مقدمة

أعادت عملية طوفان الأقصى الغوص في نظريات الحرب العادلة في كل من الفكر العربي والفكر الغربي، وقد انتهت الدراسة إلى كون إسرائيل لم تلتزم بمبادئ الحرب العادلة وقيمها التي أكدتها الفلسفة السياسية المعاصرة، وقبلها الديانات السماوية إلى جانب المواثيق الدولية.

وإذا كان هناك خلاف بين المجتمع الدولي من حيث طريقة التعامل مع الحرب العادلة سواء في الفكر العربي أو في الفكر الغربي، فإن منظّري الحرب العادلة وضعوا عدة قيم وخطوط يجب عدم تجاوزها. إلا أن النظريات الغربية من قبيل نظرية «مايكل وولزر» وإن كانت قد دعت إلى العمل بمبادئ الحرب العادلة، فهي تتغير بتغير مكان الحرب وأطرافه، وهو ما كشف عنه العدوان الإسرائيلي على ساكنة القطاع.

تعَدّ العدالة من بين أهم السمات الأساسية التي تبنى عليها الفضائل والقيم الإنسانية، بوصفها قيمة ورابطة اجتماعية، وهي مفهوم يحمل مجموعة من الدلالات، فأفلاطون يرى العدالة فضيلة الفضائل. كما أنها تعدّ معيارًا تبنى عليه سلطة الحكم، وهو ما يجعل كيانًا اجتماعيًا على الأرض يعمد إلى الأخذ في مبدأ العدالة وفق منظور قانوني ومؤسساتي[1].

تعدّ العدالة بهذا المعنى من بين الأسس والركائز التي تبنى عليها العلاقات الاجتماعية والإنسانية، ليس بين أفراد المجتمع الواحد فحسب، بل بين الأفراد كافة بمختلف جنسيتهم ومعتقداتهم… إلخ. كما تبنى العلاقات ما بين الدول على أساس العدالة ، وتقام انطلاقًا من مبدأ العدالة الدولةُ الديمقراطية، وهو مبدأ لا يخص الإنسان مع بني جنسه فقط، بل يشمل الإنسان في علاقاته مع سائر الكائنات الأخرى، وكل ما يحيط به. يجب ألّا يكون العمل بالعدالة على قاعدة التمييز على أساس الديانة واللغة… إلخ، وإنما انطلاقًا من مبادئ المساواة والقيم الكونية، وبخاصة تلك القيم التي تشترك فيها الإنسانية جمعاء.

وفي هذا السياق تعدّ العدالة من بين المكونات الرئيسية والأساسية لنظرية الحرب العادلة، إذ ينظر كوبيترز وفوشن إلى العدالة يوصفها إنصافًا؛ إنصاف الأفراد والجماعات بما فيها الهوية والثقافة التي تمتاز بها جماعة ما، من طرف أصحاب القوة الذين يكونون ملزمين ومقيدين بعدة مبادئ وقيم[2]، التي يجب احترامها أثناء شنهم الحروب على جماعة أخرى، وبهذا المعنى فإن الأطراف المتحاربة يجب أن تتجنب تدمير البنية الصحية، والمدارس والجامعات، وكذا الامتناع عن قتل المدنيين، والأطباء ورجال الدفاع المدني… إلخ.

وقد ظهرت نظريات قديمة منذ العصور الوسطى أو قبلها، عملت على صوغ مجموعة من القيم والأخلاق، لتطبيق العدالة أثناء الحروب. كذلك ظهرت نظريات أخرى في الفلسفة السياسية المعاصرة، وبخاصة بعد نهاية الحرب الباردة، عندما وجد المجتمع الدولي نفسه في مرحلة جديدة تميزت بتشتت القيم والأخلاق الحربية، وعلى الأخص بعد انتشار الحروب الأهلية في عدة دول، سواء على المستوى الأفريقي أو على المستوى العربي والأوروبي، فأعاد طرح إشكالية تتعلق بمبادئ الحرب العادلة، مع الغزو الأمريكي على أفغانستان في عام 2001 والعراق في عام 2003 [3]، إذ كان هذا الغزو غير مبرر ولا يستند إلى الشرعية الدولية، الخاضعة لعدة مواثيق تنظم الحروب. بيد أن الغزو الأمريكي كان له رأي آخر، وهذا ما جعل مبادئ الحرب العادلة ونظرياتها تنبعث من جديد.

وإلى حدود اليوم، وفي ظل طوفان الأقصى، لا يزال مفهوم الحرب العادلة يثير مجموعة من التساؤلات في الفكر السياسي المعاصر، وذلك راجع إلى مضامينه العقائدية والفكرية التي تتضمن تناقضات ما بين الحرب والسلام، وبخاصة في ظل التدخل الأمريكي بدعوى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات باسم العدالة، وهو تدخل يهدف إلى محاولة هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط وحماية الأمن الداخلي، والخارجي، لإسرائيل[4].

في هذا السياق، تروم هذه الدراسة البحث في مبادئ وقيم الحرب العادلة في كل من الفكر العربي والفكر الغربي، وذلك من خلال الغوص في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ردًا على عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومدى التزام الجيش الصهيوني بقوانين وأخلاق الحروب التي دعت إليها الديانات السماوية والقوانين الوضعية، فضلًا عن المواثيق الدولية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، التي تُلزم أطراف الحرب بعدم المسّ بمجموعة من المبادئ التي تعَدّ من بين الأمور المحرمة أثناء الحروب.

على هذا الأساس، تتجلى أهمية هذه الدراسة من كونها تقصدت إعادة البحث في نظريات الحرب العادلة وإحيائها من جديد في ظرف الأوضاع الإنسانية التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة. وقد انتهت الدراسة إلى أن القوات الإسرائيلية لم تلتزم بمبادئ الحرب العادلة وقيمها، بل عملت على خرق كل المواثيق الدولية التي تحظر المساس بالمدنيين والقطاعات الطبية والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام…إلخ، بل وصلت إلى تدمير المجال البيئي بكل مكوناته، تحت أنظار العالم.

ولأجل الكشف عن تلك المبادئ التي سبق أن دعت إليها نظريات الحرب العادلة والديانات السماوية، ستنطلق هذه الدراسة من سؤال محوري يتعلق بكيف ينظر كلٌ من الفكر العربي والفكر الغربي إلى الحرب العادلة، وما مدى التزام إسرائيل بتلك المبادئ في طوفان الأقصى؟

سنعمل على الإجابة عن هذا السؤال انطلاقًا من العمل بمناهج ومقاربات متعددة، وبخاصة أن هذا الموضوع تتداخل فيه المقاربات بين ما هو تاريخي وسياسي مع ما هو اجتماعي ونفسي، وذلك نظرًا إلى أن الحرب تترك آثارًا نفسية على الأفراد، ولا سيما الأطفال والنساء الشيوخ، ناهيك بالآثار الاقتصادية والاجتماعية.

ستتناول هذه الدراسة في البداية مبادئ الحرب العادلة في كل من الفكر العربي والفكر الغربي، في ظل الوضع الذي تعيشه القضية الفلسطينية. وكنقطة ثانية سنبحث في مدى احترام إسرائيل لتلك المبادئ والقيم في خلال هجومها على قطاع غزة خلال طوفان الأقصى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 543 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 543 أيار/مايو 2024

دراسات ذات صلة:

تداعيات طوفان الأقصى على التعليم في غزة

حرب تحت الأرض: أنفاق غزة مقابل الاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

هشام عميري: باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية

جامعة شعيب الدكالي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الجديدة – المغرب.

[1]   أيمن بوطرفة، «الإشكالية الأخلاقية المعاصرة للحرب: سؤال العدالة في الحرب،» مجلة دراسات إنسانية واجتماعية، العدد 2 (2020)، ص 115.

[2]   إيريك إدوين سميث، «نظرية الحرب العادلة والجهات المؤثرة غير الحكومية: توظيف التجارب والمعارف السابقة في تحليل الصراعات الحديثة،» قراءة في كتاب؛ 18 (منشورات التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، تشرين الأول/أكتوبر 2020)، ص 3، <https://rebrand.ly/f14d99>.

[3]   بوطرفة، المصدر نفسه، ص 121.

[4]   ناظر دهام محمود وصباح جابر كاظم، «الحرب العادلة في الفكر السياسي الأمريكي المعاصر،» مجلة تكريت للعلوم السياسية، العدد 22 (كانون الأول/ديسمبر 2020)، ص 104 – 105.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز