السردي العربي من جانب الكثير من الباحثين العرب. نذكر من بينهم: عبد الله إبراهيم، سيزا قاسم، عبد المالك مرتاض، عبد الفتاح كليطو، سعيد يقطين، محمد القاضي، فاطمة البريكي، وغيرهم كثر. لهذا، قد يكون الباحث سعيد بوعيطة قد نهل مباشرة من النقد الفرنسي (حسب ما جاء في قائمة مصادر الكتاب ومراجعه) (ص 243)، وربما يكون قد نهل مما بلوره هؤلاء النقاد العرب.

ثالثًا: القضايا المحورية للكتاب

أشار الباحث سعيد بوعيطة في مقدمة الكتاب إلى أن الرّواية، في مختلف مراحلها، على المادة التاريخية في صوغ متنها الحكائي (ص 9). برزت في إثر ذلك قراءات نقدية متفاوتة. إلا أن إشكالية هذه القراءات تأبى النظر إليها من خلال صيرورتها التاريخية، بوصفها كتابة جديدة. ولعل هذا ما جعل مفهوم التخيّل التاريخي مفهومًا ملتبسًا عند كل مقاربة نقدية لهذه الأعمال الرّوائية، لكونه يمثل بديلًا من الرّواية التاريخية بمفهومها التقليدي. لكنْ على الرغم من ذلك، فقد برزت أهمية النصوص السّردية التي تمتح من التاريخ من دون أن يهيمن عليها. إذ صُنّفت ضمن الرّواية التاريخية الجديدة. حيث أغنت المادة التاريخية النص السّردي من جهة، كما عملت على تطوير العلاقة بين السّرد الرّوائي (التخييلي) والتاريخ، من جهة أخرى. إذ تم تقديمها من زوايا جديدة ومتنوعة، أصبحت في إثرها بنى السّرد الرّوائي عبارة عن بنى مأخوذة من التاريخ والواقع الإنسانيين على السواء. إن تجريد النص الرّوائي من التاريخ والرؤى الفكرية والفلسفية يجعله بعيدًا من فنيته وشعريته، نظرًا إلى استحالة إلغاء دور تلك البنى السّردية (الزمن والمكان والشخصيات والوقائع). لكن على الرغم من ذلك، تبقى المادة التاريخية في هذا النوع السّردي موضوعًا محايثًا لسردها على الدوام. فقد يبتعد به التخييل، فلا يتجلى على سطح النص على الرغم من سريانه في أوصاله، وقد يقصده الرّوائي قصدًا، فيكون بارزًا بوصفه موضوعًا ورهانًا للسّرد.

يؤكد الباحث في الفصل الأول أن الانطلاق من مختلف التصورات المرتبطة بكل إسناد نظري، يستوجب البحث في علاقة الرّواية بالتاريخ أن يقود نحو إعادة التفكير في الإشكالية المرتبطة بعلاقة الرّواية بالتاريخ. قصد الانتقال من تسمية المرجع (الحقيقي أو المتخيّل) إلى البحث في طرائق اشتغاله، مهما اتفقنا أو اختلفنا حول مختلف التقديرات الموازية التي في الإمكان منحها لمفاهيم الحقيقي والتخييلي. لكن لكي يتسنى اختبار ما سلف إدراجه ضمن إشكالية نقدية تخصّ سؤال اشتغال المادة التاريخية وطبيعة أشكالها التخييلية، ينبغي اعتبار التاريخ مكونًا روائيًا قادرًا على التشخيص والاستنطاق خارج تلك الافتراضات المسبقة التي قد تستند إليها إمكانات الكتابة والقراءة على حد سواء. لكن السؤال المتداول الذي يظل قائمًا هو: ما الرّواية التي في الإمكان وصفها بالتاريخية؟ يفرض هذا السؤال حسب الباحث، تأمّل الموضوع من زاوية حضور الخاصية التاريخية بوصفها مكونًا روائيًا. إنها خاصية متصلة ببناء الشكّل وخصائصه الأجناسية. فإذا ظل تحديد المفهوم المتعلق بالرّواية التاريخية ملتبسًا، فإن كل محاولة لإيجاد معايير الانتقال من التاريخ إلى الرّواية، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر وساطة التشخيص السّردي. كما تجعل الرّواية التاريخية تمتلك خطابًا يعتمد تجربة التخييل؛ إذ يغدو موضوع التخييل هو التاريخ نفسه. لهذا، تناول الباحث مجموعة من القضايا المحورية: العلاقة بين الرّواية والتاريخ، والرّواية التاريخية الغربية والرّواية التاريخية العربية من حيث النشأة والتطور. كما تناول مجموعة من المفاهيم المحورية (التاريخ، والتخييل، والتخييل التاريخي، والتناصّ) بوصفها مفاتيح أساسية. خلص الباحث في هذا الفصل إلى أن اللافت للانتباه في الكتابة الرّوائية العربية كون الكثير من الرّوائيين قد نهلوا من مواد تاريخية مختلفة، اتخذوها مادةً خامًا لإبداعاتهم. كما كانت مبعث إلهامهم ومحفّزًا قويًا لمخيلتهم قصد إبراز التطورات التي تمارس ضغوطها بفعل حضورها المرجعي، الذي يسهم في بناء البنية النصية لإبداعاتهم. كما أدى النقد دورًا كبيرًا في إبراز علاقة النص السّردي بمرجعيته، استنادًا إلى الممارسة النقدية التي أسهمت في تحديد الخصائص المميزة للنص الرّوائي ومحاولة إخراجه من شرنقة ذلك النموذج الجاهز.

وتناول الفصل الثاني من الكتاب ثلاثية «أرض السواد» لعبد الرحمن منيف. حيث ركز على المستويات التالية: تأطير الثلاثية، والعتبات النصية (العتبة الرئيسية)، والعتبات النصية وتجليات التاريخ، وعلاقة العتبة بالعنوان، والزمن في الثلاثية، والحدث والمرجعية التاريخية، والشخصية بين التاريخي والمتخيّل، والفضاء السّردي، واللغة بين السّردي والتاريخي. وقد خلص الباحث في هذا الفصل إلى أن الرّوائي عبد الرحمن منيف قد زاوج في ثلاثية «أرض السواد» بين التاريخي والمتخيّل. وهو ما أكسب الرّواية مساحة فنية وجمالية؛ لكونه استطاع أن يصهر التاريخي مع التخييلي وإقامة تقاطع بين المرجعية التاريخية والتخييلية، فقد جعل من التاريخ مادة حكائية استحضرت الماضي من خلال الرواية، لتدل على تاريخ العراق (الماضي) وأيضًا على تاريخ العراق المعاصر. من هنا، تعدّ علاقة الرواية بالتاريخ، من المواضيع التي ما زالت تُطرح بقوة وتثير الكثير من التساؤلات حولها، والتي لم تجد بعد إجابات دقيقة؛ إذ يبقى السؤال محل نقاش، ويستدعي المزيد من الدراسات والبحوث على جميع المستويات: النقدي والفكري والاجتماعي والسياسي.

أما الفصل الثالث، فركز على المستويات السّردية التالية: التاريخ واستراتيجية السّرد، والتشكيل السّردي في الرّواية، والحكاية ومسارات السّرد، وتعدد الأصوات السّردية، والسّرد وجدلية الذات والآخر، والمتخيّل السّردي في الرّواية، والتخييل السّردي وطمس التاريخ، وتاريخية الإخبار وشعرية المحكي، وبنية العتبات النصية، من خلال رواية كتاب الأمير للروائي واسيني الأعرج. وقد خلص الباحث في هذا الفصل إلى أن الروائي واسيني الأعرج قد تمكن من استدعاء التاريخ، وإعادة صوغه بما يتلاءم والقارئ العربي عامة، والجزائري خصوصًا، بواسطة تطويع النص وإخضاعه لتقنيات السرد الحديثة، التي أسهمت في استنطاق التاريخ وكشف المضمر والمسكوت عنه، ثم الوصول إلى الحقيقة التاريخية، التي اتكأ فيها الكاتب على جملة من العناصر التي ساعدته في استنطاق التاريخ وسبر أغواره وتقديمها للقارئ. ثم كشف العلاقة القائمة بين المتخيل الروائي والمرجعية التاريخية، وهذا ما دفعه إلى أن يقدّم عمله الروائي في قالب فني متميز، برزت فيه براعته الفنية؛ حيث حاول أن يجعل من سيرة الأمير منطلقًا لإثارة الجدل المتعلق بإشكالية الهوية والانتماء الذي يعد هاجسًا وهمًّا حاضرًا في الكثير من الأعمال الروائية.

أما الفصل الرابع، فخصصه الباحث لرواية العلامة للروائي بنسالم حميش. حيث ركز على تعالق النص على المستويات التالية: العناوين والإحالة على التاريخ، وآليات التعالق النصي، وتجليات التناص في الرواية، والتاريخ وبناء الخطاب السردي، ومظاهر السرد وأنماطه، والبعد التاريخي للشخصيات. ليخلص الباحث في هذا الفصل إلى أن الرّوائي سالم حميش لم يتقيد في رواية العلامة بالبناء النموذجي للرواية. كما أنه لم يتقيد بقوانين الكتابة الخاصة بالسيرة الغيرية (سيرة ابن خلدون). فقد أخذ من السيرة الأحداث والشخصيات التاريخية، وأخذ من جنس الرّواية العالم التخييلي، بما أضافه على الحقيقة التاريخية من مميزات فنية وجمالية وتخييلية، حتى ينفخ الروح في النص كي يصبح رواية. برز ذلك من خلال إقحام شخصيات تخييلية في النص السّردي لتساير الشخصيات التاريخية أحيانًا وتصارعها أحايين أخرى (أم البنين، سعد، حمو الحيحي). كما تخيّل أحداثًا روائية، كما هو شأن حدث الزواج الثاني لشخصية ابن خلدون وغيره من الأفعال الرّوائية التي لم يذكرها التاريخ. لكن السّارد/الرّوائي الضمني، اغتنم فرصة كتابة السيرة الغيرية لتوسيع الجانب الخيالي في النص السّردي ومعارفه التاريخية لينتج نص العلامة.

أما الفصل الخامس، فخصصه الباحث لرواية قناديل ملك الجليل للروائي إبراهيم نصر الله. من خلال تركيزه على الجوانب التالية: العتبات النصية، والتاريخ والمتخيّل السّردي الموازي، وتقنيات السّرد في الرّواية، والمنظور السّردي والحدث التاريخي، وبنية الزمن، ورسم الشخصيات، والطقوس الشعبية في الرّواية. ليخلص إلى أن الرّوائي إبراهيم نصر الله قد تمكن من تقديم التاريخ بوعي خاص، مستغلاً السّرد الرّوائي على نحو ناضج، من خلال توظيف التخييل الرّوائي والإدهاش الأدبي والوعي الفكري. مما مكنه من بناء نص روائي، يتميز بالأصالة والقوة على جميع المستويات.

رابعًا: تركيب واستنتاج

اشتغلت هذه الدراسة على مجموعة من الأعمال الرّوائية العربية التي امتدت حدودها لتتقاطع مع الموروث التاريخي. وقد سعت في ارتحالاتها المعرفية إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الاقتضائية التي تراتبت تحت إشكال كبير محوره جدلية العلاقة بين المنجَز السّردي والتاريخ، بما هو المادة السابقة والمرجع الجاهز الذي ارتكن إليه هذا المنجز في تأثيث تمظهراته؛ الأمر الذي استدعى الانطلاق في سياق الدراسة من التاريخي، في تجلياته البنيوية داخل النص الرّوائي، وصولًا إلى تمظهراته الخارج-نصية، التي ترتبط بالذات المبدعة ورؤيتها لهذا الماضي المليء بالتحولات والمغلف بالغموض. ارتكزت الدراسة في مقاربتها النصية على خلفية بنيوية سردية، تناولت فيها كل مكون على حدة، اشتفافًا للتاريخي ورصدًا لصوره ودلالاته. بسط لها سندًا مكّنها من تفسير هذه التشكّلات وموضعتها في سياقات تأويلية جديدة. سمحت لها باستخلاص نتائج خاصة به، تُميزه وتميز الروايات النماذج التي جُمعت تحت العنوان الواحد لتؤدي وظيفة النص الواحد المعبّر معرفيًا عن الذات العربية في بعدها الزمني والمكاني. يتضح من خلال الفصول التطبيقية للدراسة، أن الرّواية العربية لا تعود إلى التاريخ (الماضي) من أجل تقصي حقائقه أو التحقيق في صحة ما ورد من أخبار ووقائع تضمّنتها مصادره، بل يعود إليه الروائي من أجل استنطاق ذاته في راهنيتها وداخل سياقها، بناء على ما يختزن فضاء تجربته من وقائع وأحداث؛ جرت وكان لها وقعها النفسي. وهذا ما يحقق اتساق النص وانسجامه مع التاريخي والواقعي والمتخيل على السواء.

يمثّل كتاب التاريخ والمتخيل السردي في الرواية العربية للباحث سعيد بوعيطة، إضافة نوعية للدراسات السردية العربية، كما أغنى الخزانة النقدية المغربية بخاصة والعربية بعامة.

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

[1]نادية بلكريش: باحثة مغربية.

[2]    حسن بحراوي، بنية الشكل الرّوائي (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990)، ص 84.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز