المؤلف: عيسى فاضل النزّال
مراجعة: ذاكر محيي الدين عبد الله
الناشر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية
سنة النشر: 2022
عدد الصفحات: 430
-1-
تكوّن الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة وملاحق وخرائط، فضلًا عن قائمة المصادر والمراجع، وفهرس الأسماء والأماكن، في 430 صفحة من القطع الكبير.
خصّ الباحث المقدمة لعرض فكرةٍ عامةٍ عن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة، وتعريفٍ بأهمية الدراسة، وإطارها والعقبات والصعوبات والإشكاليات التي واجهها الباحث أثناء إعدادها، وكان في مقدمتها الآلية التي تحدد وتؤكد صحة أسماء المستوطنات، وبشكل دقيق، لاختلاف قسم كبير من هذه الأسماء لدى المصادر التي تناولتها، وكذلك لورود أكثر من تسمية للمستوطنة نفسها، فتبدو أول وهلة أن كل تسمية تمثل مستوطنة قائمة بحد ذاتها. كما أن هناك من يطلق على المستوطنة اسم المنطقة التي شيدت بها، وغيرها من المبررات التي حرص الباحث على تبيانها وتفانى في ذلك، تدفعه رغبة صادقة لعرض كل الحقائق عن هذه المستوطنات الجاثمة على الأراضي العربية المحتلة.
في الفصل الأول تناول الباحث بشيء من التفصيل «ظهور وتنامي ظاهرة الاستيطان الإسرائيلي» في ستة مباحث، خصّ الأول منها للمرحلة التمهيدية، والبدايات الأولى للاستيطان الإسرائيلي، بينما خص المباحث الثاني والثالث والرابع لعرض سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه ظاهرة الاستيطان منذ سنة 1967، وحتى تاريخ صدور الكتاب، وتضمن المبحث الخامس تعريفًا بآلية بناء المستوطنات بصورة عامة، وتمويلها، وكيفية إدارتها، وخصص المبحث الأخير، لتبيان تأثيرات الاستيطان وموقف أبناء الأراضي المحتلة منه.
– 2 –
ورسم الباحث في الفصل الثاني بدقةٍ خارطةً واضحةً لجميع «المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية»، عارضًا أسماءها، وتاريخ بنائها، وأماكن وجودها، ومَن تصدى لإدارتها، ومراحل تطورها وأهميتها بالنسبة إلى إسرائيل. واستكمل الباحث رسم خارطته للمستوطنات الإسرائيلية في الفصل الثالث، الذي خصه للحديث عن «المستوطنات الإسرائيلية في الجولان وقطاع غزة وسيناء»، وأوضح أن مستوطنات شبه جزيرة سيناء أُزيلت سنة 1982 بناءً على اتفاقية السلام التي عقدتها مصر مع إسرائيل، كما ذكر أن مستوطنات قطاع غزة تمت إزالتها أيضًا، وذلك بناء على قرار الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من القطاع عام 2005.
أما الملاحق فكانت شديدة الأهمية، لاحتوائها على جداول عن كل المستوطنات الإسرائيلية، وتبيان عددها في كل مكان، ومساحاتها، وسنوات تأسيسها، وعدد سكان كل مستوطنة، وهي معلومات تسهل للباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني وحتى الدبلوماسيين والسياسيين، سهولة الاطلاع عليها، وأخذ فكرة عامة وسريعة ومهمة عنها، فضلًا عن مجموعة من الخرائط التفصيلية عن أماكن انتشار تلك المستوطنات، وكيف أدى انتشارها إلى تقطيع أوصال الأراضي العربية الجاثمة عليها، صانعة حواجز أمام تواصل التجمعات العربية، وبالتالي كانت تلك المستوطنات – ولا تزال – عائقًا أمام أي حلّ مزعوم للدولتين في فلسطين.
– 3 –
كما قدم النزال إطارًا عامًا لأهم وأبرز المصادر والمراجع التي اعتمدها في كتابه هذا، إذ اعتمد على مصادر متنوعة، متشابهة ومتباينة في طرح المعلومات، كان في مقدمتها الوثائق المدوّنة باللغات العربية والعبرية والإنكليزية، التي دعمها بالكتب الوثائقية المنشورة باللغة العربية أو الإنكليزية، والمذكرات الشخصية لعدد من الشخصيات الفاعلة، والمؤثرة في صنع الأحداث الخاصة بالاستيطان، وردود الأفعال عليها داخل إسرائيل وخارجها، وبالتالي استطاع الباحث عبرها سبر غور ما استشكل، أو أبهم لديه في ما يخص موضع دراسته هذه.
كما كان للرسائل والأطروحات الأكاديمية حضورها في دراسته هذه، إذ قدمت إليه معلومات مهمة عن السياسة الإسرائيلية، وتأثيراتها في الفلسطينيين، فضلًا عن حشده كمية لا بأس بها من الكتب العربية والمعربة، وكذلك الكتب التي صدرت باللغة الإنكليزية، معززًا إياها بالكثير من البحوث والمقالات والأخبار التي شغلت حيزًا كبيرًا في المجلات والصحف الورقية منها والإلكترونية. وقد بلغ مجموع تعداد ما اعتمد عليه من مصادر ومراجع نحو 279 باللغة العربية ونحو 48 باللغة الإنكليزية، وقد شغلت الصفحات 395-421 من الكتاب.
– 4 –
تكمن أهمية الكتاب في ما تناوله الباحث الشاب عيسى فاضل النزّال من موضوعات استخدم في عرضها ومعالجة فقراتها خلفيته العلمية كحامل لشهادة الدكتوراه المؤهل العلمي كباحث متخصص في تاريخ فلسطين، والذي مكّنه من معالجة الموضوع معالجة علمية قائمة على استخدام المعلومة التاريخية بعد تفحيصها وتمحيصها من مصادرها الأصلية، مع محاولة تأكيد هذه المعلومات في مصادر أخرى محايدة.
ومع أن القضية الفلسطينية قضية محورية لدى الكثير من الباحثين العرب والمسلمين، ما قد يعرّضهم للتعاطف والميل بدافع ديني – قومي، أقول مع أنه من زمرة هؤلاء الباحثين، إلّا أننا قلّما نجده منحازًا في عرضه، وفي تناوله لحقب تاريخية مختلفة، بل على الضد من ذلك، شخّص مواطن الضعف والخلل عند العرب والمسلمين في تعاملهم مع مستجدات القضية الفلسطينية، وفي أكثر من موضع وموضوع.
وفي رأيي، أن ما زاد في كتاب النزال أهميةً، أنه كان واضح الخط، منتظم الخطوات دقيقًا في إيراد وعرض الموضوعات، معتمدًا نسقًا تعاقبيًا، حقبيًا، عموديًا، وأفقيًا، من المقدمة وحتى آخر فقرة في كتابه، فهو عرض – حقبيًا وأفقيًا – جذور المسألة، ثم أردف متوسعًا مع توسع وثقل أهميتها. وفي اعتقادي المتواضع، أن أهمية كتابه وتميّزه عن غيره يكمن في التحليل العلمي العمودي لكل فقرة وحقبة وشخصية ومستوطنة، وهو ما تطلب تمعنًا وتبحرًا وتبصرًا في المعلومات المختلفة، والمتناقضة أحيانًا والمتوافقة أحيانًا أخرى، كما تطلب حضورًا وتفاعلًا وتواصلًا مع أفكار ومعلومات في غاية الخطورة، ولا سيما موضوع الاستيطان الذي يمثل حجر الزاوية في سياسة إسرائيل وتوجهاتها في التعامل مع قضية الأراضي العربية المحتلة.
وهذا العرض العمودي والأفقي، فرضه على الباحث أهمية الموضع (المستوطنات) القديم الجديد، إذ ظلت الصهيونية العالمية ترنو نحو احتلال المزيد من الأراضي العربية وتشييد المزيد من المستوطنات، بدعم وإسناد مباشر وغير مباشر من القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، التي ساندت تلك الفكرة وبقوة، ولا سيما في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، عبر اعترافه بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، واعترافه بضم الجولان أيضًا، ولم يكتفِ بذلك، بل قدم خارطة مشوّهة للضفة الغربية مقطعة الأوصال، من خلال ضم أكثر من نصفها للدولة الغاصبة.
واللافت للنظر أن الباحث تتبَّع تاريخ الاستيطان منذ بداياته الأولى ورتبه على مراحل تاريخية، واختار عناوين مهمة لها، منها:
– الاستيطان يؤسس دولة: عرض فيه العمق التاريخي لقضية الاستيطان منذ أوائل القرن التاسع عشر وأواخر الدولة العثمانية، إذ تأسس في فلسطين 37 مستوطنة، وتزايد هذا العدد أكثر فأكثر في عهد الانتداب البريطاني، فوصل عند الإعلان عن قيام الدولة المشؤومة المغتصبة في فلسطين سنة 1948 إلى نحو 249 مستوطنة، وكيف أن بناءها وانتشارها تناغما مع البعد الاستعماري للقوى الكبرى وأطماعها في المنطقة العربية، وكيف استغلت الجمعيات والمنظمات الصهيونية ذلك، معززًا عرضه بإحصاءات وخرائط وجداول مهمة ودقيقة عن عدد المستوطنات لكل حقبة تاريخية.
– الاستيطان يثبت أركان الدولة: هنا تحول موضوع الاستيطان إلى مرحلة جديدة، وهي مرحلة تثبيت أركان الدولة الصهيونية في فلسطين بين سنتي 1948 و 1967، وأخذ الباحث يعرض الخطط والمراحل، معززًا عرضه بإحصاءات وخرائط مهمة جدًا.
ثم بدأ الباحث يرصد تناقضات السياسة والساسة داخل الكيان الإسرائيلي، وسعي الأطراف المتصارعة على السلطة لاسترضاء المستوطنين اليهود، وخلص إلى نتيجة فحواها أن أقصى اليمين (الصقور)، وأقصى اليسار(الحمايم) متفقان شكلًا ومضمونًا على أهمية الاستيطان وقضم المزيد من أراضي الفلسطينيين، وفي الجولان أيضًا، كما رصد سعي الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في طرح الكثير من المشاريع الاستيطانية كمشروع إيغال آلون سنة 1967 على سبيل المثال، وحتى آخر مشروع استيطاني.
وأوضح الباحث أن ثمة نوعين من الاستيطان: نوع رسمي حكومي، ونوع غير رسمي تقدم عليه العصابات والمتزمتون والجمعيات الصهيونية، وكذلك رضوخ الحكومات الإسرائيلية أمام ضغط الصراع السياسي الداخلي للاعتراف بالمستوطنات غير الرسمية، فضلًا عن دعم وتأييد شعبي لتشييد المزيد من المستوطنات في كل الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان، وقدم إحصاءً عامًا لمجمل هذه المستوطنات التي وصل تعدادها إلى نحو 708 مستوطنات حتى سنة 1967، وتضاعف هذا العدد أضعافًا كثيرةً حتى وقتنا الراهن، بعد أن شيدت إسرائيل نحو 214 مستوطنة في الأراضي التي احتلتها العربية عام 1967 (1967 – 2021)، إذا استثنينا منها مستوطنات سيناء وقطاع غزة، التي تمت إزالتها.
– 5 –
وبناءً على ذلك، بيّن الكتاب أن الاستيطان شكّل ظاهرة مقلقة يصعب حلها أو إيقافها، مع عدو نهم يسعى لابتلاع الكثير من الأراضي الخصبة والجيدة، وهو يعلم أن لا وجود لأي قوة على وجه البسيطة تستطيع إيقافه أو ردعه، بل حتى في إقناعه سلمًا في التوقف عن تشييد المستوطنات، إذ دأب – ولا يزال – على اتباع شتى الوسائل والسبل للتنصل من أي اتفاق يقضي بالتوقف عن الأنشطة الاستيطانية.
ومن المسائل الخطيرة التي أوضح أبعادها هذا الكتاب، مسألة تهويد القدس، إذ عرض الباحث الخطوات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية التي اتُّخذت بصورة جدية لقضم المزيد من الأراضي لتشييد المزيد من المستوطنات عليها في القدس من أجل تهويدها، وكذلك قضم المزيد من الأراضي في الضفة والجولان، وعمل كل ما من شأنه تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية بعضها عن بعض بشتى الوسائل والسبل.
وتنبغي الإشارة إلى مسألة أخرى، وهي إحصاء المستوطنات وتدقيق مواقعها وأحجامها وأسمائها وأنواعها وأهميتها، وإرفاق ذلك بجداول وخرائط لمواقع هذه المستوطنات، وأماكن وجودها وحدودها ومساحتها، والطرق الرابطة بينها، ومسعى الحكومات الإسرائيلية لشق المزيد منها، فضلًا عن رصده تشعب المستوطنات ألى أنواع كثيرة هي: مستوطنات ريفية، ومستوطنات حضرية، ومستوطنات عسكرية، وكذلك مستوطنات زراعية، وأخرى صناعية، ولكل نوع هدف ومدافعون، وقائمون عليه، وتمويل وما إلى ذلك من مسائل لوجستية وإدارية.
– 6 –
وفي النهاية توصل الباحث إلى حقيقة واضحة، هي أن حل مسألة الاستيطان الإسرائيلي لا يخرج عن خيارين لإسرائيل لا ثالث لهما: تحدد الأول في ضم إسرائيل للأراضي المحتلة بالقوة، مع إعطاء الشعب العربي الذي يعيش في تلك الأراضي نوعًا من الحكم الذاتي لإدارة شؤونه المدنية فقط. وتحدد الثاني في ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى، وجعل القدس عاصمة أبدية لها، مع إنشاء دولة فلسطينية مقطعة الأوصال، وفي حال فشل إسرائيل في الوصول الى أحد الخيارين ستبقى الأمور على ما هي عليه، بمعنى أنها ستظل لمصلحة الدولة الغاصبة المستمرة في نهب خيرات فلسطين والجولان، ولكن عليها الاستمرار والتأقلم مع مواجهة انتفاضات الشعب العربي المستمرة تلك الانتفاضات التي لن تنتهي إلا بتحرير الأرض كاملة .
رابط الكتاب:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.
ذاكر محيي الدين عبد الله: قسم التاريخ، جامعة الموصل.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



