مقدمة

سقطت العولمة‏[1] أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية بسقوط الاتفاقيات السياسية التي كانت تضبط حركتها، وهو ما أدخل الحلف المنتصر، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، في مفاوضات سياسية واقتصادية لإعادة إحياء العولمة ضمن اتفاقيات جديدة‏[2]. كما تُظهر هذه الورقة أن النظام التجاري الدولي الذي انبثق عقب الحرب العالمية الثانية استهدف بالأساس فتح أسواق «البلدان النامية» بالاعتماد على الأدوات الاستعمارية الجديدة القائمة على عدم اعتراف الدول الاستعمارية بدايةً بمسؤوليتها التاريخية عن تدمير الاقتصادات النامية، وباستخدامها العقوبات الاقتصادية ومنع الامتيازات التجارية عن البلدان خارج مؤسسات التجارة الدولية كوسيلة ضغط. تركّز هذه الورقة على اتفاقية الغات ومنظمة التجارة العالمية تحديدًا، وتعيد تأطير الإشكالية من منظور العولمة الأولى/الثانية والاستعمار الجديد، من دون التخلي عن فهم المنطق التجاري الذي تعتمده «الدول المتقدمة» في اتخاذ القرار، من المزايا النسبية لنظرية شروط التبادل التجاري. تعتمد الورقة على الدراسة التاريخية لسياق نشأة الاتفاقيات وانتهائها وتحليل محتوياتها كأداة رئيسية للفهم.

توجد عدة تصنيفات متداخلة تحتاج إلى توضيح قبل استخدامها في هذه المقالة، وهي «البلدان النامية» (Developing Countries) والبلدان «القليلة النمو» (Less Developed Countries)، والبلدان «الأقل نموًا» (Least Developed Countries). شاع استخدام اختصار LDCs – بمعنى البلدان القليلة النمو (Less) منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأصبح استخدامه شائعًا في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات بمعنى البلدان الأقل نموًا‏[3] (Least) بعدما استخدمته كل من منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة كتصنيف جزئي داخل تصنيف «البلدان النامية» والبلدان الـ «قليلة النمو»‏[4]، وذلك للتركيز على هذه البلدان كمناطق بحاجة إلى مساعدة. في حين استخدمت اتفاقية الغات – في بداياتها على الأقل – مصطلحات مثل البلدان قليلة النمو والبلدان الأقل نموًا والبلدان المتخلفة (Underdeveloped). وجميعها مصطلحات تطلق على البلدان غير الصناعية والبلدان غير الصناعية المنتجة للمواد الأولية والبلدان الفقيرة «المتخلفة» والبلدان الأكثر فقرًا‏[5]. لا تهتم هذه المقالة بالتفرقة بين التصنيفات الداخلية للبلدان النامية، لذلك سيتم اعتماد الاختصار الشائع LDCs، بمعنى البلدان القليلة النمو، وذلك لأن المقالة تركّز على سياسات الغات ومنظمة التجارة العالمية تجاه هذه البلدان بالمجمل من دون التفريق بينها.

أولًا: المنطق التأسيسي للنظام التجاري العالمي

يمثل عدد من النظريات أساس النظام التجاري العالمي في ظل العولمة الأولى وسقوطها وبداية العولمة الثانية، ويمكن من خلالها فهم العلاقة بين «البلدان النامية» ومؤسسات التجارة الدولية مثل الغات ومنظمة التجارة العالمية. تنطلق هذه النظريات من منطق «البلدان المتقدمة» التي لا تولي اهتمامًا خاصًا بـ«البلدان النامية»، إذ تفرض عليها الانخراط في الاتفاقيات التجارية التي غالبًا ما تصب في مصلحة الأقوى. لذا من الضروري عرض بدايات النظرية التجارية الدولية والنظريتين الأساسيتين في منطق البلدان المتقدمة: نظرية شروط التبادل التجاري ونظرية الوصول إلى الأسواق، ثم استخدام منظور الاستعمار الجديد ونظرية الاستقرار بالهيمنة لفهم الآلية.

بدأ الاقتصاد الحديث من المناقشات حول التجارة الدولية، منذ مقالة دايفيد هيوم «ميزان التجارة» عام 1758، ثم كتاب ثروة الأمم لآدم سميث‏[6] الذي انتقد المركنتيلية وطرح السوق الحرة نموذجًا مثاليًا للعلاقات الدولية. لاحقًا قدّم دايفيد ريكاردو مفهوم المزايا النسبية‏[7] الذي يفسر تفوق دولة على أخرى في إنتاج سلعة معيَّنة بناءً على تكاليف الفرصة البديلة‏[8]. إلا أن نظريته لم تفسر آثار فتح الأسواق في التوزيع الداخلي للفائدة، وهو ما دفع إلى ظهور نظرية «هيكشر – أوهلين – صمويلسون» التي فسّرت التجارة بالاعتماد على اختلاف وفرة عوامل الإنتاج. ورغم أهميتها النظرية، فشلت تجريبيًا، إذ لم تتساوَ الأسعار والعوائد بين البلدان، كما تجاهلت الفوارق التقنية بين «البلدان النامية» و«المتقدمة»‏[9].

أما نظرية شروط التبادل التجاري‏[10] فقد اعتمدت على فكرة استخدام التعريفات الجمركية المثلى لتحقيق مصلحة الدولة في علاقاتها التجارية‏[11]، في حين ركّزت نظرية الوصول إلى الأسواق‏[12] على ضرورة تحفيز البلدان الكبرى لخفض تعريفاتها. تجسّد هذا التعارض بين حرية التجارة والحمائية في اتفاقية الغات ومنظمة التجارة العالمية، حيث تم خفض التعريفات على سلع مختارة تخدم مصالح «البلدان المتقدمة»‏[13]، وهو ما أظهر الحاجة إلى المعاملة الخاصة والتفاضلية لدمج «البلدان النامية» في العولمة الثانية.

1 – العولمة الثانية والاستعمار الجديد

العولمة ليست ظاهرة جديدة، إذ شهد العالم بُنيتَين‏[14] متشابهتين وصلت فيهما حركة التجارة العالمية إلى ذروتها. كانت الموجة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، واعتمدت في انتشارها على السكك الحديد والسفن البخارية والتلغراف، كوسائل تقنية أساسية لتكوين العولمة، حيث تعتمد العولمة بطبيعتها على التطور التقني لفتح الأسواق. وقد وصلت حركة التجارة العالمية إلى ذروتها عام 1919 إلى درجة أن سكان لندن‏[15] باتوا يستطيعون طلب منتجات من جميع أنحاء العالم بسهولة عبر الهاتف ويتوقعون وصولها خلال مدة قصيرة‏[16]. خلال هذه المدة، تضاعفت نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتدفّقت رؤوس الأموال بكثافة لتمويل مشاريع مثل بناء السكك الحديد‏[17].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 568 حزيران/يونيو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.

مازن وليد:

طالب دكتوراه في برنامج العلوم الاجتماعية، جامعة بيرزيت،
حاصل على ماجستير علم نفس مجتمعي.

[1] العولمة بجانبها الاقتصادي تحديدًا كنظام تجاري عالمي

[2] مرّت هذه المفاوضات بمراحل مختلفة من نشأة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية (International Trade Organization) – ITO إلى مؤتمر بريتون وودز (Bretton Woods)، واتفاقية الغات (General Agreement on Tariffs and Trade) – GATT الأولى عام 1947 والثانية عام 1994 وتأسيس منظمة التجارة العالمية (World Trade Organization-WTO) – عام 1995، التي بدأت بـ15 دولة مشاركة لتقارب اليوم 150 دولة مشاركة.

[3] Helen Hawthorne, «The Least Developed Countries, the World Trade Organisation and the Norm of Special Treatment,» (PhD Dissertation, City University London, 2011), p. 25.

[4] Autar Krishen Koul, Guide to the WTO and GATT: Economics, Law and Politics (Singapore: Springer, 2018), p. 646, <https://doi.org/10.1007/978-981-13-2089-7>.

[5]         GATT 1958, quoted in: Hawthorne, Ibid., p. 82.

[6] Paul Krugman, Maurice Obstfeld, and Marc Melitz, International Trade: Theory and Policy 12th ed. (Hoboken, NJ: Pearson, 2022), p. 19.

[7] Arvid Lukauskas, Robert M. Stern, and Gianni Zanini, eds., Handbook of Trade Policy (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 91-92.

[8]         Krugman, Obstfeld, and Melitz, Ibid., p. 44.

[9] للمزيد حول النظرية ونقدها: Ibid., p. 125; Lukauskas, Stern, and Zanini, Ibid., pp. 6, 102-103 and 110, and Ha-Joon Chang, Bad Samaritans: The Myth of Free Trade and the Secret History of Capitalism (New York: Bloomsbury Press, 2007), p. 232.

[10] Douglas A. Irwin, Against the Tide: An Intellectual History of Free Trade (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996), p. 102.

[11]        Ibid., pp. 110-111.

[12] Chad P. Bown, Self-Enforcing Trade: Developing Countries and WTO Dispute Settlement (Washington, DC: Brookings Institution Press, 2009), p. 18.

[13] للمزيد: Ibid., p. 18, and Koul, Guide to the WTO and GATT: Economics, Law and Politics, p. xi.

[14] استخدام كلمة بنية هنا لارتباط العولمة ببنية تحتية اقتصادية وتقنية أساسية لوجود الظاهرة واستمرت فترة طويلة لتتمكن من ربط الاقتصادات بها بأدوات مختلفة من الاتفاقيات الاقتصادية إلى العنف الاستعماري.

[15] مركز «الدول المتقدمة» حينها.

[16]        Krugman, Obstfeld, and Melitz, International Trade: Theory and Policy, p. 35.

[17] Jagdish N. Bhagwati, In Defense of Globalization: With a New Afterword (New York: Oxford University Press, 2004), p. 10.

الصورة من غيتي.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز