«كلما أصبحت القدرة التدميرية

 لسلاح الجو الإسرائيلي أكثر فعاليةً توجّب على المقاومة

أن تتراجع أعمق تحت سطح الأرض».

إيال وايزمان[1]

«حرب الأنفاق هي الورقة الرابحة

 في يد المقاومة وهي أيضًا التحدي الأكبر

 أمام جيش العدو».

كتائب الشهيد عز الدين القسام[2]

مقدمة

حفرت كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس) أنفاقًا يبلغ طولها «ضعفَي أنفاق فيتنام». بهذا أفاد إسماعيل هنية خلال تشييع سبعة من «شهداء الإعداد»[3] في كانون الثاني/يناير 2016 [4]. وهي المعلومة نفسها التي أكّدها يحيى السنوار بعد خمس سنوات عقب معركة سيف القدس (10-21 أيار/مايو 2021) بقوله: «ما لدينا من أنفاق في قطاع غزة يزيد على 500 كيلومتر»[5]، علمًا أنّ مساحة قطاع غزّة تبلغ 365 كيلومترًا مربعًا فقط! لا أحد يعرف على وجه التحديد حجم مدينة غزة السفلى أو مترو غزة (كما توصف إسرائيليًا)، ولا تكشف قوى المقاومة الفلسطينية أيّة معلومات عنها إلّا في إطار تعزيز صمود حاضنتها الشعبية، والحرب النفسية على إسرائيل. في المقابل، لا تُنتج إسرائيل أبحاثًا وتقارير دقيقة عن هذه الأنفاق، إلا في إطار المادة الخطابية والدعائية لجيش الاحتلال. وبوجه عام، تنحسرُ البحوث العربية التي تخصُّ المقاومة بالعموم، وتلك التي تخص أساليبها وتقنياتها على وجه الخصوص.

لا تنفي المصادر الإسرائيلية ما يجود به قادة حماس من معلومات، وتقرُّ بأنّ شبكة أنفاق غزة تضم 1300 نفق بطول 500 كيلومتر، كذلك تُقدر أن عمقها يراوح بين 20 و30 مترًا، في حين يتعمّق بعضها إلى 40-50 مترًا في باطن الأرض، بينما تشير بعض التقديرات إلى أنّ عمقها يصل إلى 70-80 مترًا[6]، بعد أن ادّعى جيش الاحتلال الإسرائيلي اكتشافه نفقًا عابرًا للحدود من قطاع غزّة يمتد إلى 800 متر داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعمق 70 مترًا (يوازي برجًا من 30 طابقًا)[7]. وما بات مؤكدًا هو أنّ قوى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام وسرايا القدس (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين)، قد تمكّنت خلال العقد الماضي من تطوير شبكة متطوّرة من الأنفاق، سواء في داخل غزّة أو عبر حدودها، مُغيّرةً بذلك شكل ساحة المعركة، من خلال استغلال المجال الحيوي تحت الأرض وتحويله إلى أداةٍ عملياتية.

لا يُعَدّ استخدام الأنفاق تكتيكًا جديدًا، بل هو قديم قدم الحرب نفسها، إذ حفر الآشوريون الأنفاق لدخول المدن المحاصرة، وكذلك فعل الإغريق والرومان. وفي العصر الحديث، مثّل التحصن بالأنفاق تكتيكًا قتاليًا أساسيًا في الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، وعُرفت معارك الخنادق في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وبخاصةٍ على الجبهة الفرنسية، وتبنّى مقاتلو الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام (فيت كونغ) في كوتشي استراتيجيا الأنفاق بنجاعة خلال حرب فيتنام (1955-1975)، وكذلك الأوكران أثناء تصدّيهم للقوات الروسيّة في آزوفستال بماريوبل (2022). ولا تنفصل غزّة عن هذا التاريخ، ليس خلال الألفية الثالثة فقط، بل منذ عام 332 قبل الميلاد، إذ «استعصت المدينة [غزّة] على الإسكندر الأكبر فحاصرها أربعة أشهر، ولم يفتحها إلّا بعدما حفر جنوده أنفاقًا تحت أسوارها للتغلّب على الأنفاق التي كان سكّانها قد حفروها لتعزيز جلَدهم ومقاومتهم له في أثناء حصاره المدينة»[8].

تلجأ الأطراف الأصغر إلى حروب الأنفاق (Tunnel Warfare) [9] لأربعة أسباب رئيسة. أولًا، خلق التوازن البديل، ففي ظل الفجوة التسلحية لمصلحة الطرف الأكبر، تلجأ القوة الأصغر إلى المجال التحت الأرضي لتحييد سلاحي الجو والمدفعية. ثانيًا، إعاقة حركة الخصم، إذ أثبتت الأنفاق فاعليتها في الحد من تقدم قوّات المشاة، وتفرضُ طبيعتُها المغلقة والمظلمة والمخفية على الخصم الحذر الشديد، فهي تُصعّب على القوّات، حتّى ذات الخبرة العالية منها، الحركة على نحوٍ فعّال، وتفرض عليها الحركة الثقيلة[10]. ثالثًا، المباغتة والحصار المضاد، فمن خلال توفير مزايا تكتيكية، تُمكّن الأنفاق قوّات الطرف الأصغر من الحركة والتنقّل الحر بعيدًا من أعينِ المراقبة، وتوظيفها بكثافة في الانسحاب من مواقع الاشتباك، وتنفيذ الهجمات وعمليات التسلل خلف خطوط العدو. رابعًا، حماية تجهيزات التسلّح والإمداد، حيث تُوفّر الأنفاق مساحةً لمراكز إدارة العمليات العسكرية (القيادة والسيطرة)، وتخزين الذخائر والأسلحة والمؤونة ونقلها بين المناطق المختلفة بمأمنٍ من القصف والمراقبة[11].

في القرن الحادي والعشرين عمومًا، لا تُفضّل معظم الجيوش القيام بعمليات برّية بسبب تكلفتها العالية للطرف الذي يشنّها، التي تزداد بفعل ظروف البيئة الجغرافية؛ الطبيعية أو المصطنعة، أو إن كانت حرب مدن (Urban Warfare)، تُعطّل حركة الجيش، وتُصعّب إمكان كشفه الترتيبات الدفاعية للقوّات المدافعة، وتجعله غير قادر على تأمين تمركز قواته. ومنذ اعتزام جيش الاحتلال الإسرائيلي على مباشرة عملية برية في قطاع غزّة هدفها القضاء على حكم حماس وقدراتها العسكرية، مثّلت أنفاق المقاومة الفلسطينية التحدي الأكبر أمامه، وبخاصة بعدما أثبتت فاعليتها خلال العملية العسكرية الإسرائيلية «الجرف الصامد» (8 تموز/يوليو – 26 آب/أغسطس 2014) من جهة، وبعد أن أدرك الجيش الإسرائيلي أنّه لا يُمكن مواجهة الأنفاق من السماء، بل تتطلب تدخّل قوات برّية في إمكانها تنفيذ عمليات تحت الأرض، من جهةٍ أخرى. وحتى إذا اكتشف الجيش الإسرائيلي بعض الأنفاق، فإنّ ذلك لا يسهّل بقية المهمة، لعدم إمكان القياس، إذ لا يوجد نفقان متماثلان بحسب الخبرة السابقة، فضلًا عن استمرار فاعليتها رغم سياسة الأرض المحروقة.

تهدفُ هذه الدراسة إلى فهم أبعاد حرب الأنفاق في قطاع غزّة بين قوى المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي ومدى فاعلية تكيتيك الأنفاق في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية. وهي تحتوي على قسمين. بادئ ذي بدء، تُقدم الورقة سيرة تاريخية لأنفاق قطاع غزّة وتطورها وأنواعها وفاعليتها، ومن ثم تنتقل إلى فهم الاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية تجاه هذه الأنفاق، والتقنيات التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي لتحديد مواقعها وتدميرها/تحييدها، وحدود هذه التقنيات، وذلك استنادًا إلى الإطار المفهومي للحرب التحت الأرضية وتحليلات الحرب غير المتناظرة (Asymmetric Warfare)، بالاستفادة من المصادر الخبرية والاستخبارية المفتوحة؛ الإسرائيلية خصوصًا.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 543 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 543 أيار/مايو 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

مجد أبو عامر: باحث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

[1]  إيال وايزمان، أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي، ترجمة باسل وطفة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2017)، ص 385.

[2]  «حرب الأنفاق،» الميدان، العدد 4 (كانون الأول/ديسمبر 2017)، ص 48.

[3]  وصف شائع في غزّة يُشير إلى المقاومين والعاملين في مجال حفر الأنفاق، الذين يلقون حتفهم داخل الأنفاق خلال مراحل حفرها وبنائها المحفوفة بالمصاعب والمخاطر والسريّة.

[4]  كان هنية آنذاك نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ويشغل حاليًا منصب رئيس المكتب السياسي للحركة في الخارج. والإشارة في تصريحه إلى أنفاق كوتشي Cu Chi التي حفرها المناضلون الفيتناميون خلال الحروب التي خاضوها ضد الفرنسيين والإنكليز والأمريكيين، في الحقبة ما بين أربعينيات وستينيات القرن العشرين. تشير التقديرات إلى أن الأنفاق الفيتنامية قد قارب طولها 250-270 كيلومترًا. انظر: «هنية: مستمرون في حفر الأنفاق ومستعدون لمواجهة إسرائيل،» الجزيرة مباشر، 29 كانون الثاني/يناير 2016، <https://tinyurl.com/4jp54d9c> (شوهد بتاريخ 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[5]   يشغل السنوار منصب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في غزة، وقد جاء تصريحه ضمن خطاب ردعي موجه إلى إسرائيل. انظر: «السنوار يهدّد إسرائيل بالزوال إذا حاولت هدم المسجد الأقصى،» العربي الجديد، 26/5/2021، <https://tinyurl.com/3833p5dv> (شوهد بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[6]   انظر مثلًا: «جبهة تحت الأرض.. أنفاق المقاومة كابوس يقض مضاجع إسرائيل،» الجزيرة، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://tinyurl.com/5n9756bk>  (شوهد بتاريخ 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[7]           «230 Feet Down: Elite IDF Unit Reveals Deepest Hamas Tunnel Ever Found,» The Times of Israel, 2/4/2022, <https://tinyurl.com/yuwj4jvh> (accessed on 1 November 2023).

[8]   أباهر السقّا، غزّة: التاريخ الاجتماعيّ تحت الاستعمار البريطانيّ (1917-1948) (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 2018)، ص 25.

[9]           أو إلى الحروب الجوفية (Subterranean Warfare) أو الحروب التحت الأرضية (Underground Warfare). انظر: Daphné Richemond-Barak, Underground Warfare (Oxford: Oxford University Press, 2018).

[10]   يدلل على ذلك تأخّر قرار التوغّل البرّي لجيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزّة في إطار العملية العسكرية «السيوف الحديدية»، التي جاءت ردًا على عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها كتائب القسّام يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ لم تبدأ العملية البرية المتعددة المحاور، التي تنطوي على تقدّمٍ وتراجع مستمرين بسبب الأنفاق الدفاعية، إلا يوم 27 تشرين الأول/أكتوبر، في حين كان على جيش الاحتلال أن يمهد لحركة قوّاته البرية بثلاثة أسابيعٍ من القصف الجوّي والبرّي والبحري المكثف.

[11]         Daphné Richemond-Barak and Stefan Voiculescu-Holvad, «The Rise of Tunnel Warfare as a Tactical, Operational, and Strategic Issue,» Studies in Conflict and Terrorism (August 2023), p. 6.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز