مقدمة

يعدّ مفهوم المؤسسة التربوية، بمعناها المعاصر، حصيلة نهائية لقرون طويلة من التطور، برزت في كثير من المجتمعات التاريخية القديمة[1]، وظلت تتجدد وتتطور باستمرار، ولا سيما أن عالم اليوم يعيش في إطار نظام كوني جديد يؤسس بصفة تدريجية لشروط ثقافة جديدة تكرّس لقيم ومفاهيم العولمة والشراكة والانفتاح والمنافسة. ولأن المغرب ليس استثناءً، ظل المشرع التربوي مقتنعًا بأهمية تجديد بنى وهياكل مؤسساته وإصلاحها وحكامتها والتسريع بوتيرة انتقالها إلى أزمنة الحداثة والديمقراطية والتنمية المستدامة والشاملة، بهدف تحقيق انخراطه الإيجابي في رهانات التحولات التي عرفها العالم. وسيلازم القلق كل ممارسة إصلاحية ما دام إصلاح التعليم هو استثمار من أجل مستقبل يبقى عصيًا على الاستشراف في عالم تشمل تحولاته المتسارعة المعارف والمهارات وفضاءات الإنتاج المادي والرمزي وسوق الشغل[2]، من خلال نشر العلم والمعرفة والرفع من مستوى القدرات والكفاءات، بصورة تقود المتتبع إلى القول بأن صلاحيات الدولة القطرية تقلصت لفائدة مراكز قرار معولمة لا تخضع لآليات محلية للضبط والتقييم[3].

ولعل هذا ما يفرض على النظام التعليمي بوصفه القلب النابض للدولة نفسه كأول ما يجب أن ينسجم مع ظروف الحياة الجديدة. لذلك كان من الطبيعي أن يكون النظام التعليمي جزءًا من المنظومة التربوية وهو التعليم العالي من بين أولى الورش التي يجب الاهتمام بها على الدوام، وبخاصة على مستوى تطوير البرامج الدراسية والطرائق البيداغوجية المعتمدة عوض المراهنة على توفير البنى والتجهيزات المادية قصد الرفع من عدد الطلبة[4].

جدير بالإشارة أن النظام الجامعي المغربي عرف تطورًا ومنعطفًا جديدًا في بداية تسعينيات القرن الماضي من أجل تنويع التكوينات الجامعية، وتلبية حاجات الطلبة، وحاجات سوق الشغل. علاوة على تتبع ومواكبة وإدماج الطلبة الخريجين من جانب الجامعات المنفتحة على محيطها السوسيو-اقتصادي من طريق ربط شراكات مع المقاولات وبقية الفاعلين المعنيين بالأمر. وهو ما يفسر ما بذلته الدولة من جهود، مثلًا، في سبيل إخراج مشروع الكليات المتعددة التخصصات إلى الوجود، حيث بدأت تظهر مؤسسات ذات استقطاب محدود[5] جديدة وزيادة في عدد المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح[6]. وكانت السياسة العمومية المتعلقة بتوسيع نظام التعليم العالي تهدف إلى إرساء مؤسسات جديدة (المدارس العليا للتكنولوجيا EST))؛ كليات العلوم والتقنيات FST))؛ المدارس الوطنية للعلوم التطبيقية ENSA))؛ والمدارس الوطنية للتجارة والتسيير (ENSG). ولئن حظيت هذه التجربة بانتقادات كثيرة نظرًا إلى محدودية آفاق العمل والتكوين بها سواء على مستوى الطلبة أو الأساتذة العاملين بها الذين لا يجدون متنفسًا لممارسة مهمات البحث العلمي[7]، ينبغي أن نستحضر أن إحداث هذه المؤسسات الجامعية أعطى دينامية للمحيط السوسيو-اقتصادي، ويندرج في إطار مشروع طموح يسعى إلى الاستجابة إلى الحاجات الجهوية والوطنية في مجال المهنية التقنية والهندسة[8]. من هنا، تتبادر إلى الذهن مجموعة من التساؤلات، من أهمها مدى نجاح مجالات التكوين والتدريس في بناء الكفايات لضمان أوفر الحظوظ للاندماج المهني.

وجوابًا عن هذا التساؤل، سنتطرق، من جهة، إلى خصوصيات التكوين والتدريس بالتعليم العالي وتجليات تطوره من خلال الإصلاحات المعتمدة، ثم رصد مختلف التحديات التي تحول دون تحقيق رهان التطوير في علاقة بإشكالية الملاءمة والمواكبة في مجال حساس موسوم بالتحول والتقلب، من جهة ثانية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 547 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 547 أيلول/سبتمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 547 في أيلول/سبتمبر 2024.

سعيد شكاك: أستاذ باحث، جامعة شعيب الدكالي – المغرب.

كريمة كرومي: أستاذة باحثة، جامعة شعيب الدكالي – المغرب.

[1]أنتوني غدنز بمساعدة كارين بيرسال، علم الاجتماع مع مدخلات عربية، ترجمة وتقديم فايز الصياغ، ط 4 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص 537.

[2]   عبد النبي رجواني، حول إصلاح التعليم: مساءلة الخطاب ودعوة للاستشراق، سلسلة شرفات؛ 20 (الدار البيضاء: منشورات الزمن، 2007)، ص 8.

[3]   محمد آيت المكي، «التعليم العالي في المملكة المغربية: رهانات وتحديات،» <http://aarunews.ju.edu.jo/Lists/EventsAndNews/Attachments/564/Morocco_HED_01.pdf>.

[4]   محمد القدام، سيكولوجيا صعوبات التعلم والاكتساب: حالة تجريد وتعميم مفاهيم الرياضيات، تصفيف وإخراج ونشر amrani communication ، الرباط، 2007)، ص 9.

[5]   لا يتم الولوج إليها إلا عبر آليات انتقاء متعددة ودقيقة تشمل دراسة الملفات الشخصية أو اجتياز اختبارات أو هما معًا. ويدخل في إطار هذه المؤسسات المعاهد والمدارس التابعة للجامعات. وقد حدد القانون على سبيل الحصر المؤسسات ذات الولوج المحدود في كليات الطب والصيدلة وكليات طب الأسنان، وكليات العلوم والتقنيات وكلية علوم التربية إضافة إلى المدارس الوطنية للتجارة والتسيير، ومدارس المهندسين التابعة للجامعات والمدارس العليا للتكنولوجيا، ومدرسة فهد العليا للترجمة. للمزيد، انظر: محمد غزالي، الإصلاحات التعليمية بالمغرب: دراسة على مستوى الوظائف والمكونات 1956-2001 (الرباط: منشورات جامعة الحسن الأول، 2014)، ص 258.

[6]   تقبل كل حاملي شهادة الباكالوريا المنتمين إلى نفس تخصص المؤسسات ولمناطق استقطابها الترابي. وتضم هذه المؤسسات كلًا من كليات الآداب والعلوم والحقوق والشريعة واللغة العربية وأصول الدين إضافة إلى الكليات المتعددة التخصصات.

[7]   غزالي، المصدر نفسه، ص 257.

[8]   للمزيد، انظر التقرير الموضوعاتي حول تقييم الكليات المتعددة التخصصات: أية سياسة وأي تأثير وأي أفق؟ (الرباط: الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2017)، ص 10.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز