المؤلف: صبري فارس الهيتي

مراجعة: سعيد بوعيطة

الناشر: الخرطوم: دار أرثيريا للنشر، (سلسلة الدراسات الاستراتيجية)

سنة النشر: 2022

عدد الصفحات: 125

يحتل البحر الأحمر موقعًا جغرافيًا مميزًا، جعله يمثل موقعًا استراتيجيًا على المستوى الاقتصادي، وعاملًا أساسيًا لأمن المنطقة، وللأمن القومي العربي بعامة، وبخاصة في ما يخص الصراع العربي – الإسرائيلي وبؤر الصراعات الأخرى في المحيط الهندي والخليج العربي. برز ذلك بوضوح بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، حيث عززت الولايات المتحدة الأمريكية ثقلها في منطقة البحر الأحمر بحجة حماية طرق الملاحة الدولية في إطار حملتها الدولية على ما يعرف بالإرهاب. انتشرت في منطقة البحر الأحمر ودول القرن الأفريقي عدة قواعد عسكرية أجنبية، وهذا ما يؤشر إلى التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة من جهة، ويمثل تهديدًا للأمن القومي العربي من جهة ثانية. يمثل هذا التصور، الإطار العام الذي يندرج ضمنه هذا الكتاب.

تكمن أهمية الكتاب في مسألتين أساسيتين. ترتبط المسألة الأولى بأهمية موضوع الكتاب المتجلية في منطقة البحر الأحمر، وما يرتبط به اليوم من قضايا إقليمية ودولية. فقد كان البحر الأحمر ولا يزال (وبخاصة في ظل ما تعيشه المنطقة اليوم من صراعات)، منطقة استراتيجية من الجانب العسكري الأمني، حيث تتميز بتغلغلها أو تجاورها مع عدة مناطق بالغة الأهمية هي الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج العربي، والقرن الأفريقي، إضافة إلى المحيط الهندي والبحر المتوسط، وكذا الجانب الاقتصادي لأهمية حركة الملاحة في البحر الأحمر. كما يمثل هذا الأخير المصدر الأساسي للدخل في اليمن، ومصدرًا مهمًا للدخل في الصومال وجيبوتي، ويتصدر قائمة بحار العالم لما يحتوي عليه في باطنه من معادن مثل الحديد، والمغنيسيوم، وغيرها تشبعت بها صخور قاع البحر الأحمر، هذا فضلًا عن النفط والغاز الطبيعي، إضافة إلى المرجان والطحالب، وجميعها يمكن أن تسهم في إنشاء صناعات متعددة تقام على الشواطئ المطلة عليه، وهذا إلى جانب أهميته كطريق للنقل البحري وبالذات النفط. وهذا ما جعل أمن البحر الأحمر إحدى قضايا ومشاغل الفكر الاستراتيجي العربي الرئيسية، لكونه يمثل نظامًا فرعيًا من إقليم الشرق الأوسط المضطرب بالأزمات السياسية والعسكرية التي تهدد حالة الاستقرار الأمني والسياسي في دول هذه المنطقة. أما المسألة الثانية، فتتعلق بالباحث صبري الهيتي الخبير في الشأن الجغرافي والجغرافية السياسية، حيث أصدر عددًا كبيرًا من الكتب التي تُظهر قدرته وخبرته في هذا المجال.

اعتمد الباحث صبري فارس الهيتي في هذا الكتاب على المنهج الوظيفي، الذي يهتم بدراسة وظيفة منطقة ما أو إقليم ما كوحدة جغرافية، وكل منطقة أو وحدة جغرافية تتكون من عدة وحدات جغرافية أصغر، ولا بد أن تكون الأقسام الجغرافية الصغرى مرتبطة ارتباطًا قويًّا بالمنطقة أكثر من ارتباطاتها ببعضها البعض أو بدولة خارجية. فلكي تقوم الدولة (المنطقة الجغرافية) بوظائفها على الوجه الأكمل، يلزمها أن تكون الوحدة السياسية لكل الدول الأخرى واضحة وقوية ومتناسقة في كل نواحي الحياة الاقتصادية والاستراتيجية[2]. وعلى هذا، فالمنهج الوظيفي يركز على دراسة القوى المركزية للدولة، أو مراكز تقوية الدولة، أو تلك التي تؤدي إلى ضعف معين في ما يختص بالمساحة والمكان، من خلال هذا المنهج ركز الباحث على مجموعة من الأسئلة (بشكل ضمني)، أهمها: ما أهمية الموقع الجغرافي للبحر الأحمر؟ ما الأهمية الاستراتيجية لهذه المواقع (اقتصاديًا وسياسيًا)؟ ما مستقبل المنطقة في ظل الصراعات الدولية التي تعرفها المنطقة اليوم؟

مقدمة الكتاب

أشار الباحث صبري فارس الهيتي في مقدمة كتابه إلى أن البحر الأحمر يمثل قناة الوصل بين المحيطات والبحار، فهو الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية في أوروبا التي تحتاج إلى نقل نحو 60 بالمئة من حاجاتها من الطاقة عبر البحر الأحمر ونقل 25 بالمئة من حاجات الولايات المتحدة من النفط و40 بالمئة من حاجات الصين. أي ما يقدر بـ 3.5 مليون برميل من النفط يومياً. ويعد البحر الأحمر أقرب وأسرع ممر بحري بين الشرق والغرب، وذلك بعد افتتاح قناة السويس عام 1869. وأكدت تقارير لمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي إلى أن البحر الأحمر من أكبر الممار المائية المستخدمة لنقل البضائع، وللبحر الأحمر دور في التجارة الدولية بين قارتي أوروبا وآسيا، وتقدر السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر سنويًا بأكثر من 20 ألف سفينة، وأن قيمة التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر أكبر من 2.4 تريليون دولار سنويًا. كما يتمتع البحر الأحمر بموقع استراتيجي فريد جعله يتحكم في حركة العالم شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا. وإبان الحرب الباردة، أصبح مجالًا لتدفق القوة العسكرية، ما بين البحر المتوسط والبحر الأسود والمحيط الأطلسي، وبين المحيطين الهندي والهادي. لقد أثبتت حربا الخليج الأولى والثانية أن البحر الأحمر وكل الدول الواقعة عليه، كانت طرفًا بصورة أو بأخرى في هاتين الحربين، ويتضح أيضًا، أنه لا يمكن أن يتم الفصل بين الخليج العربي والبحر الأحمر سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيا. وللبحر الأحمر أهمية جيوستراتيجية كبيرة، ما جعله يمثل ركنًا مهمًا في مشروع القرن الحادي والعشرين الصيني (مبادرة الحزام والطريق)، الذي يعيد إحياء طريق الحرير القديم، ولكن وفق التطورات الاقتصادية والتقنية التي يمر بها العالم اليوم. لذا فقد تبوأ البحر الأحمر المكانة العالمية التي يؤهلها لها موقعه الجغرافي.

أولًا: جغرافيا البحر الأحمر

تناول الباحث في الفصل الأول جغرافيا البحر الأحمر من خلال مجموعة من العناصر:

1 – الموقع الجغرافي للبحر الأحمر                                                                                                                               

تكمن استراتيجية البحر الأحمر في كونه يوفر للقوى الإقليمية والدولية إمكان الوصول إلى المحيطين الهندي والأطلسي عبره، وزادت هذه الأهمية بعد اكتشاف النفط في دول الخليج العربي. يبلغ طوله 1900 كلم، وأقصى عرض له 204 كلم، وأقل عرض له 19 كلم في باب المندب، وتبلغ مساحة سطحه 437 ألف كلم2. كما يتميز بموقع جغرافي يتوسط بين جناحي الوطن العربي، ويتوسط البحار والمحيطات الشرقية والغربية، ويقع بالقرب من أهم منابع النفط في العالم، وهو أهم الشرايين البحرية في عالمنا المعاصر (ص 75)؛ إذ تمثل حرية الملاحة فيه مصلحة دولية وكذا إقليمية كبرى، إضافة إلى أنه يزخر بالمواد الغذائية والمعدنية ومصادر الطاقة والصناعة والسياحة، ويمثل أهمية كبرى للأمن القومي العربي. من ناحية أخرى، يتوافر البحر الأحمر على ثلاثة منافذ (جوبال وتران وباب المندب)، إضافة إلى قناة السويس، جميعها تقع في مياه إقليمية عربية، الأمر الذي يتيح للأقطار العربية، في حال اتفاقها، أن تقيد حركة مرور السفن المعادية التي قد تمثل تهديدًا للأمن القومي لدول المنطقة استنادًا إلى القانون الدولي للبحار.

2 – موانئ البحر الأحمر           

يوجد على ساحلي البحر الأحمر الكثير من الموانئ المهمة للتجارة العالمية وللعمليات العسكرية ذكر الباحث الكثير منها، أبرزها: ميناء جدة وميناء الملك عبد الله في السعودية؛ ميناء بورتسودان في السودان؛ ميناء السويس في مصر؛ ميناء الحديدة في اليمن؛ ميناء العقبة الأردني؛ ميناء إيلات (إيلات أو إيله أو أمّ الرشراش مدينه فلسطينية موجوده في غرب خليج العقبة. احتلتها اسرائيل في 10 آذار/مارس 1949، بعد اعلان وقف اطلاق النار بين العرب وإسرائيل). إضافة إلى هذا الموانئ، تناول الباحث ميناء مصوع في إريتريا، وميناء جيبوتي. أدت أهمية هذه المنطقة بحسب الباحث إلى تنافس القوى الكبرى من أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية، أو من أجل المساس بمصالح الخصوم، عبر هذا الممر المائي الحيوي (ص 82)، وهو ما قد يؤدي إلى أن يكون منطقة صراع إقليمي أو دولي. إذًا هذه الأهمية الاستراتيجية لموقع البحر الأحمر جعلته على مر العصور مطمعًا للدول القوية، وهو ما يؤثر في الامن القومي العربي.

ثانيًا: جزر البحر الأحمر

توجد في البحر الأحمر الآلاف من الجزر، ويكون بعض هذه الجزر عادة صغير الحجم بحيث لا تتجاوز مساحة الجزيرة الكيلومتر المربع، وهنالك بعض الجزر التي قد تتجاوز هذه المساحة لتكون متوسّطة الحجم. كما أنّ هذه الجزر المتوسّطة الحجم تقدّر مساحة كل منها كل منها بين 1 و10 كلم2، وتوجد جزر كبيرة الحجم تتخطى مساحتها 10 كلم2. وقد صنف الباحث صبري فارس في الفصل الثاني هذه الجزر من حيث النشأة على النحو الآتي: جزر مرجانية، وجزر قارية، وجزر رملية، وجزر بركانية، وجزر السعودية (جزيرة تيران، جزيرة صنافير، شوشة، أم الحصاني، سندالة، الثغباء، الفرشة، برقان، أم قصور). كما يعد أرخبيل فرسان من أكبر الجزر، حيث يبلغ عدد الجزر فيه أكثر من 200 جزيرة تضم أغنى تنوع بيئي وأحيائي حيث توجد أنواع مختلفة من الطيور، وتتنوع فيها الحياة المرجانية، والأحياء المائية من رخويات وقواقع، وهي غنية بمادة العنبر الخام الذي يمثل أحد مصادر الرزق لبعض سكانها. كما تعد جزيرة فرسان الأكبر، حيث تبلغ مساحتها 380 كلم2، بينما تأتي جزيرة سجيد ثانيةً من حيث المساحة بـ 150 كلم2. تتألف جزر فرسان من مسطحات من الأحجار الجيرية الشّعابية، يراوح متوسط ارتفاعها عن سطح البحر بين 10 و20 مترًا وقد يصل إلى 40 مترًا ويبلغ أقصى ارتفاع 75 مترًا. وهناك عدد من الأودية القصيرة التي تنتهي إلى البحر. أما السواحل فمغطاة برمال كلسية بيضاء نتجت من تحطم الشعاب المرجانية. تضم جزيرة فرسان تنوعًا بيئيًا وحياة فطرية وبحرية لا تجدها إلا في جزر قليلة في العالم، حيث توجد أنواع مختلفة من الطيور. كما تتنوع فيها الحياة المرجانية، ويكثر فيها مادة العنبر الخام. وهي تمتاز أيضًا بغناها بغابات أشجار المانغروف الساحلي. كذلك تحتوي مياه فرسان على مجموعة من الشعب المرجانية النادرة. وقد منحت بعض الجزر بسبب أهميتها الاستراتيجية لدول أخرى لتنشئ فيها قواعد عسكرية. تمكنت إسرائيل من محاصرة الدول العربية التي تهدد أمن السودان ومصر، وحماية استراتيجيتها في البحر الأحمر، حيث أقامت عددًا من القواعد العسكرية فيها على حدود السودان.

ثالثًا: طريق الحرير الصيني الجديد والبحر الأحمر

قدم الباحث في الفصل الثالث نبذة تاريخية عن طريق الحرير القديم محددًا من خلالها أهم مسالك المراكز التجارية العالمية، لينتقل الباحث بعد ذلك إلى مبادرة الحزام والطريق التي بدأت الصين منذ عام 2013 الإعلان عنها من خلال مبادرة إحياء طريق الحرير التاريخية وتوسيعها بشبكات جديدة من الطرق التجارية التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا. انطلق المشروع الصيني تحت مسمى «مبادرة الحزام والطريق» بوصفه أكبر مشروع استثماري عالمي للمواصلات، سيعيد إحياء طريق الحرير التاريخية ويوسعها بشبكات جديدة من الطرق التجارية التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا وفق مبادرة لخطة تنمية صينية. هذا ما زاد استراتيجية موانئ البحر الأحمر أهميةً لأسباب اقتصادية مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق التي أعلنتها الصين، حيث يعد البحر الأحمر مكونًا أساسيًّا لها، وذلك لطبيعة الأنشطة الاقتصادية للمبادرة في الموانئ من ناحية، ولكون البحر الأحمر ممرًّا يوصل إلى البحر المتوسط وإلى أوروبا إحدى النقاط المهمة للمبادرة الصينية من ناحية أخرى.

رابعًا: القواعد العسكرية في البحر الأحمر

أكد الباحث في الفصل الرابع من الكتاب أن البحر الأحمر يشكل ساحة لممارسة النفوذ والوجود العسكري من جانب القوى الدولية العظمى والكبرى والدول الإقليمية. لهذا، تعد ظاهرة القواعد الأجنبية في منطقة البحر الأحمر ودول القرن الأفريقي، أحد مؤشرات التكالب الدولي والإقليمي على النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة، حيث تنتشر على ساحل البحر الأحمر مجموعة من القواعد العسكرية الأجنبية التي تمثل تهديدًا جديًا للأمن القومي العربي. فقد قامت الكثير من القوى الإقليمية والدولية بتأسيس قواعد عسكرية لها في الدول المطلة على البحر الأحمر. لهذا، أضحى البحر الأحمر ممرًا عسكريًا مهمًا تسلكه القوى الدولية لتحريك قواتها بين قواعدها المختلفة والمنتشرة حول العالم ونقلها إلى مناطق النزاع. ونتيجة لتلك الأسباب، أصبحت منطقة البحر الأحمر ذاتها هدفًا للقوى الأجنبية لمحاولة استثمار موقعه عسكريًا وسياسيًا، وخصوصًا عبر إقامة قواعد عسكرية لحماية سفن بلادها من أعمال القرصنة وحماية التجارة الدولية وناقلات النفط، أو لاستخدامها في الحرب، أو في حربها على الإرهاب، أو مراقبة بؤر التوتر في أفريقيا والشرق الأوسط. غير أنه في المقابل، وبعيدًا من القواعد العسكرية في البحر الأحمر، ظهر مؤخرًا تيار موازٍ في تلك المنطقة يعمد إلى تنميتها واستثمار مواردها لدعم شعوب الدول المطلة عليها، ويندرج الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر في إطار استراتيجيات هذه القوى الدولية، ولا سيما كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وإيطاليا وألمانيا وتركيا وإيران، حيث يوجد الكثير من القواعد العسكرية في دول البحر الأحمر. كما حدد الباحث أسباب بناء القواعد العسكرية في البحر الأحمر، وتأثير القواعد العسكرية في توازنات القوى في البحر الأحمر، وأهم المشاريع (المشاريع الصينية، الوجود العسكري الأمريكي، الوجود العسكري الأوروبي… إلخ). كما فصل الباحث القول في مجموعة من القواعد العسكرية المتعددة (الفرنسية، اليابانية، الإيرانية، الإسرائيلية، الإماراتية،… إلخ).

خامسًا: أهمية البحر الأحمر للأمن القومي العربي

أكد الباحث في الفصل الخامس أهمية استراتيجية البحر الأحمر من حيث الأمن القومي العربي في ثلاث دوائر (الأمن العربي والأمن الأفريقي والأمن العالمي)، مركزها القرن الأفريقي. فهو يعدّ قناة وصل بين البحار والمحيطات المفتوحة. كما تتميز منطقة البحر الأحمر، بتأثيرها المباشر في الأمن القومي العربي بعامة، استنادًا إلى أهميتها الاستراتيجية، ومحاولات القوى الدولية والإقليمية الكبرى المهيمنة على هذه المنطقة، وكيفية ضمان الأمن والاستقرار والتعاون فيها. لقد أوضحت كل من حربي الخليج الأولى والثانية، أن البحر الأحمر وكل الدول الواقعة عليه، كانت طرفًا بصورة أو بأخرى في هاتين الحربين. كما يتضح أيضًا، أنه لا يمكن أن يتم الفصل بين الخليج العربي والبحر الأحمر سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا. ويناقش الباحث بعد ذلك مجموعة من القضايا المحورية المرتبطة بهذه الاستراتيجية، وقد جاءت كالتالي: السياسة العربية تجاه البحر الأحمر من خلال بعد تاريخي (ص 79)، أهداف إنشاء «مجلس الدول العربية والأفريقية المُطل على البحر الأحمر وخليج عدن» (ص 81)، عوامل نجاح المجلس (ص 84)، حيث يمثل هذا المجلس إطارًا مؤسسيًا في منطقة جيوستراتيجية واقتصادية تمثل تقاطع القارات وملتقى طرق عالمية، ما يعني أنه قد يمثل تكتلًا إقليميًا اقتصاديًا قويًا يحظى باهتمام القوى الكبرى في المستقبل، وما يتبع ذلك من تعزيز فرص لتعظيم التعاون الاقتصادي، والتنمية التجارية وتنفيذ الخطط الاستثمارية بين دول المجلس مع هذه القوى والكثير من دول العالم.

سادسًا: المستقبل الجيوسياسي للبحر الأحمر

أكد الباحث في الفصل السادس أن الكثير من المحللين يرون أن البحر الأحمر هو بمنزلة جسر عائم؛ يمتد بانحراف بين الشمال الغربي، حيث قناة السويس والبحر المتوسط، والجنوب الشرقي، حيث يوجد مضيق باب المندب والمحيط الهندي، فيربط بينها كأقرب وأسرع طريق بين الشرق والغرب عمومًا، وبين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط خصوصًا، ويكتسب البحر الأحمر أهمية إضافية من كونه منطقة تماس مع منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية ذات الأهمية الحيوية لصادرات النفط العالمية. يضيق حوضه كلما اتجهنا نحو الشمال أو الجنوب، ثم يزداد ضغط اليابسة على المياه إلى حد الاختناق عند الأطراف. ففي الشمال، يمتد البحر الأحمر عبر خليجين طويلين ضيقين (خليج العقبة، وخليج السويس).

بعد تناول هذه الأهمية، ينتقل الباحث إلى الحديث عن الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر في السياسة الروسية (ص 88)، والاستراتيجية الأمريكية اتجاه البحر الأحمر (ص 92)، وجيوبوليتيك البحر الأحمر المستقبلية في ضوء اهتمام الدول (ص 93)، وكذا من خلال تناوله مجموعة من الدول الأخرى وحصرها في التالي: مصر، ودول الخليج العربي، والقوى الإقليمية (إيران، تركيا). وقد خلص الباحث في هذا الفصل إلى أن منطقة البحر الأحمر تشهد اليوم نظامًا عبر إقليمي جديد قيد التكون، غير أن طبيعة هذا النظام من حيث التعاونية أو التنافسية لا يزال غير واضح. لهذا، يظل الدور المتوقع للمجلس الجديد محدودًا ما لم تتبعه خطوات وإجراءات أخرى للتفعيل، مع ضرورة الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، وبخاصة الاتحاد الأوروبي ودولة الإمارات، وفتح المجال لمشاركتها في المجلس بوصفها مراقبين.

تركيب واستنتاج                                                             

يتمتع البحر الأحمر بأهمية جيوستراتيجية كبيرة، جعلته يمثل ركنًا أساسيًا في مشروع القرن الحادي والعشرين الصيني (مبادرة الحزام والطريق)، الذي يعيد إحياء طريق الحرير القديم، وفق التطورات الاقتصادية والتقنية التي يمر بها العالم اليوم. لهذا فقد تبوأ البحر الأحمر المكانة العالمية التي يؤهلها لها موقعه الجغرافي المهم، وهو ما يفتح الباب أمام البلدان العربية التي لها سواحل عليه لتكثيف جهودها والعمل على وضع صيغة من التعاون الاقتصادي والعسكري بينها لحماية مصالحها وتطوير اقتصادها وجلب الاستثمار. لكن في المقابل ينبغي التصدي لمختلف القوى الأجنبية التي تهدف إلى تدويل قضية تأمين البحر الأحمر ارتباطًا بكونه ممرًّا مائيًّا دوليًّا ينبغي أن يظل مفتوحًا لسفن الدول كافة بما فيها إسرائيل، وتأكيد أنه ليس للعرب حق السيطرة عليه أو تقييد حرية ملاحة أية دولة فيه، وتروج فكرة إنشاء قوات دولية من الدول المتشاطئة على البحر الأحمر. تتولى تأمينه حتى لا تنفرد البلدان العربية صاحبة السواحل الأطول على البحر (شرق البحر وغربه) بهذه المهمة.

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 547 في أيلول/سبتمبر 2024.

[1]سعيد بوعيطة: باحث مغربي.

[2]   Saul B. Cohen, Geography and Politics in a Divided World (London: Methuen, 1964), p. 121.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز