المؤلف: عبد الرزاق الحنوشي

مراجعة: أيوب اللواق

الناشر: الرباط: مطبعة دار المناهل

سنة النشر: 2024

عدد الصفحات: 285

لا مُشاحة اليوم في أنّ منظومة حقوق الإنسان في علاقتها بالمؤسسة التشريعية أخذت بعدًا جديدًا من حيث البحث والدراسة في ظل الصعوبات التي تواجه دارسيها بالأخص على مستوى مقاربتها واقعيًا، فرغم كثرة مراجع هذه المنظومة وتنوعها، فهي لا تشفع لهم بالتعامل معها في إطار قراءة العلاقة بينها وبين مؤسسة البرلمان من حيث الممارسة؛ ذلك أن أغلبية الأبحاث والكتابات اتجهت صوب قراءة كل جانب من هذه المعادلة على حدة، في غياب شبه تام لقاعدة أن البرلمان يمثل المدافع الأول عن حقوق الإنسان بكل تفرعاتها وتقاطعاتها، وأن كل جانب من حقوق الإنسان يجب أن يجد مكانه داخل النقاش البرلماني، إضافة إلى أن المغرب عاش موجة دستورية جديدة تمثلت بإصدار دستور 2011، الذي وضع هامشًا واسعًا من الحقوق والحريات الأساسية في ظل ثنائية الانفتاح السياسي والحداثة الفكرية.

ولعل اليوم، وبعد عقد من الزمن على إقرار الدستور الجديد، وتوسيع صلاحيات البرلمان، يُطرح سؤال الفاعلية من حيث التنزيل والممارسة الفعلية لكل صلاحياته كسلطة قادرة على التشريع والتصويت على البرامج والاستراتيجيات التنموية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، التي تجد أثرها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئة إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية، وبالتالي سؤال الحصيلة في قضايا حقوق الإنسان.

يُعدّ كتاب البرلمان وحقوق الإنسان: مرجعيات وممارسات لمؤلفه عبد الرزاق الحنوشي العمل الأبرز في نوعه في المغرب الذي أخذ هذا الأسلوب من حيث الكتابة ومناقشة الموضوع في إطار كتاب، إذ إن جل الأبحاث ذات الصلة، تأخذ صيغة مقالات أكاديمية أو مدخلات علمية أو قصاصات صحافية.

اختار المؤلف مرحلة من أهم المراحل التي عرفها التاريخ الحقوقي المغربي الحديث تعقيدًا، من حيث تداخل الأحداث وكثرتها وتراكم المرجعيات الدولية في حقوق الإنسان وارتفاع مقدار التزامات الدول وتنوع الآليات الأممية لحقوق الإنسان التي عرفت تطورًا كميًا ونوعيًا بلغ ذروته خلال السنوات العشرين الماضية نتيجة الاتفاقات الدولية الرئيسية المعروفة بهيئات المعاهدات[2]. كما اختار مقاربة منظومة حقوق الإنسان في علاقتها بالمؤسسة التشريعية استنادًا إلى الكم المعرفي والأكاديمي وكذا التجربة الميدانية في مجال حقوق الإنسان بوصفه فاعلًا جمعويًا من جهة، وإطارًا في مجلس النواب، ثم مدير ديوان رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المدة 2011 – 2018 من جهة أخرى، وهذا ما جعل هذا المؤلّف يُثير كثيرًا من التساؤلات، ويعكس الكثير من التراكمات، فيصنع منه مؤلَّفًا نوعيًا في حقل الدراسات البرلمانية والسياسية والحقوقية.

أولًا: بنية الكتاب وشكله والموجهات الناظمة لتأليفه

قسم الكاتب كتابه (285 صفحة بالقطع الوسط) إلى عشرة عناصر مركزية، تتفرع كل واحدة منها إلى عناصر ثانوية. وقد عمد إلى تقديم الأمور الأساسية لصوغ هذا الموضوع ومناقشته، إذ يؤكد الأسباب الذاتية المرتبطة بمساره المهني داخل أسوار المؤسسات العمومية ونشاطه الجمعوي، إضافة إلى قناعاته الشخصية بأهمية مؤسسة البرلمان ومنظومة حقوق الإنسان وراهنيتهما، ويوضح، من ناحية أخرى، الأسباب الموضوعية المتمثلة بشح الإصدارات المرتبطة بممارسات المؤسسة التشريعية وعلاقتها بالقضايا الحقوقية، في سياق يتسم بضعف الأداء البرلماني ضمن مربع الممارسة الاتفاقية وإرساء أسس ملاءمة الأطر القانونية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها من جانب المغرب، نتيجة غياب الروافد المعيارية والعلمية والعملية وضعف مشاركتها بين العاملين في مجال حقوق الإنسان وبين منتخبي البرلمان وأطره.

ثانيًا: المنهج المعتمد والحقيبة المصدرية

يستطيع القارئ رصد المنهج الذي توخاه الكاتب ليكشف عن الاستراتيجية التي تم اعتمادها في التأليف، والتي تأسست على ثلاثة مرتكزات، هي:

بسط الأطر المرجعية الدولية لمنظومة حقوق الإنسان وعلاقتها بالبرلمان.

حصيلة الحماية البرلمانية لحقوق الإنسان بين التضمين الدستوري والتمكين الواقعي.

المقاربة الإحصائية وتكريس البحث العَملي.

مثلت هذه المرتكزات خيطًا ناظمًا للكتاب، إذ يتجاوز الكاتب الأسلوب المعتمد على تجميع المعلومات وعرضها، ليصل إلى مستوى نقاش المؤشرات المطروحة ومحاولة إغنائها بالجوانب التاريخية والعلمية وسياق تنزيلها، ومن ثم يضع مادة غنية من حيث دقة المعلومة ومحورية النقاش، الأمر الذي يجعله متاحًا لجميع الباحثين سواء أولئك الذين بدأوا حديثًا في مجال حقوق الإنسان لأجل الفهم العام لمنظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان ومرجعياته، أو من لدن الخبراء والنشطاء الحقوقيين الذي يمثل بالنسبة إليهم نطاقًا جديدًا للتساؤل والبحث والنقاش في المادة الحقوقية وعلاقتها بالسلطة التشريعية كمؤسسة تحظى بوضع متميز في الدول الديمقراطية، نظرًا إلى كونه يمثل صلب الممارسة الديمقراطية وجوهرها، وإحدى الضمانات الأساسية لحماية الحقوق والحريات ولبناء دولة القانون[3] وفق العرف والنص الدستوري، وقراءة عملها وممارساتها، استنادًا إلى معطيات وأرقام وإحصاءات ومؤشرات كمية، تكرس أهمية المقاربة الميدانية في البحث العلمي.

بخصوص المراجع والمصادر، تحيلنا القراءة المتأنية إلى أن صاحب العمل جمع وأحاط، في صوغ المتن، بقائمة من المصادر والمراجع والوثائق المتنوعة، بين آلية الممارسة العملية داخل أروقة البرلمان ودواوين الوزراء والمسؤولين والفاعلين المركزيين في حقوق الإنسان في المغرب، فضلًا عن الحياة الجمعوية التي أثرت في الكاتب من حيث التجارب المدنية الحقوقية ومشاركته فيها كفاعل وطرف قصد تعميق النظر في الظاهرة الحقوقية بمختلف تجلياتها. وفي ما يتعلق بآلية المصدر المكتوب، استحضر الباحث الكثير من المنشورات ذات الصبغة البرلمانية واعتمد على دلائل خاصة بهيئات حقوق الإنسان الدولية إضافة إلى تطرقه إلى قراءات تهم ما بعد سنة 2011.

ثالثًا: المنطلقات الاتفاقية
لعلاقة البرلمان
بحقوق الإنسان

نبّه المؤلّف إلى أن النقاش المبدئي لمشاركة البرلمانات في بلورة البنية الدولية لحقوق الإنسان كان إبان إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، ليتابع تعليقه حول إمكان تمكين البرلمانات من دورها ظلت منعدمة أو شكلية إلى وقت قريب، ومن جهة أخرى يسلط الضوء على جانبين مهمَّين داخل التقرير المعَدّ من طرف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بتعاون مع الاتحاد البرلماني الدولي سنة 2018، الأول يتعلق بالاعتراف بكون البرلمانات فاعلًا أساسيًا في منظومة حقوق الإنسان، والثاني مرتبط بإنشاء اللجان البرلمانية الدائمة والمتخصصة في مجال حقوق الإنسان، وتشجيع المشاركة المكثفة للبرلمانيين في عمل الآليات الدولية لحقوق الإنسان[4]، قصد الإحاطة الكاملة بالوظيفة الكاملة للبرلمان في الجانب الرقابي الذي يحظى بأهمية خاصة في مجال حقوق الإنسان، وذلك عملًا بالفصل 101 من دستور 2011 [5]، الذي يعد آلية فعّالة تساعد على استيعاب وفهم طرائق تنفيذ الحكومة لمخططاتها ولسياساتها العمومية، بما في ذلك السياسات المتعلقة بحقوق الإنسان، على أساس أن هذا التقييم يسعى إلى تقديم رؤى جديدة حول جودة صناعة السياسات العمومية، والتقدم المحرز في تنفيذها وآثارها النهائية على الحريات والحقوق الأساسية[6].

وفي سياق ضرورة تأسيس اللجنة المعنية بحقوق الإنسان داخل البرلمانات، يظهر أن الكاتب يولي أهمية كبيرة لهذا المعطى، حيث إنه لم يدفع القارئ إلى البحث عنها في خانة الإحالات أو الهوامش، وفضَّل التفصيل في كل مسؤولياتها ومهماتها وأدوارها وطريقة تشكيلها خلال متن الكتاب. لينتقل إلى بعد آخر في مناقشة المبادئ الفعلية والمؤسسة لعلاقة البرلمانات والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، نظرًا إلى كون هذه الأخيرة تمثل الجسر الرابط بين المعايير الدولية والتنزيل داخل الدولة المعنية، على أساس أنها مصممة من حيث المبدأ على ضمان امتثال الدولة لالتزاماتها القانونية الدولية في مجال حقوق الإنسان[7]، وذلك عملًا بمبادئ بلغراد، موضحًا السياق الذي سبق صدورها وأهم الالتزامات ذات الطابع المشترك بين مؤسسة البرلمان والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ليصل إلى وضعها في السياق المغربي ومدى التزام المجلس الوطني لحقوق الإنسان بإعمال مبادئ بلغراد، وخصوصًا من حيث اللقاءات التشاورية وتبادل التقارير والمذكرات وآراء المجلس الاستشارية، استحضارًا لأسس المعيارية الدولية التي ولجت لتقديم مجالات جديدة، فهي التي تمثل جوهر البناءات المعيارية لآرائه الاستشارية[8] ومضمونًا للمرافعة حول احترام الحقوق والحريات.

رابعًا: الممارسة البرلمانية في حماية حقوق الإنسان: تفاعل السياسي والمؤسسي

يجادل الكاتب في بداية مناقشة حصيلة الأداء البرلماني في التعاطي مع حقوق الإنسان، حول «الرؤية القطاعية في التعامل مع حقوق الإنسان» من جانب البرلمان بمجلسيه بصورة متفاوتة، حيث وضع مجلس النواب «حقوق الإنسان» كمجال تابع للجنة العدل والتشريع وكأنها سياسة عمومية موكلة إلى هذه اللجنة بصورة حصرية وكاملة، أما لجهة مجلس المستشارين فقد اعتمد التوجه نفسه، مع تدارك الأمر داخل نظامه الداخلي عبر تكريس المادة 90 [9] المعنونة بـ«مقاربة حقوق الإنسان»، على الرغم من أن الدستور كرّس الصلاحيات الجديدة للبرلمان ووسع من محيط ممارساته التشريعية، لكن واقع الممارسة يبرز الكثير من الحدود التي تحد من مكانة المؤسسة البرلمانية ووظائفها في إبراز الروح الدستورية إزاء التفعيل التشريعي، وخصوصًا مع استحضار بعض القوانين التنظيمية أو العادية، مثل القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، والقانون التنظيمي للعرائض[10].

يشير الكاتب، في سياق الحصيلة نفسها، إلى إشكالية التضخم المصاحب للمبادرة التشريعية من حيث الاتفاقيات ذات الصلة بحقوق الإنسان، التي لم تعرف طريقها إلى النفاذ إلا 5 اتفاقيات، ومن ثم يطرح السؤال التقليدي، هل طبيعة الصياغة الاتفاقية تقف حاجزًا في وجه البرلمان من أجل ولوج دائرة الحقل الاتفاقي الدولي؟

وبالحديث عن التضخم ولغة الأرقام، تبرز إحدى أهم السمات التي طبعت الكتاب، المتمثلة بالمعطيات الإحصائية لكل مقترحات القوانين ومشاريع القوانين التي مرت على البرلمان سواء من حيث المناقشة أو من حيث المناقشة والمصادقة معًا، بما يجعله وثيقة مصدرية للمعلومة في نظر جميع الباحثين والمهتمين بمجال حقوق الإنسان.

خامسًا: مفترق الطرق:
التحديات بين النص والواقع

يضعنا الكاتب أمام نقطة مهمة، إذ يقدم إلينا ضمنًا كيف للأسئلة البرلمانية أن تأخد طابعها الحقيقي المنصوص عليه دستورًا والمتعارف عليه دوليًا، ويصف لنا كيف تتعدد روافد (جمعيات، إعلام، منصات التواصل الاجتماعي…) السؤال وتعزز قيمته إذا ما تم الأخذ فيها بالشكل المطلوب، وبالتالي يكون للبرلمانيين آلية غير مباشرة تساعد على تقييم العمل الحكومي ومراقبته ومساءلته في جميع المراحل، إضافة إلى القدرة على تأليف لجان تقصي الحقائق، وهو أمر يدفعنا إلى السؤال حول مخرجات هذه اللجان ومآلاتها، وهل إذا ثبت الاختلال أو التخاذل من طرف الحكومة، يعمد البرلمان (مجلس النواب) إلى تقديم ملتمس الرقابة وسحب الثقة من الحكومة وإسقاطها؟

على جانب آخر، يسلط الباحث الضوء على إشكالية تفعيل الفصل 160 من الدستور، ويطرح معضلة عدم التزام هيئات الحكامة بمقتضياته، وخصوصًا أنه جاء في صيغة واضحة، ويعزز طرحه استنادًا إلى قرارات المحكمة الدستورية، ويختم هذا الجانب بكون الولاية العاشرة كانت «ولاية بيضاء» بخصوص تفاعل البرلمان مع تقارير المؤسسات الدستورية، وبخاصة أننا نعيش العشرية الثانية لهيئات الحكامة، وهو ما يتطلب وقفة تأمل، لتقييم البناء القانوني والمؤسسي لتلك الهيئات والمؤسسات، وفحص دقيق من جهة محايدة لنجاعة تدخلاتها، وإيجاد علاقة مؤسسية مع البرلمان تسمح بإقامة حوار وتشاور دائم وفعّال للطرفين[11].

أما لجهة الشق المرتبط بالخطة الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي أخذت منحى مختلفًا عما كان مخططًا له وفق توصيات إعلان فيينا، فقد كان للتجاذبات السياسية أثر كبير في عدم تقدمها ونشرها، نتيجة التحفظات التي قدمتها حكومة عبد الإله بنكيران، وهنا يطرح الكاتب إشكالًا ذا طابع استراتيجي حول ما إذا كانت هذه الخطة ستتحول من خطة ببعد وطني إلى خطة تأخذ بالبعد الحكومي أو القطاعي؟

سادسًا: خلاصات أساسية
في سياق التغيير ضمن الاستمرارية

في نهاية المحاور، يضع الكاتب جملة من التوصيات التي تمثل حصيلة من الخبرة العلمية والعملية في مجال حقوق الإنسان سواء على المستوى المؤسسي أو الجمعوي، إذ بعد دراسة كيفية للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان وتقديم الإطار المرجعي للعلاقة بين البرلمانات وحقوق الإنسان على الصعيدين الدولي والإقليمي، وتحليل أداء البرلمان المغربي، وتسليط الضوء على القضايا التي تحتاج إلى التفاتة خاصة؛ يؤكد ضرورة تجويد النظام الداخلي للبرلمان بما يشمل مراجعة شكل مقتضياته ومضمونها، وتشجيع التعاون المؤسسي مع هيئات أخرى كالوسيط ومجلس الجالية المغربية في الخارج. كما شدد على أهمية إحداث لجنة خاصة بحقوق الإنسان مستندًا في ذلك إلى معايير الأمم المتحدة وتعاون الاتحاد البرلماني الدولي.

ركز الكاتب على أهمية تعزيز مشاركة البرلمان في المحافل الدولية وتسليط الضوء على «مبادئ بلغراد». كما لم تفته الإشارة إلى مواصلة تعزيز العلاقات مع منظمات المجتمع المدني في مجالات حقوق الإنسان ووضع إطار قانوني شفاف للاستشارات. مع توفير تكوين مستمر ومستدام للبرلمانيين في مجال حقوق الإنسان والاستجابة للتحديات الحقوقية الناشئة، مثل التأثيرات الإنسانية للتقنيات الرقمية.

اختتم الكاتب توصياته بالإشارة إلى الدبلوماسية البرلمانية التي أخذت مكانًا أساسيًا في الجهود الدولية، حيث يؤكد ضرورة رفع مستوى الاهتمام بها وتكريس دورها الموازي في تنفيذ التصور الحكومي الذي يعمل وفق توجيهات رئيس الدولة بحسبان السياسة الخارجية مجالًا محفوظًا للملك، ومن جهة أخرى تسويقًا للتجربة السياسة المغربية في ممارسة الديمقراطية، حيث لا يوجد ضرر في التعبير عن مواقف المعارضة أو الأغلبية البرلمانية في إطار عدم المساس بثوابت السياسة الخارجية كما يراها رئيس الدولة[12] وينفذها وزير الخارجية الذي يخضع للرقابة البرلمانية على العمل الدبلوماسي عبر لجان الخارجية[13] أو جلسات المسألة الأسبوعية، إضافة إلى رفع جودة أداء الفرق البرلمانية في مجال حقوق الإنسان والاستناد إلى المرجعيات الوطنية والدولية في إطار التساؤلات والمناقشات المتنوعة حول حقوق الإنسان.

ترتيبًا على ما تقدم، يبدو جليّا أن كتاب عبد الرزاق الحنوشي يكتسي أهميةً خاصةً؛ ذلك أنه خاض في محددات حقوق الإنسان في شموليتها، وقارب تقاطباتها مع مؤسسة البرلمان، وتطرق إلى قضايا دقيقة وحسّاسة ومفصلية في الممارسة الحقوقية في المغرب من قبيل تفاعله مع الآليات الأممية لحماية حقوق الإنسان كآلية الاستعراض الدوري الشامل، وكذلك عملية انخراط البرلمان في التكتلات والتحالفات البرلمانية، علاوة على مسار القوانين التي كان لها أثر مهم في حقوق الإنسان منذ دستور 2011. من هنا يُعدّ هذا الكِتاب إضافة نوعية إلى المكتبة المغربية والعربية، تفتح أفقًا جديدًا في البحث العلمي المرتبط بالعمل البرلماني بوجه عام وعلاقته بحقوق الإنسان بوجه خاص. وحبذا لو تكون الطبعة الثانية، أكثر انفتاحًا وتفسيرًا لواقع ومستجدات التحول الحاصل وطنيًا ودوليًا في ظل السياقات الجارية وتحدياتها.

وضمن هذا الأفق البحثي، يبدو أن طرح الإشكالات المرتبطة بمناقشة التقارير الصادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لوحده ليس كافيًا، بل يجب أيضًا تمديد النظر في إشكالية «وقف تنفيذ» صلاحية تقديم ومناقشة تقارير هيئات الحكامة المنصوص عليها من الفصل 161 إلى 170 [14]، التي نجدها تقف فقط عند مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وكأن المؤسسات الأخرى ليست معنية بتطبيق هذا المقتضى الدستوري، ومن ثم محاولة طرح قراءة جديدة للدستور ومراجعة القوانين الداخلية المؤطرة لعمل مجلسَي البرلمان وتوضيح مقتضياتها ومضامينها وربطها بدور البرلمان في مجال حقوق الإنسان وإعمال المعايير الدولية لتكريس مقاربة حقوقية فعّالة على مستوى أشغاله وممارساته، ومتابعة العمل البحثي في سياق تقييم العمل البرلماني من منظور حقوق الإنسان، والتركيز على دراسة السياسات العمومية الحقوقية بما يتناسب مع المكانة التي يتعين أن يشغلها المواطن داخل الدولة الاجتماعية.

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

[1]أيوب اللواق:باحث في حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، جامعة محمد الخامس بالرباط – المغرب.

[2]   المحجوب الهيبة، «إدارة حقوق الإنسان: نحو مرجعية دولية للتنسيق المؤسساتي الوطني،» ورقة قدمت إلى: مؤسسات الحكامة وإدارة حقوق الإنسان: أعمال الندوة العلمية المنظمة يوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 (الرباط: مركز دراسات حقوق الإنسان والديموقراطية، 2023)، ص 12.

[3]   أحمد مفيد «الممارسة البرلمانية بالمغرب وإشكالية الفعالية،» المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد 13 (2014)، ص 13.

[4]   Kirsten Roberts Lyer, «Parliaments as Human Rights Actors: The Potential for International Principles on Parliamentary Human Rights Committees,» Nordic Journal of Human Rights, vol. 37, no. 3 (2019), p. 204.

[5]   الدستور الجديد للمملكة المغربية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف الرقم 1.11.91، بتاريخ 29 تموز/يوليو 2011 الموافق لـ 27 شعبان 1432، الجريدة الرسمية، العدد 5964 مكرر، الصادرة بتاريخ 30 تموز/يوليو 2011 الموافق لـ 28 شعبان 1432، ص 3600.

ينص الفصل 101 من الدستور على أن يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، إما بمبادرة منه، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين.

[6]   الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، دليل عملي حول دور البرلمان في عمل توصيات هيئات المعاهدات (الرباط: الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، 2023)، ص 97.

[7]   Sonia Cardenas, «National Human Rights Institutions and State Compliance,» in: Ryan Goodman and Thomas Pegram, eds., Human Rights, State Compliance, and Social Change: Assessing National Human Rights Institutions (New York: Cambridge University Press, 2012), p. 29.

[8]   محمد أتركين، مباحث في فقه الدستور المغربي، (سلا: دار النشر المعاصرة، 2020)، ص 183.

[9]   وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة تحتوي على خطأ لطالما كان في متن الكثير من الأبحاث، حيث إن المادة تقول «… تتبع الملاحظات والتوصيات الختامية الصادرة عن هيئات المعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وكذا التزامات المملكة المغربية في إطار الاستعراض الدولي الشامل لحقوق الإنسان، وتتبع تنفيذ هذه الالتزامات …» والأصح أن الأمر يتعلق بالاستعراض الدوري الشامل.

[10]   أحمد بوز، «عشر سنوات من الممارسة البرلمانية في ظل دستور 2011: أية حصيلة؟،» مجلة دراسات حقوق الإنسان والديموقراطية، العدد 2 (أيلول/سبتمبر 2021)، ص 23.

[11]   إدريس بلماحي، «هيئات الحكامة الجيدة: تساؤلات أولية حول القيمة المضافة لهيئات الحكامة وحقوق الإنسان،» مجلة دراسات حقوق الإنسان والديموقراطية، العدد 2 (أيلول/سبتمبر 2021)، ص 49.

[12]   عبد اللطيف وهبي [وآخرون]، من وحي البرلمان: نواب برلمانيون في قلب النقاش الدستوري لما بعد 2011 (بيروت: شركة المؤسسة الحديثة للكتاب، 2015)، ص 408-409.

[13]   Karim Zaouaq, L’essentiel de la diplomatie parlementaire (Paris: Maison d’édition Spinelle, 2021), p. 38.

[14]   يبلغ عدد هيئات الحكامة 10 هيئات، تتمثل بـ: المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الوسيط، مجلس الجالية المغربية بالخارج الفصل، الهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز، الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الفصل، مجلس المنافسة الفصل، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، مجلس أعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الفصل، المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة الفصل، المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي (لم يتم تفعيله رغم مرور أكثر من 12 سنة على دسترته).

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز