المؤلف: فرانسوا أليسون ونيكولا بريسيه
مراجعة: خالد جدي
الناشر: Lyon: ENS Éditions (Feuillets: économie politique moderne)
سنة النشر: 2023
عدد الصفحات: 216
مقدمة
ظهرت كلمة «رأس المال» في القرن الثاني عشر، وهي تعني كمية من المال القابلة للنمو، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية «caput» التي تعني «الرأس»، وكانت في الأصل تطلق على رأس الماشية. استخدم الهولنديون كلمة «رأس مال» في منتصف القرن التاسع عشر للإشارة إلى الشخص الذي يمتلك رأس المال. لقد نشأ المصطلح في القرن التاسع عشر كمفهوم يهدف إلى تحديد نظام اقتصادي أراد خصومه تدميره، وسرعان ما اتخذ المصطلح دلالة سلبية، في حين فضَّل المدافعون عنه الحديث عن «اقتصاد السوق». واكتسب المصطلح بعد ذلك، بعدًا علميًا في القرن العشرين حيث أصبح موضوعًا للكثير من الدراسات الأكاديمية.
تعرف المدارس الفكرية مصطلح الرأسمالية بتعريفات متعددة، وتشترك في عدة عناصر أساسية؛ فهي الملكية الخاصة، أي حق الأفراد أو الكيانات في امتلاك وسائل الإنتاج واستغلالها لتحقيق الربح، وهي السوق الحرة، بمعنى أن آليات العرض والطلب هي التي تحدد الأسعار وتوزيع الموارد، مع تدخُّل حكومي محدود، بحسب درجة الرأسمالية. وهي الربح كحافز، حيث يُعَدّ السعي لمضاعفة الأرباح المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي. وأخيرًا المنافسة، بمعنى أن الشركات والأفراد يتنافسون بحرية لتحسين الإنتاجية والجودة.
أولًا: تعريفات الرأسمالية لمفكرين واقتصاديين ومؤرخين
تحدَّث آدم سميث أبو الاقتصاد الرأسمالي في الغالب عن الرأسماليين والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية التي بُنيت حولهم في القرن الثامن عشر، فرأى أن الرأسمالية تعتمد على «اليد الخفية» للسوق التي توازن بين مصالح الأفراد عبر المنافسة.
استخدم إنغلز وماركس على نحو أساسي مصطلحات «نمط الإنتاج الرأسمالي» أو «الاقتصاد البرجوازي»، لتحليل النظام الرأسمالي، ويعرِّف ماركس، الذي يعَدّ أبرز من انتقد الرأسمالية، المصطلح كنظام يستغل فيه «البرجوازيون» (أصحاب رأس المال) «البروليتاريا» (العمال) عبر الاستيلاء على فائض القيمة.
يستخدم ماكس فيبر المصطلح في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، بوصف الرأسمالية أخلاقية ودينية بالأساس – يعُدُّ كمية السلع المتاحة مؤشرًا على سلوك حياة الرأسمالي؛ فهو يكبح استهلاكه وينظم نفسه عقلانيًا ومنهجيًا بهدف الإنتاج، وذلك من خلال استثمار سلعه ومراكمتها لإنتاج المزيد والمزيد. إن ما يسميه «روح الرأسمالية»، التي تحملها الطبقة البرجوازية الجديدة، لا يشير في المقام الأول إلى البحث عن الأمن أو الاستهلاك، بل إلى منطق الجهد الفردي والجماعي، الذي يتجه نحو النمو. ووفقًا له، تشير الرأسمالية إلى نمط جديد من التنظيم الاجتماعي حيث يكون للقانون الأسبقية.
شارك فرناند بروديل في نقاش الرأسمالية، فبحسبه تستمد الأشكال الأولى للرأسمالية من التجارة البعيدة المدى، وقد لوحظت نحو القرن الثاني عشر في مدينة بروج ببلجيكا. تقدم نظرية بروديل رؤية غير تقليدية للرأسمالية كعملية تاريخية معقدة، متعددة الطبقات، ومرتبطة بالبنى الاقتصادية العميقة والتحالفات السياسية، أكثر من كونها نتاجًا لعوامل فردية أو أيديولوجية.
تعكس الرأسمالية كنظام فلسفة اقتصادية وسياسية، وتقدم الحرية الفردية والكفاءة كقيم عليا، لكنها تبقى موضع جدل حول عدالتها وتأثيرها الاجتماعي.
ثانيًا: بطاقة تقنية للكتاب وإشكاليته المركزية وأقسامه
صدرت ترجمة جديدة لكتاب أصول الرأسمالية: روبير برينر والماركسية السياسية[1]، عن منشورات ENS بليون سنة 2023 للباحثين فرانسوا أليسون ونيكولا بريسيه. يتكون الكتاب من الناحية التقنية من 216 صفحة، ومن قسمين، في القسم الأول من الكتاب، يعيد فرانسوا أليسون ونيكولا بريسيه تتبُّع المراحل الرئيسية لهذه المناظرة ووضعها في سياقها التاريخي، مُظهرين كيف أن طريقة تناول تاريخ الرأسمالية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرؤية النقدية الموجهة نحو هذا النظام الاقتصادي، أما القسم الثاني، فيقدم ترجمة غير مسبوقة لمقال لـروبير برينر نُشر عام 2007 تحت عنوان «الملكية والتقدم: حين أخطأ آدم سميث»، وهو يُعَدّ – حسب اعتراف برينر نفسه – الصيغة النهائية لفرضيته التي طرحها عام 1976. ويُمثل هذا الكتاب مدخلًا تاريخيًا إلى فكر اقتصادي غير معروف في العالم الفرنكوفوني.
ينطلق الكتاب من إشكالية مفادها: كيف ومتى انتقل العالم إلى هذا النظام الذي نسميه «الرأسمالية»؟ هذا السؤال هو جوهر «مناظرة برينر»، المسماة على اسم المؤرخ الأمريكي روبير برينر. وتعَدُّ أعمال هذا الأخير أساسًا لهذا النقاش المحوري بين مؤرخي الرأسمالية، كما كان لها وقع عميق على تطور الفكر الماركسي منذ سبعينيات القرن العشرين.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 569 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 569 في تموز/يوليو 2026.
خالد جدي: أستاذ باحث كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر أكادير – المغرب.
[1] François Allisson et Nicolas Brisset, Aux origines du capitalisme: Robert Brenner et le marxisme politique (Lyon: ENS Éditions, 2023).
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



