تحرير: دانا موس وسايبرا فورستنبرغ
مراجعة: مجد أبو عامر ويارا نصار
الناشر: Edinburgh: Edinburgh University Press
سنة النشر: 2024
عدد الصفحات: 368
لم يعد المنفى يُفهم في التحليل السياسي على أنّه انتقال من مجال الخضوع إلى مجال الحماية، ولا بوصفه انفصالًا فعليًّا عن بنى السلطة الأصلية في الوطن الأم. فقد أظهرت خبرات مُتباينة، من مطاردة المعارضين الروس والإيرانيين في أوروبا، إلى تسليم مُعارضين بين البلدان العربية للإخفاء القسري، إلى ملاحقة الأصوات الصينية الناقدة عبر المنصات الرقمية والضغوط العائلية، أن تحرّك الأفراد خارج الحدود الترابية للدولة لم يعد كافيًا لإبطال أثرها فيهم. ذلك أن السلطة المعاصرة، ولا سيّما في صيغها السلطوية، باتت أكثر قدرةً على ملاحقة «الرعايا»، أو المنشقين، أو جماعات الشتات، عبر ترتيبات قانونية وأمنية ودبلوماسية وتقنية تتجاوز حدود الدولة بالمعنى التقليدي.
من هذه الزاوية يكتسب كتاب القمع العابر للحدود في عصر العولمة أهميته، فهو يتناول ظاهرة القمع العابر للحدود من منظور يتجاوز منطق الحدث العَرضي أو الفضيحة السياسية، ويموقعها في سياقٍ أوسع يتصل بإعادة تنظيم السيادة، وتحوّل أدوات الضبط، وتكثّف التداخل بين السلطوية والعولمة. وهذا ما يظهر منذ مقدمة الكتاب، حيث تُصرّ المحررتان دانا م. موس وسايبرا فورستنبرغ على أنّ القمع العابر للحدود لم يعد سلوكًا هامشيًّا أو استثنائيًّا، إنما أصبح تهديدًا عالميًّا متفاقمًا لحقوق الإنسان وسيادة القانون في البلدان المُضيفة (Host Countries) أيضًا، وأنّ تطوّر تقنيات الاتصال وتوسّع شبكات التعاون الأمني، المدفوعان بالعولمة، قد منَحاه مدىً وكثافةً جديدين.
تكمُن القيمة الأساسية للكتاب في عدم اكتفائه بجمع وقائع متفرقة تحت عنوانٍ جامع، ومحاولته إعادة موضعة الظاهرة ضمن حقل نظري متداخل يجمعُ دراسات السلطوية، والهجرة، والعلاقات الدولية، والشتات، والقانون الدولي، إذ تفيدُ الحجة المركزية الناظمة لفصوله الثلاثة عشر أنّ الدولة السلطوية في زمن العولمة لم تعد تمارس القمع داخل حدودها فحسب، إنما تسعى إلى ضبط فضاء سياسي ممتد يضمُّ المنفيين واللاجئين والمهاجرين وأعضاء الشتات، باستخدام طيفٍ واسع من الوسائل يتدرّج من الرصد والمراقبة والتشهير والحرمان الخدماتي، إلى الاختطاف والتسليم والاغتيال، مرورًا بما يسمّيه الكتاب العقاب بالوكالة (Proxy Punishment) ضد الأقارب في الوطن الأم. بهذا، يُساهم الكتاب في نقل دراسة القمع من إحداثياتها الترابية المألوفة إلى نطاقٍ تحليلي يتعامل مع السلطة بوصفها علاقة قابلة للامتداد عبر المسافات، ومشروطة بشبكات قانونية ومؤسسية ودبلوماسية وتقنية، لا بالحدود الترابية للدولة فقط.
– 1 –
تتأسس هذه النقلة النظرية في القسم الأول من الكتاب «مفهمة القمع العابر للحدود وتشريحه» عبر جهد مفهومي يرمي إلى تفكيك الظاهرة، قبل الانتقال إلى تتبع آلياتها وشروطها. فالفصول الأربعة الأولى لا تعرضُ سلسلة تعريفات مستقلة، إنما تنسجُ إطارًا تحليليًّا مشتركًا يقوم على توسيع مفهوم القمع بحيث يستوعب ممارسات الدولة خارج الحدود الترابية، من دون الوقوع في التباس مفهومي يجعل كل علاقة خارجية بين الدولة وشتاتها فعلًا قمعيًا بالضرورة. وتظهر أهمية هذا الجهد بوضوح في الفصل الأول، حيث تُميّز مارليس غلاسيوس (Marlies Glasius) بين الممارسات عبر الحدودية وبين القمع العابر للحدود، مبيّنةً أن تعامل الأنظمة السلطوية مع السكان في الخارج يتخذ صيغًا متباينة، لكنها تشترك في حرمانهم وضعية المواطن بوصفها علاقة حقوق متبادلة، وإخضاعهم بدلًا من ذلك لتصوّرات تُعاملهم على أنّهم رعايا، أو خونة، أو موالين محتملين، أو أدوات تعبئة واستخراج موارد. والتعبير اللافت للنظر في هذا الفصل، الذي يفيد أنّ الدولة السلطوية تتعامل مع هؤلاء السكان بوصفهم كل شيء (رعايا، أو وطنيين، أو زبائن، أو خارجين عن القانون، أو خونة) ما عدا مواطنين (ص 29 – 33)، يختصرُ بدقّة المعضلة التي يُبنى عليها الكتاب.
ويتعزز هذا المسار مع الفصلين الثاني والرابع، حيث تُربط الظاهرة بتحوّلاتٍ أشمل في بنية السلطوية المعاصرة. يُسمّي جيراسيموس تسوراباس (Gerasimos Tsourapas) في الفصل الثاني جزءًا من هذا التحوّل «المفارقة اللاليبرالية» (Illiberal Paradox)، ومقتضاها أن الأنظمة السلطوية تريد الاستفادة من العوائد الاقتصادية والسياسية للهجرة والعولمة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحركة العابرة للحدود قد تولد فضاءات جديدة للفاعلية والتنظيم والاعتراض، فتسعى إلى إدارتها بالرقابة والإخضاع (ص 52). أمّا فيونا ب. آدمسون (Fiona B. Adamson) فتدفع التحليل خطوةً إضافيةً في الفصل الرابع، حين تُخرج النقاش من الحصر في الفاعل الدولتي، مبيِّنةً أن الفاعلين غير الدولتيين (Non-state Actors) ذوي النزعات السلطوية قد يساهمون في القمع العابر للحدود، في إطار عملهم على استخراج الولاء والموارد والانضباط من جماعات الشتات. ويُعمّق الفصل الثالث لماركوس مايكلسن (Marcus Michaelsen)، الذي يتناول القمع الرقمي العابر للحدود، تفسير هذه التشكيلات، بتوضيحه أنّ التحوّل التقني لم يُضفِ مُجرد أداة جديدة إلى ترسانة القمع، بل غيّر طبيعة المنفى نفسه. فالمجال الذي كان يُفترض أن يؤمّن حدًا أدنى من المسافة الآمنة صار مُعرضًا للاختراق عبر الهواتف، والحسابات الزائفة، وسلاسل التواصل، وبرمجيات التتبع، الأمر الذي يقلص قدرة المنفيين على تحويل الخروج الجغرافي إلى استقلال سياسي فعلي.
على هذا النحو، يُثبّت القسم الأول من الكتاب أمرين على قدرٍ من الأهمية. أوّلهما أنّ القمع العابر للحدود ليس انحرافًا طارئًا عن منطق الدولة السلطوية، إنما هو امتداد لوظيفتها الضبطية في شروطٍ عولمية جديدة. وثانيهما أنّ هذا القمع لا يُفهم من خلال العنف المباشر فقط، بل بالنظر في شبكاتٍ اجتماعية وتنظيمية ورقمية تتقاطع فيها الدولة مع وسطاء وفاعلين آخرين. بالتالي، يُعيد هذا القسم تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة؛ فالهجرة لا تعني بالضرورة الانفكاك من الضبط، والشتات لا يعني بالضرورة إنتاج فضاء موازٍ للحرية، والتواصل الرقمي لا يفضي تلقائيًا إلى التمكين السياسي، لأنه قد يعمل، في ظلِّ الترتيبات السلطوية، بوصفه بنية استدراج ومراقبة وتحكُّم.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 572 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.
مجد أبو عامر: باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
يارا نصّار: باحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



