ما من حدث شهدته القضية الفلسطينية، قد يوازي ما حدث في حرب 1948 من نكبة، ومن قيام الكيان الصهيوني، مثل عملية طوفان الأقصى، وما ترتبّ عليها، خلال السنتين اللتين تلتا إطلاقها، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
هذه النظرة الأولى لعملية طوفان الأقصى، وما تلاها خلال السنتين المنصرمتين، تُواجه بعدد من وجهات النظر المخالفة. وهو أمر عادي، بالنسبة إلى ضخامة هذا الحدث، الذي سمح، ولو ببعض المبالغة، أن يُقارن بنكبة فلسطين 1948 – 1949. أي قيام الكيان الصهيوني، وتهجير ما يقارب من ثلثَي الشعب الفلسطيني. ولكن باتجاه معاكس، أو من حيث الأهمية بالنسبة إلى الصراع.
تنحصر المقارنة بحجم الحدث، ومدى تأثيره في الكيان الصهيوني، من دون الاقتراب من التفاصيل، أو التشبيه بها، ولا سيَّما، من جهة التهجير الذي يلوّح به نتنياهو. وهو حتى الآن، بعيد المنال بالنسبة إليه، ودونه خرط القتاد.
– 1 –
كان الوضع الدولي، قبل السابع من أكتوبر 2023، يتسّم بمظاهر تراجع في السيطرة الأمريكية على العالم. وذلك ببروز دول كبرى، كالصين وروسيا والهند، وتعاظم أدوار دول إقليمية كبيرة، كإيران وتركيا وجنوب أفريقيا والبرازيل.
وكانت حرب أوكرانيا بين روسيا وحلف الناتو 2022، قد أخذت تتصاعد. وكان محور المقاومة المؤلف من إيران وسورية واليمن، والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، قد راح يتثبّت ويزداد قوّة، ولا سيَّما بعد انتصار حزب الله في حرب عام 2006، وانتصار المقاومة في قطاع غزة في حروب 2008 – 2009، و2012 و2014، و2021. هذا إلى جانب تصاعد المقاومة في الضفة الغربية التي انتقلت من استخدام السكاكين، إلى ما عُرِف بمقاومة «الذئاب» المنفردة، والأهم بروز بؤر لمقاومة مسلحة في مخيمات جنين، ونور شمس في طولكرم، وعقبة جبر، كما ظاهرة «عرين الأسود» في نابلس. ويجب أن يُضاف تصاعد المواجهات في المسجد الأقصى، ولا سيَّما انتفاضة البوابات الإلكترونية المنتصرة عام 2017 في القدس، كما الاشتباكات مع «حراس الهيكل»، وغيرهم.
ويجب أن يُضاف، ما راح الكيان الصهيوني يُبرزه، من قوّة إيران، وامتلاكها الصواريخ البالستية، والتطوّر التكنولوجي، إلى جانب ما راح يبرزه، من قدرات هائلة لدى حزب الله، تصل إلى ما يزيد على 150 ألف صاروخ مطوّر، وقوات بريّة ضاربة بمئة ألف، ويزيد.
بكلمة مختصرة وعامة، كان محور المقاومة في حالة تقدّم، وهجوم تكتيكي، ولكن في الوقت نفسه، راح الكيان الصهيوني يحضّر لشنّ هجوم يكتسح البؤر المسلحة في الضفة الغربية، ويهدّد بانتهاك المسجد الأقصى، من خلال تكريس ممارسة طقوس دينية في باحاته.
هذا، وأعلن من جانب قيادة المقاومة في غزة، أن وثيقة سريّة جدًّا، وقعت في يدها، من إعداد الجيش الصهيوني، لعملية هجومية مباغتة وواسعة، لاغتيال قادة المقاومة، وضرب عدد من مواقعها.
لهذا جاء توقيت إطلاق عملية طوفان الأقصى، في ظروف دولية وإقليمية، تسمح بتحقيق قفزة كبرى للمقاومة، من ناحية عامة، وكما جاء بعد النصر والانتفاضة في حرب 2021: انتفاضة شملت الضفة الغربية، ومناطق الـ48، فضلًا عن مواجهة في القصف، ناجحة في الحرب في غزة. وقد تلتها مواجهتان عسكريتان، بين جيش الكيان الصهيوني، وحركة الجهاد منذ عام 2022 وأوائل 2023.
يجب أن يُشار هنا إلى أن حماس بقيت ظهيرًا، عمليًا، للجهاد من دون أن تتدخل في المواجهتين. وقد تبيَّن لاحقًا أن هذا الموقف، إلى جانب تغطيته حركة الجهاد، من دون تدخل مباشر، وهو ما ضلّل الكيان الصهيوني، في فهم سياسة حماس، إذ أُوحي للكيان، بأنها في غير وارد المواجهة، وإنما أقصى ما تريده، هو تخفيف الحصار، وتسهيل أمور الحياة تحت الحصار؛ وكان مما أسهم أيضًا، في تضليل القيادة الصهيونية، تشجيع حماس للعمل المعيشي، داخل الكيان الصهيوني.
– 2 –
من المهم متابعة عملية طوفان الأقصى، من الساعة السادسة من صباح السابع من أكتوبر، وانقضاضها وتحريرها، ما عُرِف بـ «غلاف غزة»، وهو من الأرض الفلسطينية التاريخية التي احتُلت في حرب 1948 – 1949 وهدنتها. ومن ثم أعطى عملية طوفان الأقصى، معنى ومغزى، مضاعفين في الأهمية. وقد كان الحسم في اليومين الأولين، بعد الانطلاق، والهجوم على «فرقة غزة»، وإنزال هزيمة عسكرية بها، مما لم يشهد الجيش الصهيوني مثيلًا له، منذ نشأته.
أكثر من ألفين ومئتين من الضباط والجنود، تبعثروا ما بين قتيل وجريح وهارب وأسير، بعد ساعتين من الاشتباك. ومن ثم الاستيلاء على عدد مهم من كمبيوترات، وملفات معلوماتية، ثم السيطرة على كل الغلاف، لاستكمال الأسر (الهدف التكتيكي الثاني) من أجل تبييض السجون عبر التبادل، ولا سيَّما من المؤبدات.
تكشف، هذه المتابعة، كيف تمّ استغفال العدو لتأمين مفاجأته، وقد نجحت الخطة أيضًا في تحقيق نصر عسكري على «فرقة غزة»، وتحرير غلاف غزة، والعودة بأكثر من مئتين وأربعين أسيرًا.
الأمر الذي يكشف بدوره، وهو جانب جوهري، وهو وجود قيادة للمقاومة على أعلى مستوى، من حيث المزايا التي تتمتع بها، لا من ناحية الإيمان والتفاني والأخلاق، والشجاعة والإقدام فحسب، وإنما أيضًا، من جهة الذكاء والحرفية (بتعبير أبو عبيدة)، وحُسن تقدير للموقف، والبراعة في إدارة المعارك، عسكريًا وسياسيًا. ولعل أهم دليل، ما وفرته العملية من استعداد لمواجهة حرب بريّة، يشنها العدّو، بكل طاقته العسكرية لاحتلال قطاع غزة، والقضاء على المقاومة، قيادة وكوادر وأعضاء، ثم حكم القطاع بالقبضة الحديدية.
تثبت وقائع المواجهة بين المقاومة والجيش الصهيوني، في حرب بريّة، دامت سنتين، حتى الآن، فشله في تحقيق أهدافه. وهو ما يعني انتصارًا عظيمًا للمقاومة في المواجهة العسكرية. الأمر الذي يُسقط من خلال وقائع الحرب، التهمة التي تبناها البعض، بأن عملية طوفان الأقصى كانت «مغامرة» لم تحسب حساب الردّ عليها.
وما كان ذلك ليحدث، لولا الإعداد السابق للأنفاق، وتزويدها بما تحتاج إليه، لمدى طويل، من الماء والغذاء والكهرباء والدواء والسلاح (حتى تصنيع السلاح في أثناء الحرب)، وما تحتاج إليه المقاومة، حتى إعلاميًا وأمنيًا.
– 3 –
أما الحجّة الأخرى، التي يستخدمها البعض، فهي تهمة عدم توقع، أو عدم التحسّب لما شُنّ من حرب إبادة. وهي حجّة ساقطة، أو متهافتة، منذ بدايتها. لأن حرب الإبادة، لا تدخل في حساب توقع الردّ، حتى على عملية بمستوى عملية طوفان الأقصى، أو أكبر منها. لأن حرب الإبادة محرمّة دوليًا، ولا يمكن لأحد أن يسوّغها، أو يتوقعها، بدليل عدم حدوث مثيل لها، طوال القرون الثلاثة الماضية، ولا في أيّ حرب في العالم. ناهيك بحروب الكيان الصهيوني الذي كان شديد الحرص على تبييض صفحته، والادّعاء بأنه يراعي القانون الدولي، أو قوانين الحرب.
وهذا دليل على الهزيمة السياسية والأخلاقية، التي تنتظر مرتكب جريمة الإبادة، ومن يغطيه. وقد أصبحت جُرمًا يشهد عليه العالم.
– 4 –
من هنا، تكون حرب الإبادة، وما نجم عنها من أهوال القتل الجماعي، وتدمير أغلب العمار في غزة، وما صحبها من حرب تجويع، وقتل متعمّد للأطفال، قد أحدث انقلابًا، في وعي الرأي العام العالمي وضميره، باتجاه إدانة كاسحة أيضًا للكيان الصهيوني، بوصفه مجرم حرب وقاتل أطفال.
بهذا أصبحت القضية الفلسطينية قضية عالمية في الوعي والضمير الإنساني، كما قضية من القضايا الدولية الكبرى. ولعل واحدة من دلائل ذلك، اضطرار عدد من الدول الأوروبية، ولا سيَّما بريطانيا وفرنسا وكندا، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وذلك في تناقض ظاهر مع نتنياهو وترامب، اللذين ما زالا يصرّان على استمرار حرب الإبادة.
هاتان الحصيلتان لهذه الحرب التي شنت على غزة، يجب أن تُعدّا انتصارًا سياسيًا وأخلاقيًا للشعب الفلسطيني ومقاومته في الصراع التاريخي مع الكيان الصهيوني، مُذ نشأ بلا شرعية، فوق أرض فلسطين. وهما من نتائج عملية طوفان الأقصى، وتداعياتها. وذلك بوصفها عملية مقاومة مشروعة، جاءت هائلة التأثير في مستقبل القضية الفلسطينية، ووجود الكيان الصهيوني.
– 5 –
صحيح أن ما تعرّض له الشعب من إبادة وحشية ومؤلمة، يفوق أيّ وصف أو تحمّل أو مقابِل… ولكن مع ذلك، نتجت منه بالضرورة، إيجابيات للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. كما نتجت منه كوارث معنوية وسياسية على الكيان الصهيوني، حاضرًا ومستقبلًا.
عسى في هذا بعض العزاء. فالشقاء الإنساني والدماء، عُوًضا بالشهادة والرحمة الإلهية في السماء من جهة، ولم يذهبا سدىً، من جهة أخرى، وتركا انتصارًا تاريخيًا، سيكون له ما بعده، بإذن الله.
أوراق ذات صلة:
آفاق القضية الفلسطينية في زمن طوفان الأقصى: قراءة في خلفيات العملية ودوافعها وتداعياتها
المصادر:
تشكل هذه الورقة مقدمة كتاب “طوفان الأقصى: دراسات في الصراع والمصير” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
رابط الكتاب:
طوفان الأقصى: دراسات في الصراع والمصير
منير شفيق: مفكر عربي
الصورة عن موقع SKY news عربية.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



