المؤلف: كاس مودّه وكريستوبَل روفيرا كالتواسر
ترجمة: سعيد بكار ومحمد بكار
مراجعة: ياسمين قعيق
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (سلسلة ترجمان)، بيروت
سنة النشر: 2020
عدد الصفحات: 176
يُعدّ مصطلح «الشعبويّة»، من أكثر الكلمات التي برزت في النقاشات السياسية في القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أنّ ظاهرة «الشعبويّة» باتت تملأ العالم بأسره، وتُستخدم كمؤثرات تُحاكي غرائز العامة ومن «عوامل» تغييرية في الأنظمة السياسية، غير أنّها ما زالت عصيّة على التحديد الأكاديمي الصارم.
تحولّت «الشعبويّة»، في العموم، إلى أيديولوجيا من خلال مُحاكاة ما يعدّه المستخدم «الإرادة الشعبية» وصولًا إلى تمجيدها، مع أنها من صنّاع السياسيين أنفسهم للوصول إلى غاياتهم. وتتمثّل سياسة «الشعبويّة» بالصراع القائم بين «الشعب الصالح» و«النخبة الفاسدة»، ويتلخص منطقها بـ«من لم يؤيّدنا ويوافقنا الرأي ليس من الشعب». لذا، يدأب الزعماء الشعبويون على تقديم أنفسهم بوصفهم الصوت الحقيقي للشعب.
لقد عادت كلمة الشعبويّة، التي كانت لـ«اليساريين» في حقبة الستينيات من القرن العشرين أقرب إلى محطة لمهاجمة أضاليل خصومهم في عملية الاستقطاب السياسي، ليجري تشبيهها، في السنوات الأخيرة، بمن يعلن الإيمان بالله على أوراق عملته بينما في الواقع يُدمّر كل ما له علاقة بالله ويقتل أبناء الرسالات السماوية بلا رحمة وعن عمدٍ لفرض هيمنته.
وفي حين يُنظر إلى «الشعبويّة» بوصفها استراتيجيا للتعبئة والوصول إلى السلطة لا غير، أضحى كل سياسي مشهور في وسائل الإعلام شعبويًا، وكل من يدافع عن الشعب شعبويًا، وكل من يقول ما يحب الشعب شعبويًا. وواقع الأمر أنّ معظم هؤلاء إمّا شعبي أو ديماغوجي. وقد سبق لنائب رئيس بوليفيا، ألفارو غارسيا لنيرا، في السياق، أن قال: «الشعبوية وعاءٌ يضعون فيه كل شيء لا يفهمونه».
يتألّف كتاب مُقدّمة مُختصرة في الشعبويّة، من ستّة فصول تمتدّ على 176 صفحة من القطع الوسط موثُقًا ومُفهرسًا. ويمثّل الكتاب الصادر عام 2017 عن دار نشر أوكسفورد، والذي نشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عام 2020، للكاتبين كاس مودّه و كريستوبَل روفيرا كالتواسر، محاولةً لسدّ الفراغ العلمي الذي يسم النقاش بشأن ظاهرة الشعبويّة، وذلك بتقديم إجابات دقيقة وشافية عن أغلب الأسئلة التي تملأ النقاشات والتحليلات التي تخص هذه الظاهرة اسمًا ومن يُنعت بها صفةً.
تكمن أهمية الكتاب في أنّه من تأليف أبرز المتخصّصين في الشعبوية عالميًا، وهو ما يُضفي دقّة على البحث وعلميّة مقاربته وموضوعيّة استنتاجاته. ولعلّ ما زاد بحثهما قوة وشمولًا هو انتماء أحد المؤلفين إلى أوروبا والآخر إلى أمريكا اللاتينية، والقارتان هما من أقوى معاقل الحركات والأحزاب الشعبوية وأعرقها في العالم؛ فهذا مودّه هولندي متخصّص بالنزاعات السياسية المتطرّفة في أوروبا، أما روفيرا كالتواسر فهو تشيلي متخصّص بالعلاقة بين الشعبويّة والديمقراطية، وهو ما مكّنهما من مقاربة ظاهرة الشعبوية بتجليّاتها المختلفة.
يُقدّم الكتاب تحليلًا للشعبويّة ببُعديها النظري والعملي، وبوصفها أيديولوجيا تشطر المجتمع إلى معسكرَين متخاصمَين؛ هما «الشعب النقيّ» مقابل «النخبة الفاسدة»، وتضع الإرادة العامة للشعب فوق أي اعتبار. يصف المؤلفان القوّة العملية لهذه الأيديولوجيا من خلال مسح يغطّي الحركات الشعبوية في العصر الحديث، وهي: الأحزاب اليمينية الأوروبية، والرؤساء اليساريون في أمريكا اللاتينية، وحركة حزب الشاي الأمريكية، ويُميطان اللثام عن سرّ نجاح شخصيات شعبوية مثيرة للجدل. كما يقدّم الكتاب تحليلًا أكاديميًا متفرّدًا ورائدًا في تفسير أسباب انتشار الشعبوية، وعلاقتها بالديمقراطية والديمقراطية الليبرالية. ويُختتم ببعض الاقتراحات التي من شأنها أن تُعين الدول، على التعامل مع ظاهرة الشعبويّة بما يضمن الحفاظ على الديمقراطية وتعزيزها.
أولًا: مفاهيم جوهرية للشعبوية
تمتلك «الشعبويّة» عدة مفاهيم جوهريّة تتمثّل بالشعب والنخبة والإرادة العامة. ومعظم الجدل الدائر حول مفهوم ظاهرة الشعبويّة، إنّما يعود إلى اللبس الذي يشوب مصطلح «الشعب». وعلى الرغم من إمكان فهم مصطلح «الشعب» فهمًا متنوعًا، فإنّه يُستخدم عادة ليُراد به أحد هذه المعاني الثلاثة: صاحب السيادة، أو العامة، أو الأمة.
ترتكز صورة «الشعب» بوصفه صاحب السيادة، على الفكرة الديمقراطية الحديثة التي ترى في «الشعب» الحاكم الحقيقي والمصدر الأساس للسلطة السياسية. بينما يشير المعنى الثاني، إلى مفهوم طبقي يجمع بين الوضعية الاجتماعية- الاقتصادية والتقاليد الثقافية والقيم الشعبية للناس في سياق معيّن. وغالبًا، ما يوحي الحديث عن «العامة» إلى انتقاد للثقافة السائدة التي تنظر إلى أحكام المواطنين العاميين وأذواقهم وقيمهم نظرة دونية. أمّا الشعب بوصفه «الأمّة»، فيُستخدم ليُحيل إلى مجتمع قومي مبني على المدنية أو العرق.
وفي ما يتعلّق بمفهوم «النخبة»، فيمكن تعريفه على نحو ما يُعرّف الشعب، أي من المنظورين الاقتصادي (الطبقة) والقومي (الساكن الأصلي). فيربط الشعبويون النخبة بالسلطة الاقتصادية لأن ذلك يعينهم على تبرير إخفاقهم السياسي.
ويقصد بـ«الإرادة العامة»، إمكان اجتماع أفراد شعب من أجل تكوين مجتمع وسنّ تشريعات تخدم مصالحه المشتركة. ويعزّز التمييز الشعبوي الشعب الصالح من النخبة الفاسدة فكرة وجود إرادة عامة.
عند هذا الحدّ، يلفت الباحثان مودّه وكالتواسر في دراستهما المقدّمة، إلى أنّ الشعبوية تمتلك وجهًا مظلمًا مهما كانت تجلّياتها الإيجابية، لأنّ جوهرها المؤمن بالواحدية خصوصًا تصوّر الإرادة العامة، عادة ما يؤدّي في نهاية المطاف إلى دعم تيارات استبدادية ويتقاسم الفاعلون الشعبويون وناخبوهم فهمًا متماثلًا للأمور السياسية.
في الموازاة، يعرض الباحثان لأهم المقاربات الفكرية التي تتناول الشعبويّة تعين القارئ على فهم أشمل للظاهرة، ولا سيما في غياب تحديد متفق عليه للشعبويّة أو حالة أنموذجية يُحتكم إليها، وفي ظلّ استعمال الأكاديميين والصحافيين مصطلح الشعبويّة للإحالة إلى ظواهر شديدة الاختلاف.
1 – مقاربة الفاعلية الشعبية
تنظر إلى الشعبوية بوصفها منهج حياة ديمقراطيًا مبنيًا على انخراط الشعب في السياسة. وينتشر توظيف هذه المقاربة بين مؤرخي الولايات المتحدة والباحثين في شعبويي أمريكا الشمالية الأوائل.
2 – المقاربة اللاكلاوية
ترتكز على العمل الرائد للمنظّر السياسي الأرجنتيني الراحل إرنستو لاكلاو. وتُعدّ الشعبوية، في أعماله، القلب النابض للسياسة، لأنها بمنزلة قوة تحريرية. وترى هذه المقاربة الديمقراطية الليبرالية سببًا للمشكلات، وأن الديمقراطية الراديكالية هي الحل الدائم.
3 – المقاربة الاجتماعية – الاقتصادية
ظلّت تهيمن على دراسات الشعبوية في أمريكا اللاتينية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وتأثرت بفهم علماء الاقتصاد حيث كانوا يرونها سياسة اقتصادية مستهترة تتسم بتبذير هائل عقب أخذ دين خارجي في مرحلتها الأولى. ثمّ تأتي مرحلة ثانية يطبعها تضخم كبير وتطبيق لإصلاحات اقتصادية قاسية.
4 – مقاربة سياسية
ثمّة مقاربة جديدة تعدّ الشعبوية، أولًا وقبل كل شيء، استراتيجيًا سياسة يستعملها زعيم ما في أثناء سعيه إلى إقامة حكم مبني على دعم مباشر من تابعيه. وتستعمل هذه المقاربة في دراساتها على أن الشعبوية تشير إلى صعود نجم شخص كاريزميّ يركز السلطة في يده، ويحافظ على اتصال مباشر بالجماهير.
وهناك مقاربة أخرى، ترى الشعبوية أسلوبًا فولكلوريًا لممارسة السياسة، وأنّ الزعماء يوظّفونها لتعبئة الجماهير كما توظفها الأحزاب. وتنتشر هذه المقاربة في الدراسات التواصلية السياسية وفي الإعلام. وترى هذه المقاربة الشعبوية أسلوبًا سياسيًا فاقد المهنية والنضج، وأن أصحابه إنما يستعملونه لجذب انتباه الإعلام وحصد مزيد من الدعم الشعبي.
ثانيًا: الشعبوية أيديولوجيا جزئية متجانسة
يقدمّ الباحثان مودّه وكالتواسر، تأويلًا محدّدًا للشعبوية «بوصفها أيديولوجيا جزئية ترى المجتمع مقسّمًا إلى مجموعتين، كل واحدة منهما متجانسة في ما بينها وتُعادي الأخرى. وهذا يعني ببساطة أنّ «النخبة الفاسدة» تُعادي «الشعب الصالح» والضد صحيح. كما إنّ الشعبوية تنظر إلى السياسة بوصفها منبرًا للتعبير عن «الإرادة الشعبية». والأيديولوجيا، هي مجموعة من الأفكار النمطية المتعلقة بطبيعة الإنسان والمجتمع، والطريقة التي ينبغي اتباعها لتحديد أهداف هذا المجتمع وتنظيمه، وعادة ما تظهر الشعبوية مقرونة بعناصر أيديولوجية أخرى، ما يعينها على الترويج لمشروعاتها السياسية بين جمهور واسع من الناس. في حين إن طبيعة الأيديولوجيا الشعبوية الجزئية تجعلها عاجزة عن تقديم إجابات مفصلة وشاملة للقضايا السياسية التي تخرج من رحم المجتمعات الحديثة، وفق ما يخلص إليه الباحثان.
وفي الوقت الذي يغوص الباحثان في دراسة النقاط التي تميّز أغلب الشخصيات السياسية المُسمّاة «الشعبوية»؛ فإنّهما يردُّان على انتقادَين من الانتقادات الرئيسة للمصطلح؛ بالقول «إنّ «الشعبوية» ليست سوى كلمة هجومية لإدانة الخصوم السياسيين، وإنّ غموض هذا المصطلح الكبير يكاد يجعله ينطبق على جميع الشخصيات السياسية».
في سياق متصل، يبحث المؤلفان في ماهية الزعيم الشعبوي، حيث يعتبران أنّه لا يمكن القول بوجود زعيم شعبوي أنموذجي بسبب الاختلاف الكبير بين الفاعلين الذين يوظفون الأفكار الشعبوية، في حين يتجسد «القائد الشعبوي» النمطي، وفقًا للأكاديميين والعامة، في «الرجل الكاريزمي القوي». ويشدّد الباحثان على أن نجاح الزعماء الشعبويين لا يعتمد على قائمة موحدة من السمات الشخصية الخاصة بالشعبوي، بقدر ما يستند إلى الصورة الدقيقة التي يرسمها لتمثل صوت الشعب. ولأن الزعماء الشعبويين يحتاجون إلى إقناع أتباعهم ببُعد انتمائهم إلى النخبة (الفاسدة)، وبأنهم جزء من الشعب (الصالح)، يعزف الزعيم على وتر الأفكار الشائعة في ثقافة شعبه، ويقترح حلولًا مبنيّة على الحسّ العام، وتكون عادة مخالفة لرأي أهل الاختصاص.
ووفقًا للباحثين، فإنّ الزعماء الشعبويين يدّعون عدم خبرتهم في عالم السياسة لأنّهم يقولون إنهم خارجيون وغير مرتبطين بالمؤسسة السياسية الحاكمة. ويقول الشعبوي إن ما دعاه إلى الانخراط في السياسة هو أسمى من أي طموح شخصي، فهدفه الرئيس هو إرجاع السياسة إلى الشعب، وتوجهه مخالف تمامًا لما عليه «الطبقة السياسية المحترفة»، ولكن واقع الحال أن معظم الزعماء الشعبويين هم جزء قوي من النخبة الوطنية، فجلّهم يقاسم النخبة السياسية الطبقات الاجتماعية والديمغرافية نفسها.
ثالثًا: انتشار الشعبوية
تحت عنوان «الشعبويّة حول العالم»، يقدّم المؤلّفان عرضًا موجزًا لأهم الفاعلين الشعبويين في المئة والخمسين سنة الماضية، الأمر الذي يساهم ببناء فهم أوضح لعملية انتشار هذه الظاهرة السياسية المتنوعة. وفي ما يأتي نذكر بعض أبرز المحطات التي مرّت بها الحركات الشعبويّة وأهمّها:
- أمريكا الشمالية
تتميّز أمريكا الشمالية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، بتاريخ عريق في التعبئة الشعبوية. ولمّا كانت الشعبويّة مقرونة بالأيديولوجيا الإنتاجية في أمريكا الشمالية، نهاية القرن التاسع عشر، حصر الشعبويون «الشعب» الصالح في المزارعين الذي يثيرون الأرض وينتجون. وكان هؤلاء الشعبويون يقولون إن النخبة هي أصحاب البنوك والسياسيون الموجودون في الشمال الشرقي، لأنهم لا ينتجون شيئًا، وينهبون البضائع من المزارعين في مقابل قروض ربوية عالية.
أمّا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فشهد بروز حركتين شعبويتين جديدتين، يرتكز نشاطهما على المظالم الاجتماعية المرتبطة بـ«الركود الاقتصادي في عام 2008». وعلى الرغم من تمركزهما على طرفَي الطيف السياسي، فإنهما تتقاسمان كثيرًا من النقاط. ومثال ذلك، أنهما تعارضان المساعدات المالية المقدمة لإنقاذ قطاع البنوك، التي بدأت في عهد الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش واستمرت في ولايتَي باراك أوباما الديمقراطي معارضة شرسة. برزت حركة «احتلوا»، في صورة احتجاج يساري على الدعم المالي الذي قدمة بوش وأوباما للبنوك، وعلى العلاقات الوثيقة التي تربط وول ستريت بواشنطن. وقالت الحركة إنها تتحدث نيابة عن 99 بالمئة من «الشعب الأمريكي»، المتضرّر الأكبر من الأزمة الاقتصادية الذي لم يلتفت إليه فيها أحد، وأنّ النخبة الفاسدة المؤلفة من واشنطن وعصابة وول ستريت لا تمثل سوى 1 بالمئة من البلاد. ومزجت حركة «احتلوا» الشعبوية بأجندتها التقدمية للعدالة الاجتماعية، ما سمح لها بإغفال الأيديولوجيا الإنتاجية، وتأويل «الشعب» تأويلًا أشمل. وترى هذه الحركة أنّ النخبتين الاقتصادية والسياسية جسد واحد، وأنّ نخبة الإعلام الرسمي جزء لا يتجزأ من هذا الجسد. تعثّرت الحركة لأسباب كثيرة، كغياب زعامة مركزية تقودها، والإقالات التي فُرضت عليها، والأوضاع السياسية الصعبة التي مرت بها الدولة في عام 2011.
أمّا حركة حزب الشاي، فركّزت تعبئتها على المحافظين والمتحررين من أجل معارضة المساعدات المالية للبنوك. وأدى خطاب الحركة ذو النبرة الإنتاجية القوية إلى تأويل عرقي ضمني لمعنى: «الشعب». وعلى الرغم من أن هذه الحركة تتقاسم مع حركة «احتلوا» بعض نخبة وول ستريت ، فإنّ تحديدها مفهوم النخبة يتّسم بالانتقائية، بدليل أن كثيرًا من المجموعات التابعة لحركة حزب الشاي وداعميها يحصر مصطلح النخبة الفاسدة في أصحاب البنوك والديمقراطيين وشبكة هوليوود.
- أمريكا اللاتينية
تُعدّ منطقة أمريكا اللاتينية أقوى معقل للشعبوية من حيث الصمود والانتشار. ويمكن تحديد ثلاث موجات شعبوية في تاريخ أمريكا اللاتينية.
الموجة الأولى: ظهرت في بداية الكساد الاقتصادي الكبير في عام 1929، واستمرت حتى بروز الأنظمة البيروقراطية الاستبدادية في أواخر ستينيات القرن العشرين. ومرت دول أمريكا اللاتينية من أزمة اندماج آنذاك بسبب زيادة الهجرة القروية إلى المناطق الحضرية، وتطبيق تعديلات اقتصادية أدّت إلى التركيز على التصنيع. ومهّد هذان العاملان الطريق لبدء مطالبة الناس بحقوقهم السياسية والاجتماعية.
حقّقت الشعبوية نجاحات أكبر كثيرًا في بعض دول هذه القارة (الأرجنتين، البرازيل، الإكوادور) واستطاع زعماء تلك الدول تحقيق نجاحهم باستعمال لغة سياسية جعلت «الشعب» مركز الاهتمام بدل «الطبقة العاملة». كما اعتمد هؤلاء الشعبويون على الأيديولوجيا «الأمريكوية»، أي أن سكان أمريكا اللاتينية يمتلكون هوية مشتركة، وأنهم يعارضون تدخّل القوى الإمبريالية.
الموجة الثانية: ظهرت في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، ويمكن إيجاد النماذج الأكثر مثالية لهذه الموجة في الأرجنتين (كارلوس منعم) وفي البرازيل (فرناندو كولور دي ميلو) وفي بريو (ألبرتو فوجيموري). وتمكن هؤلاء الزعماء الشعبويون من الفوز بالانتخابات بسبب الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي عاشتها هذه الدول في نهاية ثمانينيات القرن العشرين. ومما ساعدهم على تحقيق هذا النجاح لومهم النخبة على الوضع الكارثي لدولهم، وقولهم إن النخبة سلبت سيادة الشعب الشرعية. ولكن معظم هؤلاء الزعماء افتقدوا رؤية واضحة للتعامل مع الأوضاع الاقتصادية لبلدانهم، إذ اختاروا التعاون مع صندوق النقد الدولي منذ بداية تسلمهم السلطة، ما ترتّب عنه إجراء إصلاحات ليبرالية جديدة قاسية.
الموجة الثالثة: ابتدأت الموجة الحالية لشعبوية أمريكا اللاتينية، بنجاح تشافيز في الانتخابات في فنزويلا في عام 1998، ثم انتشرت بعد ذلك في دول أخرى مثل بوليفيا (حالة إيفو موراليس) والإكوادور (حالة رفاييل كوريا) ونيكارغوا (أنموذج دانييل أورتيغا). ويصور جميع الزعماء الشعبويين هذه الموجة الأخيرة أنفسهم يساريين راديكاليين، ويقولون إنهم يحاربون السوق الحرة، وإنهم يسعون إلى بناء أنموذج تنموي جديد يعود على الفقراء بنفع ورُقي ملموسين.
- أوروبا
على الرغم من ظهور إحدى الحركتين الرائدتين للشعبوية في روسيا نهاية القرن التاسع عشر، فإنّ وجود الشعبوية في أوروبا القرن العشرين ظلّ هامشيًا. وبرزت الأيديولوجيا الشعبوية الروسية بسبب الأزمة الزراعية التي مرّت بها روسيا حينما كانت قيصرية إقطاعية. ودعت حركتها الشعبوية إلى إصلاحات ديمقراطية تحمي المزارعين من إقطاعية الأرض، وتحول دون إضفاء صبغة تجارية على الزراعة.
ولم تكن للشعبوية قيمة حقيقية في السياسة الأوروبية حتى السنوات الأخيرة من تسعينيات القرن العشرين، حين سطع نجم الشعبويين اليمينيين الراديكاليين الذين اختلف مستوى نجاحهم الانتخابي والسياسي. وترجع قوتهم إلى تعاملهم مع غضب الناس من التحولات التي لحقت بالمجتمع الأوروبي وسياساته، مثل قضيتي الاندماج الأوروبي والهجرة.
ويتهم الشعبويون النخبة بتدمير دولة الرفاهية بإدماج المهاجرين لأنهم يمثلون الجمهور الجديد من ناخبيها، ويدعون إلى توفير الرفاهية للشعب الأصلي ابتداءً. وأمّا في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، فإنّهم ينتقدون النخبة الوطنية لزعمهم أنها «باعت» دولتهم وشعبهم للاتحاد الأوروبي. أما الأنموذج المثالي الشعبوي اليميني الراديكالي في حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي الذي أسّسه في عام 1972، جان ماري لوبان، فكان هذا الأنموذج مصدر إلهام للأحزاب والسياسيين في القارة الأوروبية كلها.
في الموازاة، شهدت منطقة القارة الأسترالية وتحديدًا أستراليا ونيوزيلندا، صعود أحزاب شعبوية يمينية في العقد الأخير من القرن العشرين، نتيجة الانزعاج الكبير والمتواصل من الهجرة المتزايدة، وإصلاحات الليبرالية الجديدة على مستوى دولة الرفاهية. وفي ما يتعلّق بشعبوية جنوب شرق آسيا، فظهرت على وقع الأزمة الاقتصادية الآسيوية في عام 1997. ودأب الفاعلون الشعبويون، على التعبير عن سخط الناس الكبير على الزعماء الذين استطالت مدة حكمهم. أمّا في القارة الأفريقية، فلا تزال الشعبوية نادرة جدًا، حيث ما زالت الدول في معظمها إمّا استبدادية وإمّا ديمقراطيات انتخابية مليئة بالعيوب في أفضل الحالات.
وعلى الرغم من ارتباط الشعبوية ببعض الأنظمة السابقة في الشرق الأوسط، ولا سيما نظام كل من جمال عبد الناصر في مصر (1953- 1970) ، ومعمّر القذافي في ليبيا (1969-2011)، فإنها لم تعرف حضورًا قويًا في السياسة في هذه المنطقة حتى بداية القرن الحادي والعشرين. ورغم أنّ «الثورات» الكثيرة التي نتج منها ما يُعرف اليوم بـ«الربيع العربي» لم تكن شعبويّة في حدّ ذاتها، فإنّ الخطاب الشعبوي كان مركزيًا في تعبئة كثير ممن شاركوا فيها. ويُعدّ شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» واحدًا من أبرز الشعارات التي ردّدها المتظاهرون في السياق.
رابعًا: أسباب انتشار بعض أنواع التعبئة الشعبوية
يناقش المؤلّفان ثلاثة أنواع رئيسية يستخدمها الشعبويون لتعبئة الناس؛ ويدرسان أسباب انتشار بعض أنواع التعبئة الشعبوية أكثر من غيره ومدى تأثيرها في مناطق معيّنة دون غيرها، فضلًا عن تأثيرها في النجاح الانتخابي للشعبوية. ويؤكّدان أنّ الفاعلين الشعبويين لا يشتغلون في فراغ سياسي. وفي ما يُقصد بـ «التعبئة»، أيّ «انشغال جمع كبير من الأفراد في التوعية بمشكل ما، ثم قيامهم بعمل جماعي لدعم قضيتهم»، يمكن تحديد ثلاثة أنماط من التعبئة الشعبوية: الزعامة الفردية، والحركة الاجتماعية، والحزب السياسي.
في ما يتعلّق بـ«الزعامة الفردية»، تتمثل الصورة الأكثر مثالية للتعبئة الشعبوية بشروع فرد ما في حملة دعائية، وتحصيله الدعم بناء على جاذبيته الشخصية. ولا تتوقف أهمية الزعيم الشعبوي في دوره المركزي في الحركة السياسية، بل يمثل هويتها السياسية كذلك. ومّما يدل على ذلك وجود عدة مذاهب بأسماء زعماء شعبويين مثل التشافيزية في فنزويلا.
وتكمن القوة الرئيسية للـ«حركات الاجتماعية» الشعبوية في القدرة على توجيه غضب عارم ومنتشر بين الناس نحو المؤسسة الحاكمة، وإقناع الناس بأنّ الحلّ يتمثّل باسترجاع السيادة الشعبية. ومن الأمور التي تُنذر ببروز حركة اجتماعية شعبوية الخروقات الصارخة لمبادئ سيادة الشعب، أو فضائح الفساد الكبيرة التي يتورط فيها أفراد ذوو رتب عالية من المؤسسة الحاكمة.
أمّا «الأحزاب السياسية» الشعبوية، فتستخدم الشعبوية لتحدّي المؤسسات الحاكمة وإسماع صوت المجموعات التي تحسّ أن لا أحد يمثّلها. ولهذا، فإن صعود نجم الأحزاب الشعبوية وقوّتها الانتخابية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على تسييس القضايا التي لا توليها الأحزاب السياسية الموجودة الاهتمام الكافي، سواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد.
عند هذا الحدّ، يلفت الباحثان إلى أنّ بوليفيا، مثّلت حالة استثنائية في السياق، حيث اجتمعت الأنواع الثلاثة للتعبئة الشعبوية في آن واحد.
خامسًا: بين الشعبوية والديمقراطية
تُعدّ العلاقة بين الشعبوية والديمقراطية، محطّ نقاشٍ كبير بين رأيٍ تقليدي يرى الشعبوية خطرًا كبيرًا على الديمقراطية، ورأيٍ يرى أنها الأنموذج الحقيقي والوحيد للديمقراطية. وبحسب الباحثين، يمكن أن تكون الشعبوية تهديدًا للديمقراطية أو تصحيحًا لمسارها؛ إذ يقولان: «يتوقف تأثير الشعبوية على قوتها الانتخابية والسياق الذي تظهر فيه، وهذا يعني أن الشعبوية في حدّ ذاتها لا تصلح النظام الديمقراطي ولا تفسده؛ فهي كباقي الأيديولوجيات الأخرى، كالليبرالية والقومية والاشتراكية». ولفهمٍ أفضلَ لهذه العلاقة المعقدة، يقدّم المؤلفان تعريفًا للديمقراطية، بغية توضيح طرائق تأثير القوى الشعبوية في الديمقراطية، سلبيًا وإيجابيًا. ثم يقدمان مرجعيتهما النظرية الخاصة لتفسير أثر الشعبوية في الأنظمة السياسية المختلفة؛ من أجل التمييز بين أهم الآثار التي تنتج من الشعبوية في المراحل المختلفة لعمليتَي الدمقرطة أو الحد منها.
وبينما تُحدَّد الديمقراطية بأنّها مزج السيادة الشعبية بحكم الأغلبية، يشير الباحثان إلى أنّ العلاقة تبقى معقّدة بين الشعبوية والديمقراطية تنظيرًا وواقعًا، فالشعبوية ليست ضدّ الديمقراطية البتّة، وإنّما تختلف مع الديمقراطية الليبرالية. فيكمن الاختلاف الرئيسي بين الديمقراطية (من دن صفة تحدد نوعها) والديمقراطية الليبرالية، في أنّ الأخيرة تشير إلى نظام سياسي لا يقتصر على احترام سيادة الشعب وحكم الأغلبية، بل يضم إلى ذلك مؤسسات مستقلة مختصة في حماية الحقوق الأساسية للإنسان، من قبيل حرية التعبير وحماية الأقليات. فالديمقراطيات الليبرالية كلها تتميز بامتلاكها مؤسسات لحماية الحقوق الأساسية للإنسان، وذلك تفاديًا لـ«استبداد الأغلبية».
وعادة يثير الشعبويون، بحسب الباحثين، مبدأ السيادة الشعبية بغية انتقاد المؤسسات المستقلة التي تسعى إلى حماية الحقوق الأساسية للإنسان التي تُعَدّ جزءًا لا يتجزأ من الديمقراطية الليبرالية. ومن بين المؤسسات الأكثر استهدافًا للنقد، نجد: النظام القضائي ووسائل الإعلام. ويقول الشعبويون إن سيادة القانون والمؤسسات المسؤولة عن حماية حقوق الإنسان الأساسية (مثل المحاكم الانتخابية والمحاكم الدستورية والمحاكم العليا، وغيرها) تقيّد قدرة الشعب على ممارسة سلطته الشرعية، وتورث سخطًا متزايدًا بين الناس تجاه النظام السياسي.
سادسًا: تحليل عوامل نجاح الشعبوية أو إخفاقها
تحت عنوان «الأسباب والاستجابات»، يحاول المؤلفان تحليل العوامل الأساسية في نجاح الشعبوية أو إخفاقها، ويستحضران الكيفية التي تعاملت بها أنظمة ديمقراطية مختلفة مع السياسة الشعبوية من حيث الطلب والعرض، وينتهيان بتقديم بعض الاقتراحات التي تتعلق بالكيفية المُثلى التي من شأنها تقوية الآثار الإيجابية للشعبوية في الديمقراطية (الليبرالية)، وإضعاف آثارها السلبية فيها.
ويخلص الباحثان إلى القول بأنّ الطريقة المثلى للتعامل مع الشعبوية – على الرغم من صعوبتها – هي الانخراط في حوار مفتوح مع الفاعلين الشعبويين والداعمين لهم. وينبغي للحوار أن يعي مطالب مظالم النخب الشعبوية وجماهيرها وعيًا تامًا. وفي الآن نفسه ينبغي للباحثين والدارسين أن يركّزوا على محتوى الخطاب الشعبوي أكثر من تركيزهم على الفاعل الشعبوي. وبدل التسليم بكون الشعبويين مخطئين، ينبغي النظر إلى قيمة السياسات المقترحة منهم نظرة جادة، وقبول إدراج ما يمكن إدراجه في نظام ديمقراطي ليبرالي. كما ينبغي للديمقراطيين الليبراليين تجنّب الحلول البسيطة التي تحقق رغبات «الشعب» والخطابات النخبوية التي تقلل من الكفاءة الخُلقية والفكرية لعامة المواطنين، فكلا الأمرين يعزّز مكانة الشعبويين ويزيدهم قوة. ومن ثم ينبغي أن تكون الغاية تقويض ما ينبني عليه العرض الشعبوي وإضغاف الطلب عليه، ويبقى الأمر الأخير العامل الأساس في تقوية الديمقراطية الليبرالية.
في الختام: يقول الباحث الأمريكي كيرك هوكينز المتخصّص في الشعبويّة: «يوجد في «لاوعي» كلّ فردٍ منّا هوغو تشافيز أو سارة بالين، والسؤال الذي يجب أن نُجيب عنه هو: كيف يتّم إيقاظهما؟». فالأفكار الشعبوية، حسب ما يتبيّن، هي في العموم أفكار كامنة وتبقى نائمة أو خفيّة حتى تجد الأوضاع الملائمة للتطوّر والبروز. من هنا، ندرك ما يوليه الكاتبان مودّه و روفيرا كالتواسر من أهمية لدراسة السياقين الاجتماعي- الاقتصادي والاجتماعي – السياسي لفهم ظاهرة الشعبوية وخريطة انتشارها فضلًا عن التوقّف عند أسباب التفاوت في الاستجابة لأفكارها أو تقويضها بين مجتمع وآخر.
ووفق ما يخلص الباحثان إليه، فإنّ فضائح الفساد تُثبت للناس أنّ أفراد النخبة ومجموعاتها الموالية خائنة للأمانة، ما يُسبّب سخطًا شعبيًا على الوضع السياسي، ويعطي قوة للتفسير الشعبوي للواقع السياسي. وبحسب الباحثين، فإنّ الركود الاقتصادي الكبير في عام 2008 وفساد الأحزاب السائدة هما التفسير المعقول الوحيد لزيادة دعم الناس المفاجئة للأحزاب الشعبوية في أكثر من بلد، وفضيحة الفساد الكبرى المُسمّاة «مدينة الرشى» التي وقعت في إيطاليا بداية تسعينيات القرن العشرين، على سبيل المثال لا الحصر، هي التعليل الوحيد لصعود نجم برلسكوني.
في الموازاة، يؤدّي إحساس الشعب بعدم تجاوب النظام السياسي مع مطالبه، وشعور الشعب بتخلّي الفاعلين السياسيين الأقوياء، إلى شروع جمهور الناخبين في تأويل الحوادث السياسية وفق خريطة ذهنية شعبوية، ليصلوا إلى قناعة مفادها «أنّ النخبة لا تهتم إلا بنفسها، وأنّ مصلحة الشعب (الحقيقي) لا تهمها البتّة». ويُسهم حدوث بعض التغيّرات الدقيقة على المجتمعات في تنشيط الشعبوية وصعودها، وبحسب عالم السياسة الأمريكي، رونالد إنغلهارت، فإنّ عملية «تعبئة معرفية» وقعت بعد التحوّل الاجتماعي في فترة ما بعد الحرب، أيّ أنّ الناس صاروا أكثر معرفة بما يحدث حولهم، وأصبح انتشار استعمال شبكات التواصل الاجتماعي ذا أثر وتأثير في الدول النامية، سواء الديمقراطية منها أم الاستبدادية. هذه العوامل، أدّت إلى «نشوء ثقافة سياسية لا يمكننا تسميتها بالشعبوية، ولكنها تُفضي حتمًا إلى الترويج للفكر الشعبوي».
يبقى حاضرًا، ولا يجب أن يغيب عن البال، أنّ «الصورة المفضّلة التي يسعى الشعبويون إلى تحقيقها وترسيخها والتي يسعون إلى الترويج لها بين الشعب، أنّهم يخوضون حربًا غير عادلة يحاربون فيها «وحدهم ضدّ الجميع، والجميع يحاربهم دون غيرهم».
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 541 في آذار/مارس 2024.
[1]ياسمين قعيق: باحثة سياسية لبنانية.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.


