المؤلف: عبد الله العروي

مراجعة: محمد أعزيز

الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت

سنة النشر: 2007

الطبعة: الثانية

عدد الصفحات: 232

 

تقديم

سعى العروي في يومياته إلى توثيق مجموعة من الأحداث والوقائع التي عايشها أو كان جزءًا منها، من ثمة، اتسمت الخواطر ببعدها التأريخي. فالكتاب يؤرخ للذات في مسارها الشخصي كما يؤرخ لما اعترض هذه الذات من عوائق في صيرورتها الحياتية، فضلًا عن تأريخه لما وقعت عليه حواس الذات وهي تتفاعل مع محيطها، سواءٌ وطنيًا أو دوليًا. على هذا الأساس يمكن الاقتراب من اليوميات بوصفها نصًّا منخرطًا في التأريخ للزمن الراهن انطلاقًا من أن المؤرخ لراهنه «يبحث في المعيش واليومي والمتفاعل، فهو منغمس في لحظته وزمانه لا فكاك له من تأثيراته وضغوطه المتعددة، وتجاذباته الكثيرة وتناقضاته التي لا عدّ لها»[1].

لعل هذه المهمة هي التي يضطلع بها العروي في يومياته تدوينًا حيث الكتابة «تنهض ها هنا بوظيفة الإصغاء الداخلي للشخصيات ولسطوة الذاكرة على وجودها ورؤيتها للعالم، تلامس سؤال الذاكرة والنسيان، ذلك السؤال الذي يعطي لمفهوم الأدب بعدًا آخر يتمثل في مقاومة كل أشكال النسيان والمحو سواء للذكريات الخاصة أم الذاكرة الجماعية»[2].

على هذا الأساس انخرطت يوميات العروي في تخليد الذاكرة ببعديها الفردي والجماعي، لتنتج معرفة تاريخية مرتبطة بسياقها الزمني وبظروفها المرحلية، تتغيا استشرافًا مغايرًا للذات الكتابية في ارتباطاتها المجتمعية محليًا وعربيًا بما يمثل نوعًا من الالتزام الأخلاقي للذات الكاتبة، بما هي ذات مثقفة ومفكرة تدرك «أن الكتابة السردية ليست إنشاءً لغويًا مجانيًا لوظيفته، إنما هي صوغ لموقف ثقافي اعتباري من التاريخ والواقع»[3].

بناءً على هذا، كانت اليوميات بمنزلة صوغ كتابي لواقع تاريخي اجتماعي بوصف ذلك راهنًا معيشًا للذات، وهي تتفاوض مع الحياة سواء في تماسها مع كينونتها الفردية بمختلف انشغالاتها الأسَرية وتقلباتها المهنية والعلمية، إخفاقًا ونجاحًا، أو في انشدادها إلى ماجريات المحيطين الوطني والعربي وما يشهدانه، من تحولات سياسية واجتماعية شديدة الأهمية حتمت على الذات التفاعل معها كتابة سواءٌ توثيقًا أو تأويلًا.

تفاعلٌ مردّه في الأساس إلى طبيعة الذات المثقفة، لأن «في مجال شخصية المثقف عملية معقدة من عمليات التفاعل بينه وبين المجتمع، بوصفه إنسان علم ومعرفة قادرًا على الوعي والإدراك الشديد لمثل هذه التفاعلات الاجتماعية المعقدة، التي تقوم بين الذات الواعية والموضوع الاجتماعي، وعادة ما يريد تطور المجتمعات وتقدم الحضارات، فلطالما كانت مساهمة المثقفين عن طريق قواهم العقلية المستمدة من معارفهم وعلومهم، أحد العوامل الأساسية في تطور المجتمع نحو تقدمه الحضاري»[4].

أولًا: في الوعي بالكتابة

إن المتأمل في خواطر العروي، ليدرك أن الهاجس التوثيقي كان مسعى رئيسًا للكاتب، حيث انشغل بتدوين ما بدا له جديرًا بذلك.

ولعل ما يثير الانتباه في تجربة العروي، الكتابية هو ذلك الوعي بالكتابة وأدوارها، فهي بالنسبة إليه طقس اعتيادي يومي، لازم العروي منذ نعومة أظفاره. يقول العروي «شرعت في تسجيل هذه الخواطر وأنا في ثانوية مراكش سنة 1949 حسب ما أتذكر، ولم أتوقف منذئذ» (ص 5).

هكذا صاحبت الكتابة الذات في تحولاتها ومساراتها منذ الصبا، لتمثل وفق هذا المنطلق وثيقة تسجيلية التقاطية، ذات أهمية بالغة في تمثيلها للذات وتفاعلاتها المجتمعية محليًا وعربيًا ودوليًا.

وقد اعترف العروي باستثمار جزء مهم من هذه اليوميات في كتاباته السردية، إذّاك استحالت في إحدى محطاتها إلى مادة كتابية روائية ذات أدوار حكائية فنية «استعملت جزءًا منها في كتاباتي السابقة وبخاصة في اليتيم 1978 وأوراق 1998» (ص 5).

ها هي هذه الكتابات/الخواطر، تعود إلى صيغتها الأولى، إلى جنينيتها الكتابية بما هي يوميات توثيقية مصاحبة للكاتب، بوصفها طقسًا اعتياديًا يرخي فيها الكاتب قلمه، ليمارس غواية التوثيق الحر والتأمل المنفتح، بعيدًا من الصرامة المنهجية في الكتابة التاريخية، أو الضوابط الفنية في الكتابة الروائية.

إن العروي يعيد يومياته إلى سيرتها الأولى، استعادة تسترجع معها هذه الخواطر حيويتها، حيوية تستمد روحها أساسًا في هذه الاستعادة المتجددة في لقائها بالتاريخي. وفق سياقه الزمني، حيث يستل العروي هذه الالتماعات الكتابية من رف الذاكرة، ليعيد نشرها في حلتها الأصلية، وفق ضوابطها الشكلية بما هي يوميات تختزن تأملات الذات وحكاياتها منطلقًا في ذلك من أنه «ثمة حكايات جديدة قومية أو ثقافية أو شخصية بشأن الماضي ينبغي سردها دومًا، وبدا الأمر كما لو أن جروح الماضي الصادمة التي يتم نكرانها في الغالب أو يتم تجاهلها (…) صارت تنبثق برؤية جديدة وما عاد ممكنًا أو مقبولًا تجاهلها أو ادعاء شفائها بتأثير عامل الزمن وحسب»[5].

على هذا الأساس سنعيد تأمل هذه اليوميات بما هي تأريخ متعدد في منحنياته، حيث شمل الذات على نحو مركزي وقصدي في ارتباط ذلك بما يعتمل في محيط هذه الذات سواء محليًا أو دوليًا، منطلقين في ذلك من كون الكتابة في هذه اليوميات بمنزلة إعادة صوغ لفهم الذات في سياقها الزمني وظروفها التاريخية؛ إنها كتابة تأملية في الذات وفي طبيعة إدراك هذه الذات لماجريات الأحداث من حولها.

قراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 535 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 535 أيلول/سبتمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 535 في أيلول/سبتمبر 2023.

محمد أعزيز: باحث من المغرب.

[1]   فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر (تونس: دار محمد علي للنشر، 2012)، ص 70.

[2]   إدريس خضراري، «الكتابة الروائية وأسئلة الذاكرة،» البلاغة والنقد الأدبي، العدد 6 (ربيع – صيف 2016)، ص 128.

[3]   عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: الأبنية السردية والدلالية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، ص 84.

[4]    عبد السلام محمد الشاذلي، شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة (بيروت: دار الحداثة للنشر والتوزيع، 1985)، ص 27.

[5]   روبرت إيغلستون، الرواية المعاصرة: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي (دمشق: دار المدى، 2017) ص 149-150.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز