المؤلف: فردريك معتوق

مراجعة: فادي سعيد دقناش

الناشر: بيروت: منتدى المعارف

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 144

 

من الإثنية، فالعَصَبِيَّة، فالعُصَيْبِيَّات: مشوار موارنة لبنان

وقع الكثير من المؤرخين والكتّاب والباحثين في فخّ الكتابة بأقلام حاشية السلاطين ومصالحهم، مُسلَّحين بمنطق قوتهم «الحضارية» أو بعنصريّتهم وعصبيّتهم، وأحيانًا بعواطفهم، فتواءمت جميعها مع مقولة شعبية رائجة بأنَّ «التاريخ يكتبه المنتصرون». وهكذا اتسعت المسافة بينهم وبين قلَّة من الباحثين الذين يعتمدون في كتاباتهم على التفكير العقلاني الموضوعي الشفاف، وإعمال العقل في النقل والتدوين، وإخضاع العمل الفني أو الأدبي للنقد والتحليل. وقد وضع العلامة ابن خلدون منذ عدة قرون إصبعه على جرح هذه القضية الأخلاقية، إذ بيَّن في «مقدّمته» «ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثًا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط…». وهذا ما تنبَّه له الباحث في علم الاجتماع فردريك معتوق الذي ينتمي إلى مدرسة ابن خلدون نفسها، بحيث اعتمد في كتابه خبز الموارنة وخبز الحياة: نشأة عصبيَّة وتهاويها على الروحية العلمية النقدية نفسها، متتبعًا طريق العَصَبَة المارونية في تحوّلها إلى عصبيَّة وصولًا إلى انقسامها لـ«عُصيبيّات» متناحرة؛ مُعتمدًا في تحليله على عدد من الوثائق التاريخية المحفوظة في الكنائس، نافضًا الغبار عنها، ومستخدمًا المنهج العلمي في تحليل هذه الوقائع التاريخية من خلال تقنية تحليل المضمون المُعتمَدة في علم اجتماع المعرفة التي تُمَكِّن الباحث من الغوص في أعماق ومضامين المادة المدروسة بحثًا عن المعنى المعرفي الكامن خلف السطور.

يأتي هذا الكتاب تتويجًا لمسيرة الكاتب البحثية بعد أن سبق وتناول إشكالية «العصبية» أو «سوسيولوجيا العصبيات» بعدد من المؤلفات، مقاربًا إياها مقاربات معرفية عميقة في كُتب: صدام العصبيات العربية؛ والتقدّم الحضاري العربي المعصوب؛ ومجتمعات ودول العصبيات إلى أين؟ سوسيولوجيا العصبيات؛ والتنشئة على العصبية؛ وآخرها خبز الموارنة وخبز الحياة الذي يقع في 144 صفحة من القطع المتوسط، إصدار منتدى المعارف، بيروت، 2023، ويتوزَّع على 5 فصول تتضمن معلومات ومعطيات تاريخية تمَّ إخراجها سوسيولوجيًا بأسلوب سردي سلس مبنيَّ على وثائق ومراجع مختلفة.

يستلهم الباحث عنوان كتابه هذا انطلاقًا من قول السيد المسيح لأتباعه: «أنا خبز الحياة؛ مَنْ يُقبِل إليَّ فلن يجوع أبدًا، ومَن يؤمِن بي فلن يعطش أبدًا»، وهو ما يُفسَّر صمود الموارنة زمن الأزمات والحروب التي عاصروها بالإيمان والصبر وإرادة الحياة أمام شبح الموت جوعًا ومرضًا. لا يقصد معتوق الماروني الهوية في بحثه هذا جَلد نفسه وأبناء جلدته من الموارنة، بل جُلّ ما أراده هو وضع يده على قضيّة تتناول الطائفة المارونية التي كان لها الشأن الكبير في نشوء الكيان اللبناني، من خلال قراءة التاريخ بطريقة مختلفة لا تتأثر بالوجدانيات والعواطف، ولا تُجامل القريب والصديق، ولا تُحابي جهة على حساب أخرى. تُخفي سطور هذا الكتاب إجابات عن عدد من الأسئلة الإشكالية التي تتمحور حول كيفية تمكُّن الإثنية المارونية كأقليّة في الشرق من الوصول إلى رأس السلطة السياسية – «المُلك» – لتصبح «الأب» المؤسس للكيان اللبناني. وبعبارة أخرى، كيف تمكَّنت الكنيسة المارونية من الدخول في المعادلة الجيوسياسية الجديدة بعدما كانت في العهد العثماني ملحقًا من ملحقات الطوائف والمِلل؟ وكيف ساهم التكتيك الجيوسياسي الذي تمَّ اعتماده (في المكان والزمان المناسبين) في تحوُّل العَصَبَة المارونية إلى عصبيَّة (كمنظومة تفكير وسلوك) ومن ثمَّ انتهائها بمجموعة من العَصبيّات المتناحرة (ميني – عصبيات أو عُصَيْبِيّات)؟

أولًا: «دفاتر التوثيق» ضوء كاشف وسط العتمة

يحدِّد الباحث انطلاقة بحثه من مكان انتمائه وولادته – بلدة سِرعل في قضاء زغرتا، شمال لبنان – سرعان ما يطوف بعدها على بقعة جغرافية أكبر بين قضاءي زغرتا وبشري، ليصل إلى منطقة جبل لبنان التاريخية حيث الوجود الماروني الكثيف، ثمَّ يعود بالتاريخ إلى الخلف زمن الحرب العالمية الأولى كسنة مرجعية، مُستندًا في تحليله إلى عدد من الوثائق والمستندات التي مثَّلت في رأيه (ولا تزال) «الضابط القانوني والاجتماعي للطائفة المارونية»، فكيف ذلك؟

إنَّ الوثائق والمستندات التي اعتمد عليها الباحث في تحليله موجودة في كنيسة بلدته (وداخل كل كنيسة مارونية عامة) تحت إشراف كاهن الرعية (التي تطوَّر التدوين فيها بدءًا من عام 1900):

– الدفاتر الخمسة (دفاتر الذاكرة): وهي كناية عن 5 دفاتر ترتدي قيمة توثيقية على المستويين السكاني والاجتماعي، وقيمة دينية مذهبية: دفتر العِماد (يُدوَّن فيه إسم المولود الجديد بعد خضوعه لطقس العِماد ومن خلاله يُمكن معرفة نسبة الولادات في الرعية)، دفتر التثبيت (يُدَوَّن فيه طقس التثبيت الديني للعِماد ويحصل بعد عدة سنوات من الطقس الأول)، دفتر الخطبة (تُدَوَّن فيه المعلومات المتعلقة بخطبة العروسين قبل الزواج)، دفتر الزواج (يدوَّن فيه إسم الزوجين وسنة الزواج)، دفتر الوفيات (يُدوَّن فيه معلومات تفصيلية عن المتوفي وسبب وفاته).

– دفتر الإحصاء: وهو كناية عن سجل تُدَوَّن فيه المعطيات السكانية (سكان الرعية المقيمين والمغتربين) عقب زيارة الكاهن أو المطران إلى كنيسة القرية، والهدف منه هو ربط السكان المحليين بأقربائهم في المهجر.

وقد مثَّلت هذه الدفاتر لدى الطائفة المارونية مصدرًا مهمًا من مصادر الهوية الاجتماعية، بحيث أشارت إلى تماسك اجتماعي لافت داخل البلدات المارونية (شمالًا، وجنوبًا، وشرقًا وغربًا) زمن الوصاية العثمانية، وأظهرت أنَّ الطائفة المارونية كانت «الأشد تماسكًا وتركيبًا بين الجماعات الدينية الموجودة في المنطقة»، إضافة إلى الدور اللافت للمؤسسة الكنسية في تأمين وإدامة هذا التماسك، وهو ما أتاح لها «الإمساك بالمعرفة المجتمعية العامة» فغدت مصدر تنشئتهم الاجتماعية الأساس.

ثانيًا: «المدرسة» باب رئيس للتنشئة الاجتماعية والدينية

لم تكن دفاتر التوثيق والإحصاء وحدها السجل المرجعي في تحليل الباحث، بل مثَّلت أيضًا «أعمال المَجمع الإقليمي للموارنة السريان» مرجعًا آخر له، فأعمال المَجمع هذا كانت تقوم مقام «دستور للعمل» لبطريرك الموارنة وأساقفته وعَكَسَ تنظيم هذه الطائفة، بحيث مثَلت مقرراته – من بوابة التعليم – منظورًا جديدًا للحياة الاجتماعية للموارنة الريفيين وجعلتهم «بفضل تطبيقاته على تماس مع الحياة الحضرية… قبل قرن ونصف من نشأة لبنان الكبير عام 1920». وهكذا كانت المدرسة ضرورة لتنشئة أبناء الكنيسة وتأهيلهم روحيًا ومعرفيًا، وقد سعت الكنيسة لإنشائها في كل بلدة، وكانت عمومية الطابع مفتوحة لجميع الفئات الاجتماعية، وساهمت منذ منتصف القرن الثامن عشر بتحوّل معرفي جديد في حياة «العصائب المارونية».

لم يكن إنشاء المدارس اختياريًا لدى القيمين على الشؤون الكنسية المارونية بل كان واجبًا، ولم يقتصر على المدن فقط بل امتدّ إلى البلدات والقرى النائية، وكان «الطابع الأخلاقي والتأديبي يمثل أولويَّة في المشروع المدرسي، فعلى رجال الدين (الذين كانوا يقومون بمهمة التنشئة والتعليم ويستعينون أحيانًا ببعض أفراد الطائفة المتعلمين الذين يتم تنصيبهم من جانب الأساقفة ورؤساء الأديرة) أن يأمروا الآباء بأن يسوقوا أبنائهم إلى المدرسة ولو مكرهين. أمَّا المنهاج التعليمي فهو موسَّع ومفتوح بحسب الرغبات والإمكانات الذهنية للمتعلم (القراءة والكتابة في السريانية والعربية، كتاب خدمة القدّاس والفرض اليومي والعهد الجديد، قواعد النحو والصرف في السريانية والعربية، علم اللحن والحساب البيعي، الفصاحة والنظم والفلسفة والمساحة والفلك والحساب…). وهكذا استنبتت المؤسسة الكنسية مؤسسة أخرى داخلها وهي المؤسسة المدرسية، وبذلك تضاعفت سلطتها الاجتماعية وغدت بمحركين إحداهما اجتماعي البنيان هدفه التعليم والتدريس للناشئة والآخر روحي.

لا يسلّم الباحث بمضمون مقررات المجمع بل يلجأ إلى مستندات أخرى للتأكد من معطياته (مخطوطة قيد النشر تحت عنوان تاريخ أبرشيَّة طرابلس المارونية ومحضر فحص الزيارة الرعائية التي حصلت عام 1900 في قرى جبّة بشري)، وبفرز هذه المستندات يتبيَّن له أنَّ انتشار المدارس في قضاءي بشري وزغرتا كان واضحًا وكبيرًا نسبيًا «ويُعدُّ اختراقًا هامًا وملموسًا لِما كان رائجًا في الزمن العثماني من تصحّر معرفي كان يطال سكان جميع الولايات»، فقد بلغَ عدد المدارس المنتشرة في قرى زغرتا ما يُقارب 55 بالمئة من البلدات مقابل 50 بالمئة في بشري.

ثالثًا: امتحان الموت جوعًا أو مرضًا، وخرافة الطب الشعبي

من خلال تحليله دفتر الوفيات في بلدته سِرعل وعدد من البلدات المجاورة، يرى الباحث أنَّ أعداد المتوفين ازدادت ما يُقارب عشرة أضعاف عمَّا سبق ولحق الحرب العالمية الأولى، ويستنتج بأنّها تعود لأسباب ثلاث: نفاذ المدخرات من مؤونة ومال بسبب «الشفط الضريبي العثماني الممنهج»، اجتياح الجراد عام 1915، والحصار البحري الذي ضربه الحلفاء مقابل الحصار البري للعثمانيين لمنع نقل القمح من البقاع وحوران وحلب، ما أدى إلى موت عدد كبير من السكان «بمرض الجوع» و«بمرض الجدري».

ومستندًا إلى كتاب مخطوط تحت عنوان فقه طب بعض الأدوية النافعة ورثه الباحث عن جدّه وجدّ جده «الحكيم» خوري الرعية، يُظهر بساطة المجتمع الريفي في حينه حيث كان الطب الشعبي التقليدي أو «الحِكمة العربية» المرجع العلاجي الوحيد للأمراض المختلفة من خلال مزج عدد من النباتات والاستعانة بدماء الحيوانات وجلدها أحيانًا في بعض العلاجات.

رابعًا: مسار التحوُّل من العَصَبَة المتماسكة إلى العصبيَّة الظافرة فالعصبيَّات المتناحرة

يختتم الباحث كتابه بفصل يُمثل عُصارة أفكاره وتحليلاته وخبراته في مجال «العصبيات»، ويقتبس فيه بعض الوقائع التاريخية مصدرها كتاب للمؤرّخ عصام خليفة، إلّا أنّه لا يكتفي بظاهر الكلام بل يذهب إلى أعماق ما تخفيه الأحداث التاريخية الكامنة خلف السطور، باحثًا عن المعنى المعرفي العام للحدث التاريخي، مقاربًا إيّاه مقاربة سوسيومعرفية، ومصنّفًا مسار التجربة المارونية في أربعة أطوار كانت الحرب العالمية الأولى السنة المرجعية لها: فما قبلها كانت العَصَبَة المارونية تتكوّن وتنتظم، وخلالها حصل اختلال جيوسياسي عام دفع الكنيسة المارونية إلى اعتماد نوعين من الاستراتيجيات: الأولى استراتيجيا ناعمة «تبغي المحافظة على تماسكها الداخلي مع القبول بالانحناء السياسي للسلطة العثمانية» حينها، ويسميها أيضًا استراتيجيا «الاستضعاف ونصف المهادنة» أو «التمًسكن»، والثانية استراتيجيا الانحياز للفرنسيين عندما مالت الكفَّة لمصلحتهم، وبخاصة أنَّ الفرنسيين استمالوهم من خلال تقديم مساعدات نقدية وعينية سرًا، حيث كلفَّت الكنسية أعيان الطائفة للمساعدة في التواصل مع الفرنسيين إبَّان الحصار المزدوج، وهكذا دخلت الكنيسة في صراع السلطة والمكاسب لتكون جسرًا في بثّ النزعة إلى عصبيَّة مذهبية ظافرة بالسلطة السياسية بعد انتهاء الحرب تُوِّجت بدولة «المُلك»، دولة لبنان الكبير عام 1920. لكنَّ هذه العصبيَّة سُرعان ما تحولت بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي إلى مجموعة من العصبيات المتناحرة المتقاتلة (عُصيْبِيّات)، يقود كل عُصَيْبَة أو ميني – عصبية مجموعة «بيوتات سياسية» من الأعيان الموارنة الذين كانوا بالأمس عونًا للكنيسة، وهكذا أصبح الوصول إلى السلطة وجنَّة «المُلك» هاجس هذه العُصَيْبِيّات.

في الخلاصة، نستنتج بأنَّ الاستعمار الغربي قد قرَّر منذ مطلع القرن العشرين وعن سابق إصرار وتصميم إبقاء البنى الاجتماعية التقليدية السائدة في الشرق على ما هي عليه منذ قرون، فتغاضى عن العصبيات المذهبية هنا والقَبَلِيَّة هناك، لتبقى المنطقة أسيرة الصراعات والحروب والتدخل الخارجي، وأَوْهَم أهل «المُلك» فيها بتأسيس دول معاصرة حديثة. لكنَّ حقيقة الأمر أنَّ الدولة الحديثة (على شاكلة الدول الغربية الحديثة) هي دولة مؤسسات، دولة مدنية تقوم على الحرية والمساواة بين جميع أفرادها.

وعلى شاكلة العُصَيْبِيّات المارونية التي شَرَّحَها باحثنا، تعيش على ضفاف التوتر أيضًا العُصَيْبِيّات السنية والشيعية والدرزية والأرثوذكسية والأرمنية… وتتنفَّس بالصراع والتناحر والاقتتال للحصول على مكتسبات من هنا وهناك، فأصبح الوطن الهجين كيانًا «لقيطًا» غير مرغوب به (في الداخل والخارج) بعد مئة عام من إعلانه دولة «كبيرة».

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

فادي سعيد دقناش: باحث في علم الاجتماع.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز