مقدمة

شهدت العلاقات الجزائرية – التركية حركية واضحة منذ وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة سنة 2002، حيث سعى هذا الأخير إلى استعادة علاقات بلده التاريخية مع دول القارة الأفريقية التي كانت خلال الحقبة العثمانية، وتدشين علاقات جديدة مع الأقطار التي لم يصل إليها العثمانيون سابقًا. وتعَدّ منطقة شمال أفريقيا والمغرب العربي عمومًا من أبرز المناطق التي شهدت وجودًا تركيًا بارزًا خلال الحقبة العثمانية، وخصوصًا الجزائر التي مثّلت مركزًا للوجود التركي في منطقة المغرب العربي خلال تلك الحقبة.

أولًا: دوافع التوجه التركي نحو أفريقيا والمغرب العربي

1- السياق العام لتطور العلاقات التركية – الأفريقية

أسّست حكومة العدالة والتنمية بعد وصولها إلى السلطة سنة 2002 علاقاتها مع الدول الأفريقية بوجه عام استنادًا إلى المخطّط الذي اعتُمد سنة 1998، المسمّى «الانفتاح على أفريقيا»، الذي أعدّته وزارة الخارجية، وشارك في التحضير له عدد من الفاعلين المحليين المتمثلين برجال أعمال ومجتمع مدني وممثلي الوزارات وممثلي عدد من الشركات والمؤسسات الخاصة، إضافة إلى الأفارقة الذين حضروا عددًا من الاجتماعات لمناقشة موضوع العلاقات التركية الأفريقية[1].

ارتكزت خطة الانفتاح على أربعة عوامل رئيسية: 1 – الشق الدبلوماسي الذي هدفت تركيا من خلاله إلى زيادة عدد التمثيليات الدبلوماسية في القارة الأفريقية، ورفع مستوى التمثيل إلى أرقى درجاته وهي درجة السفارة. 2 – الشق السياسي من خلال تبادل الزيارات الرسمية، وهذا يرتبط بصورة وثيقة بالجانب الدبلوماسي. 3  – الجانب الاقتصادي والتنموي، حيث هدفت تركيا إلى تشجيع التبادل التجاري وتنشيط العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وزيادة الدعم الإنساني والتنموي للقارة الأفريقية التي تعاني مشاكل تنموية كبيرة. 4 – الشق الثقافي، وذلك من خلال تعميق أواصر التعاون الثقافي وتطويره، وبخاصة أن الأفارقة يتشاركون مع الأتراك في بعد ثقافي يشملهما وهي الثقافة الإسلامية والإرث الإسلامي الذي يمثل عاملًا مشجعًا يمكن الاستناد إليه في توثيق الصلات مع عدد من الدول الأفريقية[2].

وبرغم أهمية خطة الانفتاح وعناصرها، فإن تنفيذها على أرض الواقع لم يتحقق إلا بعد وصول القيادة الجديدة لتركيا بعد 2002. حيث أعدّت مستشارية التجارة الخارجية منذ أوائل 2003، استراتيجية سمّتها «استراتيجية تطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية»[3]، التي أُردفت فيما بعد بالكثير من الاتفاقيات الاقتصادية مع الدول الأفريقية، والتي تعدّدت أشكالها من اتفاقيات ثنائية وأخرى مع منظمات حكومية أفريقية كالاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية وغيرهما، كما ترجمت زيارات المسؤولين الأتراك للدول الأفريقية رغبة حكومة حزب العدالة في الارتقاء بمستوى العلاقات التركية الأفريقية إلى أعلى مستوياتها.

وقد بدأ المسؤولون الأتراك برنامج إعادة العلاقات مع الدول الأفريقية بإعلان سنة 2005 سنة لأفريقيا، وتبع هذا الإعلان زيارة رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان في آذار/مارس من السنة نفسها لكل من إثيوبيا وجنوب أفريقيا. وقد كانت تلك الزيارات تاريخية، كونها الأولى في تاريخ الجمهورية التركية. ثم توالت بعدها زيارات أخرى إلى عدد من الدول الأفريقية.

أثمرت تلك الزيارات نتائج سريعة على المستوى المؤسسي، إذ نالت تركيا في الثاني عشر من نيسان/أبريل 2005 موقع أو صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، واستطاعت بعد ثلاث سنوات، وتحديدًا في كانون الثاني/يناير 2008، الحصول على صفة الشريك الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي، التي جاءت مباشرة بعد قمة الاتحاد الأفريقي مع نظيره الأوروبي المنعقدة في كانون الأول/ديسمبر 2007 في مدينة مدريد الإسبانية، والتي شارك فيها رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان[4].

قمة إسطنبول 2008: استضافت تركيا بين 18 و21 آب/أغسطس 2008 قمة إسطنبول التي عُدّت أهم قمة في تاريخ العلاقات بين تركيا وأفريقيا. وقد عنون شعار القمة بـ «التضامن والشراكة من أجل مستقبل مشترك». وقد ترافقت القمة مع سياق الحملة التي بدأتها تركيا منذ 2007 للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن من بين مقعدين جديدين غير دائمين سيتم اختيارهما للسنتين 2009 – 2010، وهو ما عُدّ سببًا رئيسيًا من أسباب دعوة تركيا لزعماء الدول الأفريقية إلى تلك القمة والتي شهدت حضورًا أفريقيا مكثّفًا، ضمّ مسؤولين عن 53 دولة أفريقية، بينهم رؤساء دول كلّ من السودان وجيبوتي وبوركينافاسو وجزر القمر وغينيا الاستوائية، إضافة إلى ممثلين عن عشرين منظمة دولية من ضمنهم رئيس الاتحاد الأفريقي والأمين العام لجامعة الدول العربية ومستشار الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الأفريقية.

زيادة على ما سبق، هدفت القمة إلى وضع برنامج عمل لتطوير العلاقات التركية الأفريقية في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، حيث أعلنت تركيا سعيها لفتح سفارات لها في القارة الأفريقية، وتطوير التمثيل الدبلوماسي التركي في أفريقيا إلى أرقى درجاته. كما أبدت تركيا رغبتها في زيادة حجم التبادل التجاري مع الأفارقة وتوسيع نطاق الرحلات الجوية المتبادلة، وأعلنت عن تعاونها العلمي والثقافي من خلال منح الطلبة الأفارقة منحا دراسية في تركيا[5].

ويبدو أن نمو اقتصادات الدول في منطقة شمال أفريقيا مع مطلع القرن الحادي والعشرين، الذي ترافق مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، وعلاقات تلك الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والصين، دفع الطرف التركي إلى اهتمام متزايد بالمنطقة، وخصوصًا بعد عدم تمكن الأتراك من الانضمام للاتحاد الأوروبي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 532 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 532 حزيران/يونيو 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.

خالد بقاص: جامعة الوادي- الجزائر.

[1]   Volkan İpek, «The 2011 Landing of Turkey on Somalia: The «State to People» Aspect of Turkish Foreign Policy towards Sub-Saharan Africa,» European Scientific Journal (May 2014), pp. 412- 428.

[2]   Ali Belgic and Daniela Nascimento, «Turkey’s New Focus on Africa: Causes and Challenges,» NOREF Policy Brief (September 2014) p. 1.

[3]   موقع وزارة الخارجية التركية، «العلاقات التركية مع الدول الأفريقية،» <https://bit.ly/3QlJ85E>.

[4]   أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، ط 2 (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 1432هـ/2011م)، ص 641.

[5]   أيمن السيد، «العلاقات التركية الأفريقية،» في: محمود أبو العينين، محرر، التقرير الاستراتيجي الأفريقي 2007/2008 (القاهرة: مركز البحوث الأفريقية، 2008)، ص 647 – 648.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز