أولًا: المجتمع الدولي: التحوُّلات التاريخية

راوحت النظرة في علم العلاقات الدولية إلى الأطر الدولية بين مفهومَي النظام الدولي والمجتمع الدولي. ورغم اختلاف هذين المفهومين فهما يتفقان على أن النظام الدولي/المجتمع الدولي هو مجتمع فوضوي يتميّز بغياب السلطة العالمية المركزية، وبسبب ذلك تتجه دول العالم إلى الصراع والهيمنة وفق منظور مقاربة النظام الدولي، أو تتجه ضدًّا إلى التعاون وفق منظور مقاربة المجتمع الدولي. ويمكن القارئ العودة إلى الأدبيات ذات العلاقة لتوضيح الفوارق بين هاتين المقاربتين وجوانب تقاطعهما أيضًا[1].

يَستخدم هذا المقال، من الآن فصاعدًا، تعبير المجتمع الدولي مرتبطًا بالأمل بتطوره المستقبلي إلى كيان تعاوني حقيقي قائم على المساواة والشراكة بين مختلف دول العالم سواء من خلال الأمم المتحدة أو من خلال العلاقات الثنائية والجماعية بين الدول. هذا، ولا يزال المجتمع الدولي عرضة لتحكُّم الدول العظمى التي تفرض إرادتها عليه، ولا يزال دور الأمم المتحدة هامشيًّا في إطاره، هذا ناهيك بسيطرة الدول العظمى على مجلس الأمن بما يخدم مصالح الدول العظمى، وسيظل الأمر كذلك إلى أن يحدث تحول عالمي تصبح معه كل دول العالم متساوية في حق التصويت، بحيث تتحول الأمم المتحدة إلى كيان عالمي يتجاوز هيمنة الدول الكبرى عليه، ليعبِّر عن الإرادة المتساوية لمكوناته من الدول والأفراد والجماعات والمنظمات بما فيها الأمم المتحدة. وفي العقود الأخيرة، بات العالم يشهد بعض التحولات التي تعطي مساحة لدول إقليمية كبرى للهيمنة على مستوى الإقليم المسمى الشرق الأوسط، مثل تركيا وايران وإسرائيل، لكن مع اختلاف الأجندة بينها، ومع اعتمادها الهيمنة المبنية على الأداتين الخشنة والناعمة، فإن منهجها هذا يظل بمنأى عن معايير الحقوق والمساواة بين الدول والعدالة التي تقوم عليها مواثيق الأمم المتحدة.

في ما يتعلق بالمنظمات الأممية، أي عصبة الأمم ثم منظمة الأمم المتحدة اللتين قامتا منذ بداية كل منهما وحتى اليوم على تحكُّم الدول العظمى وهيمنتها على القرار الدولي، فقد مرَّت الأخيرة منهما في مرحلة سابقة كانت تتسم بالازدواجية في تطبيق المعايير الأممية، أي تطبيقها بانتقائية على دول دون أخرى وبما يتوافق مع مصالح الدول الكبرى وعلاقاتها. هذا في حين تجري في العقد الأخير (وهذا هو الجديد الذي تحاول هذه الدراسة تقصّيه)، عملية إعادة تشكيل المجتمع الدولي كله بالإكراه، من خلال تغيير المعايير الحاكمة للعلاقات الدولية، بما يشمل تغيير مرجعيات الأمم المتحدة وهيكليتها والانقضاض على مؤسساتها وشطب ومعاقبة مؤسساتها الداعمة لحقوق الإنسان وسيادة الدول وحقوق الشعوب مثل الأونروا والمحكمة الجنائية الدولية واليونسكو ومجلس حقوق الإنسان الأممي، وفي شباط/فبراير 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًّا أوعز فيه لوزير الخارجية بمراجعة كل المنظمات والمعاهدات الدولية التي تشارك الولايات المتحدة فيها، والانسحاب من ما لا يناسب مصالح الولايات المتحدة البقاء فيها. كما اقترحت الولايات المتحدة خفض الدعم للأمم المتحدة بنسبة 78 بالمئة، وقرَّرت الانسحاب من اتفاق باريس حول التغيُّر المناخي، ومن منظمة الصحة العالمية، ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها، ووقف التمويل لوكالة الأونروا[2]. وفي الأيام الأولى من عام 2026 قرَّرت الولايات المتحدة الانسحاب من 66 منظمة دولية، وهو ما عزز انسحابها من المجتمع الدولي القائم حتى حينه على التعددية في اتخاذ القرار بين الدول العظمى، وتَحلُّلها من المسؤولية الكبرى للدولة الأعظم في هذا الإطار.

بذلك، انتقلت الولايات المتحدة إلى النهج الأُحادي في إدارة العلاقات الدولية من خلال شن حرب التعريفات الجمركية، وإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية الثنائية مع دول وكتل اقتصادية مختلفة من العالم، وتقليص المعونات الأمريكية لدول العالم ومنظماته غير الحكومية، والإفصاح عن الأجندة التوسعية في انتهاك لسيادة الدول التي قام ميثاق الأمم المتحدة على أساس احترامها، مثل السعي لضمّ كندا إلى الولايات المتحدة لتكون الولاية الثانية والخمسين، والسيطرة على قناة بنما، وتهديد فنزويلا بذريعة تهريبها المخدرات إلى الولايات المتحدة، ولاحقًا اعتقال رئيسها وزوجته في مطلع عام 2026، والمطالبة باستعادة قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان لتسهيل مهاجمة الصين وروسيا، واستمرار دعم انفصال تايوان عن الصين والتهديد بحرب في حال مهاجمة الصين تايوان، وإعادة احتلال غزة: أو قسم كبير منها وتهجير فلسطينيِّيها لإقامة ريفييرا شرق أوسطية على أرضهم من دونهم، وضمّ الضفة الغربية رسميًا و/أو واقعيًا إلى إسرائيل، واستملاك الولايات المتحدة جزيرة غرينلاند عبر السعي لشرائها من الدنمارك والتهديد بالسيطرة عليها عسكريًّا إن لم يتم ذلك، وتهديد المكسيك وكوبا وكولومبيا، ونهبها أموال بلدان الخليج العربي، واتجاهها إلى الاستحواذ على معادن أوكرانيا، ولتوسيع إسرائيل «التي تبدو صغيرة على الخريطة» كما صرح ترامب، ولمنع فرض جمارك على السفن الأمريكية التي تعبر قناة السويس، ورفض منح التأشيرات للرئيس الفلسطيني ومرافقيه للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025، وحظر دخول الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن دعا خلال خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إنشاء جيش دولي لتحرير فلسطين، وأخيرًا وليس آخرًا قرار مجلس الأمن الرقم 2803 في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في شأن غزة الذي تجاهل كل المعايير القانونية وقرارات الأمم المتحدة السابقة في شأن القضية الفلسطينية، التي كانت تنص على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، والأهم أنه صادر صلاحيات الأمم المتحدة بقرار منها، حيث نص القرار على إقامة مجلس سلام برئاسة دونالد ترامب يؤدي مهمات دولية هي من صلاحيات الأمم المتحدة بدءًا من غزة، وقد تأسس هذا المجلس في الخامس عشر من كانون الثاني/نوفمبر 2026.

مع هذه الأفعال، لم يعد القائم هو ازدواجية تطبيق معايير نظام الأمم المتحدة، وإنما أصبح المستهدَف هو المعايير الأممية نفسها، إذ لم يعد احترام سيادة الدول مقبولًا إلا بمدى توافقها مع مصالح الدولة المهيمنة عالميًا (أمريكا)، وربيبتها الساعية للهيمنة على الشرق الأوسط الكبير (إسرائيل). وفي هذا الإطار، تُقرر إسرائيل انتهاك وحدة دولة الصومال بالاعتراف بدولة أرض الصومال في كانون الأول/ديسمبر 2025، في اقتداء لما تفعله أمريكا تجاه سيادة كندا والمكسيك وبنما وفنزويلا وكوبا وكولومبيا في دول أمريكا اللاتينية، وغيرها خارجها، كما تحارب الأونروا وتعدّها منظمة إرهابية، وتهاجم المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان الأممي ومختلف منظمات الأمم المتحدة في اتساق مع ما فعلته وتفعله الولايات المتحدة في هذا الخصوص.

يتمثل فاعلو عملية إعادة تشكيل المجتمع الدولي هذه في الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة الرئيس ترامب مدعومًا من الأوليغارشية المالية الصهيو – أمريكية/غربية، ومن الحركات الإنجيلية والحركة الصهيونية العالمية ودولتها إسرائيل، وتتناغم معها بعض دول أوروبا كليًّا أو جزئيًّا. ويهدف تحالف هؤلاء الفاعلين إلى ما هو ليس بأقل من إعادة صوغ التراتبية داخل المجتمع الدولي لمصلحة تكريس الهيمنة الأمريكية المطلقة عليه بعدما بدأت تتفكك، وتعزيز الهيمنة الإسرائيلية في محيط الشرق الأوسط الكبير، وإعادة السيطرة على العالم من جديد بعد أن خرج قسم كبير منه عن التبعية المطواعة لأمريكا، وتغيير خرائطه على أساس معادلات «السلام المبني على القوة» بلغة ترامب (نقرأ: السلام القائم على الخضوع والإخضاع، أو سلام الردع وفق أطروحة نتنياهو المتوارثة عن زئيف فلاديمير جابوتنسكي)، ويتم تقاسم الأدوار بين الشركاء في هذا التحالف لتنفيذ مشروعات يطمحون إلى أن تنتهي بالسيطرة على العالم، منها مشاريع «أرض إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الجديد» الذي يمثل المشروع الجيوسياسي الأوسع لإسرائيل، والممر الهندي عبر إسرائيل إلى أوروبا في مواجهة طريق الحزام الصيني، والتغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، واحتواء الصين وروسيا، وتفكيك الاتحاد الأوروبي، وإعادة أمريكا اللاتينية إلى الحظيرة الأمريكية. وفي إطار السعي لتنفيذ هذه المشاريع تحتل الدولتان الاستيطانيتان الاستعماريتان الأم والابنة، الولايات المتحدة وإسرائيل، دور الريادة ضمن توظيف المشروع الإسرائيلي للهيمنة الإقليمية ليتكامل ويصبّ في المشروع الأمريكي للهيمنة العالمية. في العقود الماضية شنت الولايات المتحدة كإمبراطورية عالمية حروبًا عدوانية كثيرة في كل أنحاء الأرض آخرها ضد أفغانستان والعراق تمت تحت أغطية نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب، ولكن الجديد في العقد الأخير يتمثل بالسعي الأمريكي – الإسرائيلي المشترك بقيادة أمريكية لتحقيق الحسم في استعادة السيطرة على العالم من دون أي أغطية، وبما يشمل برامج معلنة جهارًا للتوسع وللسيطرة على النفط والموارد وأراضي الدول الأخرى بالوسائل العسكرية، والاقتصادية، وتكوين مجتمع دولي جديد خاضع لسطوتهما.

يتسم ما يجري بالعودة إلى الأساليب الاستعمارية، والاستعمارية الاستيطانية للقرن التاسع عشر، وذلك بعد أن تراخى نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية عالميًّا وأصبحت مهددة من الصين، مضافًا إلى ذلك أزماتها الاقتصادية الداخلية، وكذلك بعد أن تراخت قوة إسرائيل في المنطقة في ضوء ظهور إيران وتركيا كقوتين منافستين لها فيها. لذلك يسعى الحليفان الأمريكي والإسرائيلي إلى استعادة قوتيهما عبر استخدام القوة السافرة وإثارة الحروب والتهديد بأخرى، والعودة إلى أساليب التوحُّش ضد بعض الدول، وبما يُرهب أخرى ويجعلها تنصاع طواعية من أجل تجنُّب الضرر. لكن هذه المحاولات تواجَه بموقف أوروبي رسمي لا يزال يسعى للحفاظ على نظام ازدواجية المعايير السابق، وموقف صيني يرفض أفكار التوسع الجغرافي وتغيير الأنظمة ويسعى لإصلاح نظام الأمم المتحدة، هذا عوضًا من عدد من العوامل الكابحة الأخرى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 570 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 570 آب/أغسطس 2026

دراسة ذات صلة:

التاريخ القانوني لنهب أراضي فلسطين بين الشرعية الدولية وشريعة الغاب

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 570 في آب/أغسطس 2026.

وليد سالم: مركز دراسات القدس في جامعة القدس، ورئيس
تحرير مجلة «المقدسية» الصادرة من الجامعة.

حقوق الصورة ل Getty Images.

[1] انظر مثلًا: خالد المصري، مدخل إلى نظرية العلاقات الدولية (دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2014)؛ انظر أيضًا: John Baylis and Steve Smith, The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations (London: Oxford, 1997); Stephen Walt, The Origins of Alliances (Ithaca, CA; London: Cornell University Press, 1987); A.F.K. Organski, World Politics (New York: Knopf, 1958); John Mearsheimer, Tragedy of Great Powers Politics (New York: Norton, 2010); Hans Morgenthau, Politics Among Nations: The Struggle For Power and Peace, 7th ed. (New York: Knopf, 1966), and Kenneth Waltz, «Structural Realism after the Cold War,» International Security Journal, vol. 25, no .1 (2000), pp. 5-41.

[2] Stewart Patrick, «League of Nations Redux? Multilateralism in the Post-American World,» Carnegie Endowment, 9 September 2025, <https://carnegieendowment.org/research/2025/09/multilateral​ism-​post-american-world>.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز