المؤلف: Michael J. Sandel
مراجعة: محمد الأشهب
الناشر: New York: Farrar, Straus and Giroux
سنة النشر: 2012
عدد الصفحات: 256
يُعد مايكل ساندل من أبرز فلاسفة السياسة المعاصرين في السياق الأنغلوسكسوني، اشتهر بأعماله النقدية للنظرية الليبرالية، وهو ما جعل البعض يصنفه تارة ضمن التيار الجماعاتي لتأكيده أولوية الخير على الحق. وتارة أخرى يُحسب على المذهب الجمهوراني لمنافحته على أهمية المواطنة الفاعلة والحرية الإيجابية. وتارة يُعَدُّ مزيجا متميزًا اجتمعت فيه عدة تيارات من جهة تبنّيه لحجج مركبة تنتمي إلى مذاهب متعددة بما فيها التيار الليبرالي نفسه وبخاصة في نسخته المساواتية، ومن جهة دفاعه عن قيم ومواقف ربما لا تجتمع عادة في المذهب الواحد بالقوة والوزن نفسه. لذلك نجد في أعماله دفاعًا عن قيم المساواة والحريات الفردية، ورفضًا للفصل بين الحق والخير أو الأولوية المطلقة للأول على الثاني، وتأكيدًا لأهمية حضور المقاربة الأخلاقية في النقاش والفضاء العمومي. وإلى هذا الرأي الأخير أميل[1].
يناقش ساندل في هذا الكتاب حول الحدود الأخلاقية للأسواق خطر الانتقال من اقتصاد السوق إلى مجتمع السوق على الخير المشترك والكرامة والمواطنة والمساواة والحرية.
إشكالية الكتاب: تدور مسألة الأسواق في جوهرها حسب ساندل حول الكيفية التي نريد بها العيش معًا. هل نريد مجتمعًا يكون فيه كل شيء معروضًا للبيع؟ أم أن هناك «سلعًا» أخلاقية ومدنية معيَّنة لا تحترمها الأسواق ولا يشتريها المال وما ينبغي له ذلك؟ (ص 203) إذا كان جوابنا بالإيجاب لمصلحة الشطر الثاني من السؤال أي حاجتنا إلى حدود أخلاقية على الأسواق، فكيف يُمكننا تحديد السلع والأنشطة التي تُباع وتُشترى على نحو صحيح، والتي لا تُباع؟ (ص 93).
أولًا: تشخيص الأدواء
يرى ساندل أن قيم السوق أصبحت تؤدي دورًا أكبر فأكبر في الحياة الاجتماعية. وأصبح الاقتصاد مجالًا إمبراطوريًّا، إذ لم يعد منطق البيع والشراء اليوم يقتصر على السلع المادية فحسب، بل أصبح يُسيطر أكثر فأكثر على الحياة ككل (ص 6). يُعدُّ التضخم المتزايد لمنطق السوق، وتمدده المستمر إلى جوانب الحياة التي كانت تحكمها تقليديًّا معايير غير سوقية، أحد أهم تحولات عصرنا. ولا ينفي هذا بالطبع وجود أشياء لم يغزُها السوق بعد، لكنها في حكم القلة. إننا نعيش في زمنٍ أصبح فيه كل شيء تقريبًا قابلًا للشراء والبيع:
– تحسين شروط الإقامة داخل السجن.
– الحق في صيد حيوانات مهددة بالانقراض.
– منح الشركات حق بيع التلويث وشرائه.
– استئجار مساحة على جبهتك (أو أي مكان آخر في جسمك) لعرض إعلانات تجارية.
– العمل كحقل تجارب بشري في تجربة سلامة الأدوية لشركة أدوية.
– بيع حق تجاوز الطابور.
– تجاوز الطوابير الهاتفية: تُمكّن تقنية مراكز الاتصال الشركات من «تقييم» المكالمات الواردة، وتقديم خدمة أسرع للمكالمات الواردة من المناطق الثرية.
– شراء خدمة المسار السريع داخل المطار.
– القتال في الصومال أو أفغانستان لمصلحة شركة عسكرية خاصة.
– الوقوف في طابور طوال الليل في مبنى الكابيتول هيل لحجز مكان لأحد أعضاء جماعات الضغط الراغبين في حضور جلسة استماع في الكونغرس.
– الدفع للمتعلمين قصد تحفيزهم على القراءة، وتحفيز ذوي السمنة على إنقاص وزنهم.
– سوق التأمين حيث المراهنة على حياة الغرباء. كلما توفي الغريب سريعًا زادت أرباح المستثمر المراهن.
– تراجع دور قوات الشرطة العامة أمام شركات الأمن الخاصة.
– انتشار الإعلانات التجارية في المدارس العامة؛ وبيع «حقوق التسمية» للحدائق والأماكن العامة؛ وتسويق البويضات والحيوانات المنوية «المُصمّمة» لأغراض الإنجاب المساعد؛ والاستعانة بالأمهات البديلات في العالم النامي للحمل (كراء الأرحام)؛ وشراء وبيع الحق في التلويث من قِبل الشركات والدول؛ ونظام تمويل الحملات الذي يُقارب السماح بشراء وبيع الانتخابات (ص 3 – 5).
لكن ما الداعي إلى القلق من أننا نتجه نحو مجتمع يُباع فيه كل شيء؟
هناك داعيان بحسب ساندل: الأول يتعلق بعدم المساواة، والثاني يتعلق بالفساد.
في ما يتعلق بقيمة المساواة نلاحظ أنه في المجتمع الذي يُباع فيه كل شيء، تصبح الحياة أصعب على ذوي الدخل المحدود. كلما زادت القدرة الشرائية للمال، زادت أهمية الثراء من عدمه (ص 8). لو كانت الميزة الوحيدة للثراء هي القدرة على شراء اليخوت والسيارات الرياضية والعطلات الفاخرة، لما كان لتفاوت الدخل والثروة أهمية كبيرة. ولكن مع تزايد قدرة المال على شراء المزيد – النفوذ السياسي، والرعاية الطبية الجيدة، ومنزل في حي آمن، ومكنة الالتحاق بمدارس النخبة – يتسع نطاق توزيع الدخل والثروة أكثر فأكثر. فحيث تُباع وتُشترى كل الأشياء الجيدة، فإن امتلاك المال يُحدث فرقًا كبيرًا في العالم (ص 8). لم تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء فحسب، بل فاقم تسليع كل شيء من قسوة عدم المساواة بجعل المال أكثر أهمية (ص 9).
أما داعي الفساد الذي يدفعنا إلى التردد في عرض كل شيء للبيع فلا يتعلق بعدم المساواة والعدالة، بل بالنزعة التآكلية للأسواق. إن وضع سعرٍ للأشياء الجيدة في الحياة يمكن أن يُفسدها. ذلك لأن الأسواق لا تُوزع السلع فحسب، بل تُعبر أيضًا عن مواقف مُعينة تجاه السلع المُتبادلة وتُعززها. قد يدفع دفع المال للأطفال لقراءة الكتب إلى المزيد من القراءة، ولكنه يُعلمهم أيضًا أن القراءة مهمةً مؤدى عنها وليست مصدرًا للرضا الذاتي. لذلك فبعض الأشياءِ الجيدةِ في الحياةِ تَفسُدُ أو تنحط إذا ما تحوَّلت إلى سلع (ص 10).
لكي نضع حدودًا على حيز السوق ومنطقه علينا، بحسب ساندل، أن نقررَ كيفيةَ تقييمِ السلعِ المعنيةِ – الصحةُ، والتعليمُ، والحياةُ الأسريةُ، والطبيعةُ، والفنُّ، والواجباتُ المدنيةُ…لا بوصفها مسائل اقتصادية وحسب بل أخلاقيةٌ وسياسيةٌ أيضًا. لكن عندما نكتفي بالمقاربة الاقتصادوية لهذه الموضوعات فإننا نخاطر بخلق مجتمع السوق بما هو أسلوب حياة تتغلغل فيه قيم السوق في كل جانب من جوانب المساعي الإنسانية. إنه مكان يُعاد فيه صوغ العلاقات الاجتماعية على غرار السوق (ص 10 – 11). في حين أن استحضار المُحَددين الأخلاقي والسياسي يساعدنا على تجنُّب هذا الخطر من دون التخلي بالضرورة عن اقتصاد السوق بوصفه أداة قَيّمة وفعّالة لتنظيم النشاط الإنتاجي. أي أن هذه الأداة تظل معيارًا من بين معايير كثيرة يتوسل بها المجتمع في توزيعه الخيرات من قبيل: الحظ والموهبة والحاجة.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 570 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 570 في آب/أغسطس 2026.
محمد الأشهب: باحث في قسم الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني، كلية الآداب والعلوم
الإنسانية المحمدية، مختبر لوغوس التواصل والفلسفة – المغرب.
[1] يبدو هذا النزوع المدني الجمهوري مهيمنًا على عمله الأخير حول طغيان الجدارة، وفي ندوته الحوارية مع الاقتصادي الفرنسي طوماس بيكيتي سنة 2024 حول معنى المساواة وأهميتها، والذي نُشر هذه السنة في كتيب (128 صفحة) عن دار نشر .Polity
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



