المؤلف: فيليب آدم، وكلودين هيرزليش
مراجعة: يوسف أكلزي
الناشر: Paris: Armand Colin
سنة النشر: 2016
عدد الصفحات: 134
– 1 –
يأتي هذا الكتاب جوابًا عن سؤال محتمل مفاده: كيف يمكن المرض والطب أن يكونا موضوعًا للمقاربة السوسيولوجية؟ إذ كما هو معلوم، درج اختزال المرض أساسًا في كونه حالة بيولوجية تصيب جسد الفرد، وهو ما يجعل الطب معنيًا بوصفها موضوعيًا بغرض التدخل العلاجي. من هنا، يتمحور الكتاب حول حسبان المرض والطب موضوعًا للتناول السوسيولوجي، حيث إن اختزال المرض في كونه ظاهرة بيولوجية بحتة يظل قاصرًا من دون النظر إليه بوصفه نتاج تفاعل بين عوامل عضوية وأخرى اجتماعية. من هذا المنظور، تغدو الصحة والمرض بناءَين اجتماعيين محمَّلين بالمعاني والقيم، ويختلفان باختلاف المجتمعات والأزمنة والظروف الاجتماعية، وهو ما ينعكس على توزيع الأمراض والفوارق الصحية بين المناطق والحقب والفئات الاجتماعية.
جاء إدماج المرض والطب في التحليل السوسيولوجي متأخرًا بسبب هيمنة المقاربة الطبية التقنية. وقد مثَّلت مساهمة تالكوت بارسونز في أواخر أربعينيات القرن العشرين منطلَقًا لسوسيولوجيا المرض والطب، حيث سلط الضوء على أن المرض ليس مجرد حالة بيولوجية، بل تجربة هو فردية يتم بناؤها اجتماعيًّا عبر المعرفة والممارسة الطبية. فالتشخيص الطبي لا يحدد حالة جسدية فحسب، بل يتضمن أيضًا تقييمًا اجتماعيًا يؤثر في هوية الفرد ومكانته، كما أن التعامل مع المرضى يتم داخل منظومة من المؤسسات والأدوار والمهن الطبية، وهو ما يجعل الطب نموذجًا اجتماعيًا يتجاوز مجرد التكفّل بالوقائع الجسدية. مع ذلك، يركز الكتاب أساسًا على المرض الجسدي من دون التوسع في مجالات أخرى كـالطب النفسي أو الإعاقات.
– 2 –
يقارب الفصل الأول تاريخ الأمراض، إذ يرى أن لكل حقبة «أمراضها» الخاصة وطريقتها في اختبار المرض؛ فتطوُّر الأمراض على المدى الطويل مرتبط بـالتغيرات الاجتماعية الكبرى؛ فقد هيمنت الأوبئة الجماعية خلال قرون طويلة لكونها الأمراض السائدة والأكثر تأثيرًا، سواءٌ من حيث الصحة البدنية أو من حيث وعي الناس وتمثلاتهم، في حين تسود في العصر الحاضر الأمراض الفردية (إذا ما استثنينا جائحة كورونا). وعليه، ترتبط الأوبئة ارتباطًا وثيقًا بالحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات، إذ يتأثر انتشار الأمراض بالحروب والهجرات، وبانخفاض مستويات التنمية وضعف التقنيات الزراعية، وهو ما يسهم في تفاقم الجوع والفقر بوصفهما حالتين بنيويتين مزمنتين. كما تؤدي التقلبات المناخية إلى اختلال الأمن الغذائي، الأمر الذي يزيد الفئات الاجتماعية هشاشةً ويعيد إنتاج حلقة الفقر والمرض.
للأوبئة انعكاسات ديمغرافية كبيرة بفعل الوفيات الجماعية المفاجئة، وهذا ما تجلى في تاريخ أوروبا التي شهدت موجات متكررة من الطاعون، والجذام، والجدري، والملاريا، والسل، والحمّى، والكوليرا، بما يؤكد أن الأمراض لم تكن عبر التاريخ مرضًا واحدًا ثابتًا.
تكشف تجربة المرض خلال فوران الأوبئة أن المرض ليس حالة فردية خاصة، بل هو ظاهرة جماعية تصيب المجتمع برمَّته، في ظل إدراك احتمال العدوى ومحدودية الإمكانيات الطبية، وهو ما جعل الاستجابة ترتكز على التدابير الوقائية القسرية كالعزل والحجر الصحي. فالمرض، في هذه الحالة، يمثل تجربة اجتماعية ونفسية حادة تولِّد خوفًا جماعيًّا وانهيارًا في الروابط الاجتماعية وظهور ردود أفعال متباينة. كما أن بعض الأمراض كانت محمّلة بـتمثلات دينية واجتماعية ربطتها بالخطايا والعقاب الإلهي وأدت إلى عزل المرضى وطقوس رمزية، في سياق يتداخل فيه البعد الديني مع الممارسة الطبية.
شهدت أنماط المرض وتجربته تحولًا تاريخيًا في منذ القرن الثامن عشر، حيث أدّى التطور الصحي التدريجي المرتبط أساسًا بـتحسّن الظروف الاقتصادية والإدارية والزراعية والنقل ومكافحة المجاعات، لا بالتقدم الطبي وحده، إلى تراجع الأوبئة والوفيات وارتفاع أمد الحياة في إطار الانتقال الديمغرافي، وما نتج منه من نمو سكاني ثم شيخوخة سكانية وتغيّر في طبيعة الأمراض السائدة. ويُبرز المؤلَفان هذا التحول من خلال مسار السلّ الذي انتقل من مرض «رومانسي» إلى مرض اجتماعي مرتبط بالفقر، ثم تراجعه مع اكتشاف المضادات الحيوية، وصولًا إلى فردنة المرض في المجتمعات المعاصرة مع هيمنة الأمراض المزمنة كالسرطان الذي يجسّد نموذج المرض المعاصر، قبل أن يُعيد ظهور السيدا (الإيدز) طرح مسألة الأوبئة بخصوصيات جديدة تجمع بين سمات الأمراض المُعدية والمزمنة، كاشفًا في الآن نفسه حدود الطب، واختلالات الصحة العمومية، والدور المتنامي للـجمعيات في جعل المرض قضية جماعية حاضرة في المجال العام لا مجرد علاقة فردية بين طبيب ومريض، وهو ما يعكس تحولًا تاريخيًا في مكانة المرض وفي أنماط العلاقات الاجتماعية المحيطة به.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.
يوسف أكلزي: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة شعيب الدكالي – الجديدة – المغرب.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



