مقدمة
عرف تاريخ المغرب، في سياق التجربة الإسلامية الكبرى، مسارًا علميًّا وتعليميًّا ممتدًّا مثّل أحد أعمدة بناء الحضارة في هذا القطر، وساهم في ترسيخ نسق معرفي تفاعَل فيه العقل والنقل والتجربة، وتكاملت داخله المؤسسات العلمية والدينية والاجتماعية[1]. نهض المغرب منذ العصر الذهبي للعلوم[2] بدور مهم في إنتاج المعرفة ونقلها، وإلى بدايات القرن الثاني عشر الهجري (17 ميلادي) كان لا يزال يساهم في إنتاجها، عبر شبكة واسعة من المدارس والمساجد والخزائن والزوايا والبيمارستانات (المستشفيات التعليمية)[3]، وفي مقدمها جامعة القرويين التي مثلت قطبًا علميًّا في الغرب الإسلامي، وملتقًى للرحلة وطلب العلم، ومركزًا لتداول العلوم النقلية والعقلية والطبية والفلكية، في إطار منظومة تمويل اجتماعي واسعة قوامها الأوقاف[4]. كان هذا البناء العلمي المتين، الذي شارك فيه العلماء والفقهاء والأطباء والفلكيون واللغويون، جزءًا من حركة معرفية إسلامية عامة ساهمت في تطوير المنهج التجريبي، وأثرت تأثيرًا عميقًا في انتقال العلوم إلى أوروبا خلال قرونها الوسطى فساهم بصورة مباشرة في نهضتها[5].
غير أن هذا التاريخ العلمي، بعمقه ومؤسساته وأعلامه، عرف لاحقًا انقطاعًا وانكماشًا امتد قرونًا، تداخلت فيه عوامل داخلية من ركود سياسي واضطراب اجتماعي، وعوامل خارجية من ضغوط توسع أوروبي متزايد[6]. وقد رافق ذلك تحوُّلٌ في صورة العلم داخل الذهنية العربية عمومًا، والمغربية خصوصًا، إذ تسربت إلى الوعي المدرسي سرديات أجنبية عن صراع مفترض بين الدين والعلم، استحضرت في غير سياقها التاريخي، فانقطعت صلة المتعلم بتراثه العلمي الحقيقي، وتكونت لديه صورة مشوَّهة عن دوره في صناعة المعرفة[7]. ومع دخول الاستعمار الفرنسي والإسباني إلى المغرب، أعيد تكوين المنظومة التعليمية جذريًا وفق رؤية سياسية تهدف إلى إنتاج فئة محدودة من الأطر المفرْنَسة القادرة على إدارة شؤون البلاد خدمة لمصالح المركز، في حين ظل عموم المغاربة خارج دائرة التمدرس العصري، كما تظهره الأرقام الدقيقة لنسب التمدرس ونتائج البكالوريا وعدد الأطر سنة الاستقلال[8].
وبالرغم من أن بواكير الاستقلال حملت شعارًا طموحًا لإصلاح التعليم يقوم على التعريب والمغربة والتعميم والتوحيد[9]، فإن بنية الإرث الاستعماري القائم على التمييز اللغوي والمعرفي، وصراع النخب المفرْنَسة والجهات المطالبة بالاستقلال الثقافي، عطلت كثيرًا من هذه المشاريع، ودفعت الدولة إلى مسار متعثر من الإصلاحات المتتالية التي لم تنتج تحوُّلًا بنيويًّا في المدرسة المغربية[10]. بل عادت سياسات الفرْنَسة لتفرض نفسها مجدّدًا، وصولًا إلى اعتماد القانون الإطار الرقم 51.17، بما يعكس عمق الأزمة التعليمية وارتباطها الوثيق بمسار تاريخي طويل يتجاوز تقنيات التدريس إلى سؤال السيادة الثقافية والمعرفية[11].
ومن منظور أوسع، لا تمثل التجربة المغربية استثناءً معزولًا، بل هي نموذج مكثف لمسار عرفته بلدان عربية متعددة خضعت للمدرسة الاستعمارية نفسها، إذ تتقاطع هذه السياقات في ثلاثة مسارات كبرى: إعادة تكوين التعليم على أسس لغوية وثقافية وافدة، ثم صراع ما بعد الاستقلال بين إرادة التعريب وضغط النخب الموروثة عن مرحلة الحماية، ثم الارتداد اللغوي الذي عاد في صيغ مختلفة تحت عناوين التحديث والانفتاح[12]. لذلك فإن استقراء المسار المغربي يصبح مدخلًا لفهم تحوُّلات أوسع داخل النظام التعليمي العربي، حيث تتجاور التحديات نفسها وإن اختلفت أدوات تنفيذها.
تنطلق هذه الدراسة من الحاجة إلى قراءة هذا المسار في خط واحد، يجمع بين تاريخ العلوم وتاريخ التعليم في المغرب، لبيان كيف تكوَّن النسق العلمي في التجربة الإسلامية، وكيف انقطع، ثم كيف أعيد تكوين التعليم على قاعدة التبعية اللغوية والمعرفية في حقبة الحماية وما بعدها. وتبحث الدراسة في الأسباب العميقة لاغتراب التعليم عن تاريخه العلمي وهويته الثقافية، وفي أثر هذا الاغتراب في وعي المتعلم وتمثله للعلم وموقعه في الحضارة.
تتمحور الإشكالية المركزية للدراسة حول السؤال الآتي: كيف انتقل المغرب من موقع فاعل في خريطة العلوم الإسلامية، بنسق تعليمي اجتماعي متجذِّر في مؤسساته العلمية والدينية، إلى منظومة تعليمية تابعة للمركز الاستعماري ثم للنخب المفرْنَسة، وما أثر ذلك في تكوُّن اغتراب التعليم عن جذوره العلمية وهويته الثقافية؟
تسعى الدراسة للإجابة عن هذا السؤال عبر تفكيك عدد من القضايا المترابطة: دور المغرب في التجربة العلمية الإسلامية؛ انتقال المعارف العربية إلى أوروبا؛ جذور السردية الحديثة عن الصراع بين الدين والعلم وكيف دخلت المناهج العربية؛ عوامل الانكماش الداخلي قبل الاستعمار؛ طبيعة التعليم الاستعماري في المغرب وأهدافه؛ ثم السياسات التعليمية بعد الاستقلال وما رافقها من تعثرات لغوية وثقافية.
تعتمد الدراسة منهجًا تاريخيًّا تحليليًّا يقوم على قراءة السرديات المتداولة حول العلم والتعليم قراءة نقدية، واستحضار المصادر التاريخية والوثائق الإدارية والمعطيات الرقمية المتعلقة في حقبة الحماية وبدايات الاستقلال، وربطها بإشكالات الهوية العلمية واللغوية في المغرب. وتستثمر الدراسة معطيات تاريخ العلوم الإسلامية، وتحليل سياسات التعليم، ومقارنة المراحل المختلفة وفق رؤية تركيبية تسعى إلى فهم أزمة التعليم في سياقها الحضاري العام، لا بوصفها خللًا تقنيًا منفصلًا عن جذوره.
تتوزع محاور الدراسة على ست وحدات رئيسة، تبدأ ببيان موقع المغرب في الخريطة العلمية الإسلامية، ثم تتناول الثورة العلمية العربية الإسلامية وانتقال معارفها إلى أوروبا، يلي ذلك تفكيك السردية الرائجة عن الصراع بين الدين والعلم في الوعي التعليمي العربي، ثم مناقشة مرحلة الانكماش الداخلي، فقراءة التعليم الاستعماري في المغرب قراءة كمية وتحليلية، وأخيرًا تتبع مسار السياسات التعليمية بعد الاستقلال. وتخلص الدراسة في نهايتها إلى جملة من الاستنتاجات التي تُبرز الترابط العميق بين تاريخ العلم وبناء التعليم، وتدعو إلى مقاربة بديلة ترى في استعادة السيادة اللغوية والمعرفية مدخلًا أساسيًّا لإصلاح المدرسة المغربية.
أولًا: المغرب في التجربة العلمية الإسلامية: بنية العلم ومؤسساته التاريخية
يمثل المغرب أحد الأقاليم المركزية في التاريخ العلمي الإسلامي، بوصفه فضاءً أنتج مؤسسات معرفية راسخة ساهمت في صوغ النسق العلمي العام للحضارة الإسلامية[13]. ومنذ القرن الثالث للهجرة نشأت في فاس ومراكش وسجلماسة وتلمسان شبكة واسعة من مراكز العلم، جمعت بين المسجد، والزوايا، والخزائن، والمدارس، والبيمارستانات الطبية، في صورة مبكرة لما يشبه النظام الجامعي المتكامل[14].
1 – جامع القرويين وبنية التعليم العالي في الغرب الإسلامي
يُعدُّ جامع القرويين أحد أبرز النماذج المؤسسية التي بلورت رؤية متقدمة للعلم تجمع بين التعليم والتوثيق والتأطير الاجتماعي[15]. فقد تحولت حلقاته العلمية في القرنين الرابع والخامس للهجرة إلى فضاء منظم يقوم على المناهج، وتحديد مستويات الطلبة، والإجازات العلمية، ويعتمد العربية لغة للتدريس والإدارة، متجاوزًا الشكل التقليدي للدرس الشفوي نحو ما يشبه التدريس النظامي.
ولم تقتصر العلوم في القرويين على الفقه والقراءات، بل امتدت إلى المنطق، والحساب، والهندسة، والطب، والفلك، وهو ما جعل المؤسسة قطبًا للحركة العلمية في الغرب الإسلامي. كما أدّت الخزائن الكبرى مثل خزانة القرويين والناصرية في سجلماسة وأغمات دورًا محوريًّا في حفظ المعرفة عبر النسخ والتصنيف والفهرسة قبل ظهور النظم الأوروبية الحديثة.
2 – التكامل المعرفي بين العلوم النقلية والعقلية
انفردت التجربة العلمية المغربية بقدرتها على دمج العلوم النقلية والعقلية داخل نسق واحد لا يعرف الحدود الصارمة بين التخصصات؛ فقد كانت العلوم الشرعية والمنطقية والرياضية والطبية تدرِّس داخل الفضاء نفسه، وتُعد جزءًا من تكوين العالم الفقيه، وهو ما رسَّخ رؤية توحيدية للمعرفة تنظر إلى الكون بوصفه كتابًا مفتوحًا تُقرأ آياته بالعقل والوحي معًا[16].
تبرز هذه الروح التكاملية في أعمال عدد من أعلام المغرب، مثل القاضي عياض في منهج ضبط المصطلح، وعبد الواحد المراكشي في الجمع بين التاريخ والجغرافيا والفلك، وابن خلدون في بناء علم العمران وتنظير التاريخ على أسس ملاحظة وتحليل، وأبي الحسن المريني في تطوير منظومة المدارس التي جمعت بين الإقامة والدراسة والبحث.
3 – المختبرات والمراصد وتجذُّر المنهج التجريبي
عرف المغرب مع القرنين الخامس والسادس للهجرة نشوء مراصد فلكية ومدارس طبية ارتبطت بالمؤسسات الطبية الكبرى في فاس ومراكش[17]، وكان لها دور في إدخال أدوات الرصد كالأسطرلاب والمزولة، وصوغ الأزياج الدقيقة التي اعتمدها فلكيو الأندلس. كما نشط الطب السريري في البيمارستانات، حيث كانت تكتب السجلات الطبية وتدرّس مؤلفات الزهراوي والرازي وابن زهر جنبًا إلى جنب مع التجربة اليومية للعلاج.
تكشف هذه الممارسة العلمية المتقدمة أن المغرب لم يكن مجرد متلقٍّ للمعرفة، بل كان بيئة تصنع التجربة، وتنتج الأدوات، وتطور المنهج، وتربط العلم بالخدمة الاجتماعية عبر نظام الأوقاف الذي موّل رواتب المدرسين، ونسخ الكتب، وصيانة الأدوات، وبناء المراصد.
4 – بنية الرحلة العلمية وشبكات تبادل المعرفة
اعتمد المغرب على نظام الرحلة العلمية بوصفها وسيلة لتبادل المعارف وتوحيد النسق الثقافي بين فاس وتلمسان والقيروان والأندلس؛ فقد كانت الإجازة العلمية لا تكتمل إلا بالسفر إلى عدد من الحواضر، وهو ما أرسى شبكات واسعة لتداول الكتب، وتوحيد المناهج، وتناقل الخبرات، وأسهم في تكوين وحدة فكرية تمتاز بالاستقلال عن مراكز المشرق الكبرى حينها[18].
أنتجت هذه البيئة نسقًا علميًّا متفاعلًا مع غيره، فسمح بتخريج علماء يمتلكون رؤية واسعة للعلوم النقلية والعقلية، ويستوعبون اتجاهات المدارس الكلامية والمنطقية والرياضية والطبية، ويجعلون من الاجتهاد والتعليل والتجريب جزءًا من البناء الفكري العام.
5 – المغرب كجسر بين المشرق والأندلس وأوروبا
ساهم موقع المغرب الجغرافي والثقافي في جعله نقطة التقاء بين المشرق والأندلس، ثم بوابة نحو أوروبا. فقد انتقلت مؤلفات ابن رشد والقاضي عياض وابن طفيل وابن خلدون إلى الحواضر اللاتينية عبر حلقات الترجمة في طليطلة وصقلية ومرسيليا، وكان لها أثر بالغ في تكوين العقل الأوروبي الوسيط، وخصوصًا في مجالات المنطق، والطب، والبصريات، والرياضيات، وفلسفة العلم[19].
وهكذا أصبح المغرب، في مركزه الغربي، شريكًا أصيلًا في بناء التجربة العلمية الإسلامية، ومؤسسة تأسيسية في انتقال المعرفة إلى أوروبا، ومحورًا رئيسًا في فهم تاريخ العلوم عبر القرون.
ثانيًا: الثورة العلمية العربية الإسلامية وانتقال المعارف إلى أوروبا: من بناء المنهج إلى إعادة تكوين العقل الغربي
تمثل الثورة العلمية الإسلامية، الممتدة بين القرنين الثالث والسابع للهجرة، أحد أهم المنعطفات المعرفية في تاريخ الإنسانية. فقد أعادت هذه الثورة صوغ العلاقة بين العقل والكون على أسس تقوم على الملاحظة، والبرهان، والتجربة، والتعيير الدقيق للأدوات، وتطوير المصطلحات العلمية، وبناء مؤسسات بحثية تعالج الظواهر الطبيعية بمنهج يقظ يرفض الظن ويؤسس لليقين. وهذه الثورة، التي نشأت في بغداد ودمشق والقيروان وقرطبة وفاس، لم تكن مجرَّد تراكم للمعارف، بل كانت انتقالًا نوعيًا من الفكر التأملي القديم إلى منهج تجريبي رياضي صارم، كان له أثر بالغ في بناء النهضة الأوروبية اللاحقة.
1 – تأسيس المنهج التجريبي وملامحه الكبرى
تميّزت العلوم الإسلامية بدمج الحسّ والمشاهدة والتجربة مع القياس الرياضي، في نسق لم تعرفه الحضارات السابقة مجتمعةً. فقد أدخل ابن الهيثم، في كتابه المناظر، مجموعة من المبادئ المنهجية التي أصبحت لاحقًا قواعد أساسية في البحث العلمي، مثل: ضرورة الشك المنهجي، وإعادة التجربة، وإفراد الظاهرة عن المؤثرات الخارجية، واعتماد البرهان الرياضي لقياس النتائج. كما جاء الرازي بطرائق دقيقة في اختبار الأدوية، ووضع مبادئ التمييز بين الملاحظة الطبية والفرض غير المبرهن، وابتكر سجلات سريرية تشبه ما يعرف اليوم بالطب التجريبي[20].
وفي الرياضيات، أسس الخوارزمي للجبر بوصفه علمًا مستقلًا يُعالج المسائل بطرائق رمزية مجردة، في حين طوَّر البيروني منهج المقارنة بين الثقافات العلمية لقياس العناصر الطبيعية والفيزيائية، وأرسى قواعد دقيقة للقياسات الجغرافية والفلكية؛ وأدخل الزهراوي في الأندلس تقنيات جراحية تعتمد على التجريب والتشخيص المباشر، ووضع رسومًا دقيقة للأدوات الطبية، ساهمت في تحويل الجراحة إلى علم مستقل ذي أسس عقلية وعملية[21].
2 – مؤسسات البحث العلمي في الحضارة الإسلامية
قامت الثورة العلمية الإسلامية على بنية مؤسسية متقدمة ضمت البيمارستانات، والمراصد، وبيوت الحكمة، والمدارس العلمية، والخزائن الكبرى؛ وقد وفرت هذه المؤسسات بنية تحتية للتجربة، وإعادة الاختبار، وتبادل المعارف، وتدوين النتائج، وتطوير الأدوات، إلى جانب نظام متكامل من الأوقاف التي موّلت العلماء، والمختبرات، والنسخ، والترجمة، وهو ما جعل العلم جزءًا من البناء الاجتماعي لا مهنة معزولة.
وعملت المراصد في بغداد ودمشق والري وفاس وقرطبة على قياس حركة النجوم والأزياج، وتطوير الأسطرلابات الدقيقة، وإعداد جداول فلكية اعتمدتها أوروبا لاحقًا في جامعاتها الأولى؛ كما أُسست مختبرات للكيمياء والطب في بغداد والقاهرة، اعتمدت على التجريب وإعادة التجربة، ووضعت أسسًا مبكرة لهندسة المواد، وتركيب العقاقير، والفصل بين الظواهر الطبيعية والفرضيات الفلسفية[22].
3 – انتقال العلوم إلى أوروبا عبر الترجمة
والحركة الفكرية المشتركة
بدأ انتقال العلوم الإسلامية إلى أوروبا مع القرن السادس الهجري عبر مركزين رئيسيين، طليطلة وصقلية، ثم عبر جنوب فرنسا وإيطاليا؛ فقد ترجم جيرار الكريموني وحده أكثر من سبعين كتابًا من العربية إلى اللاتينية، من بينها مؤلفات ابن سينا في الطب، وابن الهيثم في البصريات، والزهراوي في الجراحة، والخوارزمي في الجبر، والبتاني في الفلك، وأبو معشر البلخي في علم النجوم[23].
وبفضل هذه الترجمات، تأسس في الجامعات الأوروبية، السوربون، بولونيا، بادوفا، أوكسفورد، ما يمكن وصفه «مرحلة التأسيس» للعلم الأوروبي، إذ أصبحت كتب العلماء المسلمين مراجع أساسية للتدريس والتكوين، وبقي بعضها يدرّس قرونا كاملة، مثل القانون في الطب لابن سينا، وكتاب التصريف لمن عجز عن التأليف الموسوعي في الطب والجراحة والصيدلة… للزهراوي، والمناظر لابن الهيثم الذي أسس عليه كبلر نظريته البصرية.
4 – تأثير العلوم الإسلامية في تكوين العقل الأوروبي
لم يكن أثر هذه العلوم انتقالًا معرفيًّا محضًا، بل كان تحولًا في بنية العقل الأوروبي نفسه. فقد أكسبت ترجمة العلوم الإسلامية أوروبا أدوات رياضية ومنهجية لم تكن موجودة من قبل، وغيّرت علاقة الأوروبيين بالطبيعة والعقل. ويُجمع مؤرخو العلم على أن روجر بيكون، وألبرت الكبير، وتوما الأكويني، وكبلر، اعتمدوا مباشرة على نتاج العلماء المسلمين، وأن المنهج التجريبي الذي ظهر في أوروبا لم يكن قطيعة مع الماضي، بل كان امتدادًا لجهد إسلامي طويل نقل مركز الثقل المعرفي تدريجًا من بغداد وقرطبة إلى باريس ولندن. كما ساهم ابن رشد، عبر شروحه الفلسفية والمنطقية، في إعادة الاعتبار للعقل كأداة للبرهان، وهو ما مهَّد لولادة النزعة العقلانية الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وفتح الباب أمام إصلاحات معرفية لاحقة انتهت إلى الثورة العلمية الأوروبية الحديثة[24].
5 – المغرب كجسر أساس في العبور العلمي نحو الغرب
احتل المغرب موقعًا شديد الأهمية داخل هذه الحركة، لسببين: أولًا، لكونه المجال الذي تكاملت فيه التجربة الأندلسية مع التجربة المغاربية، إذ أنتج نضجًا علميًا وفلسفيًا نقل إلى أوروبا عبر مراكز الترجمة في الأندلس، وربطه كل هذا بالمراكز العربية الإسلامية في المشرق. ثانيًا، لأن العلماء المغاربة، ومنهم ابن رشد، وابن طفيل، وابن زهر، ولسان الدين بن الخطيب، وابن خلدون لاحقًا، كانوا من أبرز الأسماء التي أثرت في الفكر الأوروبي الوسيط، إما مباشرة عبر الترجمة، وإما عبر التأثير في مناهج التكوين في الجامعات اللاتينية.
وهكذا لم تكن أوروبا مدينة للعالم الإسلامي بترجمة النصوص فقط، بل بالمنهج نفسه، وبأدوات القياس، وبالأسس الرياضية والتجريبية التي قامت عليها النهضة، وهو ما يجعل تجاهل هذا الدور، كما تفعل السردية الأوروبية الحديثة، جزءًا من إعادة كتابة التاريخ أكثر منه وصفًا علميًا دقيقًا.
ثالثًا: السردية الحديثة حول الصراع بين الدين والعلم: الجذور، وآليات الانتقال إلى الوعي العربي
تمثل السردية التي تدّعي وجود صراع جوهري بين الدين والعلم إحدى أكثر الأطروحات انتشارًا في التعليم العربي المعاصر، رغم أنها لا تمتّ بصلة إلى التاريخ المعرفي للحضارة الإسلامية. فقد نشأت هذه السردية داخل سياق أوروبي مخصوص، نتج من صراع طويل بين الكنيسة والسلطة المعرفية الحديثة، ثم نُقلت، من غير تمحيص، إلى الوطن العربي في القرنين الأخيرين، لتتحوَّل من سجال تاريخي محلي إلى «نموذج كوني» يفرض نفسه على قراءة تاريخ العلم. وفي هذا المحور نرصد جذور هذه السردية، ونكشف مسار انتقالها إلى الوعي العربي، ونبيّن مفارقتها الكبرى للتجربة العلمية في المغرب والعالم الإسلامي.
1 – الجذور الأوروبية للسردية: تاريخ صراع لاهوتي
لا علاقة له بالعلم الإسلامي
نشأت السردية الأوروبية للصراع بين الدين والعلم داخل بيئة منهجية ولاهوتية مختلفة تمامًا عن السياق الإسلامي. فقد كانت الكنيسة الغربية، منذ العصور الوسطى، المؤسسة التي تحتكر تفسير النص المقدس، وتضع حدودًا صارمة لمجال البحث، وتجيز أو تمنع ما تراه من الآراء العلمية والفلسفية. وحين ظهر الفلكيون والفيزيائيون الجدد، غاليليو وكوبرنيكوس وكبلر، اصطدموا بسلطة التأويل الكنسي، لا لأن العلم كان نقيض الدين، بل لأن المؤسسة الدينية كانت تحتكر تعريف الحقيقة الكونية[25].
ومع صعود النزعة العقلانية، ثم حركة الإصلاح البروتستانتي، وما صاحبها من تفكك في السلطة الكنسية، تكوَّنَ تدريجًا وعيٌ أوروبي جديد يرى في العلم أداة للتحرر من القيود اللاهوتية. من هنا نشأت الأسطورة التي مهّدت لاحقًا لتصوير الثورة العلمية الأوروبية بوصفها «تمردًا للعقل ضد الدين»، وهي صورة مُبالغ فيها تاريخيًا، بل تتضمن مغالطة تقوم على إسقاط تجربة الكنيسة الغربية وقيمها اللاهوتية الخاصة على أديان وتجارب تاريخية مختلفة تمامًا؛ لكنها تحولت، بفعل الاستعمال السياسي والفلسفي، إلى سردية جاهزة تُقدّم في الكتب المدرسية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر.
2 – صناعة الأسطورة المدرسية: من حادثة غاليليو
إلى نموذج تاريخي مضخم
يعود تضخُّم هذه السردية أساسًا إلى إعادة بناء تاريخية حدثت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، حين بدأت أوروبا تكتب تاريخها العلمي بوصفه مسارًا للتحرر، معتمدة على رموز مركزية مثل غاليليو. ورغم أن غاليليو لم يُقتل ولم يُحرق، ولم يكن الخلاف معه إلا خلافًا في سلطة التفسير، فإن أسطورته صيغت في المخيّلة المدرسية على نحو يُصور الكنيسة وكأنها «عدو العلم»؛ ومع أن مؤرخي العلم المعاصرين، من أمثال جون هيلبورن وإدوارد غرانت، أثبتوا هشاشة هذه الرواية، فإنها بقيت مركزية في المناهج الدراسية الأوروبية[26].
