«نحن بحاجة إلى دراسات تركيبية منتظمة، نحن بحاجة إلى تقييمات متعددة تساعدنا على رسم «خرائط الطريق» لمستقبل العلوم الاجتماعية في العالم العربي»[1].

حسن رشيق

مقدمة

كان أول لقاء «رسمي» بين منظومة حقوق الإنسان والنظام التعليمي المغربي في مستهل تسعينيات القرن الماضي، بحيث تم توقيع اتفاقية تعاون بين الوزارة الوصية على القطاع والوزارة المكلفة بحقوق الإنسان[2]. ولعل هذا ما جعل تقرير الخمسينية يصف هذا اللقاء بأنه جاء متأخرًا[3]. ومنذئذ أقدمت وزارة التعليم على الكثير من الإجراءات الخاصة بالمجال الحقوقي، تتمثل أساسًا بإصدار مجموعة من الدلائل المدرسية الخاصة به، وأكدت ضرورة إنشاء نوادي المواطَنة وحقوق الإنسان في المدراس العمومية، والقيام بمجموعة من التكوينات المستمرة لهيئة التدريس من أجل تنمية وعيهم الحقوقي، وإضافة وحدة التربية على المواطنة في مادة الاجتماعيات، ناهيك بإصدار قرار إدماج قيم حقوق الإنسان في البرامج الدراسية… إلخ.

لن نقوم بفحص كل الإجراءات السالفة الذكر في هذا المقام، وإنما سنركز – وبالاعتماد على منهجية القراءة النسقية للأدبيات[4] – على استجلاء طبيعة ودرجة حضور المنظومة الحقوقية وبعض قضاياها في البرامج الدراسية، وكذا إبراز مواقف هيئة التدريس من هذه المنظومة في علاقتها بخصوصيتهم الثقافية والدينية. بتعبير آخر، نسعى من خلال هذا المقال إلى دراسة كيفية حضور وتوزيع قيم المنظومة الحقوقية في مضامين الكتب المدرسية في المبحث الأول، بينما سنخصص المبحث الثاني لرصد تمثلات الفاعلين التربويين للمنظومة الحقوقية في علاقتها بالخصوصية المجتمع المغربي، بغية الكشف عن درجة إلمامهم بالثقافة الحقوقية كما هي متعارف عليها دوليًا.

أولًا: البرامج الدراسية

تؤكّد مجمل الدراسات[5] التي اشتغلت على منظومة حقوق الإنسان في متن الكتب المدرسية، أن حضور هذه المنظومة يعرف نوعًا من التفاوت والتباين على المستوى الأفقي والعمودي؛ أي من كتاب مدرسي إلى آخر، ومن مستوى دراسي إلى آخر. كما أن طبيعة وجودها تتأرجح بين الكيفية الصريحة والمضمرة.

وللإشارة هناك من الدراسات من اشتغلت على المنظومة الحقوقية بوجه عام في متن البرامج الدراسية، ومنها من اهتمت فقط ببعض قضاياها، كقضية البيئة أو النوع الاجتماعي، وتلك حالة الدراسة التي خصصتها المندوبية السامية للتخطيط لاستجلاء صورة المرأة في الكتب المدرسية التي توصلت نتائجها إلى أن حضور المرأة في مضامين هذه الكتب يتسم بالضعف على المستوى الكمي والكيفي، بينما هناك حضور قوي للقيم البطريركية[6].

تكاد معظم الدراسات تتفق على أن مضمون حقوق الإنسان الكوني في متن الكتب المدرسية يتم الالتفاف عليه بالمنظور الإسلامي، الأمر الذي يبرز أهمية الدين وما يمثله في فكر ووجدان أغلبية المغاربة. ويُفهم من هذا أن الاستثمار الكبير لمضامين الحقوق وتقديرها في الدين، راجع إلى حسبانها تعزز جانب الوسطية والاعتدال والتقدمية في الإسلام داخل متن البرامج والمقررات الدراسية.

لكن في المقابل نجد بعض الدراسات الميدانية قد أكدت أن النزوع المحافظ لأغلبية مدرسي التربية الإسلامية، وكذا الساهرين على تأليف الكتب المدرسية… انتهى إلى تفريغ مضامين مادة التربية الإسلامية من هذا الجانب، كما أبرزت ذلك دراسة فوزي بوخريص وعبد الله هرهار بخصوص قضية البيئة في المستوى الابتدائي، بحيث إنه «في مقرر التربية الإسلامية، نلحظ غيابًا كليًا للبيئة في المستوى الأول، بينما نجد في المستوى الثاني أربع وثائق، وتختفي هذه الوثائق في المستوى الثالث، لتظهر في المستوى الرابع بوثيقتين فقط. ويتراجع العدد في المستوى الخامس إلى وثيقة واحدة، وفي المستوى السادس يعود إلى وثيقتين»[7].

ما نود تأكيده، من خلال الإشارات السابقة، هو أن أغلب المضامين التي تحيل على منظومة حقوق الإنسان أو بعض قضاياها في متن الكتب المدرسية، حسب الدراسات السابقة، تجري محاصرتها بالمنظور الإسلامي للحقوق، وذلك عبر استدعاء إما آيات قرآنية وإما أحاديث نبوية وإما بعض التجارب التاريخية لزعماء الدول في السياق العربي الإسلامي، بوصفهم نماذج للتلاميذ يُقتدى بها في المجال الحقوقي، أو في بعض قضاياه كقضية الحفاظ على البيئة، مثل تجارب خلفاء العصر العباسي وبخاصة منهم أبو جعفر، أو تجربة يوسف بن تاشفين[8]. ولعل هذا ما جعل عبد الصمد الديالمي يقول «بأن دور المدرسة المغربية يسير اليوم في اتجاه أصولي متشدد أكثر فأكثر»[9].

يعتمد الخطاب المدرسي إذًا، حسب الدراسات السابقة، على ثلاث استراتيجيات للالتفاف على المنظور الحقوقي بالمنظور الإسلامي، أولها استراتيجية الاحتواء، وذلك إما بتحريف مضمونها، أو تحويلها ليعبر عن حمولة قيمية أخرى، أو تسييجها بمضمون يحد من امتداده الحداثي باعتماد منطق الضرورة الاجتماعية أو الأخلاقية أو الثقافية.

ثانيها استراتيجية سلطة الحُجة، ويخاصة سلطة النص الديني بوصفه نصًّا مقدسًا، وما له من مكانة اعتبارية في فكر التلاميذ ووجدانهم، بل أكثر من ذلك، لا تكف هذه الاستراتيجية على التأكيد أن النص الديني كان سبّاقًا للتأسيس والاعتراف والدفاع عن منظومة حقوق الإنسان.

ثالثها استراتيجية التوليف التي تجمع بين الاستراتيجيتين السابقتين، وتتمثل بتكوين تركيبات قيمية مزيجة تتعايش ضمنها قيم متنافرة ومتناقضة على الأقل على مستوى المرجعية[10].

وفي هذا الصدد، نجد أن تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، يؤكد أن تصور الكتاب المدرسي للمسألة الحقوقية يظل بعيدًا من تصور أدبيات حقوق الإنسان لها. كما ذهب التقرير نفسه، إلى أن خطاب الحقوق في الكتاب المدرسي يتقلص في مقابل الحضور القوي للواجبات، فالواجب اتجاه الوطن هو تحريره من المستعمر، أما الواجب اتجاه الله فهو الذي يحيل على الفرائض. بينما يلاحظ أن الحقوق تختزل في فهم مبسط جدًّا، فهي لا تظهر إلا في تساوق يخدم لائحة الواجبات اتجاه الله أو الوطن مثل عبارة «من حقي أن يتم تدريبي على أداء الصلاة في وقتها، ومن واجبي الحفاظ على أوقات الصلاة»[11]. وفي الأفق نفسه يؤكد مصطفى إدريسي ومحمد زرنين في دراستهما أن «موضوع قيم حقوق الإنسان لم يعد واردًا في لائحة كفايات البرامج والكتب المدرسية لمادة التربية الإسلامية، حتى وإن كانت هناك وحدة خاصة للتربية الحقوقية في برنامج المادة بالسلك الثانوي التأهيلي، لأن وجودها مضلل، إذ يحيل بالدرجة الأولى إلى الواجبات إزاء الله والآباء والأقارب والجيران»[12]، ويضيف الباحثان أن «الاستثناء الوحيد في برامج مادة التربية الإسلامية، هو كتاب السنة الرابعة للتعليم الابتدائي، حيث يجري الاستناد على نحو صريح وسريع إلى اتفاقية حقوق الطفل لمناسبة تمرين بيداغوجي يخص الأطفال في وضعية إعاقة»[13].

تأسيسًا على ما سبق نخلص إلى أن حضور منظومة حقوق الإنسان بوجه عام أو انطلاقًا من بعض مفاهيمها وقضاياها في مضامين الكتب المدرسية، يتأرجح حسب المسالك والمواد الدراسية بين الحضور القوي والضعيف وأحيانًا الغياب الكلي، كما أن طبيعة هذا الحضور تتوزع بين الوجود الصريح والمضمر؛ وبتعبير آخر، إن المنظور الحقوقي في متن البرامج الدراسية غالبًا يتم الالتفاف عليه بالمنظور الإسلامي للحقوق، وذلك بالاعتماد على استراتيجيات سبقت الإشارة إليها آنفًا.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

محمد الدحاني: باحث بمختبر الإنسان والمجتمع والقيم، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية،

جامعة ابن طفيل، القنيطرة – المغرب.

[1]   حسن رشيق، أولويات البحث السوسيولوجي في العالم العربي: تحليل، مواقف ومقترحات (الدوحة: جامعة قطر، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 2022)، ص 8.

[2]   للاطلاع على مضمون هذه الاتفاقية، انظر: محور خاص بـ «التربية على المواطنة وحقوق الإنسان،» مجلة عالم التربية، العدد 15 (حزيران/يونيو 2004)، ص 427-430.

[3]   المملكة المغربية، المغرب الممكن: إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك (تقرير الخمسينية، الصيغة الرقمية، 2006)، ص 108.

[4]  تكمن قيمة هذه المنهجية ليس فقط في كونها تُمكّن الباحث من مدى انتشار القضية أو الإشكالية التي يشتغل عليها، وإنما تمكنه أيضًا من القبض على مجمل عناصرها؛ أي أن قيمتها تتجلى في الإلمام بقضية البحث على مستوى العمق والانتشار. وللمزيد من التفاصيل حول هذه المنهجية، انظر على سبيل المثال: David Gough, Sandy Oliver and James Thomas, An Introduction to Systematic Reviews (London: Sage Publications Ltd., 2012), p. 180.

[5]   حاولت مجمل الدراسات استجلاء طبيعة قيم منظومة حقوق الإنسان إما في مختلف المسالك، أو في سلك واحد، أو في مادة دراسية بسلك معين، أو في درس مستقل لمادة دراسية ما، وهنا عيّنة من هذه الدراسات: محمد الشهب، المدرسة وإشكالية تحديث المجتمع المغربي: دراسة في الخطاب القيمي المدرسي (الرباط: منشورات فكر، 2019)، والسعدية بن محمود، دور الكتب المدرسية في نشر مبادئ ثقافة حقوق الإنسان: كتب مادة الاجتماعية نموذجًا (الرباط: مطابع رباط نت، 2018).

[6]   Genre et développement: Aspects sociodémographiques et culturels de la différenciation sexuelle (Rabat: Haut-commissariat au plan 2011(, p. 69.

[7]   فوزي بوخريص وعبد الله هرهار، التربية البيئية بالمغرب وإشكالية بناء المواطن الإيكولوجي: بين العقد الاجتماعي والعقد الطبيعي (الرباط: مطابع الرباط- نت، 2021)، ص 64-77.

[8]   المصدر نفسه، ص 117.

[9]   عبد الصمد الديالمي، نحو إصلاح جنسي في المجتمعات الإسلامية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2021)، ص 276.

[10]   الشهب، المدرسة وإشكالية تحديث المجتمع المغربي: دراسة في الخطاب القيمي المدرسي، ص 199-200.

[11]   المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، تقرير «حول أعمال حقوق الإنسان في الكتاب المدرسي» (2004)، ص 52-53.

[12]   مصطفى حسني إدريسي ومحمد زرنين، «مقاربة تاريخية للتربية على قيم حقوق الإنسان بالمغرب،» مجلة أسطورة، العدد 19 (تموز/يوليو 2023)، ص 90.

[13]   المصدر نفسه، ص 90.


محمد الدحاني

باحث في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل – القنيطرة - المغرب.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز