المؤلف: يو. ف. ياكوفيتش
ترجمة: مالك صقور وشاهر أحمد نصر
مراجعة: علا شفيق شعبان
الناشر: دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب (المشروع الوطني للترجمة، العلوم الإنسانية؛ 39)
سنة النشر: 2022
عدد الصفحات: 576
– 1 – يقدم إلينا الكاتب الروسي يو. ف. ياكوفيتش، في كتاب يجمع بين كلٍ من التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع، أنموذجًا جديدًا لعالم الحضارات؛ فالأزمة الحضارية التي بدأت منذ نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين ستؤدي إلى تغييرات جيوسياسية تؤدي بدورها إلى إعادة هيكلة الهرم الجيوسياسي للعالم.
يقدم المؤلف رؤية استشرافية بناءً على قراءة تاريخية جينية لنشوء الحضارات وتعاقبها، وتأرجح البندول التاريخي لدوراتها بين الغرب والشرق. وهو يبني توقعات جذابة للمرحلة المقبلة من تاريخ الحضارات، يفترض أن تتبلور في الربع الأول من القرن الحالي الحادي والعشرين، وتتوطد في الربع الثاني حتى عام 2050، وتسود في الربع الثالث منه مستمرةً على مدى القرن الثاني والعشرين.
هذه التحولات التي يعمَر بها الكتاب، بعضها قد نتفق معه انطلاقًا من وقائع نعايشها اليوم، وبعضها قد نختلف معه، وبعضها قد يكون موضع نقاش ورهانات المستقبل التي تقفز في بعض الأحيان فوق منطق التاريخ ونظريات السياسة المتعارف عليها.
يعتمد المؤلف في كتابه على مخرجات المدرسة الروسية للحضارة ومؤلفات الكاتب الروسي الأمريكي بيتريم سوروكين إضافةً إلى الكاتب أرنولد توينبي، وهو عمومًا يبشر بالانتقال من الحضارة الصناعية إلى الحضارة التكاملية.
– 2 – يتوزع الكتاب على عدة فصول سنأتي على أهمها:
يتناول الكتاب في فصوله الأولى نشوء الحضارات التي تعود إلى نحو عشرة آلاف عام، والتي نشأت كنتيجة لتطور وتعقيد أنشطة دماغ الإنسان ونظم تفكيره، حيث أسس بتفاعله مع البيئة الطبيعية والاجتماعية للنمط الجيني للحضارات، «النمط الجيني الاجتماعي»، وهو يتغير عبر أجيال الحضارات المتعاقبة. ويضيف الكاتب أن بعض النزعات والاتجاهات التي ظهرت في القرن الحادي والعشرين تهدِّد تطور الإنسان العاقل والنمط الجيني لتطور الحضارات، وهي تتجلى بمخاوف وتهديدات اندثار الحضارات الإقليمية، أو فقدان الخصوصيات الحضارية والثقافية، وضياع التراث، وغيرها من التهديدات، التي ظهرت كنتيجة للوجه الآخر من التحول الرقمي في الاقتصاد والإعلام ومجمل جوانب الحياة، بما فيها تهديد التنوع الحضاري البيولوجي في الطبيعة. كما يقدم للفرضية المحورية التي يكررها عدة مرات في متن الكتاب، وفق «النظرية التكاملية للحضارات»، وفحواها أننا نعيش أزمة حضارية بدأت منذ نهايات القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين. وهي نتجت بسبب «أفول حضارة السوق الرأسمالية الصناعية العالمية، وتشكل حضارة نووسفيرية تكاملية».
يولي الكتاب أهمية خاصة للأسرة ودورها في «التركيب الجيني للحضارات» أو التراث الاجتماعي المتراكم إلى الأجيال اللاحقة. كما يتحدث عن صراع الحضارات الانتحاري نتيجة توظيف الإنسان طاقاته العقلية وتطور دماغه في إنتاج وسائل تدميره وفنائه، وهو يتميز عن أي نوع آخر في الطبيعة بهذه النزعة التدميرية.
– 3 – جاء الفصل الثالث بعنوان التصنيف الجديد لمراحل التاريخ ومستقبل الحضارة الرأسمالية والاشتراكية:
يتنبأ المؤلف بسيادة جديدة للعلم (زمن الاختراق العلمي) وبحسب قراءته أن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين هو زمن الثورة العلمية، وانفجار الإبداع العلمي مع تزايد أهمية العلوم الاجتماعية والبيئية. يقدم ياكوفيتش تصنيفًا أو تحقيبًا للحضارات تحت عنوان «العصور التاريخية لديناميات الحضارة» حيث تشمل العصور التاريخية أربع دورات تاريخية سوبر (عظمى) وثماني حضارات عالمية وأربعة أجيال من الحضارات الإقليمية.
ويتوقع الكتاب – تأسيسًا على أفكار المدرسة الروسية للحضارة – أن الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين سيشهد ظهور ثورة حضارية جديدة وهي تبدأ بعد الأزمة الاقتصادية العالمية 2020 بسبب كورونا.
أما في الربع الثالث من القرن الحادي والعشرين فتسود «حضارة إنسانية تكاملية في العالم مع نظام عالمي متعدد الأقطاب مستقر يقوم على الشراكة بين الحضارات والقوى العظمى تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة».
وفي دراسته آفاق التطور الحضاري يولي المؤلف أهمية لتطور حضارة الفضاء طبًا وتكنولوجيا وطاقة بيئية كسمات تميز القرنين الحادي والعشرين والثاني والعشرين.
يتناول الكتاب في هذا الفصل أيضًا مصير الرأسمالية في عصر تكامل الحضارات، وينبئ بغروبها في الربع الأخير من القرن العشرين. كما يستعرض تطورها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى أن بدأ إحياء الاقتصاد السياسي للحضارات عام 2015، وفق أسس المدرسة الروسية للحضارة وكتاب الاقتصاد السياسي للحضارات الذي نُشر عام 2016، ويقدم تفسيرًا جديدًا لمراحل الرأسمالية الخمس وحتمية استبدالها باشتراكية السوق. ويتابع توقعاته لمستقبل النظام الرأسمالي قائلًا:
«بالرغم من تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية بسبب كورونا 2020، لكن الرأسمالية لن تختفي نهائيًا في السنوات القريبة القادمة وإنما ستبقى تصارع كآثار نظام اقتصادي متهالك وآخر معاقلها هي أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان»، ويضيف أن هذه البلدان «ستطور عمليات التحويل إلى اشتراكية السوق التي ستسود في منتصف القرن الحادي والعشرين بوصفها النظام الاجتماعي - الاقتصادي الذي سيسود في عصر الحضارة النووسفيرية الإنسانية التكاملية. وتختفي الرأسمالية نهائيًا».
ويرصد الكتاب، عبورًا إلى مناقشة فرضيته في سيادة اشتراكية السوق في العالم، مسيرة الاشتراكية منذ بذورها الأولى في مؤلفات توماس مور 1615، الذي تحدث عن نظام خالٍ من الملكية الخاصة والتبادل السلعي النقدي.
ثم يقدم بانوراما تمتد على نحو خمسمئة عام من نشوء الاشتراكية وصعودها، من الاشتراكية الطوباوية الفرنسية إلى الاشتراكية العلمية ودكتاتورية البروليتاريا ثم اشتراكية النيب، وصولًا إلى اشتراكية الدولة في روسيا. بعدها ينتقل إلى الصين التي أسست نمط اشتراكية السوق وتبنت فيها إلى حد كبير مبادئ اشتراكية NEP (السياسة الاقتصادية الجديدة) التي وضعها ف. إ. لينين (بحسب المؤلف).
يستفيض الكاتب في شرح سمات وخصائص اشتراكية السوق ويعدّها العمود الفقري لبناء الاشتراكية وتأمين وجود الدولة الاجتماعية. ويفند أيضًا انحرافاتها وتناقضاتها ويعود ليتوقع أن نمط اشتراكية السوق سينتشر أكثر فأكثر في أواسط القرن الحادي والعشرين وسيكون أساس بناء الاشتراكية التكاملية.
– 4 – يقسم ياكوفيتش العالم في الفصل الرابع «الهرم الجيوسياسي- العمارة – التطور ووجهات النظر»، وفق هرم جيوسياسي يحتل الطابق الأول فيه (يلي القمة)، الدول ذات السيادة وهي نحو مئتي دولة معترف بها وغير معترف بها. تمتاز علاقاتها بمزيج من المواجهة والنزاعات العسكرية والحوار والتحالفات.
يضم الطابق الثاني، وهو عالم الحضارات الإقليمية، 12 حضارة من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتتسم علاقات هذه الدول بالتنوع والتناقض في الوقت نفسه.
أما الطابق الثالث فهو القوى المعارضة للمركز ويضم قادة الحضارات الصاعدة والحضارات المنحدرة والدول العظمى و«دول العالم الثالث» الذي يمثل الأغلبية العظمى من سكان الأرض.
أما قمة الهرم وفق رؤية الكاتب، فتضم المنظمات الدولية (منظمة الأمم المتحدة) التي تنظم العلاقات وتفاعلها بين الدول. ويوجد تفاعل مستمر وعلاقات بين مكونات الهرم الجيوسياسي المستقلة سواء أفقيًا أو عموديًا.
يرى ياكوفيتش أن هذه العلاقات تنظمها وتضبطها قواعد القانون الدولي كما تجري إعادة هيكلة لمكونات النظام دوريًا.
يوضح الكاتب أن الهرم الجيوسياسي بدأ بالتكون منذ نحو خمسمئة عام، وفق عدة مراحل تغيرت خلالها بنية الهرم، لكن التغير الكبير كان في العصر الحديث بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والنظام الاشتراكي العالمي. وبدأت الولايات المتحدة تطالب وتخطط للهيمنة على العالم والاعتراف بنظام عالمي أحادي القطب ونشر العولمة وأفكار وقيم حلف الناتو في جميع أنحاء الكرة الأرضية. لكن «تبين أن هذه المحاولة كانت وهمية».
ففي بداية القرن العشرين بدأت ملامح مرحلة جديدة في تغيير بنية الهرم الجيوسياسي، في ظل وجود ثلاثة مراكز للقوة: صاعدة بقيادة الصين والمنحدرة (الهابطة) بقيادة الولايات المتحدة والدول التي تضم أغلبية سكان العالم بقيادة روسيا والهند.
يوضح الكاتب أن ديناميات تطور الحضارات تكشف عن «انتظام التذبذبات الدورية للبندول التاريخي»، بمعنى انتقال مراكز التقدم الحضاري من الغرب إلى الشرق وعلى العكس. والملاحظ منذ نهاية القرن العشرين تحقق تنبؤات بيتريم سوروكين وأرنولد توينبي من انتقال مركز نشاط الحضارات الإبداعي من الغرب إلى الشرق.
يتابع المؤلف تنبؤاته بإعادة هيكلة الهرم الجيوسياسي في جميع طوابقه التي بدأت منذ نهاية القرن العشرين، بحيث ستتواصل المرحلة الانتقالية لدورات العصور التاريخية الطويلة المدى حتى منتصف القرن الحادي والعشرين وستقود إلى جملة متغيرات من بينها قيام نظام عالمي ثلاثي الأقطاب.
يوصّف الكاتب عدة اتجاهات في الديناميات الجيوسياسية في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، منها أن الصين ستقود العالم في المرحلة المقبلة وستعمل على استبدال الرأسمالية بالسوق المخطط ذي البنية الاشتراكية وتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، ودخول العالم الغربي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة من الانقسام وفقدان الطاقات التنموية السابقة، وخصوصًا مع أزمة عام 2020، ويلاحظ هذا الانقسام في مناحٍ كثيرة.
يتحدث المؤلف في فقرة أخرى عن ثلاث مراحل من التصدع التاريخي في مصير القوى العظمى. وأول صدع حدث بعد أن ورث الإمبراطور الروسي نيقولا الثاني الإمبراطورية الروسية العظمى من الإسكندر الثاني وجعلها في عقدين من الزمن في حالة انهيار. بعد ذلك حدثت ثورة عام 1917، وتأسس الاتحاد السوفياتي و«تم إنجاز عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أقصر فترة تاريخية حتى عام 1927، ومن جديد تحول الاتحاد السوفياتي إلى قوة عظمى وقاد النظام الاشتراكي العالمي.
تكررت لوحة الصدع التاريخي من جديد بعد سبعة عقود عند تسلم غورباتشيف السلطة، وفي غضون خمس سنوات تفكك اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ذاتيًا.
وجاءت الهزيمة في رأي المؤلف نتيجة حرب المعلومات، أول تجربة لـ «الثورات الملونة»، التي أدت إلى تفكك وتغير صورة العدو واستبدالها بصورة «العم سام» المحبب. وبسبب انهيار الاتحاد السوفياتي ورفض المبادئ الاشتراكية، والتنكر للقيم الحضارية، سقطت البلاد في الحضيض في زمن السلم، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية ووقعت الأغلبية العظمى من سكان البلاد فريسةً للفقر.
في المرحلة التالية منذ عام 1998، وخلال عقدين مع بريماكوف ثم بوتين، نهضت روسيا على ركبتيها مجددًا.
يقدم الكاتب هذه القراءة التاريخية بهدف «فهم أسباب وجوهر وآفاق الصدع التاريخي الذي يلوح اليوم في الولايات المتحدة». وهو يرى أن المرحلة الأولى من الصدع كانت خلال ثلاث سنوات ونصف السنة من رئاسة ترامب حيث وجدت البلاد نفسها في حالة انقسام، ويشبه الكاتب الدور أو «المهمة التاريخية» التي أداها دونالد ترامب بالمهمة التاريخية نفسها التي قام بها نيقولا الثاني وميخائيل غورباتشيف.
يتوقع الكاتب هنا أن تتفاقم الأزمة في حال نجاح بايدن في انتخابات عام 2020 (وهو ما حصل)، حيث سيقود البلاد إلى أزمة اجتماعية وسياسية خطيرة بتسعير لهيب الصراع مع الصين وروسيا، في الوقت نفسه.
– 5 – يقدم الكاتب في الفصل السادس بانوراما عن تحول أوجه الصراع بين الحضارات تاريخيًا. فبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، والنظام الاشتراكي العالمي، رأى الكثير من العلماء والباحثين في الفكر السياسي وتاريخ الحضارات، أن الحروب انتهت كشكل رئيسي من أشكال التصادم والتفاعل بين الحضارات قبل القرن العشرين. وانخفض الإنفاق العسكري في جميع أنحاء العالم من 3 بالمئة عام 1990 إلى 2 بالمئة عام 2000. وطرحت فكرة النظام العالمي الأحادي القطب في الولايات المتحدة الأمريكية، وأُعلنت نهاية التاريخ وبدأ الحديث عالميًا عن الحوار بين الحضارات؛ لكن سرعان ما تبدد ذلك، فعادت المواجهة بين الحضارات واستؤنف سباق التسلح واندلعت موجة الإرهاب الدولي وبدأت سلسلة من الحروب الإقليمية والثورات «الوردية» بدعم من الولايات المتحدة وتحركت حدود الناتو بسرعة باتجاه الشرق واستؤنف سباق التسلح، ويجري تمزيق الاتفاقات الدولية للحدّ من التسلح. تفاقمت هذه التهديدات في رأي الكاتب، وخصوصًا في عام 2020 مع انتشار جائحة فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية العالمية واشتداد الحرب الباردة الأمريكية ضد الصين وروسيا، وأصبح مستقبل عالم الحضارات موضع تساؤل مرة أخرى.
– 6 – يناقش الكاتب في الفصل السابع مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، ويميز في البداية 4 سنوات في نقاط التحول في مسارات التطور هي:
1812 بداية هزيمة الإمبراطورية النابليونية.
1917 الثورة الاشتراكية.
1941 دخول الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية وتأسيس منظمة الأمم المتحدة (1 – 1 - 1942).
2020 يعدّ الكاتب هذا العام تاريخ بلوغ قاع الأزمة العالمية، نتيجة التحول العميق الذي أصاب الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدعي الهيمنة على العالم وديناميات التحول الصيني – الروسي في نظام تفاعل الحضارات الإقليمية للجيل الخامس.
ويصف ياكوفيتش الولايات المتحدة اليوم بأنها القوة العظمى المتصدعة، فمنذ الربع الأخير من القرن العشرين وبعد أن حققت الولايات المتحدة موقع رأس الهرم في عالم أحادي القطب، بدأ التراجع الاقتصادي والجيوسياسي وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي وقد توضح هذا التراجع في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
كما يتحدث المؤلف عن نزعة الولايات المتحدة لتعميق الانقسام، وهو أهم عوامل ومؤشرات الانقسام بين الحضارات الإقليمية وتجلى ذلك بوضوح بسعيها لإقامة نظام عالمي أحادي القطب وتدمير عالم يالطا للحضارة – كما بدا مؤخرًا أيضًا في قرار الفيتو الأخير في شأن الحرب على غزة – ثم يستعرض ردود فعل روسيا والصين على استراتيجية تشكيل نظام عالمي أحادي القطب، بدءًا من دعوة الرئيس بوتين نحو مؤتمر ميونيخ 2007 إلى ضرورة الاعتراف بالعالم المتعدد الأقطاب مرورًا باقتراح بناء شراكة أوروبية آسيوية (أوراسية) تكاملية، وصولًا إلى المبادرة الصينية «حزام واحد - طريق واحد» و(عالم يالطا) «نظرية استراتيجية بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب مستقر قائم على الشراكة بين الحضارات والدول العظمى»، التي تهدف لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب مستقر في بداية القرن الحادي والعشرين.
ثم يقدم سيناريوهات لمستقبل الولايات المتحدة وعالم الحضارات. وهو هنا ينفي توقع تفكك الولايات المتحدة إلى 50 دولة أو مجموعة من الدول المترابطة، حيث إن «غنى التجربة التاريخية لحضارة أمريكا الشمالية قوية بما يكفي لتجنب هذا المصير المأساوي».
– 7 – يسعى المؤلف في الفصل الثامن لتأكيد فرضيته حول تشكل «الأنموذج الجديد للحضارات»، فيبحث في واحدة من أصعب العلاقات وأشدها قلقًا وتوترًا في التاريخ السياسي الحديث، وهي العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. لذا يستعرض في هذا الفصل «الشراكة الاستراتيجية بين هاتين الدولتين من ناحية التجربة التاريخية والآفاق». ويرى أن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ليست محكومة بالصراع دائمًا، وقد ساد التفاهم والشراكة خلال عقود من الزمن في حقبة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية وفي عقود ما بعد الحرب من خلال مشاريع استكشاف الفضاء (مشروع سيوز – أبوللو – إنشاء محطة الفضاء الدولية).
– 8 – يضع المؤلف عنوانًا للفصل التاسع: الشراكة الحضارية الروسية – الصينية: دروس الماضي ونظرة إلى المستقبل. يتحدث ياكوفيتش أنه في ظل المتغيرات الدولية في ديناميات الحضارات والصدوع التاريخية منذ الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، تزداد أهمية الشراكة بين روسيا والصين.
ويعدد «المقدمات العميقة» لشراكة متعددة الأوجه، وأولى هذه المقدمات أن هاتين الحضارتين تتكاملان؛ فروسيا تتميز بمساحة الأراضي الأكبر والاحتياطيات من الموارد الطبيعية. والصين هي القوة الرائدة في العالم من حيث عدد السكان ومستوى التنمية الاقتصادية كما أنها رائدة في تطوير واستثمار الثورات العلمية التكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
تتمتع كل من الصين وروسيا بخبرة تاريخية طويلة في التطور الحضاري، حيث ظهرت الحضارة الصينية منذ سنة 280 قبل الميلاد ومرت خلال نحو ثلاثة آلاف سنة بعدد من المراحل الحضارية، مع ما تخللها من عقبات وتحديات.
أما الحضارة الروسية فقد بدأت مسارها التاريخي في القرن الخامس بعد الميلاد، وهي بدورها مرت بعدد من الدورات الحضارية مرورًا بالحضارة السلافية إلى الحضارة الأوراسية منذ القرن السادس عشر.
يميز الكاتب بين الثورات الحضارية وغيرها كالثورات الاجتماعية أو التكنولوجية أو الصناعية.. ويعتقد أن الثورات الحضارية تمثل أعلى مستوىً من مستويات تحول الأنظمة الاجتماعية الضخمة وخصوصًا الثورة الروسية 1917-1922، والمرحلة الأخيرة من الثورة الصينية 1911-1949. ويرى أنها بداية لدورة جديدة طويلة المدى من ديناميات الحضارة الروسية الصينية.
– 9 – يشرح الكاتب في الفصل العاشر الضرورات والمبررات التاريخية التي أدت إلى نشوء الاقتصاد السياسي للحضارات وتطوره، الذي جاء استجابة لأزمة النموذج الصناعي الرأسمالي، ويرى أن السوق لن تضمحل كمحدد أساسي للعلاقات التجارية والاقتصادية كما تحدثت الماركسية إنما سيبقى؛ لكن يجب أن تخضع التبدلات الرئيسية في نسب إعادة الإنتاج وفي العلاقات التكنولوجية لمخطط اقتصادي.
ويقدم ياكوفيتش النصائح حول وضع استراتيجيات طويلة المدى تشمل كل جوانب النموذج الذي يقدمه، بدءًا من الأسرة وديناميات السكان إلى إدارة البيئة الرشيدة والسياحة، منظومة الأسعار والمالية، استراتيجية التطور الروحي… إلخ. ولنجاح هذه الاستراتيجيات يطالب الدول بوضع أنظمة موثوقة للقياسات والقواعد الإحصائية.
مناقشة
جدير بالذكر أن التوقعات بتقوض حضارة الغرب ازدادت في العقد الأخير، ولا شك أن دعاوى الانقسام مؤخرًا إن كان في ولاية تكساس الأمريكية أو الانقسام الحاد في الآراء حول القضية الفلسطينية والعدوان على غزة مؤخرًا، إضافةً إلى الانقسام التاريخي بين السود والبيض الذي نجحت المأسسة القوية للنظام الليبرالي في إزاحته عن السطح لعقود من الزمن، إلا أنه ما زال يعبر عن نفسه بحوادث اجتماعية متفرقة بين حينٍ وآخر. لا شك أن هذه الانقسامات وغيرها تحمل في طياتها مؤشرات خلل بنيوي متعدد الآفاق. ولكن في مقابل هذا التخوف الذي يأتي به الكتاب، أو التفاؤل بنماذج حضارية جديدة، لا يبدو أنه يوجد توافق على المشاريع الموازية أو المقابلة. وتحديدًا التوافق على مفهوم وحدود المشروع الأوراسي على مستوى الباحثين ومراكز الأبحاث في روسيا، فقد ظهر من الكتاب أن مؤلفه يقصد بأوراسيا، روسيا والمحيط الروسي، بينما نجد مواطنه ألكسندر دوغين يذهب أبعد وأوسع مدىً جغرافيًا وأعمق أثرًا، في مشروعه الأوراسي على قاعدة المصالح الجيوسياسية لروسيا. وفي مقابل الحديث عن حضارات ونماذج حضارية جديدة، نجد دوغين يتحدث عن عصر إمبراطوريات جديدة.
من جهة أخرى، يتوقع الكاتب اضطلاع منظمات الأمم المتحدة ومؤسسات القانون الدولي بدور أكثر التزامًا ونفاذًا في المرحلة القادمة، وهو أمر يدعو إلى التفاؤل على الرغم من ضعف، إن لم نقل انعدام، ما ينبئ بذلك في الوقت الحالي.
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 545 في تموز/يوليو 2024.
[1]علا شفيق شعبان: باحثة من سورية.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