كان لهذه السردية وظيفة أيديولوجية واضحة: تثبيت مفهوم «التقدم» بوصفه مسارًا علمانيًّا، وتعزيز الانفصال بين المعرفة والسلطة الدينية، وحسبان أوروبا الحديثة نتيجة حتمية لهذا الصراع؛ ومع توسع الاستعمار الأوروبي، انتقلت هذه السردية خارج حدودها الجغرافية لتُصدّر بوصفها «حقيقة كونية»، لا رواية محلية تخص تطور الفكر الأوروبي[27].
3 – انتقال السردية إلى الوطن العربي: التعليم
الاستعماري بوصفه وسيطًا
دخلت السردية الأوروبية إلى الوطن العربي عبر مرحلتين متتاليتين: أولًا، مرحلة الترجمة والنقل الثقافي في القرن التاسع عشر، حين بدأت النخب المتغرّبة تتبنى الخطاب الأوروبي حول العلم والدين بوصفه نموذجًا معياريًّا. ثانيًا، مرحلة الاحتلال العسكري والسياسي عبر المدرسة الاستعمارية في القرن العشرين، التي جعلت من هذه السردية جزءًا من المقررات الدراسية في البلدان المحتلة.
وقد عملت المدرسة الاستعمارية، الفرنسية وبخاصة في المغرب، على تقديم الثورة العلمية الأوروبية بمنطق صراع مع الدين، مع تجاهل شبه كامل للثورة العلمية العربية الإسلامية التي كانت أوروبا مدينة لها؛ وبهذا أصبح الطالب العربي يتلقى تاريخ العلم من خلال موروث لم يُصنع داخل حضارته، بل جرى زرعه داخل منظومته التعليمية لغايات سياسية وثقافية ترتبط بترسيخ المركزية الأوروبية[28].
4 – تكوُّن النسخة العربية من السردية: إسقاط
الصراع الأوروبي على تاريخ المسلمين
مع انتقال هذه الرواية إلى الوطن العربي، لم تُستنسخ كما هي، بل لبست، في المدرسة والجامعة، لبوسًا جديدًا يقوم على إسقاط صراع الكنيسة مع العلم على تاريخ العلماء المسلمين؛ فصار يُصوَّر ابن رشد وابن سينا والفارابي وغيرهم بوصفهم «ضحايا» فقهاء ضاقوا بالعقل، رغم أن الواقع التاريخي لا يشهد بذلك، إذ عاش أغلب هؤلاء العلماء مقربين من الملوك وفي حواضر العلم، ولم يُضطهد أحد منهم بسبب نظرية علمية أو اكتشاف تجريبي.
نشأت على هذا الأساس سردية عربية هجينة، تتوهم أن المسلمين اضطهدوا العلم كما فعلت الكنيسة، وأن «النهضة الأوروبية» كانت ثمرة مواجهة بين الدين والعقل، وأن السبيل إلى التقدم يقتضي إعادة إنتاج التجربة الأوروبية بحذافيرها. وبهذا تكرّست فكرة مشوهة تُنكر الدور العلمي للحضارة الإسلامية، وتُشيطن تاريخها، وتجرّد الطالب العربي من رصيده الحضاري.
5 – آثار هذه السردية في الوعي العربي المعاصر
أوجدت هذه السردية خللًا عميقًا في بناء الوعي العلمي العربي، إذ جعلت الطالب يتصور أن العلم لا يمكن أن ينمو إلا في بيئة مُعادية للدين، وأن العلاقة بين التراث العلمي الإسلامي والنهضة الحديثة علاقة انقطاع، وليست علاقة امتداد. كما أضعفت الثقة في الذات العلمية، فصار تاريخ المسلمين يُقدّم في المناهج بصيغة تُشبه الاعتذار، في حين يُقدّم التاريخ الأوروبي بوصفه النموذج الأرقى.
ولعل أخطر ما أنتجته هذه السردية هو إرساء اغتراب معرفي يجعل المتعلم ينتمي، فكريًّا، إلى سياق ليس سياقه، ويُقاس بتجارب ليست تجاربه، ويُقوِّم تاريخه بمعايير صراع لم يعرفه، فيتحول العلم من ملك مشترك للحضارة الإسلامية إلى «شهادة أوروبية» يطلبها الطالب العربي بوصفها معيارًا للتفوق.
رابعًا: مرحلة الانكماش الداخلي في العالم الإسلامي والمغرب
قبل الاحتلال: من تراجع المؤسسة إلى انطفاء المبادرة العلمية
يمثل الانكماش المعرفي الذي عاشه العالم الإسلامي ابتداءً من القرنين التاسع والعاشر للهجرة مرحلة مفصلية مهَّدت، بصورة غير مباشرة، لنجاح المشروع الاستعماري لاحقًا؛ فهذا الانكماش لم يكن وليد عامل واحد، بل كان نتيجة تراكم طويل لخلل مؤسسي، ولأزمات سياسية واجتماعية واسعة امتدت إلى بنية التعليم نفسها، فأضعفتها من الداخل ومنعتها من مواصلة الدور الذي أدته لقرون طويلة. وقد عرف المغرب، بوصفه جزءًا من هذا الفضاء الحضاري، مسارًا موازيًا تجلت فيه ملامح مشابهة، وإن بصيغ محلية خاصة، كما سنرى في هذا المحور.
1 – اختلال البنية السياسية والمؤسسية وغياب الاستقرار
مثّل غياب الاستقرار السياسي عاملًا حاسمًا في تعطيل آليات التجديد وقطع استمرارية المؤسسة العلمية. ففي المشرق، أدى صعود الدول المتتابعة، وتداخل السلط المتنافسة، وانتقال مراكز القرار بين عواصم متعدِّدة، إلى انحسار دعم البحث العلمي القائم على الرعاية الوقفية والسلطانية[29]. وفي المغرب، ساهمت هبّات الاضطراب السياسي بين الدول المرينية والوطاسية ثم السعدية والعلوية المبكرة في إنهاك الدولة ماليًّا وعسكريًّا، وهو ما أثر مباشرة في موارد التعليم والبحث العلمي[30].
ونظرًا إلى أن العلم في الحضارة الإسلامية كان مرتبطًا عضويًّا بالمؤسسة الوقفية، فقد أدى اضطراب الأوقاف وتراجع مداخيلها إلى تقلص مساحات الاجتهاد، وإغلاق مدارس، وتوقف رحلات علمية كانت منذ قرون جزءًا أساسيًّا من شبكة المعرفة؛ وبذلك فقدت البنية العلمية قدرتها على تجديد مواردها البشرية والمالية، وتحوَّلت من مؤسسات حيَّة إلى هياكل متقادمة تحافظ على الموجود من دون القدرة على توليد الجديد.
2 – انكماش حركة الاجتهاد وهيمنة التقليد
من أبرز سمات هذه المرحلة تراجُع الاجتهاد العلمي لمصلحة التقليد، إذ بدأ العلماء يركزون على شروح المتون، وحواشي الشروح، وتلخيص الحواشي، من دون قدرة على إنتاج أفكار جديدة تضيف إلى الرصيد العلمي؛ ولم يكن هذا التراجع نتيجة «موقف ديني» كما تتخيله السرديات الحديثة، بل نتاج غياب الحوافز المؤسسية، وانكماش فضاءات الحرية العلمية، وتقلُّص شبكات التواصل العلمي التي كانت تغذي الفكر الإسلامي في مراحل الازدهار على طول المساحة بين أقاصي المغرب والمشرق[31].
وفي المغرب، ظهر هذا التحوَّل واضحًا مع نهاية العصر المريني وبداية السعدي، حيث تراجع الحضور القوي للعلوم الرياضية والفلكية والطبية التي كانت تُدرّس في فاس ومراكش وتلمسان، وحل محلها التركيز الشديد على العلوم النقلية، مع بقاء الإبداع داخل هذه العلوم نفسها في حدود ضيقة؛ وتراجعت صناعة الأزياج والرصد الفلكي، وانحسرت البحوث التطبيقية التي كانت سمة القرون السابقة[32].
3 – تراجع المدرسة كفضاء للابتكار العلمي
أصبحت المدرسة، التي كانت في الماضي المحرك الرئيس للإبداع العلمي، مؤسسة تُعيد إنتاج المعرفة القديمة أكثر من كونها مساحة لصناعة الجديد؛ وتقلصت بنية الإجازة من وثيقة تربط الطالب بسلسلة علمية متجددة إلى شهادة تُثبت التمكن في متن معين، مع ضعف في امتدادها العملي؛ ومع توقف الرحلة العلمية الواسعة التي كانت تخرج العلماء من بيئتهم الضيقة إلى فضاءات معرفية متعددة، انغلق التعليم داخل الحدود المحلية، وهو ما قلّل من تلاقح الأفكار وتحديث المناهج.
وفي المغرب تحديدًا، كان لهذا الانغلاق أثر مضاعف، إذ اكتفت مدارس فاس ومراكش والزوايا الناصرية ونظيراتها بتدريس المتون الشرعية واللغوية، في حين اختفت تقريبًا الدروس المتقدمة في الطب والهندسة والرياضيات والفلك؛ ومع غياب مؤسسة بحثية تدعم التطوير، لم يعد في الإمكان مراكمة معرفة جديدة، ولا تحديث منظومات الأدوات العلمية.
4 – ضعف حضور العلوم الطبيعية والتجريبية
لم يكن ضعف العلوم الطبيعية ناتجًا من موقف شرعي، بل كان انعكاسًا مباشرًا لفقدان المؤسسات التي تحتضنها؛ فالمراصد والبيمارستانات، التي كانت مراكز بحث متقدمة، تراجعت في المغرب والمشرق معًا. ولاحظ الباحثون أن القرن العاشر وما بعده عرف تقلُّصًا كبيرًا في عدد الأزياج، وانكماشًا في التأليف الطبي، وتوقفًا شبه تام في ابتكار أدوات الرصد أو تحسينها[33].
وتشير بعض المصادر إلى أن البيمارستانات المغربية التي ازدهرت في القرون السابقة تحوَّلت في بعض الأحيان إلى مؤسسات علاجية محدودة، ولم تعد مراكز تكوين كما كانت في العصر المريني أو السعدي المبكر. ومع غياب التجربة السريرية المنظمة، فقدت العلوم الطبية المغربية خصائصها السابقة، واكتفت بنقل الموروث بدل تطويره.
5 – ترييف المعرفة وتفكك المجال الحضري
أدى تراجع المدن الكبرى، وترييف المجال الحضري (أي انتقال مركز الثقل من المدينة إلى فضاءات ريفية أقل قدرة على حمل مشروع علمي منظم)، إلى انكماش شديد في الموارد البشرية القادرة على حمل المشروع العلمي. ففي حين كان التعليم في العصر الموحدي والمريني صناعة اجتماعية واسعة تشارك فيها الحرف والأسواق والزوايا، أصبح مع القرون اللاحقة مقتصرًا على نخب ضيقة في المدن الكبرى. وتراجع التحاق العامة بالمدارس، بما فيها الكتاتيب، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
في المغرب، كان انهيار الأندلس سنة 897هـ نقطة فاصلة أنهت تقريبًا التفاعل العلمي مع الغرب الأوروبي، وفصلت المغرب عن مجال ثقافي ظل لقرون يمثّل امتدادًا حيويًّا لتطوره العلمي. وقد أدى هذا الانقطاع إلى مزيد من الانغلاق، وانكماش آفاق البحث، وتراجع قدرتها على التجدد الداخلي.
6 – أثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية في تجميد الحركة العلمية
كان للتدهور الاقتصادي دور حاسم في انكماش البحث العلمي. فقد عانت البلدان الإسلامية من تراجع طرق التجارة البرية والبحرية، مع تحوّل المراكز التجارية الأوروبية نحو الأطلسي، وهو ما قلّل من قدرة الدول الإسلامية على تمويل مؤسسات العلم. ومع انقطاع الموارد، بدأت المدارس والمراصد تفقد قدرتها على الاستمرار، وأصبح الدعم العلمي يعتمد على مبادرات فردية لا يمكن أن تنتج نظامًا متكاملًا.
وفي المغرب، تفاقم هذا الوضع مع الأزمات الداخلية، والحروب المحلية، وضعف المركزية السياسية، فأدى إلى غياب السياسات التعليمية الموحدة، وتفاوت كبير بين المدن والبوادي، وتراجع دور الأوقاف في تمويل التعليم.
خامسًا: التعليم في عهد الاحتلال الفرنسي والإسباني: قراءة كمية وتحليلية لبنية الهيمنة
دخل المغرب مرحلة الاحتلال في ظروف ضعف داخلي وانكماش معرفي طويل، لكن الاحتلال لم يكتفِ باستغلال هذا الضعف، بل أعاد هندسة المنظومة التعليمية لتصبح أداة للسيطرة الثقافية وإنتاج نخبة محدودة تتماهى مع السلطة الاستعمارية. وقد اتخذت فرنسا وإسبانيا، كلٌّ في مجال نفوذه، من المدرسة وسيلة استراتيجية لإعادة تكوين هوية المغرب، مستندتين إلى سياسة لغوية وثقافية وإدارية تعمل على قطع الصلة بين الأجيال الجديدة وتراثها العلمي والحضاري.
1 – البنية العامة لمشروع التعليم الاستعماري
مع دخول الاحتلال الفرنسي سنة 1330هـ (1912 م)، بدأت فرنسا بسرعة في إعادة تنظيم التعليم وفق رؤية استعمارية صريحة[34]. فالمدرسة لم تكن مؤسسة معنية بتكوين الإنسان المغربي، بل كانت أداة لصناعة «المستخدم المحلي» الذي يخدم الإدارة الاستعمارية، كما تؤكد وثائق الحماية في مراسلاتها الإدارية. وقد صُممت المناهج بحيث:
– تُقصى العربية من التعليم العصري لمصلحة الفرنسية.
– يُحصر التعليم المتقدم في فئة اجتماعية ضيقة.
– تُقدَّم الجغرافيا والتاريخ بمنطق يمجّد فرنسا ويُهمّش المغرب.
– يُربط التفوق والتقدم باللغة الفرنسية لا بالعربية.
أما الاحتلال الإسباني الذي بدأ سنة 1331هـ (1913 م) في الشمال والجنوب، فقد ركز على البعد العسكري والإداري، ولم يؤسس جهازًا تعليميًا مكتملًا كالذي أنشأته فرنسا، لكنه حافظ على سياسة النخبوية نفسها، واستعمل الإرساليات الدينية لتثبيت نفوذه الثقافي.
2 – أرقام التمدرس: إعادة بناء المجتمع عبر الندرة
تكشف الأرقام التي وثقها جون جيمس ديمس، في دراسته عن المدارس الحرة في المغرب (استنادًا إلى وثائق الإدارة الاستعمارية)[35]، عن سياسة تعليمية مقصودة تهدف إلى إبقاء الأغلبية الساحقة خارج التعليم العصري:
– سنة 1358هـ (1939 م): لم يكن أكثر من 3 بالمئة من الأطفال المسلمين متمدرسين.
– سنة 1374هـ (1954 م): ارتفعت النسبة إلى 14 بالمئة فقط، من بين نحو 1,360,000 طفل في سن الدراسة، لم يلتحق منهم سوى 187,000 بالتعليم العصري.
– في المقابل: بلغت نسبة التمدرس لدى اليهود المغاربة نحو 90 بالمئة، نتيجة الدعم الاستعماري المباشر لتكوين نخبة موالية.
3 – البكالوريا والتعليم الثانوي: نخبوية مقصودة
بين بداية الاحتلال سنة 1330هـ (1912 م) وسنة 1358هـ (1939 م)، لم يحصل على شهادة البكالوريا من التلاميذ المسلمين سوى 200 تلميذ فقط؛ وبين 1358هـ (1939 م) ونهاية الحماية سنة 1375هـ (1956 م)، حصل 504 تلاميذ إضافيين على البكالوريا[36].
المجموع خلال 44 سنة: 704 تلاميذ مسلمين فقط، بينهم أربع تلميذات[37].
والعدد الإجمالي للمسلمين الذين تابعوا الدراسة الثانوية لم يتجاوز 2000 تلميذ كامل المرحلة، وهو دليل قاطع على أن الإشكال لم يكن «ضعف الطلب»، بل كان سياسة إقصاء ممنهجة.
4 – التكوين العالي: إنتاج نخبة خادمة للمستعمر
عشية خروج فرنسا من المغرب، كانت حصيلة الكفاءات المغربية محدودة جدًا:
– 30 مهندسًا
– 19 طبيبًا
– طبيبان للأسنان
– 6 صيادلة
– 27 محاميًا
وكان عدد من اليهود المغاربة يضاهي عدد المسلمين، رغم أنهم أقلية صغيرة جدًا، وهذا نتيجة الامتيازات التي مُنحت لهم داخل المنظومة الاستعمارية.
5 – المدارس البربرية: تفكيك الهوية
عبر الازدواجية الجهوية
بعد صدور الظهير البربري سنة 1349هـ (1930 م)، عملت الإدارة الفرنسية على إنشاء مدارس خاصة في الأطلس والريف والجنوب عُرفت بالمدارس الفرنسية البربرية، وكان الهدف منها تفكيك البنية الثقافية الموحدة للمغرب عبر عزل التعليم الديني العربي عن المناطق الأمازيغية، وصناعة هوية محلية منفصلة لغويًّا وثقافيًّا عن عمقها الإسلامي العربي. وقد سعت هذه السياسة إلى ربط تلك المناطق بالمركز الفرنسي مباشرة، لا بالمنظومة الحضارية المغربية، وهو ما أدى إلى ترسيخ ازدواجية جهوية عميقة تجلّت في قيام «مغرب مفرنس» في الوسط والغرب، مقابل «مغرب مهمّش» في الشمال والجنوب والشرق. وهكذا لم تكن المدارس البربرية مؤسسة تعليمية بقدر ما كانت أداة لإعادة تكوين الهوية وإنتاج انقسام بنيوي طويل الأمد داخل المجتمع[38].
6 – إعادة كتابة التاريخ في المقررات المدرسية
لم يكن تحريف الوعي التاريخي مجرد تفصيل عابر في المدرسة الاستعمارية، بل كان ركنًا أساسيًا في مشروع الهيمنة الثقافية. فقد تعمّدت المقررات تقديم تاريخ المغرب في صورة سلسلة من الفوضى والجمود، مقابل تصوير التاريخ الفرنسي بوصفه ذروة الحضارة ومصدر العقل والتقدم. وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن الكتب المدرسية الفرنسية في المغرب كانت تمجِّد رموز روما وباريس وتُقلل من قيمة التجربة الحضارية المغربية، وتزرع في التلميذ شعورًا بالدونية إزاء ثقافة المستعمِر. وبذلك قُدّم العلم بوصفه فرنسيًّا خالصًا، في حين غُيّبت مساهمات المسلمين والأمازيغ والمغاربة في مسيرة الفكر الإنساني، لتتكون لدى المتعلم رؤية مشوهة للتاريخ تعطي التفوق للمحتل وتهمّش الذات الوطنية.
يقول جون جيمس ديمس: «يُرسّخُ في أذهان التلاميذ المغاربة بأن تاريخهم تاريخ فوضوي تافه، فينتهي بهم الأمر إلى التخرج من مدارس الحماية وقد انغرس فيهم شعور فطري بالنقص»[39].
7 – انهيار المؤسسة التعليمية الأصلية
رغم الصمود النسبي لجامع القرويين والزوايا العلمية، وبخاصة الزاوية الناصرية، فإنها تعرضت لتضييق كبير، وانحسر ما تبقى من العلوم الكونية التي كانت تدرّس فيها إلى شبه صفري.
فقد تحوَّلت العلاقة بين التعليم والمجتمع من علاقة إنتاج للمعرفة، إلى علاقة سيطرة، حيث يصبح المتعلم خادمًا للنظام الاستعماري، لا فاعلًا في المجتمع.
8 – خلاصة المرحلة: مدرسة لإنتاج الخضوع
يُستخلص من مجمل المعطيات أن المدرسة الاستعمارية لم تكن فضاءً للتكوين العلمي بقدر ما كانت أداة لإنتاج الخضوع وإعادة بناء المجتمع وفق تصور استعماري للمعرفة والهوية. فقد حُصر التعليم المتقدم في فئة ضيقة تخدم الإدارة الاستعمارية، في حين تُركت الأغلبية في دائرة الجهل أو التعليم التقليدي الذي جرى إضعافه وتقليص موارده. وفي الوقت نفسه، تم إنتاج هوية مفرْنَسة تُقدَّم فيها اللغة الفرنسية بوصفها شرطًا للتفوق والمعرفة، مقابل تصوير العربية بوصفها لغة الماضي والعجز. وقد أدى هذا إلى فصل المجتمع عن لغته وتاريخه، وإعادة بناء الوعي في صورة استعمارية تستبطن التفوق الأوروبي وتُضعف الثقة بالذات الحضارية للمغاربة. وهكذا تحوَّلت المدرسة إلى جهاز أيديولوجي يزرع التبعية بدلًا من أن يصنع الإنسان القادر على المعرفة والإبداع.
سادسًا: السياسات التعليمية بعد الاستقلال: بين إرادة التعريب وضغط النخبة المفرْنَسة والارتداد اللغوي
دخل المغرب مرحلة ما بعد الاحتلال وهو بحاجة ملحّة إلى إعادة بناء منظومة تعليمية دُمّرت بنيتها، وضُربت لغتها، وفُككت مؤسساتها التقليدية، في وقت خرجت فيه أجيال واسعة من حقبة الحماية وهي محرومة من الحد الأدنى من رأس المال المعرفي القادر على حمل مشروع الدولة الحديثة. وقد اتسمت سنوات الاستقلال الأولى بحماسة وطنية ورغبة صادقة في إصلاح التعليم وإحيائه، غير أن هذا المسار سرعان ما وقع في التذبذب بفعل مواجهة غير متوازنة بين إرادة الهوية وضغط النخبة المفرْنَسة التي ورثت مواقع النفوذ الإداري، فكان أن اتخذت السياسات التعليمية مسارًا متأرجحًا انتهى بعودة النموذج الاستعماري في صيغة وطنية.
1 – البدايات الأولى: سيادة لغوية مؤجلة ومحاولة إعادة البناء
بعد عامين من نهاية الحماية، أي سنة 1375هـ (1956 م)، تأسست أول وزارة مستقلة للتعليم، وما لبثت أن أطلقت ورش إصلاح شامل تحت إشراف لجنة وطنية برئاسة محمد الفاسي سنة 1377هـ (1958 م)؛ وخرجت هذه اللجنة بميثاق وطني مبكر استند إلى أربعة مبادئ كبرى: التعريب، والمغربة، والتعميم، والتوحيد. كانت هذه المبادئ تعبيرًا عن إرادة واضحة لاستعادة السيادة اللغوية والمعرفية، غير أنها اصطدمت مبكرًا ببنية إدارية موروثة من الاستعمار، وبنخبة فرنكفونية ترى في الفرنسية شرطًا للتحديث والارتباط بأوروبا[40].
2 – أول انتكاسة: عودة الفرنسية إلى مركز القرار
في سنة 1378هـ (1959 م)، أُعيد تأسيس لجنة إصلاح التعليم تحت رئاسة عمر بنعبد الجليل، فأُلغيت مقررات اللجنة السابقة وأعيدت الفرنسية لغةً أساسية للعلوم والرياضيات. وقد عُدّ هذا القرار أول التفاف على مشروع التعريب، وأثار احتجاجًا واسعًا لدى الأصوات الوطنية مثل علّال الفاسي وعبد الكريم غلاب، الذين رأوا أن التعريب يمثل «الاستقلال الثاني»[41].
3 – محاولات الاستدراك: تعريب متدرج
وصراع على الهوية اللغوية
بين سنتي 1380هـ (1960 م) و1384هـ (1964 م)، حاولت الدولة استدراك المسار عبر تعريب تدريجي في الابتدائي، وإنشاء معهد الدراسات والبحوث حول التعريب، والشروع في مغربة الأطر؛ غير أن هذه المحاولات اصطدمت بواقع مركب: ضعف تكوين الكوادر، وازدواجية لغوية متنامية، وانتشار خطاب رسمي يُعد القطيعة مع الفرنسية «مجازفة حضارية». وفي سنة 1382هـ (1962 م)، بلغ النقاش حول التعريب ذروة جديدة، فظهر الانقسام بوضوح بين دعاة التعريب الشامل وأنصار التعريب المتدرِّج والرافضين له جذريًّا، وهو ما أدى إلى تجميد تعريب المواد العلمية في السلك الابتدائي.
4 – مناظرة المعمورة: إجماع وطني لم يتحوَّل إلى سياسة
مثَّلت مناظرة المعمورة عام 1384هـ (1964 م) لحظة إجماع وطني نادرة، إذ اتفقت شخصيات علمية وتربوية بارزة على ثلاث قضايا مركزية:
– اعتماد العربية لغة للتعليم في جميع الأسلاك.
– تأجيل تعلم اللغات الأجنبية إلى المرحلة الثانوية.
– تثبيت القيم الإسلامية في صلب هوية المدرسة المغربية.
رغم قوة هذا الإجماع، لم يتحوَّل إلى سياسة تنفيذية، إذ لم تمر سوى ثلاث سنوات حتى حدثت الانتكاسة الكبرى[42].
5 – الانتكاسة الكبرى: إعادة فرْنَسة التعليم الابتدائي
في سنة 1387هـ (1967 م)، أوقفت الدولة تعريب العلوم في الابتدائي، وأعادت استقدام الأساتذة الأجانب، وتراجعت فعليًا عن جزء كبير من مشروع المغربة؛ وقد شكّل هذا التحوُّل انتصارًا للنخبة المفرْنَسة، التي رأت في فرْنَسة التعليم ضمانًا لاستمرار موقعها داخل الدولة، فتم تدريجًا تثبيت الفرنسية لغة مهيمنة على مفاصل القرار التربوي.
6 – صعود الجامعة المفرْنَسة
وتكلُّس الإرث الاستعماري
عرفت الجامعة المغربية مسارًا مغايرًا تمامًا لما حدث في المدرسة. ففي عام 1390هـ (1970 م)، تأسس المجلس الأعلى للتعليم، ودعا إلى تعريب الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وهو ما تحقق فعلًا، غير أن المواد العلمية بقيت مفرْنَسة بالكامل. وتزامن هذا مع حراك طلابي واسع قاده الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، رافعًا شعار «التعليم بالعربية… لا تعليم بالوكالة». لكن هذه الاحتجاجات لم تمنع صدور الظهير الخاص بالإصلاح الجامعي سنة 1395هـ (1975 م)، الذي رسخ مزيدًا من تغلغل الفرنسية في التعليم العالي، مستنسخًا النموذج الفرنسي في بنيته ومضمونه.
7 – سنوات الأمل والخيبة: تعريب محدود وجدار مزدوج
بين سنتي 1398هـ (1978 م) و1400هـ (1980 م)، بدت ملامح موجة جديدة من الإصلاح، واكتملت مغربة الأطر في الثانوي، وتم تعريب العلوم في الابتدائي، غير أن الجامعة بقيت خارج هذا المسار؛ وعندما وصل أول فوج معرّب إلى الجامعة سنة 1410هـ (1990 م)، ظهرت المفارقة بوضوح: جيل تعلّم بالعربية في الابتدائي والثانوي، ثم وجد نفسه في جامعة مفرْنَسة وسوق عمل لا يعترف بالعربية، وهو ما عمّق الازدواجية اللغوية ومهد للارتداد اللاحق.
8 – تحولات التسعينيات: بين التحديث
التقني والضغط الخارجي
في سنة 1414هـ (1994 م)، أنشئت لجنة وطنية لقضايا التعليم، ودعت إلى إلزامية التعليم بين 6 و16 سنة، وتوحيد المناهج، ومحو الأمية، وتعزيز مكانة العربية؛ لكن هذا المقترح أُسقط في السنة نفسها تحت ضغط النخبة الفرنكفونية. وفي سنة 1416هـ (1996 م)، ازدادت هيمنة توصيات المؤسسات المالية الدولية، ومنها البنك الدولي، التي دعت إلى تقليص مجانية التعليم وربطه بالقدرة الأسَرية، فدخل المغرب مرحلة من السياسات الليبرالية الجديدة التي أضعفت المدرسة العمومية[43].
9 – الميثاق الوطني للتربية والتكوين: مشروع بلا روح لغوية
اعتمد المغرب الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1420هـ (2000 م) في محاولة لبناء رؤية بعيدة المدى، لكنه أعاد الاعتبار للفرنسية في المواد العلمية، ولم يفعل إنشاء أكاديمية محمد السادس للغة العربية رغم صدور مرسومها سنة 1422هـ (2002 م)، ولم يخلق الشُّعب الجامعية المعرّبة التي نص عليها. ومع هيمنة المقاربة التقنية، فقد الميثاق روحه الهوياتية، وتحوَّل إلى إطار إداري لا يجيب عن سؤال السيادة اللغوية ولا عن أزمة الازدواجية.
10 – مرحلة الارتداد اللغوي: تكريس النموذج
الاستعماري في زمن السيادة
مثّلت سنة 1435هـ (2014 م) نقطة انعطاف حادة مع تعيين رشيد بلمختار وزيرًا للتعليم، إذ أعاد فرْنَسة العلوم في الثانوي، وعمّم نظام البكالوريا الفرنسية داخل المؤسسات العمومية، وقوّى حضور الفرنسية بدعوى أنها لغة صاعدة لا يمكن تجاوزها؛ ثم جاء القانون الإطار 51.17 سنة 1440هـ (2019 م) ليُشرعن هذا الارتداد رسميًّا، ويكرّس الفرنسية لغة لتدريس المواد العلمية، متخلِّيًا بذلك عن التعريب الكامل، ومعيدًا إنتاج النموذج اللغوي الاستعماري داخل دولة مستقلة سياسيًّا[44].
11 – مقاومة المجتمع المدني والمدارس الفكرية
لم يتقبل المجتمع هذه التحولات بصمت، إذ واجهت القرارات موجة واسعة من الاعتراض قادتها هيئات لغوية وفكرية متعددة، مثل مجمع اللغة العربية المغربي، ورابطة العلماء، وجمعية الدفاع عن اللغة العربية، والائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، إضافة إلى عدد من الأحزاب الوطنية. وقد كشف هذا الحراك أن سؤال اللغة ليس خيارًا بيداغوجيًا تقنيًا، بل جوهر سيادي يتعلق بالهوية والمسار الحضاري.
12 – حصيلة المرحلة: استقلال سياسي
من دون سيادة معرفية
بعد ستة عقود من السياسات المتقلبة، يتضح أن المدرسة المغربية لم تتحرر من النموذج اللغوي الذي فرضته الحماية، بل أعادت إنتاجه في سياق وطني. وأسفر هذا الواقع عن ازدواجية لغوية خانقة، وتراجع مكانة العربية، وتفكك في الهوية التعليمية، واستمرار التبعية في المعرفة والبحث العلمي. وهكذا، ورغم الاستقلال السياسي، ظل المغرب بعيدًا من تحقيق استقلاله المعرفي واللغوي الذي يمثل الشرط الأول لأي نهضة علمية أو مشروع مجتمعي متماسك.
خاتمة
تكشف قراءة المسار التاريخي للعلوم والتعليم في المغرب عن حقيقة مركزية مفادها أن أزمة المدرسة المغربية ليست وليدة خلل بيداغوجي أو تقني، بل هي في جوهرها أزمة هوية معرفية وسيادة ثقافية. فقد كان المغرب جزءًا عضويًا من التجربة العلمية الإسلامية، مساهما في بناء المعرفة وإنتاجها، لا مجرد متلقٍ لها، من خلال مؤسساته العتيقة وشبكاته العلمية المتشابكة التي امتدت من الأندلس إلى سوس ومن فاس إلى سجلماسة. غير أن هذا التاريخ تم تهميشه في الوعي المدرسي الحديث، ففقدت الأجيال الجديدة إدراكها لعمق هذا الإرث، وغُيّبت عن تصور العلم بوصفه فعلًا نابعًا من سياقها الحضاري.
وعندما دخل المغرب مرحلة الاحتلال، لم يكن التعليم مشروع تحديث كما تُقدّم بعض السرديات، وهذا ما بيّناه في المبحث الخامس، بل كان أداة لضبط المجتمع وإعادة هندسة وعيه. فقد اعتمدت المدرسة الاستعمارية على إنتاج الندرة، وحصر التمدرس، وصناعة نخبة وسيطة مفرْنَسة تدين بالولاء للجهاز الإداري الاستعماري. وتعكس الأرقام التي وثقتها الوثائق التاريخية ضآلة عدد المتعلمين ومحدودية الكفاءات العلمية التي خرج بها المغرب عشية الاستقلال، بما يؤكد أن الهدف لم يكن بناء مدرسة وطنية بل إعادة بناء المجتمع وفق نموذج لغوي وثقافي خارجي.
ومع لحظة الاستقلال، بدا أن المغرب يتجه نحو استعادة سيادته التعليمية عبر مشروع التعريب والمغربة والتوحيد، لكن سرعان ما دخلت السياسات في طور ارتباك عميق. فقد اصطدمت الإرادة الوطنية بنفوذ نخبة مفرْنَسة ورثت مفاصل القرار، فعُطّل جزءٌ كبيرٌ من مشروع التعريب، وتعرقلت مغربة الأطر، وبقيت الجامعة أسيرة للنموذج اللغوي الاستعماري. ومع الوقت، تحوّل هذا الارتباك إلى مسار ارتدادي متدرج، بلغ ذروته بصدور القانون الإطار 51.17 الذي كرّس رسميًّا العودة إلى فرْنَسة المواد العلمية وإعادة ربط مستقبل المدرسة المغربية بالنموذج ذاته الذي صاغته الحماية قبل عقود.
تكشف هذه الصورة الكلية أن أزمة التعليم في المغرب ليست مجرد مشكلة اختيار لغوي، بل هي تعبير عن أزمة أشمل تمسّ تصور العلم نفسه، ومكانه في الثقافة الوطنية، وعلاقة المجتمع بتراثه العلمي؛ فغياب السيادة اللغوية أضعف القدرة على إنتاج المعرفة، كما أن تهميش التاريخ العلمي المغربي أخرج الأجيال من جذورها الحضارية، وجعل المدرسة فضاء لتلقي نماذج وافدة أكثر من كونها أداة لتجديد الذات. وإعادة إنتاج النموذج الاستعماري في الجامعة والإدارة والبحث العلمي عمّق هذا الاغتراب، فبقي المغرب خارج دائرة النهضة العلمية رغم الإصلاحات المتكررة.
تشير خلاصات هذه الدراسة إلى أن بناء تعليم وطني مستقل يتطلب إعادة تأسيس المشروع برمَّته على رؤية معرفية جديدة تعيد للغة العربية مركزيتها، وللتاريخ العلمي المغربي اعتباره، وللجامعة دورها في إنتاج المعرفة لا استهلاكها. فاستقلال الدولة السياسي لا يكتمل إلا باستقلالها المعرفي، وهذا الاستقلال لا يتحقق إلا بسيادة لغوية وثقافية تجعل العلم فعلًا وطنيًا مرتبطًا بالذات، لا تكرارًا لنماذج الخارج. وبذلك يصبح التعليم مسارًا للتحرر والنهوض، لا استمرارًا لمنطق التبعية الذي امتد من زمن الحماية إلى السياسات الحالية.
أوراق ذات صلة:
التعليم العالي في المغرب: بين رهان التطوير والملاءمة
النظام التعليمي في المغرب ومنظومة حقوق الإنسان: نحو منظور سوسيولوجي
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.
عبد الناصر البصري: جامعة القاضي عياض، مراكش – المغرب.
[1](*) تعتمد هذه الدراسة على جزء من مشروع بحثي أوسع حول تطور التعليم المغربي وعلم الاجتماع المعرفي، وقد صيغت هنا بوصفها عملًا بحثيًا مستقلًا.
Roshdi Rashed et Régis Morelon, éds., Histoire des sciences arabes, 3 vols. (Paris: Éditions du Seuil, 1997).
انظر أيضًا الترجمة العربية للكتاب: رشدي راشد وريجيس مورلون، المشرفون، موسوعة تاريخ العلوم العربية، سلسلة تاريخ العلوم العربية؛ 4، 3 مج (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ عمّان: مؤسسة عبد الحميد شومان، 1997).
[2] Ahmed Djebbar, L›âge d›or des sciences arabes (Paris: Éditions du Pommier; Institut du monde arabe, 2005).
[3] عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم وتحقيق وتعليق محمد زينهم محمد عزب (القاهرة: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، 1994)، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الخطيب، مقالة مقنعة السائل عن المرض الهائل، تحقيق وتقديم حياة قارة (الرباط: منشورات دار الأمان، 1436هـ/2015م).
[4] عبد الهادي التازي، جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس (موسوعة لتاريخها المعماري والفكري)، 3 مج، ط 2 (الرباط: دار نشر المعرفة، 2000).
[5] محمد عبد الرحمن مرحبا، الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، ط 2، مزيدة ومنقحة (بيروت: منشورات بحر المتوسط؛ منشورات عويدات، 1988)؛ George Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance, Transformations-Studies in the History of Science and Technology (Cambridge, MA: The MIT Press, 2007), and A. I. Sabra, «Situating Arabic Science: Locality versus Essence,» Isis, vol. 87, no. 4 (1996), <https://doi.org/10.1086/35765>.
[6] Rashed et Morelon, éds., Histoire des sciences arabes.
[7] Sabra, Ibid.
[8] جون جيمس ديمس، حركة المدارس الحرة بالمغرب 1919 – 1970، ترجمة السعيد المعتصم (مراكش: منشورات تانسيفت، 1991)؛ Yvonne Knibiehler, «L›enseignement au Maroc pendant le protectorat (1912‑1956): Les «fils de notables»,» Revue d’histoire moderne et contemporaine, vol. 41, no. 3 (1994), and Mohamed Souali et Mekki Merrouni, «Chronologie de la politique éducative au Maroc (1912-1979),» Bulletin économique et social du Maroc (BESM), nos. 143-146 (avril 1981).
[9] المغرب، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين (الرباط: اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، 1999)؛
[10] محمد عابد الجابري، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1985)، المغرب، المجلس الأعلى للتعليم، التقرير الوطني حول حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها: إنجاح مدرسة للجميع (الرباط: المجلس الأعلى للتعليم، 2008).
[11] «ظهير شريف رقم 1.19.113 صادر في 7 ذي الحجة 1440 (9 أغسطس 2019) بتنفيذ القانون – الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي،» الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، العدد 6805 (19 آب/أغسطس 2019).
[12] Montserrat Emperador Badimon, «Éducation et fonction publique au Maroc: de la période coloniale à l›ajustement structurel,» dans: Montserrat Emperador Badimon, Lutter pour ne pas chômer: Le mouvement des diplômés chômeurs au Maroc (Lyon: Presses universitaires de Lyon, 2020).
[13] Djebbar, L›âge d›or des sciences arabes.
[14] Fuat Sezgin, Geschichte des arabischen Schrifttums, Bd. 1: Qurʼānwissenschaften, Hadīt, Geschichte, Fiqh, Dogmatik, Mystik bis ca. 430 H (Leiden: E. J. Brill, 1967).
[15] التازي، جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس (موسوعة لتاريخها المعماري والفكري).
[16] عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم وتحقيق وتعليق محمد زينهم محمد عزب (القاهرة: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، 1994).
[17] ابن الخطيب، مقالة مقنعة السائل عن المرض الهائل.
[18] المراكشي، المصدر نفسه، وأبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق وتعليق علي عبد الواحد وافي، سلسلة «كتاب الشعب» (القاهرة: دار الشعب، 1950).
[19] Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance, and Sabra, «Situating Arabic Science: Locality versus Essence».
[20] Sezgin, Geschichte des arabischen Schrifttums, Bd. 1: Qurʼānwissenschaften, Hadīt, Geschichte, Fiqh, Dogmatik, Mystik bis ca. 430 H.
[21] مرحبا، الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، و Rashed et Morelon, éds., Histoire des sciences arabes.
[22] Sezgin, Ibid.
[23] Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance, and Sabra, «Situating Arabic Science: Locality versus Essence».
[24] Ibid.
[25] Saliba, Ibid.
[26] Ibid.
[27] Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance, and Sabra, «Situating Arabic Science: Locality versus Essence».
[28] Ibid.
[29] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون.
[30] المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب.
[31] Rashed et Morelon, éds., Histoire des sciences arabes.
[32] Ibid.
[33] Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance.
[34] Knibiehler, «L’enseignement au Maroc pendant le protectorat (1912-1956): Les «fils de notables»,» and Souali et Merrouni, «Chronologie de la politique éducative au Maroc (1912-1979)».
[35] ديمس، حركة المدارس الحرة بالمغرب 1919 – 1970.
[36] المصدر نفسه، و Knibiehler, Ibid.
[37] ديمس، المصدر نفسه.
[38] Knibiehler, Ibid., and Badimon, «Éducation et fonction publique au Maroc: de la période coloniale à l’ajustement structurel».
[39] ديمس، المصدر نفسه، ص 25.
[40] المغرب، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ الجابري، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، والمغرب، المجلس الأعلى للتعليم، التقرير الوطني حول حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها: إنجاح مدرسة للجميع.
[41] الجابري، المصدر نفسه.
[42] المصدر نفسه، والمغرب، المجلس الأعلى للتعليم، التقرير الوطني حول حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها: إنجاح مدرسة للجميع.
[43] المهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغا إمبريالية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007).
[44] «ظهير شريف رقم 1.19.113 صادر في 7 ذي الحجة 1440 (9 أغسطس 2019) بتنفيذ القانون – الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي».
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



