أولًا: تحليل الظاهرة بمنظور مختلف

يمثل ضُعفُ أو فقدان الصداقة للبعد العربي الإسلامي (اللغة العربية والدين الإسلامي) لدى كثير من المثقفين والمتعلمين التونسيين ظاهرة واسعة الانتشار لا تكاد تُحلَّل فكريًّا كما تحاول أن تفعل هذه المقالة. ومن اللافت للنظر في هذا الصدد تشابه الكثير من الظواهر في دنيا سلوكيات البشر. فإذا كان يُنظر اليوم إلى الشعب التونسي على أنه لا يزال ضعيفَ الصداقة للبيئة، فإنه يجوز أيضًا القول نفسه بالنسبة إلى ضُعف أو فقدان صداقة هؤلاء المثقفين والمتعلمين للبعد العربي الإسلامي المركزي في منظومة الهوية التونسية. نود البدء بتشخيص ضُعف أو فقدان صداقة هؤلاء للجانب العربي من ذلك البعد. نكتفي بذكر أربعة أمثلة تشهد على ضعف أو فقدان الصداقة للغة العربية بين العيِّنات الآتية:

1 – نظمت النساء الديمقراطيات ندوة في 28/1/2012 في بيت الحكمة (المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون) تحدث فيها بعض النساء المثقفات عن وضع المرأة في المنطقة العربية الإسلامية بخاصة. اختار هؤلاء جميعًا اللغة الفرنسية في القيام بمداخلاتهن رغم أن مكانة المرأة في القرآن والحديث ولدى الفقهاء كانت الموضوع الرئيسي للندوة. يتفق السلوك اللغوي مع الملاحظات التي تفيد بأن المرأة التونسية أكثر انجذابًا من الرجل التونسي إلى اللغة الفرنسية، وهو أمر يؤثر سلبًا بطريقة شبه مباشرة في علاقة الأجيال باللغة الوطنية، لأن اللغة الأم التونسية تستعمل كثيرًا الجمل والكلمات الفرنسية في الحديث والكتابة داخل الأسرة وخارجها.

2 – استعمل الرئيس بورقيبة اللغة الفرنسية في لقاءاته مع قادة الدول الأجنبية الذين لا يتحدثون الفرنسية، وكان يترجم حديثه، مثلًا، إلى لغات القادة الأمريكيين أو الألمان. فالصداقة للغة العربية كرمز للسيادة الوطنية غائبة في السلوك اللغوي للرئيس. لقد تحدث صحافي أخيرًا في إذاعة موزييك في تونس عمّا رسخه بورقيبة إيجابًا في الشخصية التونسية من دون الإشارة إلى أن الرئيس رسخ أيضًا معالم سلبية في طليعتها قبول الاستعمار اللغوي الفرنسي في تلك الشخصية التونسية. ألا يشجع ذلك على استمرار التبعية للمستعمر في صور مختلفة ويجعل التونسيين مستعدين للترحيب بالاستعمار كما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي؟

3 – لا تستعمل أغلبية النخب والمتعلمين التونسيين الحروف العربية في كتابة صكوكها/شيكاتها المصرفية. يُنتظر أن مثل هذا السلوك اللغوي قد أثر بطريقة واسعة مباشرة أو غير مباشرة في تقليد ذلك السلوك اللغوي من طرف معظم بقية الفئات التونسية.

4 – النفور من العربية لدى النخب المغاربية: نظم المركز الأمريكي للدراسات المغاربية في تونس العاصمة ندوة حول نمو المدن المغاربية عبر العصور في 26 و27/5/2005. كانت أغلبية المشاركين الأكاديميين من الجزائر والمغرب وتونس. اختار جميع هؤلاء اللغة الفرنسية لتقديم مداخلاتهم ما عدا باحثة مغربية واحدة فضّلت استعمال اللغة العربية لإلقاء بحثها. أثار ذلك حيرة واستهزاءً واسعين بين زميلاتها وزملائها، وهو سلوك غريب من طرف النخب التي يُنتَظَر منها في العادة في المجتمعات البشرية وفي الظروف العادية أن تكون رافعة راية الدفاع عن اللغة والثقافة الوطنيتَيْن. تُذكر عدة أسباب لمثل ذلك السلوك اللغوي المغاربي المغترب لغويًا من دون ذكر أعظم الأسباب وتأكيد مدى أسبقيتها في التأثير السلبي في علاقة الناس بلغاتهم في مجتمعاتهم. فهذه العلاقة غير الطبيعية باللغة الوطنية أدت إلى ضُعف صداقتهم لها بسبب طوفان التدريس باللغة الفرنسية؛ فقد سادتْ هذه العلاقة قبل استقلال تونس عام 1956 لدى خريجي المدرسة الصادقية (حيث لا تُستعمل اللغة العربية كلغة أولى في التدريس بل الفرنسية) وخريجي مدارس البعثات الفرنسية. علمًا بأن هؤلاء الخريجين هم الذين تصدّروا قيادة المجتمع التونسي بعد الاستقلال، فأسسوا نظام تعليم تونسيًّا يعيد إنتاج نمط تعليمهم كما يعبّر عن ذلك مفهوم Reproduction لعالم الاجتماع الفرنسي بورديو. وهكذا تتخرج الأجيالُ التونسية ما بعد الاستقلال مشابهة لخريجي المدرسة الصادقية ومدارس البعثات الفرنسية في انعدام العلاقة السليمة باللغة العربية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 571 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 571 أيلول/ سبتمبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.

محمود الذوادي: عالم اجتماع – تونس.


بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز