مقدمة

رغم أن الأيديولوجيا تعد «اختصارًا معرفيًّا» للجماهير ومسارًا موجهًا للنخب، فإن أثرها في السياسات العمومية يظل مثار نقاش، إذ يظهر تباين جوهري بين المنطق الأيديولوجي الذي يستند إلى منظومات قيمية معيارية، والمنهج العلمي القائم على الاختبار والدحض‏[1]، ولا سيَّما في الأنظمة الهجينة التي تتعايش فيها الشرعية الانتخابية مع فاعلين فوق – حزبيين. كما هو في الحالة المغربية، تظهر الأدبيات‏[2] أن المبادرات ذات المنشأ الملكي أو التكنوقراطي تتقدم عادة على المطالب الحزبية، في حين تضع هندسة الائتلافات الواسعة حدًّا لقدرة الحزب القائد على نقل رؤيته القيمية إلى نصوص قانونية ملزمة‏[3].

في هذا السياق، تقارن الدراسة تجربتين مفصليتين: انتقال السلطة إلى الاتحاد الاشتراكي عبر «تناوب توافقي» أواخر التسعينيات، وصعود الإسلاميين بقيادة العدالة والتنمية بعد دستور 2011، والهدف هو قياس «درجة الانسجام الأيديولوجي» بين مرجعية الحزب ومخرجات السياسات، وتفسير تبايناته قطاعيًّا وزمنيًّا عبر اختبار فرضيتين: «الفضاء المشروط» و«هيمنة آليات الضبط».

تتمحور الإشكالية حول حدود الحزب القائد للائتلاف وقدرته على ترجمة مرجعيته إلى سياسات عمومية منسجمة داخل نظام هجين‏[4]. وتتفرع أسئلة تفصيلية عن درجة الانسجام عبر القطاعات (اقتصادي/اجتماعي/حقوقي)، وكيفية تفاعل القيود البنيوية (الملكية، والتكنوقراط، والائتلافات) مع المرجعية الحزبية (اشتراكية/إسلامية)، وأثر منشأ المبادرة وتكلفتها، وتأثير دستور 2011 في موازين الفاعلين.

تقوم الدراسة على فرضية الفضاء المشروط، بحيث يتسع مجال التأثير الأيديولوجي حين تتقاطع أجندة الحزب مع أولويات الدولة (الشرعية/التحديث)، وينكمش أمام ضرورات الاقتصاد والسيادة؛ وعلى فرضية هيمنة آليات الضبط، بحيث تعيد النخب التكنوقراطية وهندسة الائتلافات «الفيتو الملكي» صوغ المبادرات، بما يضمن أسبقية منطق الدولة واستقرارها على الطموح القيمي الحزبي.

تكمن أهمية الدراسة في إسهامها النظري، إذ توفر نموذجًا تفسيريًّا مركبًا يدمج نظرية لاعبي الفيتو‏[5] بنموذج النوافذ الحرجة‏[6] داخل سياق نظام هجين، يتسم بتعايش القواعد الرسمية مع الممارسات غير الرسمية، وهو ما يمثل إضافة معرفية تهدف إلى معالجة القصور النظري في الأدبيات المقارنة المهتمة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

– سد فجوة معرفية: تقديم تحليل إمبريقي لأثر المرجعيات الأيديولوجية على مسار السياسات العمومية «في نظام هجين»، وهو موضوع لم يحظ بدراسة وافية في السياق المغربي.

– منظور مقارن: عبر مقارنة حكومتي التناوب التوافقي (1998 – 2002) والعدالة والتنمية (2011 – 2021)، تكشف الدراسة آليات تفاعل القيود البنيوية والدستورية مع الأهداف الحزبية في وضع مخرجات السياسات.

– مساهمة منهجية: توفر إطارًا بحثيًّا يزاوج بين تقنيات الـ Process-Tracing وتحليل المحتوى، بما يتيح تفكيك الروابط السببية الدقيقة بين درجة الانسجام الأيديولوجي ومخرجات السياسات.

أولًا: الإطار النظري: نحو نموذج مركب لتحليل السياسات

1 – الأيديولوجيا السياسية

تعرف الأيديولوجيا السياسية في الأدبيات المعاصرة كنسق فكري وسيط بين التنظير الفلسفي والممارسة السياسية اليومية؛ فهي «بنى فكرية تنظم تصورات البيئة السياسية وتوجه السلوك الجماعي وتوفر برامج عمل للمؤسسات العامة»‏[7] نشأ المفهوم مع Destutt de Tracy بوصفه «علم الأفكار» المتأثر بحسية Bonnot de Condillac، ثم خضع لنقد وضعي عند كانط، وتأسيس سوسيولوجي عند دوركهايم‏[8]. وفي المنظور الماركسي يفترض أن تكون هذه «رؤى العالم» وتربط بالموقع الطبقي للفرد‏[9] وينظر إلى الأيديولوجيا كآلية حجب وتشويه تعيد إنتاج الهيمنة الطبقية، ولا يفكك خطابها إلا بتغيير الشروط المادية المنتِجة له‏[10].

وسع الماركسيون الجدد الدلالة الأيديولوجية. بالنسبة إلى غرامشي تنتج الأيديولوجيات هيمنة ثقافية عبر «المثقفين العضويين»، وعند ألتوسير تتجسد ماديًّا عبر «الأجهزة الأيديولوجية للدولة»‏[11]. وظيفيًّا، تتميز بمنظومة مترابطة معرفيًّا ومعياريًّا، موجهة للعمل، معبئة للأتباع، ومشرعِنة للخيارات‏[12]. سلوكيًّا، يتعامل معظم الجمهور مع الأيديولوجيا رمزيًّا لا تشغيليًّا، مستندًا إلى «اختصارات معرفية» أهمها إشارات النخب، والإسقاط القيمي عبر التأطير، و«حراس القضايا» ذوو الاهتمام المتخصص‏[13].

تبعًا لذلك، لا تملي تفضيلات المواطنين كل قرار حكومي ميكانيكيًّا، لكنها ترسم ما يمكن للأحزاب الحاكمة فعله وكيف تصوغ سياساتها ضمن أجندة مجزأة يقودها الطلب الاجتماعي‏[14]. ويحول إطار كينغدون‏[15] القيم إلى متغير تفسيري: تفتح «نافذة السياسات» عندما يتلاقى تشخيص المشكلة مع حلول جاهزة ومناخ سياسي موات. في حين يدخل‏[16] البعد الأيديولوجي كمسافة بين لاعبي الفيتو؛ فكلما اتسعت تقلص «مجموعة الفوز»‏[17] وتراجع احتمال التغيير، والعكس صحيح. هكذا لا تبقى القيم خلفية معيارية فحسب، بل تتحول إلى متغير بنيوي قابل للقياس يؤطر فرص التغيير وحدوده ضمن تفاعلٍ بين «نافذة الفرصة» وخريطة الفيتوهات.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 564 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.

كريم بطاش: دكتور في القانون العام والعلوم السياسية،
جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس – المغرب.

[1] N. Milio, «Ideology, Science, and Public Policy,» Journal of Epidemiology and Community Health, vol. 59, no. 10 (October 2005), pp. 814-815; Carl Grafton and Anne Permaloff, «The Behavioral Study of Political Ideology and Public Policy Formulation,» The Social Science Journal, vol. 42, no. no. 2 (2005), pp. 201-213, and David Apter, Ideology and Discontent (New York: Free Press of Glencoe, 1964), pp. 20-21.

[2] Inmaculada Szmolka: «A Real Electoral Duel between the P.J.D. and the P.A.M.? Analysing Constituency-level Competitiveness in the 2016 Moroccan Elections,» British Journal of Middle Eastern Studies, vol. 46, no. 4 (October 2019), pp. 535-563, and «Bipolarisation of the Moroccan Political Party Arena? Refuting this Idea through an Analysis of the Party System,» The Journal of North African Studies, vol. 26, no. 1 (2021), pp. 73-102.

[3] بحسب سزمولكا (Szmolka) يستوعب النظام السياسي برامج الأحزاب من خلال ثلاثة قيود منهجية:

– ائتلافات غير متجانسة: تجمع الحكومات المتعاقبة على نحوٍ الإسلاميين والليبراليين والمحافظين واليساريين في الحكومة نفسها، وهو مزيج يسميه المؤلف «غير مترابطة».

– نقاط الفيتو الملكي: يحتفظ الملك بالوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والأوقاف والدفاع) للتكنوقراط الذين يرفعون تقاريرهم مباشرة إلى القصر، وهو ما يبقي روافع السياسة الاستراتيجية خارج نطاق التجاذبات الحزبية.

– المنافسة والاستقطاب المركزي والاستلحاق: تخفف الأحزاب من مواقفها الأيديولوجية لتجنب الإقصاء والحفاظ على إمكان الوصول إلى المحسوبية، ومن ثم فإن المساومات الائتلافية تتبع «منطقًا نفعيًا وليس أيديولوجيًا»، وهو ما ينتج ما يسميه المؤلف «المعارضة الموالية» المحاصرة في لعبة التوافق.

[4] Economist Intelligence Unit, Democracy Index. Retrieved from our world in data: <https://our​worldindata.org/grapher/democracy-index-eiu?tab=table&time=earliest..2024>.

[5] George Tsebelis, Veto Players: How Political Institutions Work (Princeton, NJ: Princeton Uni­versity Press, 2002).

[6] يصوغ كينغدون (Kingdon) مفهوم «نافذة السياسات» (أو النافذة الحرجة)، ويقصد به المدة الزمنية الوجيزة التي يصبح فيها تغيير الوضع القائم متاحًا وممكنًا سياسيًا وإجرائيًا. تلك المدة لا تقاس بالسنوات بل بالأشهر أو حتى الأسابيع، وتنتج من تزامن غير مألوف لثلاثة تيارات شبه – مستقلة هي: تيار المشكلات، وتيار السياسات، وتيار السياسة (السياسة بمعنى المزاج والموازين الحزبية). يتطلب كل تيار شروطًا خاصة كي يبلغ ذروته؛ غير أن الانتقال من «الأجندة المحتملة» إلى «أجندة الفعل» لا يتحقق إلا عندما تلتقي هذه التيارات معًا في لحظة معينة، فيُفتح ما يسميه بـ«النافذة»، فتتحول البدائل المطروحة إلى سياسات فعلية بعد أن كانت أفكارًا هامشية. انظر: John W. Kingdon, Agendas, Alternatives, and Public Policies (New York: Longman, 2011).

[7] Michael Freeden, «Political Concepts and Ideological Morphology,» The Journal of Political Philosophy, vol. 2, no. 2 (June 1994), pp. 140-164.

[8] Jean Etienne [et al.], Dictionnaire de sociologie (Paris: Hatier, 2004), and Guy Hermet [et al.], Dictionnaire de la science politique et des institutions politiques (Paris: Armand Colin, 2010).

[9]         David Robertson, The Routledge Dictionary of Politics (London: Routledge, 2004), p. 233.

[10] Tom Bottomore [et al.], A Dictionary of Marxist Thought (London: Blackwell, 1991), pp. 248‑249.

[11]        Etienne [et al.], Initial – Dictionnaire de sociologie.

[12] Willard A. Mullins, «On the Concept of Ideology in Political Science,» The American Political Science Review, vol. 66, no. 2 (1972), pp. 498-510.

[13] Jon A. Krosnick, Penny S. Visser, and Joshua Harder, «The Psychological Underpinnings of Political Behavior,» in: Susan T. Fiske, Daniel T. Gilbert and Gardner Lindzey, eds., Handbook of Social Psychology (New York: John Wiley and Sons, 2010), pp. 1288-1342.

[14] Malek Abduljaber, «A Dimension Reduction Method Application to a Political Science Question: Using Exploratory Factor Analysis to Generate the Dimensionality of Political Ideology in the Arab World,» Journal of Information and Knowledge Management, vol. 19, no. 01, 2040002 (2020).

[15]        Kingdon, Agendas, Alternatives, and Public Policies.

[16]        Tsebelis, Veto Players: How Political Institutions Work.

[17] بحسب تسيبيليس (Tsebelis) هي مجموعة البدائل أو السياسات التي يفضلها جميع لاعبي الفيتو على الوضع القائم، فإذا كان البديل المقترح يقع داخل هذه المجموعة، يقبل به كل لاعب نقض، فيمرّ التغيير؛ أما إذا بقي الوضع القائم خارج متناول أي بديل يحظى بإجماعهم، يستمر الجمود.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز