مقدمة

يُعدُّ نتنياهو أهم رئيس وزراء في تاريخ دولة «إسرائيل» منذ إعلان تأسيسها عام 1948. وتعود أهميته هذه إلى عدة أسباب، نخص بالذكر منها السياسي والأمني. أول هذه الأسباب أنه أكثر من شغل منصب رئيس حكومة إسرائيل، إذ جلس على هذا المقعد لست ولايات، أي ما يزيد على 17 عامًا، في مقابل 13 عامًا فقط حكم فيها مؤسس الدولة دافيد بن غوريون‏[1].

ثانيها، أنه حقق لإسرائيل عددًا من الأهداف الاستراتيجية التاريخية للحركة الصهيونية؛ ففي عهده، أصبحت إسرائيل – بموجب قانون أساس – الوطن القومي للشعب اليهودي‏[2]. واتسعت دائرة قبول إسرائيل في محيطها العربي الرسمي ووقّعت اتفاقات التطبيع «الإبراهيمية» مع أربع دول عربية. كما حقق نتنياهو لإسرائيل التفوُّق النوعي الأمني والعسكري على بقية دول الشرق الأوسط‏[3]. وتصاعد في عهده التوسع الاستيطاني اليهودي بصورة غير مسبوقة، واعتمد قرارًا لتنفيذ المخطط الاستيطاني E1 المؤجل منذ عقود، الذي من شأنه أن يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للضفة الغربية وأن يقضي على أي مستقبل لإقامة دولة فلسطينية. ناهيك بأن نتنياهو يعلنها منذ عقود أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية‏[4].

ثالثها، أن نتنياهو هو الأكثر إثارة للجدل وللانقسامات الداخلية؛ ففي الوقت الذي لا يفوِّت فرصة ليتحدَّث عن إسرائيل بوصفها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، اكتسبت الأحزاب الدينية المتطرفة في عهده زخمًا قلّما فازت به في الحكومات السابقة. كما أنه بالتزامن مع محاكمته في قضايا الفساد، وهو في المناسبة أول رئيس حكومة يخضع للمحاكمة خلال ولايته‏[5]، قدمت حكومته إلى الكنيست مشروع قانون يستهدف إجراء تغييرات جوهرية في النظام القضائي الإسرائيلي، بما يحدّ من سلطات المحكمة العليا في تغيير القوانيين ويوسع صلاحيات الحكومة في تعيين القضاة، الأمر الذي دفع مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى التظاهر لأشهر متتالية‏[6].

رابع هذه الأسباب أنه الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، لا يؤمن إلا بقوة الردع، وحتى السلام بالنسبة إليه لن يتحقق إلا بالقوة، وهي التي ستمكِّنه من إعادة تشكيل الشرق الأوسط. أمات نتنياهو اتفاقات أوسلو كما وعد، وانحسرت في ولاياته مفاوضات السلام الفلسطينية – الإسرائيلية تدريجًا حتى اختفت تمامًا‏[7]. وتحت إمرته، ترتكب إسرائيل منذ عامين إبادة جماعية شاملة مكتملة الأركان في حق الفلسطينيين في قطاع غزة‏[8]. وكان أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في حق نتنياهو ويوآف غالانت وزير الدفاع السابق بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأصبح نتنياهو بذلك أول زعيم إسرائيلي والرابع عالميًّا الذي تصدر في حقه مثل هذه المذكرة‏[9].

في السطور الآتية سنبحر في أيديولوجيا نتنياهو؛ فنتحدث عن منشئه الأيديولوجي، وكيف تكونت أيديولوجيته، وما البيئة التي نشأ فيها، ومن هم الذين أثروا في حياته وألهموه فكريًّا؟ ثم سنناقش أربعة أفكار سياسية وأمنية محورية ومهمة تتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، يتحدث عنها نتنياهو بإلحاح وتكرار في كل كتاباته وخطاباته ولقاءاته مذ بدأ يتصدر اسمه الحياة الحزبية الإسرائيلية في عام 1993.

أولًا: جذور الأيديولوجيا المدفوع بها نتنياهو

يقف اثنان وراء الأفكار المتشدِّدة والسلوك السياسي والأمني المتطرفَين لبنيامين نتنياهو أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في الحكم: والده المؤرخ بنتسيون ميلوكوفسكي، ومؤسس الحركة الصهيونية التنقيحية زئيف جابوتنسكي. وهما أساس التكوين الأيديولوجي له، ومنهما استلهم أفكاره وتكوَّنت معتقداته‏[10].

1 – بنتسيون ميلوكوفسكي: الأب صاحب البذرة الأولى

ولد بنتسيون ميلوكوفسكي في بولندا عام 1910، هاجرت عائلته إلى فلسطين وهو في سن العاشرة، وعمل والده في الصندوق القومي اليهودي. وفي عام 1928، انضم بنتسيون إلى الحركة الصهيونية التنقيحية المتشددة التي أسسها زئيف جابوتنسكي بعد انشقاقه عن الحركة الصهيونية لاختلافه مع مؤسسيها‏[11]. من هنا أتيحت لبنتسيون فرصة التعرف إلى جابوتنسكي من قرب، وبدأت علاقته تتوطد به تدريجًا حتى أصبح مساعده الشخصي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1939 واستمر معه حتى وفاة الأخير عام 1940. ظل بعدها بنتسيون ناشطًا وباحثًا أكاديميًّا في الحركة التنقيحية ثم مسؤولًا عن مكتبها في نيويورك‏[12].

تخصص بنتسيون في الدراسات التاريخية، تحديدًا تاريخ اليهود في إسبانيا. ورغم شهرته كخبير في تخصصه فإن حياته في إسرائيل كانت كناية عن سلسلة من الإحباطات. سعى كثيرًا لإيجاد وظيفة أكاديمية تناسبه في الجامعة العبرية، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل لرفض الجامعة. وكان يضطر في نهاية المطاف إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة بعد أن يجد عملًا يناسبه في إحدى جامعاتها. تكرر هذا الأمر معه أكثر من مرة، واتهم حزب المباي الحاكم (اليساري الاشتراكي) بملاحقته والتضييق عليه لمواقفه السياسية والأيديولوجية‏[13].

في كل مرة، يترك بنتسيون إسرائيل وهي داخله مرارة شديدة ممزوجة بكراهية للتيار الآخر في الصهيونية، وشعور داخلي بالازدراء والعزلة، لأنه لم يُعترف بقدراته في تخصصه ولم يحظ بالتقدير الذي يليق به. هذه التجربة التي مر بها الأب جديرة بالإشارة إليها في البداية، لنتعرف إلى البيئة التي نشأ فيها بنيامين الابن الأوسط، وأدّت دورًا رئيسيًا في تكوينه النفسي. ورث الابن هذه المشاعر من والده واستمرت معه حتى اليوم، وعمَّقت لديه الرغبة في الثأر ونزعة العداء للنخبة اليسارية في إسرائيل، التي تمثل له محيطًا داخليًّا معاديًا إلى جانب عداء المحيط العربي طبعًا‏[14].

أما عن الجذور الفكرية لبنتسيون فقد انبثقت من عالِمين، استخلص من كليهما أنه لا بديل من القوة العسكرية لحماية الذات الجماعية لليهود ولتحقيق أهدافهم الاستراتيجية. أول عالم تأثر به بنتسيون وأصبح تخصصه المهني هو تاريخ اليهود في القرون الوسطى وبخاصة في إسبانيا‏[15]. وصدر له كتاب في هذا الصدد هو الحاخام يتسحاق أباربانيل الذي كان منظِّرًا وقائدًا لليهود في الأندلس. يراه بنتسيون أهم شخصية يهودية في القرون الوسطى لتوجهاته الفكرية والسياسية، أبرزها اعتماده على الخلاص، رغم اعتقاده بأن كارثة كامنة في المستقبل ستحل باليهود، لكنه ارتكن إلى إيمانه بقدوم المخلّص ولم يفعل شيئًا، ووقعت الكارثة وطُرد اليهود من إسبانيا‏[16].

استنتج بنتسيون من هذا التوجه أن وجود قوة عسكرية يدافع بها اليهود عن أنفسهم كان كفيلًا لمنع كارثة الطرد التي حلت بهم. وكان الدرس الأساسي الذي علَّمه لابنه بنيامين من تاريخ اليهود في إسبانيا أن القوة هي الضمانة الوحيدة لحماية اليهود وعليهم الاستعداد دومًا للقتال حفاظًا على حقوقهم. أما العالم الثاني، فهو عالم الحركة الصهيونية التنقيحية ومؤسسها جابوتنسكي، الذي تأثر بنتسيون بفكره، وآمن بالأيديولوجيا التنقيحية وبمبادئها وأهدافها، وكتب عن جابوتنسكي في كتابه آباء الصهيونية الخمسة[17]، أنه أقدر القيادات الصهيونية على فهم المشكلة العربية وجذور المعارضة في فلسطين.

غرس بنتسيون في ابنه بنيامين أن الشعب اليهودي في خطر دائم ويحتاج إلى رجل دولة كفء، وأنه هو هذا الرجل. يفسر لنا هذا لماذا غيّر بنتسيون كنيته من ميلوكوفسكي إلى نتنياهو أي «عطية الرب»، فأصبح اسمه «بنيامين عطية الرب»، وبات بنيامين نتنياهو فعلًا ينظر إلى نفسه أنه عطية الرب لإسرائيل‏[18]، وأن غاية حياته تأمين مستقبل شعب عريق كما كتب في كتابه الذي يسرد فيه سيرته الذاتية بيبي: قصة حياتي[19]. وحين اجتمع الأب والابن في إعلان تلفزيوني خلال الحملة الانتخابية لبنيامين نتنياهو عام 2009، ظهر الأب إلى جانب الابن وهو يوصيه أنه بحاجة إلى أن يفعل شيئًا غير معتاد قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إنقاذ البلاد‏[20].

ألقى كل ذلك بظلاله على بنيامين نتنياهو وبات التاريخ يمثل ركيزة أساسية في فكره. من ناحية، تأثر بالتاريخ وشخصياته ودروسه، وتقريبًا، لا يخلو خطاب له من الاستشهاد بحدث تاريخي أو مقولة لشخصية تاريخية لدعم رأيه وروايته. من ناحية أخرى، تعلّم درس الاعتماد على القوة العسكرية لمنع الكارثة الكامنة المستقبلية وصارت له سياسته البراغماتية الخاصة بمنع تلك الكارثة. يقول المؤرخ الإسرائيلي أفنير بن زكين إن نتنياهو في التعاطي مع الكارثة الكامنة يعتمد على الإبقاء عليها في الأفق، ولا يقضي على التهديدات المتعلقة بها، إنما يحافظ عليها ويصعدها ثم يمنع تحقيقها ليبقى الوجود اليهودي في حالة طوارئ ويبقى هو المنقذ في نهاية المطاف‏[21].

2 – زئيف جابوتنسكي: الأستاذ المُلهم بالتطرف

ولد زئيف جابوتنسكي عام 1880 في أوكرانيا، كان صحافيًّا، وسياسيًّا فاعلًا في الحركة الصهيونية‏[22]. في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1923، كتب مقالين عمّا سمَّاه «الجدار الحديدي»، قدم فيهما رؤيته لإدارة الصراع مع العرب في فلسطين مع بدء تنفيذ المشروع الصهيوني‏[23]. وأصبح هذا الجدار فيما بعد دستورًا للصهيونية وأساس العقيدة الإسرائيلية العسكرية وبوصلة لصناع القرار في إسرائيل حتى اليوم‏[24]. وبعد عامين من «الجدار الحديدي»، انشق جابوتنسكي عن الحركة الصهيونية لخلاف مع قاداتها حول الأهداف والاستراتيجية، فقد اختلفوا حول الإعلان الفوري عن الحق اليهودي في السيادة على المنطقة ككل، وحول تكامل أرض إسرائيل على ضفتي نهر الأردن، ثم أسس الحركة الصهيونية التنقيحية أو التصحيحية. والتصحيح أو التنقيح هنا لا يعني مراجعة الأفكار واستبدال القديمة بجديدة أكثر اعتدالًا أو اتزانًا، بل العكس تمامًا. اتسمت الصهيونية التنقيحية بالتشدد والتطرف واعتماد مبدأ الردع والقوة العسكرية كضمانة وحيدة لاستمرار المشروع الصهيوني، وهذا كان لُب أطروحة الجدار الحديدي. وعليه، أسس جابوتنسكي منظمة البيتار المتطرفة‏[25]، ثم أصبح القائد الأعلى لمنظمة إيتسل الأكثر تطرفًا‏[26]، التي تحوَّلت بعد إعلان تأسيس إسرائيل عام 1948 على يد مناحم بيغن إلى الحزب السياسي حيروت الذي اندمج لاحقًا مع حزب الليكود.

عودة إلى مقالَي الجدار الحديدي، جاء الأول تحت عنوان «الجدار الحديدي.. نحن والعرب»‏[27]، واستهله بتحديد الغاية اليهودية والصهيونية الحالية: وهي السعي إلى فرض أغلبية يهودية على ضفتي نهر الأردن. وإن لم يقاوم العرب ذلك، فلن يتم إخراجهم من هناك، وستتم مساواتهم في الحقوق مع اليهود. ثم انتقل للحديث عن الأمل كعقبة رئيسية أمام المشروع الصهيوني. نظرًا لأنه يعرف العرب جيدًا، يؤكد جابوتنسكي أنهم لن يتخلوا طواعية عن أرضهم، سيظلون يقاومون على «أمل» ألّا تتحول فلسطين إلى أرض إسرائيل، شأنهم شأن كل السكان الأصليين الذين يقاومون المستعمرين للتخلص من خطر الاستعمار. لذا لا بديل من القضاء على هذا الأمل. وهذا لن يتحقق إلا بالإحجام أولًا عن أي محاولة للتفاوض أو للاتفاق الطوعي في الوقت الحاضر معهم حتى ينعدم الأمل في التخلص من الاستعمار الاستيطاني اليهودي. وثانيًا، التحالف مع قوة عظمى تساعد الاستعمار الصهيوني في التقدم وفي تحقيق أهدافه الاستراتيجية. وأخيرًا، جدار حديدي لا يمكن لهم اختراقه أبدًا. حينئذ سينهزم العرب وسيستسلمون، وقتها فقط يمكن التفاوض والاتفاق معهم‏[28].

أثار الجدار الحديدي جدلًا واسعًا في الأوساط اليهودية حول مدى أخلاقيته وعدالته، وهو ما دفع جابوتنسكي إلى كتابة مقاله الثاني «النظرية الأخلاقية للجدار الحديدي» ليشرعن فيه طرحه‏[29]. وخلاصة رده أن «الأرض لمن لا يملك شيئًا، لا لمن لديهم أكثر من اللازم. ومصادرة أرض من أيدي شعب يملك مساحات شاسعة من الأراضي المشاع لتحويلها إلى شعب دائم الترحال يعَدُّ عملًا عادلًا وأخلاقيًّا»‏[30].

قيل عن بنتسيون إنه أكثر العارفين بفكر جابوتنسكي‏[31]، الذي نقل بدوره هذه المعرفة إلى ولده بنيامين حتى تشبَّع بأيديولوجيا جابوتنسكي. ولنا أن نقول إنه أصبح وريثه الأيديولوجي الشرعي الوحيد. يتحدث نتنياهو كثيرًا ومطوّلًا عن جابوتنسكي ملهمه ومرشده، يكرر دائمًا أنه يحتفظ بسيفه وبأعماله في مكتبته ويقرأها كثيرًا، وأنه سيظل حاملًا رايته الفكرية‏[32]. وهو لا يفوِّت فرصة إلا ويعيد التذكير بتعريف الجدار الحديدي وأهميته لإسرائيل: «قوة إسرائيل نابعة من كلمتين لجابوتنسكي: الجدار الحديدي.. كقوة عسكرية وكإصرار قومي يحمي الدولة اليهودية من أعدائها، وفي النهاية يجبرهم على تقبل وجودها»‏[33].

خلال الاحتفال السنوي لإحياء ذكرى جابوتنسكي في عام 2023، أعلن نتنياهو أن هذا العام تحل مئوية الجدار الحديدي، الذي أصبح ختمًا معتمدًا لديه في السياسية الأمنية الإسرائيلية، وأكد التزامه بتطبيق مبادئ الجدار الحديدي التي لم ولن يحيد عنها أبدًا، وأنهم يواصلون تطبيق هذه المبادئ بنجاح وأنه سيقف بثبات ضد جهود تطوير جبهات إرهابية في غزة والضفة الغربية، وفي سورية ولبنان‏[34]. وبعد أقل من ثلاثة أشهر، بدأت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأثبت نتنياهو وفاءه لفكر جابوتنسكي والتزامه بمبادئ الجدار الحديدي، وتشبُّعه بتعاليمه، لكنه لم يكتفِ بدور التلميذ الناقل لهذه الأفكار، بل طورها وخرج منها برؤيته الخاصة لإسرائيل وللشعب اليهودي تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا، وهو ما سنتحدث عنه في المبحث الآتي.

ثانيًا: أفكار نتنياهو الحديدية

مُذ انتُخب بنيامين نتنياهو رئيسًا لحزب الليكود عام 1993 مرورًا بكل ولاياته وحتى اليوم، يفرد مساحات كبيرة في خطاباته وكتاباته ولقاءاته الصحافية لأربعة أفكار تؤدي دورًا محوريًّا في الصراع العربي – الإسرائيلي: الأولى عن السلام مع العرب القائم على القوة؛ الثانية، تغيير دفة السلام في المنطقة بطرح مقاربة جديدة؛ والثالثة عن أهمية السيطرة على الضفة الغربية وهضبة الجولان؛ والرابعة، عن رفضه إقامة دولة فلسطينية. لم يفوّت بيبي فرصة إلا وتطرّق إلى هذه الأفكار وألحّ في تكرارها ثم عمل على فرضها بالقوة على أرض الواقع، حتى صارت أعمدة مهمة في مشروعه السياسي، ولنا أن نقول في عقيدته السياسية والأمنية. هذه الأفكار أصبحت الفسيفساء التي يرسم منها نتنياهو الشرق الأوسط الجديد الذي يريده لنفسه كزعيم إسرائيل المنقذ، ولإسرائيل الكبرى الوطن القومي للشعب اليهودي ولنا العرب أعدائه الأبديين. وفي ما يأتي، نناقش الأفكار الأربعة بالتفصيل:

1 – لا سلام إلا بالقوة

نظريًّا، لا يفوّت نتنياهو خطابًا دوليًّا أو محليًّا إلا وتحدث عن السلام كرغبة أسمى للشعب اليهودي، وأن لا أحد في إسرائيل يسعى إلى الحرب، ولا حتى هو. لكنه واقعيًّا، لا يبحث عن ذلك السلام الذي يجلس فيه طرفا الصراع على طاولة المفاوضات وتكون حصيلتها أن يحصل كل طرف على مكاسب ويتحمل خسائر. لكن ما يستهدفه من البداية هو فرض حالة تكون إسرائيل فيها الفائز الأوحد. يضع نتنياهو شروطًا للسلام، تجعل تحقيقه مرهونًا بها، ويُلزَم الفلسطينيون والعرب بتنفيذها، وإلا لن يُحِل نتنياهو السلام في المنطقة.

في طريق نتنياهو إلى أن يصبح زعيمًا لليكود وللمعارضة الإسرائيلية، صدر له كتاب بالإنكليزية اسمه مكان بين الأمم.. إسرائيل والعالم، وجاءت نسخته العربية التي نعتمد عليها هنا كمصدر تحت عنوان مكان تحت الشمس[35]، قدم فيه فصلًا كاملًا عن رؤيته للسلام مع العرب من حيث الشروط والأدوات والجوهر. ألقى نتنياهو من خلاله بكُرة حل الصراع العربي – الإسرائيلي في ملعب الدول العربية وحدد لها نقاط الانطلاق أو الشروط التي يجب أن يبدأوا منها: الاعتراف والتسليم بوجود إسرائيل من دون شروط؛ التخلي عن السعي للقضاء عليها وقبول مبدأ التعايش المتبادل؛ إبرام سلام رسمي مع إسرائيل؛ إلغاء المقاطعة الاقتصادية ضد إسرائيل؛ وقف التعاظم العسكري الموجَّه ضدها‏[36].

وبعدما كان نتنياهو رافضًا الحديث عن السلام مع الفلسطينيين، راوغ بعض الشيء مع بداية ولايته الثانية كرئيس للحكومة الإسرائيلية. وفي حزيران/يونيو 2009، ألقى خطاب بار إيلان (1). وبصيغة ملتوية – إرضاءً لإدارة أوباما الجديدة – أبدى استعداده للسلام مع الفلسطينيين، لكن بشرطين: الأول، أن يعترف الفلسطينيون بوضوح وعلى نحوٍ لا لبس فيه بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي، والثاني، أن تكون الأراضي الخاضعة للسيطرة الفلسطينية منزوعة السلاح، مع تدابير أمنية صارمة تفرضها إسرائيل‏[37].

إذًا، تتلخص شروط نتنياهو للسلام في كلمتين «الشرعية والأمن». والشرعية عنده لا تعني مجرد الاعتراف اللفظي بإسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي، بل يتطلع إلى الشق العملي، الذي يعني ضمنًا الإقرار بالصهيونية والتسليم بممارساتها الاستعمارية والاعتراف بشرعيتها التاريخية‏[38]. وفي ما يخص الأمن، فإن التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي على بقية دول المنطقة لا يكفيه، بل يتطلع إلى فرض السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة على بعض المناطق مثل الضفة الغربية والجولان.

هنا يأتي سؤال منطقي: هل سيصبح السلام بعد ذلك نتيجة طبيعية وحتمية لو سلّم العرب والفلسطينيون لشروطه؟ الإجابة القطعية عند نتنياهو: لا.

يعتقد نتنياهو أنه ما دام العالم ينقسم إلى دول ديمقراطية وأخرى دكتاتورية، فهناك نوعان من السلام. الأول فيما بين الدول الديمقراطية، والثاني بينها وبين الدول الدكتاتورية. سلام الدول الديمقراطية هو ذلك المألوف بين الدول الغربية، القائم على الحوار والتعاون، وفي حالة النزاع، لا تستخدم الدول القوة إلا بعد اتباع التقليد الديمقراطي الراسخ في استفتاء مواطنيها. أما الأنظمة الدكتاتورية التي تنفرد باتخاذ القرارات وصنع السياسات، فيجزم نتنياهو أن لديها ميلًا دائمًا إلى استخدام القوة في حل النزاعات‏[39]. كلامه هذا بالتأكيد قابل للدحض، لأن أمريكا وبريطانيا مثلًا شنتا حربًا على العراق من دون استفتاء مواطنيها، وقد خرجوا بعد ذلك في تظاهرات بالملايين رفضا لهذا العدوان.

وعليه، يرى نتنياهو أن السلام الوحيد الممكن تحقيقه بين إسرائيل (الديمقراطية) والدول العربية (الدكتاتورية) هو سلام مسلَّح وحذر تحكمه قوة الردع المعتمدة على قوة الحسم‏[40]، لأنه «كلما بدت إسرائيل أقوى أبدى العرب موافقتهم على إبرام السلام معها، وقلت احتمالات الحرب ضدها»‏[41]، ولأن هذا النوع من السلام كما يعتقد «سيوفر لإسرائيل درجة كافية من القوة القادرة على ردع الجانب العربي على استنئاف الحرب، حيث إنه حتى نيات السلام الحقيقية اليوم، يمكن أن تتغير غدًا نتيجة للظروف أو لاستبدال الحكام في الدول التي وقعت على سلام معنا»‏[42].

لخص نتنياهو في وقت مبكر جدًا جوهر سياساته الأمنية والعسكرية المتعلقة بالسلام في عبارة «السلام ممكن فقط من خلال الردع… السلام فقط بالقوة»، واختار لها شعارًا يعكس فحواها «السلام بالقوة»‏[43]. وترجمة ذلك عنده أن تستعرض دومًا قدراتك العسكرية لبث الخوف في قلوب أعدائك الحاليين والمحتملين، وجيرانك أيضًا لتمنعهم من التفكير في مهاجمتك. وفي حال شنهم أي عدوان عليك، تستخدم قوتك العسكرية حتى تسحقهم تمامًا، هنا سيأتون إليك مستسلمين، وقتها فقط يتحقق السلام الذي يريده. من هذا المنطلق، ينظر نتنياهو إلى الاتفاقات الإبراهيمية التي أبرمها عام 2020 مع أربع دول عربية (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب)، أنها تطبيق ناجح للـ«سلام بالقوة»‏[44]. أي نعم، هي اتفاقات سلام من دون نزاع مسبق، لكنها في نظره اتفاقات وُقِعت تسليمًا من الجانب الآخر بتفوقك وقدرتك على الردع‏[45].

خلال العقد الأخير، عمل نتنياهو على تعزيز مكانة إسرائيل في المنطقة بوصفها قوة عسكرية إقليمية قادرة بالقوة وحدها على إعادة تشكيل الواقع السياسي للشرق الأوسط الحالي واستبدال شرق أوسط آخر جديد به يرسمه هو وحده. حتى جاء السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأُخذ «السلام بالقوة» إلى مرحلة مفاجئة وغير مستقرة لنتنياهو تحمل في طياتها موجات من النجاح في إحكام القوة وأخرى من الفشل‏[46].

باغتت حماس نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة بأجهزتها الأمنية والاستخباراتية بضربات هزت مبدأ الردع العسكري، ذلك الحصن المانع لضمان بقاء إسرائيل وحمايتها من أي تهديد وجودي، اكتشف نتنياهو أن الفلسطينيين لم يفقدوا الأمل، وأنهم نجحوا في إحداث ثقب في الجدار الحديدي الذي بناه على مدار سنوات حكمه، وحصّنه بسياسته «السلام بالقوة»، كما اهتزت ثقة الإسرائيليين في بلدهم وفي إحساسهم بالأمن فيه. وللتغطية على ثُغرٍ كهذه وللتعاطي مع هذه الصدمة الكبيرة، لم يكن أمام نتنياهو سوى إطلاق العنان للتصعيد العسكري لاستعادة قدرة الردع داخليًّا وإقليميًّا. سعى نتنياهو وراء تحقيق «النصر الكامل» للقضاء على حماس، الذي يفتقد أي استراتيجية واضحة، وبات يكرر مصطلحه الدعائي «النصر الكامل» في كل خطاباته: أمام الكنيست الإسرائيلي‏[47]، وأمام الكونغرس الأمريكي‏[48]، وفي لقاءاته مع وحدات الجيش المختلفة‏[49]، وفي كل مكان. رفض نتنياهو أي مساعٍ سياسية لإنهاء الحرب في غزة فدخل في دوامة من الخسائر العسكرية والانتهاكات الإنسانية التي أفضت إلى حرب إبادة جماعية شاملة ومكتملة الأركان، وزاد الغضب الشعبي لأن استعادة الرهائن أصبح مجرد شعار يبرر به استمرار الحرب التي أصبحت بلا هدف أو مكسب.

وسعيًا إلى التغطية على إخفاق نتنياهو في تحقيق النصر الكامل، قرر الانتقال إلى مستوى آخر أكثر راديكالية في التصعيد العسكري، أو ما يدَّعي أنه السلام بالقوة، لأنه يؤمن تمامًا أن قوته الغاشمة ستطهِّر المنطقة من الأعداء المتطرفين وبعدها سيحل السلام قطعًا. يقوم هذا التصعيد العسكري على نهج استباقي في القضاء على التهديدات. من ناحية بقطع رأسها، أي القضاء على مصادر الخطر بتصفية قيادات إيرانية وقيادات أذرعها العسكرية. بدأت إسرائيل في حزيران/يونيو 2024 سلسلة متوالية وسريعة من الاغتيالات واستمرت حتى تشرين الأول/أكتوبر 2024: الرئيس الإيراني ووزير خارجيته، عدد من قيادات حزب الله من بينهم أمينه العام، إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ويحيى السنوار الذي خلفه، وكذلك محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، وغيرهم‏[50]. وما زالت الاغتيالات مستمرة لكن بوتيرة أقل. من ناحية أخرى، هاجمت إسرائيل الأهداف العسكرية والنووية الحيوية في إيران، لكنها لم تتمكن من ردع إيران من الضربة الأولى، وجاء الرد الإيراني قويًّا متتاليًا، وظلت الضربات العسكرية متبادلة ككرة الطاولة لاثني عشر يومًا‏[51]، كابدت فيها إسرائيل كما إيران خسائر كبيرة، ولم تتمكن قدرتها على الردع من حسم الحرب التي بدأتها على إيران لمصلحتها، حتى تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وألزم الطرفين بوقف الهجمات العسكرية‏[52]. خرج نتنياهو بعدها ليشكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويكرر بطريقته الاستعراضية الطاووسية «أنا والرئيس ترامب نكرر دائمًا السلام بالقوة… يعني القوة أولًا وبعدها السلام»، محاولًا التغطية على فشل قوة إسرائيل على الردع ولضمان استمرار بث الخوف في قلوب الأعداء والجيران، واستقواءً بالدعم الأمريكي أيضًا‏[53].

بعد أسابيع قليلة، قرر نتنياهو التصعيد الميداني والسياسي واستهداف جبهة جديدة في إطار تحقيقه السلام بالقوة في المنطقة، وقصف سورية، ومن بين الأهداف كان القصر الرئاسي ومقر الأركان‏[54]، ثم زار بالزي العسكري مع وزيرَي الدفاع والخارجية المنطقة العازلة في الجنوب السوري‏[55]. وبالتوازي مع سورية، يُصعد نتنياهو على الجبهة اللبنانية بقصف الجنوب اللبناني بحجة القضاء على قادة حماس وحزب الله‏[56]. أما غزة، فهادن نتنياهو أيامًا قليلة ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه ترامب، عاود لاستكمال تحقيق النصر الذي لم يكتمل بعد.

في شباط/فبراير 2026، حدث تطور استراتيجي في تطبيق «السلام بالقوة»، العقيدة المشتركة التي يجتمع عليها ترامب ونتنياهو. اشتركت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب جديدة ضد إيران، وشُنت عملية مشتركة واسعة النطاق «بهدف توجيه ضربة عميقة للنظام الإيراني ولإزالة تهديدات وجودية على إسرائيل»‏[57]. استهدفت هذه العملية المرشد الأعلى علي خامنئي إلى جانب عشرات من قادة الحرس الثوري وقدرات إيران الصاروخية‏[58]. ومثل الحرب الأولى لم تُحسم هذه سريعًا، جاء الرد الإيراني سريعًا ومتتاليًا وموجهًا نحو أهداف في قلب إسرائيل، إضافة إلى أهداف أمريكية في دول الخليج العربي. استمرت الحرب 45 يومًا.

2 – مقاربة نتنياهو البديلة لإدارة الصراع العربي – الإسرائيلي

منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كتب نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس أن ثمة بقرة مقدّسة عند العرب، وهي أن القضية الفلسطينية تمثل لبَّ الصراع العربي – الإسرائيلي، وأن السلام مع إسرائيل مرهون بالسلام مع الفلسطينيين. قضية يراها مصطنعة، لأن القضية المحورية في نظره هي قضية الدولة اليهودية، ومحاولات تقويض الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بأرض إسرائيل وطمسها، وكذلك تضليل الحقائق والدلائل ذات الصلة المتعلقة بالصراع مع الفلسطينيين. وفي خطاب بار إيلان (2) في تشرين الأول/أكتوبر 2013 ‏[59]، أعلن أنه سيذبح هذه البقرة وسيسير في الاتجاه المعاكس بطرح مقاربة مغايرة فحواها أن السلام بين العرب وإسرائيل هو ما سيجلب السلام مع الفلسطينيين. وأصبح توقيع اتفاقات سلام مع الدول التي ليس لإسرائيل معها مشكلات جغرافية (تحديدًا دول الخليج العربية) هدفًا استراتيجيًّا لنتنياهو. وفي أحد الخطابات الرسمية، أعلن أنه استلهم هذه الفكرة من استراتيجية دول الطوق الثاني لدافيد بن غوريون الذي كان يبحث عن التحالفات والشراكات في ما يتجاوز طوق العداء المحيط بإسرائيل‏[60].

أصبحت اللحظة مواتية لتلك الشراكات في عام 2014 عقب الربيع العربي. حينها بدأ النظام العربي مرحلة جديدة من أسوأ مراحله، استفحلت ظاهرة الإرهاب حتى أسس له دولة على أجزاء واسعة من سورية والعراق، وأصبح قادرًا على الفعل في عدد من البلدان العربية. كما حدث تغيير في موازين القوى في المنطقة، وأصبحت إيران ذات دور ونفوذ كبيرين في عدد من الدول، مع سعيها لتعزيز قدراتها النووية. مثّل هذا هاجسًا أمنيًّا كبيرًا لدى البلدان العربية والخليجية تحديدًا، وهو ما أدى إلى تغيُّر واضح في جدول أعمال هذه الدول وأصبح الخطر الإيراني والقضاء على الإرهاب هما المهدد الأول للأمن القومي الخليجي وعلى رأس أولوياتها. في مقابل ذلك تراجع الخطر الإسرائيلي كمهدد أمني وبالتبعية تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية.

كانت هذه اللحظة الحاسمة لنتنياهو ليشرع في خطوات جدية في مقاربته الجديدة للصراع، ويتسلل إلى قلب البلدان العربية، وجد أخيرًا المدخل إلى العواصم الخليجية، الإرهاب وإيران كعدو مشترك ومهدِّد لأمنهما القومي. دوليًّا، أعلن ذلك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2014 ‏[61]، ومحليًّا، خلال افتتاح دورة الكنيست الشتوية عام 2014‏[62]. تحدث نتنياهو صراحة عن أن تقاربًا أوسع بين إسرائيل والعالم العربي «قد يُسهّل سلامًا إسرائيليًّا فلسطينيًّا»، ولتحقيق هذا السلام، يجب «ألا نكتفي بالتوجه إلى القدس ورام الله، بل إلى القاهرة وعمان وأبو ظبي والرياض وغيرها»، وربط هذا السلام والتقارب مع الدول العربية الذي لا غنى عنه بالشرق الأوسط الجديد الذي يحمل مخاطر جديدة وفرصًا جديدة‏[63].

عكفت إسرائيل على تكثيف مساعيها الدبلوماسية مع دول الخليج. ومع عام 2018، حدثت النقلة المحورية، وبدأت العلاقات الخليجية – الإسرائيلية تدخل في حالة من التطبيع غير المسبوق، وانتقلت اللقاءات والاتصالات من السرية إلى العلن، بمستوًى جديد متقدم وعلني من التطبيع، تمثل بزيارات مصورة ولقاءات معلنة وتصريحات رسمية وتعاون اقتصادي تحت يافطات مشروعات عملاقة مشتركة‏[64]، ومخططات إسرائيلية لتطبيع العلاقات يتحدث عنها المسؤولون الإسرائيليون‏[65]، ومقترحات بإنشاء تحالف عسكري من الدول السنية ومعهم أمريكا وإسرائيل لمواجهة العدو الشيعي (إيران)‏[66].

في أيلول/سبتمبر 2020، جنى نتنياهو أولى ثمار مقاربته الجديدة لتغيير نمط الصراع، إذ وقع نتنياهو بدعم وضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقيتي تطبيع مع الإمارات والبحرين‏[67]، ثم السودان فالمغرب. وعندما وصل نتنياهو إلى غايته، بدأ يغض الطرف عن أي حديث متعلق بالسلام مع الفلسطينيين، وأعلن صراحة ما يؤمن به أن الفلسطينيين لا وزن ولا أهمية لهم في دفع عملية السلام، قالها في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023: «الفلسطينيون لا يمثلون سوى 2 بالمئة؜ من العالم العربي، في مقابل 98 بالمئة؜ من العرب سيتصالحون مع الدولة اليهودية»‏[68]. حاليًّا، تمر مقاربة نتنياهو بمرحلة جديدة «الثنائيات»، أي تقسيم المنطقة إلى فريقين. أعلن في خطابَيه لعامي 2024 و2025 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن هناك حلفين في الشرق الأوسط الجديد حلف النعمة (إسرائيل وحلفائها من العرب) في مقابل حلف النقمة (إيران وأذرعها)‏[69].

3 – سياسة الجدار الواقي: السيطرة على الضفة الغربية والجولان

في آب/أغسطس عام 2025، تحدث بنيامين نتنياهو إلى قناة i24 TV الإسرائيلية عن مدى ارتباطه برؤية إسرائيل الكبرى وأنه يشعر بكونه في مهمة تاريخية وروحية‏[70]. أُطلق مصطلح إسرائيل الكبرى هذا بعد حرب حزيران/يونيو 1967 على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948، إضافة إلى الأراضي التي احتلتها في حرب 1967 (القدس الشرقية، الضفة الغربية، قطاع غزة، شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان)‏[71]. واستخدم الصهاينة الأوائل أيضًا هذا المصطلح بمن فيهم مُلهمه زئيف جابوتنسكي.

ثمة ظن شائع أن لغزة أهمية استراتيجية عند نتنياهو تفوق أهمية الضفة الغربية، نظرًا إلى كونها تحت سيطرة الحركة الإسلامية حماس المدعومة من إيران، وما تمثله الأخيرة والفصائل الإسلامية المسلحة عمومًا من تهديد وجودي في نظره. والحقيقة، أن هذا الظن السائد حال دون الالتفات إلى رؤية نتنياهو للضفة الغربية وسياساته تجاهها. بالنسبة إلى نتنياهو، أهمية قطاع غزة أقل كثيرًا من أهمية الضفة الغربية، فهي تمثل خطرًا سياسيًّا فقط، في حين أن الضفة الغربية تمثل خطرًا عسكريًّا لإسرائيل‏[72]، نظرًا إلى قربها من المدن الإسرائيلية‏[73].

الضفة الغربية هي «الجدار الواقي» لإسرائيل كما سمَّاها نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس، وخصص لها فصلًا كاملًا يحمل هذا الاسم، تحدث فيه بتوسُّع عن قيمتها العسكرية وأهمية السيطرة عليها. إضافة إلى حديثه عنها في كثير من الخطابات المحلية والدولية. منها خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر عام 2011. ومما قاله عنها «من دون يهودا والسامرة، يبلغ عرض إسرائيل تسعة أميال. تحتاج إسرائيل إلى عمق استراتيجي أكبر، وللدفاع عن نفسها، يجب عليها الحفاظ على وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد في مناطق استراتيجية حيوية في الضفة الغربية. مطارنا الدولي الرئيسي يبعد بضعة كيلومترات من الضفة الغربية. من دون سلام، هل ستصبح طائراتنا أهدافًا للصواريخ المضادة للطائرات الموضوعة في الدولة الفلسطينية المجاورة»‏[74].

يدعي نتنياهو أن هناك ثلاثة أبعاد جعلت من الضفة الغربية العمق الاستراتيجي اللازم لإسرائيل:

الأول، أنها تمثل المساحة الجغرافية اللازمة التي تسمح للجيش بالانتشار لمواجهة أي خطر محتمل‏[75]. وتمثل هذه المساحة، بدورها، أحد أضلاع مثلث الردع الإسرائيلي. ومن دونها، سيجد الجيش نفسه منتشرًا في شوارع القدس ومداخل تل أبيب‏[76].

الثاني، أن الضفة الغربية تتلاءم جدًا مع عمليات الإعاقة المطلوبة للدفاع عن إسرائيل نظرًا إلى أن الطبوغرافية الجبلية لجبال الضفة الغربية تجعل من الصعب جدًا اجتيازها من جهة الشرق‏[77].

الثالث، أنها تمنح الجيش الاسرائيلي «القدرة على امتصاص» أي هجوم أرضي يُشن خلال قصف الصواريخ بعيدة المدى، وتبعد قصيرة المدى عن أهدافها‏[78].

بناءً عليه، يصل نتنياهو إلى نتيجة قاطعة مفادها أن متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي تستوجب الاحتفاظ بالعمق الاستراتيجي الذي تمثله جبال الضفة الغربية، يعني استمرار السيطرة عليها، لأن هذا الجدار الواقي حيوي لمستقبل الدولة‏[79].

وعد نتنياهو بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية خلال حملاته الانتخابية وأدرجها في أجندته السياسية كرئيس للوزراء‏[80]، واستعرض أكثر من مرة في خطاباته خرائط تظهر ضم الضفة الغربية إلى الأراضي الإسرائيلية‏[81]، لكن توقفه كل مرة علاقته بالإدارة الأمريكية، وبخاصة علاقته بالرئيس دونالد ترامب، عن أخذ أي خطوة فعلية أو دعم أي مشروع قرار بالكنيست لضم الضفة، مثلما حدث مع مشروع القرار الأخير الذي أقرَّه الكنيست بالقراءة التمهيدية‏[82]، ووصفه نتنياهو بالاستفزاز السياسي وطلب من ائتلافه الحكومي عدم دعمه‏[83].

وتحقيقًا لغايته الرئيسية من الضفة، انتهج نتنياهو سياسة التوسع الاستيطاني وضم أراضي جديدة من الضفة إلى المستوطنات. تشير بعض المصادر إلى أن عدد المستوطنات في ولايته الأخيرة ارتفع بنسبة 40 بالمئة؜. كما أنه حقق إنجازًا استيطانيًا جديدًا بإعلانه بدء تنفيذ المشروع الاستيطاني E1 والذي ظل مؤجلًا لعقود بسبب الضغوط الدولية. سيقسم هذا المشروع الضفة الغربية إلى نصفين شمالي وجنوبي، وسيحول القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم إلى كتلة عمرانية واحدة وهو ما يحول دون قيام أي دولة فلسطينية مستقبلًا‏[84].

ثمة بُعد آخر لا يمكن أي دولة البقاء من دونه، وهو يجعل من الضفة الغربية أيضًا الجدار الواقي لإسرائيل، هو المياه؛ فنحو 40 بالمئة؜ من نصف المياه العذبة التي تستهلكها إسرائيل تُستخرج من أحواض جوفية في الضفة الغربية‏[85]. ويدّعي نتنياهو أنه من دونها يمكن أن تتعرض إسرائيل لكارثة الجفاف إذا أصبح هذا المصدر الحيوي تحت سيادة دولة معادية‏[86]. لذلك قررت إسرائيل منذ سنوات أن تمارس سياسة التعطيش بحق فلسطينيي الضفة الغربية. وفقًا لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم)، فإن 36 بالمئة؜ فقط من سكان الضفة الغربية يحصلون على مياه جارية بصورة يومية، وأن إجمالي استهلاك الإسرائيليين من المياه في عام 2020 بلغ عشرة أضعاف إجمالي استهلاك الفلسطينيين في الضفة الغربية، رغم أن عدد السكان في إسرائيل هو أكبر بثلاثة أضعاف فقط لا بعشرة‏[87].

ما يدَّعيه نتنياهو من أهمية للضفة الغربية لإسرائيل ينسحب أيضًا على هضبة الجولان‏[88]. نقول يدعيه لأن كثيرًا من الجنرالات الإسرائيليين يرون أن السيطرة على الضفة الغربية ليست لها أي ضرورة عسكرية‏[89]. يرى نتنياهو أن الجولان تشبه الضفة في المقاييس، فهي تمثل حاجزًا طبيعيًا يحمي إسرائيل، وتسيطر على مصادر نهر الأردن وبحيرة طبرية التي تغذي إسرائيل بنحو 40 بالمئة أخرى من احتياطي المياه‏[90]. والتنازل عن هذه السيطرة يعني أن تتُرك بأيدي السوريين القوة لتجفيف إسرائيل‏[91].

ربطًا بما تحدثنا عنه سالفًا من شروط نتنياهو لتحقيق السلام في المنطقة والملزم للعرب بتنفيذها، يرى نتنياهو أنه أصبح لزامًا على العرب التخلي عن مطالبهم بالتنازل الإسرائيلي عن الضفة الغربية والجولان‏[92]، أي «التنازل عن أربعة أجزاء من عشرة آلاف جزء (0.0004) من المناطق الواسعة التي يسيطر عليها العرب»‏[93]، وما دون ذلك يعني أن العرب لا يريدون السلام.

4 – حل اللادولة

مذ بدأت كرة الثلج الأوروبية تتدحرج في أيلول/سبتمبر2025 ‏[94]، وأعلنت عشر دول أوروبية اعترافها بدولة فلسطين إلى جانب المؤتمر الدولي لتسوية قضية فلسطين وتحقيق حل الدولتين‏[95]، أخذ نتنياهو يكرر ويشدد على أنه «لن تقوم دولة فلسطينية»، في موقف قاطع لكنه ليس جديدًا‏[96]. مذ تصدر اسم نتنياهو الحياة السياسية والحزبية الإسرائيلية في عام 1993، هذا هو رأيه الذي لم يغيِّره أو يتراجع عنه أبدًا. في ذلك العام، فاز نتنياهو برئاسة حزب الليكود، وأصبح زعيمًا للمعارضة الإسرائيلية في وقت كانت إسرائيل على أعتاب توقيع اتفاقات أوسلو. تبنى نتنياهو حملة إعلامية مكثفة للهجوم على أوسلو وأطرافها وأهدافها. ومن أشهر ما صدر عنه مقال في النيويورك تايمز نُشر قبل أوسلو بأيام وعنونه «السلام في عصرنا»‏[97]، فنَّد فيه أسباب رفضه أوسلو وما سيترتب عليها من اعتراف بالفلسطينيين. وفي كتابه مكان تحت الشمس الذي صدر في تلك المدة استفاض في شرح أسباب رفضه التام لإقامة دولة فلسطينية.

راوغ نتنياهو مرات قليلة في حديثه عن حل الدولتين بصياغات خادعة، تحديدًا خلال السنوات الأولى لإدارة الرئيس الأمريكي أوباما الذي التقى بنتنياهو في واشنطن مع بداية ولايته الثانية كرئيس للحكومة في عام 2009. مارس أوباما ضغوطًا كثيرة عليه من أجل تقبُّل مقاربة حل الدولتين وتجميد بناء المستوطنات. عاد نتنياهو إلى تل أبيب وألقى خطابه المهم بار إيلان 1 في حزيران/يونيو 2009 للرد على الطلبات الأمريكية ولإعلان مستجدات برنامجه السياسي في ما يخص تسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. مما جاء في بار إيلان 1: عدم نيَّة إسرائيل بناء مستوطنات جديدة؛ والسلام مع الفلسطينيين رغبة إسرائيل حكومة وشعبًا؛ وعدم ممانعة نتنياهو في إقامة دولة فلسطينية. ولكن على الفلسطينيين مقدمًا: الاعتراف بالشرعية التاريخية لليهود على هذه الأرض، والتسليم بصحة الرواية اليهودية، والتنازل عن القدس لإسرائيل يعني التسليم بيهودية القدس. إضافة إلى التخلي عن حق عودة اللاجئين، والموافقة على نزع السلاح، يعني التنازل عن السيادة وعن حق الدفاع عن النفس، وكذلك ضمان وجود حدود آمنة لإسرائيل. شروط يمكن تسميتها الدائرة المفرغة أو شروط التسليم والإذعان. يريد نتنياهو أن يأخذهم إلى حل اللادولة الذي يريد لكن من طريق آخر مموَّه يصادقون فيه على التنازل عن الدولة. ظل نتنياهو يراوغ لسنوات وكرر شروطه المراوغة في خطاب بار إيلان 2 في تشرين الأول/أكتوبر 2013، وفي عدد من كلماته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة‏[98].

ظل نتنياهو يراوغ بصياغات ملتوية لا تتعارض مع رأيه الأصلي، حتى بدأت مفاوضات (5+1) مع إيران في شأن برنامجها النووي، فقرر نتنياهو أن يعلن بملء فيه رفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية. لا يراها مجرد خطر أو تهديد عادي بل «تهديدًا استراتيجيًّا من الدرجة الأولى على وجود دولة إسرائيل»، لأن وجود دولة فلسطينية – من وجهة نظره – سيقضي على كل احتمال لتحقيق سلام حقيقي، يأخذ المنطقة في نهاية الأمر إلى حرب حتمية‏[99]. ومن وجهة نظره، تنطوي إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية تحديدًا على خطر كبير، هذه ملامحه:

– التهديد بانهيار المنطقة الفاصلة في الجبهة الشرقية للدولة، وسلب قدرة إسرائيل على السيطرة على الضفة الغربية (الجدار الواقي) لصدِّ التهديد القادم من الشرق‏[100].

– صعوبة تطبيق مبدأ نزع السلاح، لأن إسرائيل لن تستطيع منع تهريب الصواريخ قصيرة المدى، والأسلحة الصغيرة، إلا إذا كانت بالفعل في الضفة الغربية‏[101].

– لذلك، سيتكون للدولة الفلسطينية جيش مزود بكميات كبيرة من الأسلحة الحديثة سيرابط في الضفة الغربية ويسيطر على المناطق المشرفة على إسرائيل كلها. وهذا تهديد مباشر للمدن الإسرائيلية ولقواعد الجيش والمطارات وكل المرافق الحيوية. في هذه الحالة، يمكن لهذا الجيش الشروع في حرب ضد إسرائيل‏[102]،

وسيترتب على ذلك سقوط أعداد كبيرة من الضحايا حتى لو لم تتدخل دول أخرى من الجبهة الشرقية في هذه الحرب‏[103].

لذلك، البديل الوحيد الممكن من وجهة نظر نتنياهو هو «الحكم الذاتي» الذي سيحافظ على السلام مع العرب ويجنِّب إسرائيل كل التهديدات والمخاطر السابقة، ويحقق لها أهدافها من التوسُّع في الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي وتعزيز قوة الجيش الإسرائيلي‏[104]. والحكم الذاتي يعني أن يُسمح لأقلية قومية أو دينية بإدارة شؤونها من دون سيادة أو استقلال تحت سيادة شعب آخر. يعني أن يُسمح للفلسطينيين بالعيش في غزة والضفة لكن تحت سيادة الشعب الإسرائيلي الذي سيدير له شؤون حياته‏[105].

كما أخذ نتنياهو يمهد الأرض يومًا بعد يوم بعدد من الإجراءات التي ستحول في نهاية الأمر دون قيام دولة فلسطينية. إذا كان الإقليم أو المساحة الجغرافية هي أحد المقومات الرئيسية لإقامة دولة، فإن سياسية نتنياهو في التوسع الاستيطاني وضمِّ أراضٍ جديدة من الضفة تفقد هذه الدولة أحد مقوماتها الرئيسية. يعمل نتنياهو منذ سنوات على سحب الأرض من الفلسطينيين وضمها إلى إسرائيل، وكما أشرنا سابقًا، فإن عدد المستوطنات في ولاية نتنياهو الأخيرة فقط ارتفع بنسبة 40 بالمئة‏[106]، والتوسع الاستيطاني الذي حدث خلال عام 2025 وحده هو الأكبر منذ ثلاثة عقود‏[107]. هذا فضلًا عن أن نفوذ المستوطنات في الضفة وصل إلى 60 بالمئة ؜من مساحتها‏[108]. أخيرًا، أعلن عن بدء تنفيذ المشروع الاستيطاني E1 والذي من شأن إعادة إحيائه في هذا التوقيت الإعلان عن استحالة قيام دولة فلسطينية‏[109]. هذا المشروع الاستيطاني يدمر البنية الجغرافية والديمغرافية أيضًا للضفة الغربية بتقطيعها إلى اثنين، وسيفصلها عن القدس الشرقية والتي ستتحول إلى كتلة عمرانية واحدة مع مستوطنة معاليه أدوميم‏[110].

أما عن غزة، فخلال عامَي الحرب، استطاع نتنياهو أن يجعل هذه الأرض غير قابلة للحياة لعقد قادم على الأقل. دمرت آلة الحرب الإسرائيلية ما يقرب من 84 بالمئة؜ من البنية التحتية لقطاع غزة، وبعض المناطق في القطاع دُمر 92 بالمئة؜ من بنيتها التحتية، وهو ما يعني أنها تقريبًا سويت بالأرض‏[111]. وخلف هذا الدمار نحو 61 مليون طن من الركام‏[112]، إضافة إلى الحفر الأرضية التي نتجت من قنابل الـ2000 رطل التي كان الجيش الإسرائيلي يقصف غزة بها، ويبلغ عرض الحفرة الواحدة 40 قدمًا‏[113].

خاتمة

سواءٌ رحل نتنياهو عن رئاسة الحكومة الإسرائيلية بفعل عوامل داخلية وخارجية، أو بقي مكانه ليبدأ ولايته السابعة، سنظل أمام رئيس الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، وأكثر من حقق للحركة الصهيونية الكثير من أهدافها الاستيطانية والاستعمارية. غرس فيه تكوينه النفسي والأيديولوجي الإحساسَ المستمرَ بالتهديد الوجودي، ورسخ فيه استخدام القوة الغاشمة، ففيها الحماية والخلاص والسبيل الوحيد لبقاء اليهود ودولتهم ولبقائه في السلطة. وعليه، أصبح مفهوم الأمن المطلق هو القاعدة التي تنطلق منها سياساته في ما يخص محيطه الشرق الأوسطي والعربي الذي ينظر نتنياهو إلى علاقته به على أنها علاقة صراع دائم لن ينتهي إلا بتملك إسرائيل قوة الردع اللازمة لتحقيق الحسم ومن ثم يتحقق السلام.

ينظر نتنياهو، مثل مُلهمه جابوتنسكي، إلى العرب نظرة سلبية، يرى فيهم الشرق العنيف المتخلف صانع الإرهاب. أما هم، فهم من الغرب المتحضر المتقدم صانع السلام. انطلاقًا من هذه الرؤية، استطاع نتنياهو أن يحصر الصراع في المنطقة على أنه صراع النور والظلام، أو بلغته التي يستخدمها للشرق الأوسط الجديد صراع حلف النعمة وحلف النقمة.

يختلف المتخصصون حول تفسيرات الجدار الحديدي لجابوتنسكي، وحول كونه أداة أم هدفًا في حد ذاته، ذلك لأن جابوتنسكي عندما أوحى إلى الحركة الصهيونية بالجدار الحديدي، لم يشرح ما المقصود منه؟ أو كيفية تطبيقه؟ اجتمع الأغلبية على أن المقصود من الجدار الحديدي هو بناء قوة عسكرية صهيونية إسرائيلية باطشة. وهناك من يرى، مثل يعقوب شافيت أستاذ التاريخ اليهودي في جامعة تل أبيب والباحث في الحركة التصحيحية، أن المقصود بـ«الجدار الحديدي هو السعي إلى فرض سلسلة من الظروف السياسية التي تحرم العرب التدخل في المشروع الصهيوني وذلك عبر استعراض القوة وفي حالات الضرورة استخدام القوة المادية الفعلية»‏[114]. أما آفي شلايم المؤرخ الإسرائيلي وأحد أشهر المؤرخين الجدد فحاول التخفيف من وطأة الجدار الحديدي بالزعم أن «رسالة الجدار الحقيقية قد أسيء فهمها، لأن الجدار بالنسبة إلى جابوتنسكي لم يكن غاية في حد ذاته ولكنه مجرد وسيلة أو أداة لتحطيم مقاومة العرب مسيرة الصهيونية»‏[115]. واليوم، وبعد مرور أكثر من مئة عام على أطروحة الجدار الحديدي، يمكننا أن نرى سياسات نتنياهو كنموذج تطبيقي مثالي للجدار الحديدي، وكدليل لتعريفه، ربما لم يحلم جابوتنسكي نفسه بمثل ذلك أو حتى ليتخيله.

نتنياهو هو التلميذ الذي تفوَّق على أستاذه، أو بالأدق تطرف عنه، واستطاع أن يطور أطروحته ويولد منها نسخة خاصة به «الجدار الحديدي – نسخة نتنياهو»، أو لنا أن نقول جدران حديدية تحيط بالشرق الأوسط كله. وهذه ليست مبالغة منّا، بل هي كلام نتنياهو نفسه، إذ سُئل في أحد اللقاءات الصحافية إذا كانت إسرائيل ستستمر في سياسة الجدار الحديدي، فأجاب بتطرفه المعتاد: «حتى إشعار آخر، نحن في شرق أوسط من الجدران الحديدية وما تفعله الجدران الحديدية هو أنها تمنحنا الوقت والأمل في أن تحدث تغييرات داخلية إيجابية في العالم العربي… ينبغي علينا خلق فهم ثابت في العالم العربي بأننا لن نختفي».

ختامًا، ستظل الكتابة عن بنيامين نتنياهو مهمة أيًّا كان موقعه، سواء احتفظ بلقب رئيس الوزراء الحالي أو حصل على صفة السابق. نحن أمام رجل ينطق ويفعل، لذا واجب علينا دراسته، لنفهم ماذا علينا فعله لحماية المنطقة العربية من زعيم متطرف لديه مشروع استيطاني غير مسبوق ويحلم بدولة كبرى لن تتحقق إلا بالقوة الباطشة لنستسلم ونسلِّم أرضنا.

أوراق ذات صلة:

المجتمع الدولي: من ازدواجية المعايير إلى شريعة الغاب الأمريكية – الإسرائيلية

الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة خلال حكومات نتنياهو

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.

الصورة من وكالة رويترز.

ناريمان ناجي: مستشارة للإعلام والاتصال
وباحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي.

[1] Agencies and TOI Staff, «Netanyahu Officially Makes Israeli History as Longest-serving Prime Minister,» The Times of Israel, 20/7/2019, <https://www.timesofisrael.com/netanyahu-officially-makes-israeli-history-as-longest-serving-prime-minister/> (Accessed on 23 November 2025).

[2] Bill Chappell and Daniel Estirn, «Netanyahu Says Israel Is «Nation-State of the Jewish People and them Alone»,» NPR, 11 March 2019, <https://www.npr.org/2019/03/11/702264118/netanyahu-says-israel-is-nation-state-of-the-jewish-people-and-them-alone> (Accessed on 23 November 2025).

[3] Global Fire Power, «2025 Israel Military Strength,» <https://www.globalfirepower.com/country-military-strength-detail.php?country_id=israel> (Accessed on 23 November 2025).

[4] «نتنياهو يوقع قرارًا بتوسيع مستوطنات: لن تُقام دولة فلسطينية،» الشرق، 11/9/2025، <https://rebrand.ly/96afc8> (تاريخ الولوج 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[5] BBC News, «Benjamin Netanyahu, Israel’s Controversial Leader,» BBC, 21 November 2024, <https://www.bbc.com/news/world-middle-east-18008697> (accessed on 23 November 2025).

[6] Raffi Berg, «Israel Judicial Reform Explained: What is the Crisis About?,» BBC World, 11 September 2023, <https://www.bbc.com/news/world-middle-east-65086871> (Accessed on 23 November 2025).

[7] Avi Shlaim, «It’s Now Clear: The Oslo Peace Accords Were Wrecked by Netanyahu’s Bad Faith,» The Guardian, 12/9/2013, <https://www.theguardian.com/commentisfree/2013/sep/12/oslo-israel-reneged-colonial-palestine> (Accessed on 23 November 2025).

[8] «UN Report: «Gaza Genocide: A Collective Crime» by the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967 (A/80/492),» Advance Unedited Version, 20 October 2025, <https://www.un.org/unispal/document/special-rapporteur-report-gaza-genocide-a-col​lective-crime-20oct25/> (Accessed on 23 November 2025).

[9] أخبار الأمم المتحدة، «المحكمة الجنائية الدولية تصدر مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعها السابق وقائد في حركة حماس،» 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، <https://news.un.org/ar/story/2024/11/1136816> (تاريخ الولوج 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[10] Shaul Kimhi, «The Psychological Profile of Benjamin Netanyahu Using Behavior Analysis, Tel Aviv University, January 2001, <rebrand.ly/9c8305> (Accessed on 23 November 2025).

[11] Jewish Virtual Library, The Revisionist Movement: <https://www.jewishvirtuallibrary.org/revis​ion​ist-zionism> (Accessed on 24 November 2025).

[12] Lawrence Joffe, «Benzion Netanyahu Obituary,» The Guardian, 1/5/2012, <https://www.the​guardian.com/world/2012/may/01/benzion-netanyahu> (Accessed on November 23, 2025).

[13]  Ibid.

[14] Walid Abdel Hay, «The Psychological Studies of the Personality of Benjamin Netanyahu,» Al- Zaytouna Center for Studies and Consultations, March 2021, <https://www.alzaytouna.net/english/AcademicArticles/PA_Walid-AbdalHay_Netanyahu-Psychological-Studies_3-21-Eng.pdf> (Accessed on 24 November 2025).

[15] مهند مصطفى، «نتنياهو الأب والابن: الكوارث كإطار فلسفي، جذور الفكر اليميني الصهيوني،» قضايا إسرائيلية، العدد 69 (آذار/مارس 2018)، ص 32.

[16] المصدر نفسه، ص 36.

[17] Benzion Netanyahu, The Founding Fathers of Zionism (Noble, OK: Balfour Books; Jerusalem: Gefen Publishers, 2012).

[18]  Joffe, «Benzion Netanyahu Obituary».

[19] Peter Robinson, ««Bibi: My Story, Benjamin Netanyahu on his Life and Times,» Hoover Ins­titut­ion, 8 December 2022, <https://www.hoover.org/research/bibi-my-story-benjamin-netanyahu-his-life-and-times> (Accessed on 24 November 2025).

[20]  Joffe, Ibid.

[21] Avner Ben-Zakin, «The Father, the Son (Bibi) and the Spirit of Catastrophe,» Haaretz, 24/5/2015, <https://tinyurl.com/ta5ae58e> (Accessed on 24 November 2025).

[22] Chris Bambery, «The Man in Whose Shadow Netanyahu Walks,» Counterfire, 15 March 2024: <https://www.counterfire.org/article/the-man-in-whose-shadow-netanyahu-walks/> (Accessed on 24 November 2025).

[23] Eran Kaplan, «Israel’s «Iron Wall»: A Brief History of the Ideology Guiding Benjamin Netan­yahu,» The Conversation, 25 March 2024, <https://theconversation.com/israels-iron-wall-a-brief-history-of-the-ideology-guiding-benjamin-netanyahu-225936> (Accessed on 24 November 2025).

[24] آفي شلايم، الحائط الحديدي: إسرائيل والعالم العربي، ترجمة ناصر عفيفي (القاهرة: مؤسسة روز اليوسف، 2007)، ص 21 – 22.

[25] «بيتار،» المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، <https://tinyurl.com/3ezfk9cy> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[26] «ايتسل،» المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، <https://tinyurl.com/ye2xax87> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[27] Ze’ev Jabontisky, «The Iron Wall,» Razsviet (4 November 1923), <https://en.jabotinsky.org/media/9747/the-iron-wall.pdf> (Accessed on 24 November 2025).

[28] نبيه بشير، «قراءة جديدة لعقيدة الجدار الحديدي،» قضايا إسرائيلية، العدد 69 (آذار/مارس 2018)، ص 42 – 43.

[29] المصدر نفسه، ص 45 – 46.

[30] المصدر نفسه، ص 45 – 46.

[31] Yael S. Aronoff, The Political Psychology of Israeli Prime Ministers: When Hard-Liners Opt for Peace (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2014), p. 45.

[32] Benjamin Netanyahu, «PM Netanyahu’s Remarks at the Memorial Service for Ze’ev Jabo­tinsky,» 23 July 2017, <https://www.gov.il/en/pages/speechjabo230717> (Accessed on 24 November 2025).

[33] «Netanyahu’s «Iron Wall» Speech: Israel «Must» Control Entire Territory from Sea to Jordan,» Ynet, 21/6/2025, <https://www.ynetnews.com/article/tollqb5tx> (Accessed on 24 November 2025).

[34] «Excerpt from Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Remarks at the State Memorial Ceremony for Ze’ev Jabotinsky, <https://www.gov.il/en/departments/news/epmjabo> (Accessed on 24 November 2025).

[35] بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس، ط 3، مزيدة ومنقحة (عمّان: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، 2015).

[36] المصدر نفسه، ص 424.

[37] Address by PM Netanyahu at Bar-Ilan University (I), 14 June 2009, <https://www.gov.il/en/pages/address-by-pm-netanyahu-at-bar-ilan-university-14-jun-2009>. (Accessed on 24 November 2025).

[38] أنطوان شلحت، بنيامين نتنياهو: عقيدة «اللاحل» (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2014)، ص 68.

[39] نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 332.

[40] المصدر نفسه، ص 347.

[41] المصدر نفسه، ص 346.

[42] المصدر نفسه، ص 348.

[43] Benjamin Netanyahu, In the Absence of Democracies Outside Israel, Peace is Only Possible through Deterrence – «Peace Through Strength», Los Angeles World Affairs Council, 17 November 1997, <https://www.youtube.com/watch?v=jCDw9LkBfYo> (Accessed on 24 November 2025).

[44] U.S Department of States Website, The Abraham Accords, <https://www.state.gov/the-abraham-accords> (accessed on 23 November 2025).

[45] Dan Williams, «Tapped to Head New Hard-right Government, Netanyahu Pledges Israeli Unity,» Reuters, 13 November 2022, <https://www.reuters.com/world/middle-east/netanyahu-formally-tasked-with-forming-new-israeli-government-2022-11-13/> (Accessed on 24 November 2025).

[46] Gil Murciano, «Peace Through Strength – Israel’s Version: Abandoning Diplomacy for a Military-Only Strategy,» The Israeli Institute for Regional Foreign Policies, August 2025, <https://mitvim.org.il/en/publication/peace-through-strength/> (Accessed on 24 November 2025).

[47] «Excerpt from PM Netanyahu’s Knesset Remarks,» Israeli Government Website, <https://www.gov.il/en/pages/event-knesset240624> (Accessed on 24 November 2025).

[48] «In Fiery Speech to Congress, Netanyahu Vows «Total Victory» in Gaza and Denounces US Protesters,» 25 July 2024, <https://youtu.be/ICwO2rRILSA?si=MxcBQpodAB2UPdaj> (accessed on 24 November 2025).

[49] «PM Netanyahu at an Air Force Arrow Unit «Total Victory»,» Israel Government Website, 23 July 2025, <https://www.gov.il/en/pages/event-air-force230625> (Accessed on 24 November 2025).

[50] «تسلسل زمني لاغتيالات قادة حزب الله في العمليات الإسرائيلية مؤخرًا،» سي إن إن بالعربي، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2024، <https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/10/01/hezbollah-leaders-killed-infographic> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[51]Oman Al Yahyai, «Timeline: How Did the Israel-Iran Conflict Escalate?,» Euronews, 13 June 2025, <https://www.euronews.com/2025/06/13/timeline-how-did-the-israel-iran-conflict-escalate> (Ac­cess­ed on 24 November 2025).

[52] «ترامب يعلن نهاية حرب إسرائيل وإيران بعد 12 يومًا من التصعيد العسكري بين البلدين،» فرانس 24، 24 حزيران/يونيو 2025، <https://tinyurl.com/33mrw8z6> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[53] Ana Faguy, «Trump Calls US Strikes on Iran’s Nuclear Facilities «Spectacular Success»,» BBC, 22 June 2025, <https://www.bbc.com/news/articles/c39z01m93r4o> (accessed on 24 November 2025).

[54] «قصف إسرائيلي يستهدف قصر الرئاسة ومقر هيئة الأركان في دمشق،» سكاي نيوز عربية، 16 تموز/يوليو 2025، <https://tinyurl.com/4xb7hhf9> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[55] «نتنياهو عن دخوله جنوب سوريا: من مصلحة دمشق الاتفاق معنا،» العربية.نت، 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، <https://tinyurl.com/yd3kay24> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[56] «إسرائيل تعلن مقتل رئيس أركان حزب الله بأول ضربة في قلب بيروت منذ أشهر،» سي إن إن بالعربية، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، <https://tinyurl.com/5y4vphrj> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[57] «عملية زئير الأسد،» موقع الجيش الإسرائيلي بالعربي، 15 آذار/مارس 2026، <https://tinyurl.com/kx7wvzbh> (تاريخ الولوج 6 حزيران/يونيو 2026).

[58] انظر: «مقتل علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران بعد أكثر من ثلاثة عقود في السلطة،» فرانس 24، 1 آذار/مارس 2026، <https://tinyurl.com/2r5tdcf8> (تاريخ الولوج 6 حزيران/يونيو 2026).

انظر أيضًا: Phil Stewart [et al.], «Exclusive: U.S. Can Only Confirm about A Third of Iran’s Missile Arsenal Destroyed, Sources Say,» Reuters, 27 March 2026, <https://tinyurl.com/cuz83zxw> (accessed on 6 June 2026).

[59] «Full text of Netanyahu’s speech at Bar-Ilan (II),» The Times of Israel, 7/10/2013, <https://www.timesofisrael.com/full-text-of-netanyahus-speech-at-bar-ilan/> (accessed on 24 November 2025).

[60] شلحت، بنيامين نتنياهو: عقيدة «اللاحل»، ص 20.

[61] «Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the United Nations General Assembly,» 29 September 2014, <https://gadebate.un.org/sites/default/files/gastatements/69/il_en_25.pdf> (accessed on 24 November 2025).

[62] شلحت، المصدر نفسه، ص 22.

[63] «Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the United Nations General Assembly, 2014, Ibid.

[64] «في زيارة إلى أبو ظبي.. ما القضايا التي ناقشها وزير الخارجية الإسرائيلي مع مسؤول إماراتي «كبير»؟،» سي إن إن بالعربية، 1 تموز/يوليو 2019، <https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2019/07/01/israel-fm-visits-abu-dhabi> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[65] «كاتس: نعمل على اتفاق «تاريخي» مع دول الخليج،» دويتش فيله، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2019، <https://tinyurl.com/3r5ttvn7> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[66] «US Plans «Arab NATO» against Iran,» DW, 29 July 2018, <https://www.dw.com/en/us-bids-to-revive-arab-nato-alliance-as-part-of-measures-against-iran/a-44866600> (Accessed on 24 November 2025), and TOI Staff and Agencies, «Netanyahu Said Invited to Anti-Iran Conference in Warsaw alongside Arab FMs,» The Times of Israel, 11/1/2019, <https://tinyurl.com/yfu36b44> (Accessed on 24 November 2025).

[67] Patsi Widakuswara, «Trump Hosts Abraham Accords Signing Between Israel, UAE and Bahrain,» Voice of America, 15 September 2020, <https://tinyurl.com/nhhv46ea>.

[68] «Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the United Nations General Assembly,» September 2023, <https://gadebate.un.org/sites/default/files/gastatements/78/il_en.pdf> (Accessed on 24 November 2025).

[69] «Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the United Nations General Assembly,» September 2024, <https://gadebate.un.org/sites/default/files/gastatements/79/il_fl.pdf> (Accessed on 24 November 2025), and «Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the United Nations General Assembly,» September 2025, <https://www.timesofisrael.com/full-text-of-netanyahus-speech-we-wont-let-the-world-shove-a-terror-state-down-our-throat> (Accessed on 24 November 2025).

[70] «Netanyahu Says he’s on a «Historic and Spiritual Mission», also Feels a Connection to Vision of Greater Israel,» The Times of Israel, 12/8/2025, <https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/netan​yahu-says-hes-on-a-historic-and-spiritual-mission-endorses-vision-of-greater-israel/> (Accessed on 24 November 2025).

[71]  Ibid.

[72] نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 377.

[73] المصدر نفسه، ص 451.

[74] Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the United Nations General Assembly, Sep­tember, 2011, <https://www.americanrhetoric.com/speeches/benjaminnetanyahu2011unitednations.htm> (Accessed on 24 November 2025).

[75] نتنياهو، المصدر نفسه، ص 355.

[76] المصدر نفسه، ص 358.

[77] المصدر نفسه، ص 359.

[78] المصدر نفسه.

[79] المصدر نفسه، ص 380.

[80] «Israel’s PM Benjamin Netanyahu vows to annex part of West Bank,» Sky News, 10 September 2019, <https://news.sky.com/video/israels-netanyahu-vows-to-annex-part-of-west-bank-11806540> (Ac­cessed on 24 November 2025), and «Netanyahu’s Government Vows to Expand West Bank Settle­ments, Annex Occupied Territory,» PBS, 28 December 2022, <https://www.pbs.org/newshour/world/netan​yahus-government-vows-to-expand-west-bank-settlements-annex-occupied-territory> (Accessed on 24 November 2025).

[81] «بعد الجدل حولها.. أول تعليق من السلطة الفلسطينية على خريطة استخدمها نتنياهو تُظهر «ضم الضفة الغربية»،» سي إن إن بالعربية، 3 أيلول/سبتمبر 2024، <https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/09/03/first-comment-pa-netanyahu-map-without-west-bank> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[82] «إسرائيل: الكنيست يوافق مبدئيًا على مشروع قانون لضم الضفة الغربية،» فرانس 24، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2025، <https://tinyurl.com/2zsa6my6>. (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[83] «نتنياهو: تصويت ضم الضفة الغربية كان «استفزازًا سياسيًا»،» سكاي نيوز عربية نيوز، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2025، <https://tinyurl.com/36facxwj> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[84] «مخطط E1 الاستيطاني.. خطة إسرائيلية لتقطيع أوصال حل الدولتين،» الشرق للأخبار، 15/8/2025، <https://tinyurl.com/3399jwyk> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[85] فاناك ووتر، «موارد المياه في إسرائيل،» 15 آب/أغسطس 2025، <https://water.fanack.com/ar/israel/water-resources-in-israel> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[86] نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 379.

[87] مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسليم)، «تجفيف: سياسة التعطيش الإسرائيلية في الضفة الغربية،» أيار/مايو 2023، <https://www.btselem.org/arabic/publications/202305_parched> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[88] نتنياهو، المصدر نفسه، ص 380.

[89] شلايم، الحائط الحديدي: إسرائيل والعالم العربي، ص 540.

[90] ووتر، «موارد المياه في إسرائيل».

[91] نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 381.

[92] المصدر نفسه، ص 384.

[93] المصدر نفسه، ص 495.

[94] شروق أسعد، «ترحيب فلسطيني بقرار فرنسا من بين 10 دول أوروبية الاعتراف بالدولة الفلسطينية،» مونت كارلو الدولية، 20 أيلول/سبتمبر 2025، <https://tinyurl.com/5xwpwr3u> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[95] أخبار الأمم المتحدة، «تغطية شاملة: مؤتمر تسوية قضية فلسطين وتحقيق حل الدولتين،» 22 أيلول/سبتمبر 2025، <https://news.un.org/ar/story/2025/09/1143387> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[96]لازار بيرمان ونافا فرايبرغ، «نتنياهو: «لن تقوم دولة فلسطينية» حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات مع السعودية،» تايمز أوف إسرائيل، 21/11/2025، <https://tinyurl.com/yfbnndzu> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[97] Benjamin Netanyahu, «Peace in Our Time,» The New York Times, 5/9/1993, <https://www.ny​times.com/1993/09/05/opinion/peace-in-our-time.html> (Accessed on 23 November 2025).

[98] شلحت، بنيامين نتنياهو: عقيدة «اللاحل»، ص 69.

[99] نتنياهو، مكان تحت الشمس، ص 443 – 444.

[100] المصدر نفسه، ص 443.

[101] المصدر نفسه، ص 370.

[102] المصدر نفسه، ص 443.

[103] المصدر نفسه، ص 442.

[104] المصدر نفسه، ص 461.

[105] المصدر نفسه.

[106] «ارتفاع الاستيطان بالضفة بولاية نتنياهو الحالية بنسبة 40%،» الجزيرة.نت، 4 تموز/يوليو 2025، <https://tinyurl.com/2v2x9en8> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[107] David Gritten and Yolande Knell, Israel Announces Major Expansion of Settlements in Occupied West Bank,» BBC, 29 May 2025, <https://www.bbc.com/news/articles/c1j5954edlno> (Access­ed on 24 November 24 2025).

[108] عوض الرجوب، «خبير فلسطيني للجزيرة نت: نفوذ المستوطنات يطال 60% من مساحة الضفة،» الجزيرة نت، 25 فبراير 2024، <https://tinyurl.com/36nff8se> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[109] «مشروع (E1): الضربة القاضية لحل الدولتين وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للضفة الغربية،» 16 آب/أغسطس 2025، <https://tinyurl.com/3xpz3emw> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[110] مخطط «إي 1».. خطة استيطانية للتغيير الديمغرافي في القدس،» الجزيرة نت، 15 آب/أغسطس 2025، <https://tinyurl.com/4su8byhn> (تاريخ الولوج 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

[111] Paul Brown [et al.], ««Worse Than Starting from Scratch»: How Big Is the task of Rebuilding Gaza?,» BBC, 15 October 2025, <https://www.bbc.com/news/articles/cr5e4ee9r13o> (Accessed on 24 November 2025).

[112] United Nations Development Programme [UNDP], «Clearing Most of the Rubble in the Gaza Strip is Possible in Seven Years under Right Conditions,» UNDP, 20 November 2025, <https://www.undp.org/stories/clearing-most-rubble-gaza-strip-possible-seven-years-under-right-conditions> (accessed on 24 November 2025).

[113] Robin Stein [et al.], «A Times Investigation Tracked Israel’s Use of One of Its Most Destructive Bombs in South Gaza,» The New York Times, 21/12/2023, <https://www.nytimes.com/2023/12/21/world/middleeast/israel-gaza-bomb-investigation.html> (Accessed on 24 November 2025).

[114] نبيه بشير، «قراءة جديدة لعقيدة الجدار الحديدي،» قضايا إسرائيلية، العدد 69 (آذار/مارس 2018)، ص 42.

[115] شلايم، الحائط الحديدي: إسرائيل والعالم العربي، ص 546 – 547.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز