تمهيد

تعدّ القيادة السياسية من أهم محددات السياسة الخارجية للدولة، فالقائد السياسي هو رأس الدولة والمسؤول عن صنع سياستها الخارجية وعلاقتها بالدول الأخرى، لذا يؤدي تغير هذه القيادة في أغلب الأحيان إلى حدوث تغيير في سياسة الدولة الخارجية وعلاقتها بالدول الأخرى، كما أن تغيُّر نظرة القائد السياسي ورؤيته للأحداث والمصالح من وقت إلى آخر تجعله يغيِّر سياسته وتاليًا علاقته بالدول الأخرى، كما تؤدي المعتقدات والشخصية الكاريزمية للقائد السياسي دورًا بالغ الأهمية في تعاظم دوره في صوغ السياسة الخارجية لبلاده، حيث يستمد القائد السياسي شرعيته من تلك الشخصية، كما أنها تعطي انطباعًا لدى العامة أن حل المشكلات كافة لا يمكن أن يتم إلا من خلال هذا القائد السياسي دون غيره، الأمر الذي يعطيه شرعية مطلقة في اتخاذ قرارات السياسة الخارجية كافة من دون الرجوع إلى أحد. ففي النظم الديمقراطية تكون هناك قيود كبيرة على القائد وذلك نظرًا إلى طبيعة تلك النظم وعدم قدرة القائد السياسي على اتخاذ أي قرار سياسي من دون الرجوع إلى البرلمانات الموجودة فيها، ومن ثم فإن مساحة دور القائد في تلك النظم في صوغ السياسة الخارجية للدولة تكون محدودة بمقدار كبير[1].

وقد تؤثر خبرة القائد السياسي في قراراته في السياسة الخارجية، ذلك بأن عمله كوزير خارجية أو في أي عمل خارجي آخر قبل وصوله إلى السلطة يؤدي إلى التأثير في شكل السياسة لامتلاكه آراءً وعقائد وأسلوبًا واضحًا لصنع السياسة الخارجية لبلاده. كما أنه يعرف الكيفية التي تدار بها السياسة الخارجية وانعكاساتها على السياسة العامة للدولة، وعلى الضد من ذلك فكلما كان هذا القائد بعيدًا من العمل السياسي الخارجي قبل وصوله إلى السلطة، قلّت فرصة مساهمته أو تأثيره في السياسة الخارجية لدولته نظرًا إلى عدم امتلاكه رؤية واضحة حول الكيفية التي تدار بها الشؤون الخارجية لبلاده[2].

تؤدي عملية صنع القرار دورًا بارزًا في تحديد السياسة الخارجية، حيث تتأثر عملية صنع القرار في السياسة الخارجية إلى حدٍّ كبير بالأمور المحلية وسياسات وأعمال الدول الأخرى، وشخصية القادة، وخطط تعزيز أشكال جغرافية سياسية محددة، وبالتالي تؤدي هذه العوامل دورًا أقوى من العناصر الأخرى مثل الثقافة السياسية والقومية. وفي هذا السياق ينبغي على الأنظمة البيروقراطية والقادة التفكير في كل هذه العوامل بعناية أثناء صوغ قرارات السياسة الخارجية، حيث إن أي تغيير في الإدارة يؤدي بطبيعة الحال إلى تغييرات في رسم السياسة الخارجية وإدارتها، وفي سياق متصل تمثل العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا عاملًا أساسيًا في منظومة العلاقات الدولية، فعلى الرغم من التحدي الناتج من صعود بعض القوى مثل الصين، والهند، والبرازيل وروسيا، لا يزال كل منهما يمثلان الفاعلين الأساسيين الاقتصاديين على الساحة الدولية، ويمتد تأثيرهما إلى مختلف مؤسسات النظام العالمي.

وفي هذا السياق ستقوم هذه الدراسة بالمقارنة بين توجهات الرئيسين دونالد ترامب وجو بايدن في التعاطي مع أوروبا من خلال قضية الملف النووي الإيراني؛ فمنذ إعلان ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية اتجه المحللون السياسيون إلى تحليل شخصيته على خلاف ما كان من قبل، حيث كان يجري تحليل دور المؤسسات الأمريكية المنوطة بصنع وصوغ السياسة الخارجية، فقد جاء ترامب إلى منصبه من دون خبرة في الحكومة أو السياسة الخارجية، كما طرح أثناء حملته الانتخابية أفكارًا تتعلق بتغير توجهات السياسة الخارجية الأمريكية على قاعدة «أمريكا أولًا»، تجاه أوروبا والكثير من دول العالم في الكثير من الملفات ذات الاهتمام المشترك، فعلى مدار أربع سنوات تولى فيها دونالد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، تأثرت العلاقات الأمريكية – الأوروبية، إذ أخلَّ الرئيس الأمريكي بالاتفاقيات المشتركة بين الجانبين، ولم يكن هناك أي مراعاة لمصالح الأوروبيين في عدة ملفات، من بينها الاتفاق النووي الإيراني، وأمن الطاقة، ومطالبة الولايات المتحدة لتحمل الدول الأوروبية تكاليف مساهماتها في الناتو، والبيئة، والمناخ[3].

وفي ظل تغير الإدارة الأمريكية وانتهاء عصر الترامبية، وانتخاب الرئيس الأمريكي جو بايدن في 6 كانون الثاني/يناير 2021، لاح في الأفق عودة التنسيق الأمريكي – الأوروبي وإعادة المفاوضات من خلال قمة مجموعة السبع «G7» التي عُقدت في كورنوال البريطانية في 11 حزيران/يونيو 2021، حيث بحثت عدة ملفات تتمثل بخطة العمل المشتركة لمواجهة طموحات إيران النووية، وأمن الطاقة، والناتو، والمناخ، والبيئة، وهو ما يدل على عودة السياسة الخارجية الأمريكية إلى ما قبل ترامب من خلال تأكيد أهمية الدور الأمريكي والحفاظ على المصالح الأمريكية، والعودة مرة أخرى إلى عالم التحالفات العالمية الذي تتزعم فيه الولايات المتحدة البلدان في مواجهة التهديدات العابرة للدول.

من هنا تتمثل المشكلة البحثية بالعوامل التي تفسر تغيّر العلاقات الأمريكية – الأوروبية بفعل تولي قيادة سياسية جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم يمكن صوغ السؤال البحثي كالآتي: كيف يؤثر دور الفاعل الدولي «الرئيس» في رسم توجهات السياسة الخارجية للدول إزاء القضايا المختلفة؟ بالانتقال إلى السؤال التطبيقي: كيف أثر التغير في القيادة الأمريكية في التباين في العلاقات الأمريكية – الأوروبية؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 549 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

ضياء الدين محمود غازي خميس: باحث دكتوراه.

[1] Nazir Hussain and Fatima Shakoor, «The Role of Leadership in Foreign Policy: A Case Study of Russia under Vladimir Putin,» IPRI Journal, vol. 17, no. 1 (Winter 2017), p. 5.

[2] Caitlin Smith, «Personality in Foreign Policy Decision-Making,» University of Leeds, 16 October 2012, <https://www.e-ir.info/2012/10/16/personality-in-foreign-policy-decision-making/>.

[3] اعتمد التحليل بصورة أساسية على مصدرين رئيسين: الأول، خطاب ترامب حول السياسة الخارجية الأمريكية في واشنطن العاصمة، 21 آذار/مارس 2016 والثاني خطاب ترامب في مؤتمر منظمة الأيباك. انظر: National Interest – «Donald Trump Speech, Donald Trump Delivers Speech on Foreign Policy Plans,» YouTube, 21 March 2016, <https://www.youtube.com/watch?v=ePlopVAV6Hc&​ab​_​channel=PBSNewsHour>, and «Donald Trump Speech, «LIVE Donald Trump AIPAC Policy Conference Speaks,» YouTube, 22 March 2016, <https://www.youtube.com/watch?v=​2ZGgMJ3QDAQ​&​ab_​channel=PBSNewsHour>.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز