المؤلف: صالح النعامي
مراجعة: صبار محمد رضى
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة
سنة النشر: 2020
عدد الصفحات: 121
يقدّم هذا الكتاب دراسة حول النخبة الإسرائيلية العلمانية القديمة وتطور النخبة الدينية الجديدة وتأثيراتها في النخب المختلفة العسكرية والحكومية والفكرية والقضائية، مع الإشارة إلى عوامل صعود التيار الديني القومي لمراكز القرار وتداعيات ذلك على الدولة والمجتمع. يناقش الكاتب ذلك في ستة فصول، مشيرًا إلى الأسس الأولية للدراسة ثم ينتقل إلى الجذور الأولى للنخبة السياسية في «إسرائيل» ليقف على نقطة التحول في مركز القرار السياسي في السبعينيات وتداعيات وصول التيار الديني إلى السلطة.
أولًا: الدراسات السابقة والإطار المفاهيمي
يشير الكاتب إلى مجموعة من الدراسات السابقة ككتاب القائد الإلهي: إعادة صياغة الجيش في إسرائيل، الذي يعَدّ من أهم الدراسات التي اختبرت التحول الذي طرأ على النخبة العسكرية في إسرائيل، ورصدت تنامي تمثيل أتباع التيار الديني القومي في المواقع القيادية داخل الجيش من أجل إحباط أي عملية لتحقيق تسوية سياسية للصراع وللحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، ثم دراسة «النخبة الحاخامية في التيار الديني الصهيوني بعد تنفيذ خطة فك الارتباط». تبرز أهمية هذه الدراسة في تسليط الأضواء على التركيبة التنظيمية والمؤسسية التي تسمح بتعزيز النخب المنتمية إلى التيار الديني القومي، إذ استنتجت أن هناك علاقة بين تنفيذ خطة فك الارتباط عام 2005 وبين تعاظم الدور السياسي للنخبة الدينية، من خلال تصدّيها لقيادة النضال ضد مشاريع التسوية والحرص على إصدار الفتاوى التي تؤصل لتحريم التفريط بأي شبر من الأرض «اليهودية». ويشير الكاتب أيضًا إلى أن دراسة «توجهات جديدة في المجتمع والفضاء الإسرائيلي»، تشير إلى مجموعة من العوامل المؤثرة في الداخل الإسرائيلي، كتوجه الكيان منذ نهاية السبعينيات إلى خصخصة القطاع العام إضافة إلى تأثيرات العولمة في الاقتصاد والحراك الاجتماعي. هذه العوامل ساعدت التيار الديني على اختراق النخبة الإسرائيلية لأنها دفعت الشباب العلماني إلى الانسحاب من مواصلة الخدمة العسكرية وبخاصة في الوحدات القتالية، وهذا ما فسَّح المجال أمام أتباع التيار الديني القومي على المنافسة على المواقع القيادية في الجيش. وانطلاقًا من هذه الدراسات السابقة استطاع الكاتب أن يقدم الأسس التي ينبني عليها هذا الكتاب بحيث يمثل منطلقًا لتحليل بزوغ هيمنة التيار الديني على مفاصل الدولة.
ثم يقدم الكاتب عدة تعاريف لمصطلح «النخبة»، مشيرًا إلى التعريف الذي قدمه شوماس خان الذي عرّف النخب على أنها «مجموعة من الأفراد الذين يتمتعون بقدرة تحكم كبيرة على مصادر النفوذ أو الوصول إليها»، ثم ينتقل إلى الحديث عن نظريات النخبة التي تفسر وتحلل بقاء القوة داخل المجتمع، فيشير إلى نظرية التحليل السيكولوجي لدى فلفريدو باريتو، ثم نظرية الاتجاه التنظيمي عند موسكا، والنظرية الأوليغارشية لدى ميشلز.
بعد ذلك ينتقل الكاتب للحديث عن أقسام اليهود في إسرائيل من حيث العلاقة بالدين إلى أربع فئات: (1) العلمانيون وهم الفئة الأقل ارتباطًا بالدين؛ (2) التقليديون، وهي الفئة التي تحافظ بصورة انتقائية على بعض الشعائر الدينية وأغلبهم من اليهود المهاجرين من الدول العربية والإسلامية؛ (3) المتدينون القوميون الذين يرون أنهم ملزمون بالحفاظ على أحكام الشريعة والتقاليد اليهودية. وهذه فئة تؤيد الحركة الصهيونية والاندماج النشط في الدولة والمجتمع والجيش اليهودي، وتعمل على تحقيق هدفين هما الحفاظ على الهوية اليهودية للدولة وتهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ (4) المتدينون الحريديم، حيث ترفض هذه الفئة أن يؤدي أتباعه الخدمة العسكرية، ويرفض الاندماج في المجتمع الإسرائيلي حيث عاش أتباعه في تجمعات استيطانية خاصة به للحفاظ على نمط حياته الديني.
ثانيًا: النخبة الإسرائيلية القديمة
كان العلمانيون الغربيون هم أساس موجات الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين مطلع القرن العشرين، الأمر الذي مكَّنهم من قيادة المؤسسات السياسية والعسكرية الصهيونية التي دشنت في فلسطين قبل الإعلان عن الدولة اليهودية، وقد أسس العلمانيون الغربيون المؤسسات التي دشنتها الحركة الصهيونية في فلسطين قبل عام 1948، وبخاصة الوكالة اليهودية التي مثلت الحكومة اليهودية على أرض فلسطين ونقابات العمال العامة (الهستدروت)، ومثلوا الذراع العسكرية للحركة الصهونية (الهاغاناه)، والأحزاب السياسية واحتكروا جميع المرافق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد كان أتباع التيار الديني القومي ضمن اليهود الغربيين الذين هاجروا مبكرًا إلى فلسطين واندمجوا في مؤسساتها لكنهم كانوا يمثلون أقلية هامشية.
أشار الكاتب إلى النخب الإسرائيلية (1977-1948)، حيث مكن التفوّق الديمغرافي للعلمانيين الغربيين من اكتساح الانتخابات التشريعية التي نظمت بعد الإعلان عن الدولة، وهو ما جعلهم يمثلون النخبة السياسية والانفراد بتأليف الحكومات المتعاقبة واحتكار الأغلبية في البرلمان، وخلال هذه الحقبة لم يكن للمتدينين الشرقيين القدرة على تأدية أدوار ذات شأن في إدارة الحكم أو التأثير في مركز القرار. فعندما خططت الحركة الصهيونية لإقامة كيان سياسي لليهود على أرض فلسطين كانت تضع في حسابها الاعتماد فقط على اليهود المهاجرين من الغرب، لكن الحرب العالمية الثانية ومقتل الكثير من اليهود الغربيين ومخافة فشل المشروع الصهيوني قامت الحركة الصهيونية بتهجير اليهود من البلدان العربية والإسلامية، لكن بعد وصول اليهود الشرقيين إلى إسرائيل تبين افتقارهم إلى المؤهلات العلمية والأكاديمية والخبرات التقنية؛ كما أن ثقافتهم مختلفة عن اليهود الغربيين، خشي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بن غوريون أن تؤدي هذه التباينات الثقافية إلى صراع إثني بين الشرقيين والغربيين، الأمر الذي دفعه إلى بلورة استراتيجية «بوتقة الانصهار» التي تهدف إلى إذابة وإدماج جميع الثقافات التي جلبها اليهود في بوتقة واحدة حتى تنشأ ثقافة إسرائيلية واحدة. لكن تطبيق هذه الاستراتيجية ارتكز على النظرة الدونية إزاء اليهود الشرقيين حيث استغلت النخبة الغربية الحاكمة هؤلاء اليهود بعد وصولهم في خدمة الأهداف الاستيطانية والعسكرية للمشروع الصهيوني، واستوعبتهم في تجمعات خاصة سميت «مدن التطوير» التي كانت تعاني سياسة التهميش والتمييز. وبعد صعود اليمين وسقوط تحالف اليسار الوسط عام 1977 أدى المتدينون القوميون والحريديون دورًا هامشيًا في التأثير في الدولة والمجتمع في إسرائيل.
ثالثًا: النخبة الشرقية
بعد ثلاثة عقود من الإعلان عن الكيان الصهيوني تمرد اليهود الشرقيون على استراتيجية بوتقة الانصهار، وتأطروا في حركات احتجاجية لتأكيد رفضهم ممارسات المؤسسة القمعية. فقد تحوَّل الشرقيون عن التصويت لمصلحة حزب العمل إلى التصويت لمصلحة حزب الليكود، حيث عرفت قيادات الليكود اليهودية كقاسم مشترك لجميع اليهود لا الإسرائيلية الغربية. هذا التحول ساهم في صعود حزب الليكود بزعامة مناحم بيغن بعد انتخابات 1977 لأول مرة، وأسّس لبداية صعود الشرقيين ضمن النخبة السياسية المؤثرة في دائرة صناعة القرار الإسرائيلي. وقد أدرك حزب الليكود أنه من دون الشرقيين سيعود إلى مقاعد المعارضة فحرصت قيادات الليكود على دمج الشرقيين في قوائمها الانتخابية حتى أصبح الشرقيون مكونًا مهمًا في كتلة الليكود النيابية. هذه التحوُّلات دفعت حزب العمل أن يفتح الطريق أيضًا أمام اليهود الشرقيين للصعود ضمن صفوفه لمنافسة الليكود حتى سمح حزب العمل بوصول الشرقيين إلى زعامته، كذلك مثلت حركة «شاس» الشرقية المنتمية إلى التيار الديني الحريدي وكانت حركة قطاعية احتكرت دعم قطاعات واسعة من الشرقيين. ومنذ عام 1984 حافظت «شاس» على التمثيل في البرلمان وشاركت في أغلب الائتلافات الحكومية التي تألفت آنذاك. وهكذا يشير الكاتب إلى أهمية اليهود الشرقيين ودورهم في قلب موازين العمل السياسي في إسرائيل، وهو يرجع ذلك إلى سببين: الأول تداعيات استبعاد اليهود الشرقيين من الساحة السياسية بعد عام 1948 وهو ما دفعهم إلى تكوين جمعيات واحتجاجات. أما السبب الثاني فهو توصل حزب الليكود وحزب العمل أيضًا إلى مسألة لا بد منها وهي ضرورة إشراك الفئة الشرقية لما لها من أغلبية وذلك من أجل الفوز في الانتخابات.
رابعًا: صعود نخب التيار الديني القومي
في هذا الفصل يتعرّض الكاتب للعوامل التي حسنت من مكانة أتباع التيار الديني القومي في الفضاء العام، وهو يشير إلى العامل الثقافي، حيث شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تزايد ظاهرة تحول المزيد من العلمانيين إلى التدين، ثم الانتصارات العسكرية التي حققتها إسرائيل على البلدان العربية في إضفاء صدقية على الخطاب الديني والأيديولوجي للتيارات الدينية اليهودية، وكذلك عامل التعليم الذي أدى دورًا جوهريًا في تعزيز فرص أتباع التيار الديني للتوجه نحو مراكز القرار في الدولة والمجتمع الإسرائيلي، حيث ينقسم التعليم الرسمي في إسرائيل إلى تيارين أساسين، التيار العام الذي يضم العلمانيين والتيار الديني الرسمي الذي يضم أتباع التيار الديني القومي. يتميز التعليم الديني الرسمي بأنه مستقل من حيث المناهج والمضامين والإدارة، حيث تشرف عليه نخب دينية ذات توجهات أيديولوجية تجعل هذا التيار يؤسس لإعداد نخب المستقبل، ويشير الكاتب إلى عامل آخر وهو المشروع الاستيطاني، حيث أدى التيار الديني عبر قياداته دورًا مهمًا في إجبار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد حرب عام 1967 على حسم مصير الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت في هذه الحرب عبر تكثيف بناء المستوطنات. ومثّل تراجع العلمانية كتوجه ثقافي وأيديولوجي عاملًا أساسيًا في توفير البيئة المناسبة لصعود أتباع التيار الديني كمركب أساسي من مركبات النخبة الإسرائيلية، ثم تأتي التحولات الاقتصادية، حيث إن تحول إسرائيل في الثمانينيات نحو اقتصاد السوق وخصخصة الكثير من مرافق القطاع العام وخفض مخصصات الضمان الاجتماعي، والعولمة وآثارها في اقتصاد السوق، كل ذلك دفع الشباب إلى العدول عن الخدمة العسكرية والتوجه نحو تحسين الواقع المادي عبر استغلال الفرص المتاحة في اقتصاديات السوق، هذه العوامل دفعت قيادات التيار الديني القومي إلى استغلال هذا الواقع في جعل منتسبي هذا التيار يملأون الفراغ وبالتالي تصدّر مراتب متقدمة في المواقع القيادية في الجيش.
حدد الكاتب تزايد تمثيل المتدينين في النخبة السياسية الإسرائيلية ذلك بعدة عوامل، أولها التحولات الديمغرافية، حيث أدى تزايد معدلات الولادة في أوساط المتدينين وبخاصة أتباع التيار الحريدي إلى تزايد ثقلهم الديمغرافي، وبالتالي توسع القاعدة الانتخابية للحركات والأحزاب السياسية التي تمثل التيارات الدينية المختلفة؛ ثانيها طابع النظام الإسرائيلي، حيث أسهم عدم استقرار النظام الاسرائيلي في تعزيز مكانة الأحزاب الدينية السياسية، فحزب الليكود الذي كان يحصل عادة على أغلبية غير مطلقة حرص منذ عام 1977 على استرضاء الأحزاب الدينية لضمان موافقتها على الائتلافات التي ينشئها، وهذا ما عزز مكانة المتدينين في النخبة السياسية، وهناك عامل ثالث متمثل باختراق الأحزاب العلمانية، حيث بادر أتباع التيار الديني القومي في العقد الأخير إلى اختراق الأحزاب العلمانية وبخاصة حزب الليكود، يهدف الكاتب من تحديد هذه العوامل إلى الإشارة إلى أن التيار الديني في تعاظم متزايد في مقابل تراجع التيار العلماني وهو ما قد يؤدي في المستقبل القريب إلى نشوء أقلية علمانية وأغلبية متدينة وتداعياتها على مجالات الحياة والمؤسسات في الدولة.
بعد ذلك يشير الكاتب إلى مظاهر تمثيل المتدينين في النخبة السياسية، حيث عرض تطور تمثيل المتدينين في البرلمان الإسرائيلي منذ الإعلان عن الدولة اليهودية. ففي الدورة البرلمانية لعام 1949-1951 كان عدد المتدينين 19 عضوًا بنسبة 16 بالمئة، وفي الدورة البرلمانية لعام 2015 أصبح عدد المتدينين في البرلمان 35 عضوًا بنسبة 29 بالمئة. ثم يشير الكاتب إلى الحقائب الوزارية التي حصلت عليها الأحزاب المتدينة ما بين الأعوام 1977 و2015 وكان عدد الوزراء المتدينين في الحكومات لا يقل عن 17 وزيرًا. وقد حرص المتدينون على احتكار السيطرة على عدد من الوزارات الخدماتية المهمة وذلك لتحقيق الأهداف التالية: التأثير المباشر في سلَّم الأولويات في إسرائيل وتنفيذ أجنداتهم السياسية والأيديولوجية، وتسويق المواقف الأيديولوجية والدينية من خلال السيطرة على وزارتي التعليم والأديان، ثم التواصل مع الجمهور الإسرائيلي بصورة تسمح بالحفاظ على قوة المتدينين في السياسة عبر بعض الوزرات التي تُعنى بتقديم الخدمات. وقد منحت الائتلافات الحكومية منذ عام 1977 المتدينين دورًا معتبرًا في بلورة سلم الأولويات الإسرائيلي.
ويشير الكاتب إلى دور النخبة الدينية في التأثير في أنماط الحياة المجتمعية واتجاهات الرأي العام، وبصفة عامة التأثير في الفضاءين العام والخاص للدولة، وهو ما يسمح للنخبة الدينية بممارسة تأثيرها الكبير في الدولة والمجتمع من خلال احتكارها المطلق السيطرة على المؤسسات التالية:
1 – الحاخامية الكبرى: تمثل المؤسسة الدينية الرسمية، وتتحكم في المجال الديني والعقائدي والتأكد من مطابقة قرارات الحكومة والمؤسسات للشريعة، وضرورة تنسيق المؤسسات الأخرى معها في المسائل الدينية، ويشير المؤلف إلى دور الحاخامية في التأثير في الاقتصاد من خلال مهمة التفتيش في المؤسسات والمرافق الاقتصادية والشركات المتعلقة بصناعة الغذاء.
2 – الحاخامية العسكرية: هي المؤسسة التي تشرف على تقديم الخدمات الدينية لضباط وجنود الجيش.
3 – المجالس الدينية: توجد في كل مدينة في إسرائيل تدعى «المجلس الديني»، وهي تقدّم الخدمات الدينية إلى المستوطنين.
4 – المحاكم التوراتية: تعدّ من حواضن النخب الدينية المهمة، وتنظر هذه المحاكم في قضايا رئيسية، مثل إصدار الأحكام في شأن يهودية الأشخاص، وقضايا الزواج، والطلاق، والإرث.
5 – مرجعيات الإفتاء المستقلة: كرابطة حاخامات المستوطنين المقامة في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ومجلس كبار حاخامات التوراة، ومجلس حكماء التوراة أيضًا.
6 – النخبة الأكاديمية والبحثية: من ضمنها مراكز التفكير، حيث يشير الكاتب إلى أهم مراكز التفكير التي دشنها أتباع التيار الديني (مركز بيغن/السادات للدراسات الاستراتيجية، مركز أورشليم للدراسات الاستراتيجية، مركز أورشليم لدراسة المجتمع والدولة، مركز الاستراتيجية الصهيونية).
7 – النخبة الإعلامية: يشير المؤلف إلى صحيفة يسرائيل هيوم المدشنة عام 2007، وعلى الرغم من أن الصحيفة تعرِّف نفسها بأنها تمثل اليمين الإسرائيلي إلا أنها دفعت الكثير من الصحافيين الدينيين إلى واجهة التأثير من خلال منحهم مواقع مهمة، وكذلك صحيفة ميكور ريشون الأكثر تعبيرًا عن التيار الديني القومي في إسرائيل، فجميع المحررين والمراسلين والمعلقين وكتّاب الرأي هم من التيار الديني، ثم قناة 20 المدشنة عام 2014 بهدف تعزيز حضور أتباع التيار الديني في الجدل العام. وتسهم القناة في إضفاء شرعية على المنطلقات الأيديولوجية للمنظمات الإرهابية اليهودية.
8 – وسائل إعلام حزبية: تنفرد الأحزاب والحركات الدينية اليهودية بامتلاك صحف ومجلات ومحطات ومواقع ومحطات إذاعية خاصة بها، ولم يكتفِ المتدينون بتدشين وسائل إعلام خاصة بهم بل عملوا على اختراق المؤسسات الإعلامية التي تمولها الدولة والمؤسسات الخاصة.
9 – النخبة الثقافية: ركز المتدينون خلال العقد الأخير في المجال الثقافي على قطاعي الغناء والتمثيل المسرحي من أجل الترويج لمنطلقاتهم الدينية والأيديولوجية.
10 – النخبة القضائية: تعاظمت سيطرة المتدينين على المؤسسات المرتبطة بالقضاء، وهو ما جعل هؤلاء القضاة لا يترددون في إصدار أحكامهم في القضايا المختلفة بناء على فهمهم للفقه والشريعة اليهودية، حيث أثرت الخلفية الأيديولوجية والدينية في القرارات المتخذة من طرف القضاة المتدينين.
يرى المؤلف أن الاستراتيجية الدينية في إسرائيل ركزت بصورة أساسية على الإعلام والتعليم والقضاء، الذي مثّل الهيكل العام للتأثير في الدولة والمجتمع اليهودي: الإعلام من طريق توجيه الوعي الإسرائيلي، والتعليم من خلال تنمية الفكر الديني وتوجيهه نحو أهداف تخدم التيار الديني وتكوين أجيال متعاقبة مستقبلًا مشبعة بالفكر الديني، أما القضاء فهو خط الدفاع الذي يزيح القوانين المعرقلة لبرامج عمل النخبة الدينية سواء في الحكومة أو خارجها.
خامسًا: تداعيات بروز النخبة الإسرائيلية الجديدة
في هذا الفصل يتحدث المؤلف عن المظاهر التي تعكس نجاح التيار الديني القومي في فرض توجهاته الأيديولوجية من الصراع مع الشعب الفلسطيني على الحكومات المتعاقبة، وبخاصة نجاحه في توظيف أتباعه في الحكومة والجيش في إجبار ممثلي القرار السياسي الحاكم على التعاون معهم في حسم مصير الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت عام 1967 عبر الاستيطان، إضافة إلى نجاحهم في دفع الحكومات إلى تبني مواقف سياسية تجعل من المستحيل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع، كما أن ما يؤجج خطورة تعاظم تمثيل التيار الديني في النخبة الإسرائيلية هو حقيقة أن المنتسبين إليه يتبنون مواقف متطرفة. فأغلبية اليهود المتدينين سواء القوميين أو الحريديين، يؤيدون طرد فلسطينيي الداخل من إسرائيل، إذ إن المتدينين القوميين يتبنون مواقف أكثر تطرفًا من الحريديم، ويبدي المتدينون على نحو خاص رفضًا أكبر لمبدأ حل الدولتين كصيغة تسوية للصراع مع الشعب الفلسطيني. وقد أسهم تزايد تمثيل نخب التيار الديني في الحكومة والمستويات القيادية في الجيش في تمكين المستوطنين اليهود من التوسع في بناء النقاط الاستيطانية من خلال السيطرة على الأراضي الفلسطينية الخاصة ومن دون الحصول على إذن الحكومة الإسرائيلية. وتحت ضغط الوزراء والنواب المنتمين إلى التيار الديني في الحكومة والبرلمان سن البرلمان الإسرائيلي قانونًا يشرع تبييض النقاط الاستيطانية التي أقامها المستوطنون اليهود على أراضٍ فلسطينية خاصة ومن دون الحصول على إذن مسبق من الحكومة والجيش. كما عمدت وزيرة القضاء المنتمية إلى حزب «البيت اليهودي» الذي يمثل التيار الديني القومي إلى صوغ قانون يقلص من الإشراف القضائي على الجهات الحكومية المسؤولة عن تمويل الأنشطة الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية، بصورة ساعدت على حسم مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال التهويد، إضافة إلى زيادة بروز التنظيمات الإرهابية التي تعمل ضد الفلسطينيين والمنتمية إلى التيار الديني أيضًا.
وفي ما يخص العلاقة بالوطن العربي فإن المرجعيات الدينية الرئيسية في التيار الديني القومي تتخذ موقفًا رافضًا للتطبيع مع الوطن العربي، حتى في ظل وجود حكومات عربية في حالة تحالف واقعي مع إسرائيل، تخوفًا من تطور أنماط علاقات اجتماعية تهدد الطابع اليهودي للدولة. أما في ما يخص العلاقات الدولية فإن صعود اليمين المتطرف إلى الحكم في الكثير من دول أوروبا وأمريكا اللاتينية أدى إلى تحسن كبير في مكانة إسرائيل الدولية، حيث إن معظم حكومات اليمين المتطرف في هذه الدول عملت على تحسين علاقاتها بإسرائيل، لكن تطور تمثيل التيار الديني القومي في النخب الحاكمة قد يؤدي إلى انحسار هذه العلاقات بسبب مواقف التيار التي تمثل نسقًا انعزاليًا في العلاقات الدولية. ومن نتائج تزايد التمثيل الديني أيضًا بروز تداعيات مجتمعية واضحة تتجه نحو تديين المجتمع وإحداث مزيد من التحول في العلاقة بين الدولة والدين، حيث نجح في تديين المؤسسات التعليمية وتجذير القيم الدينية لدى اليهود الناشئين وضمنه العلماني والتأثير في توجهاتهم الأيديولوجية. ولا يخفي التيار الديني عداءه للديمقراطية ورفضه إياها نهجًا وحكمًا، حيث تهدف مرجعيات هذا التيار الديني وقيادته السياسية إلى رغبتها في إحداث نمط حكم بديل يستند إلى الشريعة اليهودية، كما ترفض القيادات السياسية للأحزاب الدينية الانصياع للمؤسسات القضائية التي تمارس رقابة على النظام السياسي إذا تعارضت قراراتها مع المنطلقات الدينية لهذه الأحزاب، وقد تكرس رفض الديمقراطية لدى عموم المتدينين في إسرائيل، وهو ما سيؤثر في توجهات النخب المنتمية إلى التيارات الدينية من نظام الحكم. أما تداعيات صعود التيار الديني اقتصاديًا، فقد هدفت إلى الزيادة في الموازنات المخصصة للمستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية. واستطاع المؤلف أن يحلل تداعيات التطور الحاصل على مستوى النخبة الدينية في إسرائيل، وهي تداعيات تؤثر في طابع النظام السياسي الإسرائيلي وفي رؤيته للتعامل مع قضايا الصراع العربي (الفلسطيني) – الإسرائيلي، استنادًا إلى أن التيار الديني يهيمن على مفاصل الدولة ويجاهر برفضه لقيم التعددية والديمقراطية إذا تناقضت مع قيمه الدينية، وأنه انطلاقًا من أسسه الفقهية وأيديولوجيته وتزايد تمثيله في النخبة السياسية والعسكرية فإن فرص التوصل لتسوية سياسية للصراع قد تقلصت.
يشير هذا الكتاب إلى التحولات التي عرفتها النخبة الإسرائيلية وصعود التيار الديني داخل مؤسسات الدولة اليهودية المدنية والعسكرية، مع تراجع تمثيل أتباع التيار العلماني الغربي، من خلال تعاظم تمثيل التيار الديني القومي في النخبة السياسية والعسكرية. وبالتالي فإن فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع قد تقلصت إلى حد كبير، إذ إن هذا التيار يتبنى مواقف متطرفة تجاه طرق التعامل مع الصراع مستندًا إلى معتقدات دينية وفقهية. كما أن تزايد هذا التمثيل في النخبة الدينية والإعلامية والأكاديمية والقضائية والثقافية زاد قدرته على التأثير في توجهات الرأي العام الإسرائيلي.
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.
صبار محمد رضى: باحث في القانون العام – المغرب.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



