المؤلف: سيرج بوغام

مراجعة: يوسف أكلزي

الناشر: La Tour d’Aigues: Editions de l’Aube

سنة النشر: 2015

عدد الصفحات: 116

 

يأتي هذا الكتاب امتدادًا للاهتمام الذي يسم أعمال عالم الاجتماع الفرنسي سيرج بوغام (Serge Paugam)، ولا سيَّما انشغاله بالقضايا المرتبطة بالرابط الاجتماعي، وهو اهتمام دشنه مبكرًا من خلال أطروحته حول فقدان الكفاءة الاجتماعية، تلتها حزمة من المؤلفات، قبل أن يصدر العمل موضوع هذه القراءة سنة 2015. ويقع هذا الكتاب في 116 صفحة شاملة الغلافين، ويتضمن مقدمة وخاتمة تتخللهما ثلاثة محاور رئيسية، يتناول الأول الروابط التي تصل الأفراد ببعضهم وبالمجتمع، ويعالج الثاني الهشاشة المعاصرة للروابط الاجتماعية، في حين يركز الثالث على الأشكال اللامتكافئة للاندماج الاجتماعي.

قبل الشروع في مناقشة أفكار الكتاب، يقتضي الأمر الوقوف عند الفكرة الناظمة التي يؤسس عليها المؤلف تحليله، إذ ينطلق بوغام من تشخيص مفاده أن مختلف الروابط الاجتماعية باتت، في السياق المعاصر، تتسم بقدر من الهشاشة، وهو ما يقف، في نظره، خلف تفاقم أشكال من اللامساواة الاجتماعية. ولمواجهة هذا الوضع، يدعو بوغام إلى العودة إلى الأسس التي تقوم عليها الروابط الاجتماعية، المتمثلة أساسًا ببُعدَي الحماية والاعتراف. وفي هذا الإطار، يمكن السياسات العمومية أن تؤدي دورًا محوريًا، من خلال الحدِّ من مشاعر القلق المرتبطة بانعدام الأمن في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، والعمل في الوقت نفسه على تثمين الأفراد في مساعيهم لنيل الاعتراف الاجتماعي. غير أن نجاعة هذه السياسات واستدامتها تظل رهينة بانبثاقها من إرادة جماعية مشتركة للعيش معًا داخل مجتمع ديمقراطي ومنفتح.

أولًا: مقاربة أزمة الروابط الاجتماعية

يستهل الكاتب مؤلَّفه بالتسليم بأن الحديث عن «أزمة الرابط الاجتماعي» غدا أمرًا شائعًا ومركزيًا في النقاشات المعاصرة، حيث يُنظر إلى الرابط الاجتماعي بوصفه رابطًا مأزومًا يحتاج إلى إعادة نسج أو ترميم. ويتأرجح الخطاب السائد بين تشاؤم يركز على مظاهر تراجعه وتفككه، وخطاب آخر يرى في التحولات الاجتماعية الراهنة فرصًا لظهور أشكال جديدة من الروابط الاجتماعية؛ من هنا، يذكر بوغام بأن أطروحة تفكك الروابط ليست جديدة، بل رافقت نشأة المجتمعات الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وأثارت اهتمام مؤسسي السوسيولوجيا.

في سبيل تحليل هذه الإشكالية، يقترح الكاتب، في الفصل الأول، العودة إلى المنظور السوسيولوجي لإميل دوركايم، الذي أكد أن التضامن لا يختفي في المجتمعات الحديثة، بل يعرف تحولات عميقة، الأمر الذي يقتضي فهم منطقه الجديد. وعليه، يعمد سيرج بوغام إلى عرض معالم بعض أعمال دوركايم، بدءًا بأطروحته حول تقسيم العمل الاجتماعي، مرورًا بكتاب الانتحار، معتمدًا عليها كإطار نظري يؤسس لأطروحته التي سيعمل على تفصيلها بصورة أوسع في الفصل الثاني. إذ يبدو الانخراط في المنظور الدوركايمي ملائمًا لمقاربة مسألة الروابط الاجتماعية وهشاشتها في الزمن الراهن، إذ شدد دوركايم منذ أواخر القرن التاسع عشر على أن تَحوُّل أشكال التضامن في المجتمعات الحديثة يستدعي تحليل منطقها الجديد من أجل تدعيم تماسكها الاجتماعي، بدلًا من الاكتفاء بخطابات تشخيصية حول تفكك الروابط الاجتماعية.

يقترح بوغام في الفصل الثاني تصنيفًا لمختلف الروابط التي تربط الأفراد بعضهم ببعض وبالمجتمع، ولهذه الغاية، يحدد الرابط الاجتماعي ببُعدين مؤسِّسين هما: الحماية والاعتراف؛ تحيل الأولى إلى مجموع الدعائم والموارد التي يستطيع الفرد تعبئتها في مواجهة تقلبات الحياة، في حين يشير الاعتراف إلى التفاعل الاجتماعي الذي يمنح الفرد معنى لوجوده من خلال إثبات الذات وتقدير القيمة عبر نظرة الآخرين. وتشير عبارة «الاعتماد على» إلى انتظار الحماية من العلاقات مع الأفراد والمؤسسات، في حين تعكس عبارة «أن يكون ذا قيمة لدى» التطلع إلى نيل الاعتراف.

وعليه، يميِّز بوغام بين أربعة أشكال من الروابط الاجتماعية: رابط القرابة، ورابط المشاركة الاختيارية، ورابط المشاركة العضوية، ورابط المواطَنة. وتبعًا لذلك، يفصل الباحث في قسمات كل رابط على حدة.

يعدُّ رابط القرابة أساسًا للانتماء والإدماج الاجتماعيين، إذ لا يقتصر على النسب البيولوجي القائم على رابطة الدم، بل يشمل كذلك التبني الذي يعدُّ في جوهره نسبًا اجتماعيًا وقانونيًا. يترتب عن هذا الرابط حقوق وواجبات قانونية كالإرث والنفقة، كما يؤدي دورًا حاسمًا في بناء توازن الفرد وهويته منذ الولادة، انطلاقًا ممّا يوفره من حماية مادية واعتراف عاطفي. غير أن قوة هذا الرابط وشِدَّتَهُ تختلف من شخص إلى آخر. كما أن تحولات الأسرة المعاصرة، وتراجع النموذج الأُسَري التقليدي الذي كان يمثل ركيزة لنظام الحماية الاجتماعية، أدت إلى تزايد هشاشة الأسَر وظهور أشكال جديدة من التدخلات الاجتماعية لحماية الأطفال والأسَر.

يُبرز بوغام، في المقابل، تقلبات رابط القرابة، إذ إن هذا الأخير، رغم كونه عامل اندماج، يعكس وينتج فوارق اجتماعية عميقة. فهو يمنح فرصًا أكبر للحماية والاعتراف لمن يولدون في ظروف أسرية مواتية، في حين يؤدي إلى إقصاء أو وصم اجتماعي لآخرين. كما يوضح أن نزع الأهلية الوالدية أو مراقبة الأسَر يكرّس تراتبية غير معلنة بين الآباء وفق تقييم قدرتهم على تربية أبنائهم. ويشير إلى أن تفكك رابط القرابة قد يحدث في مراحل مختلفة من الحياة، سواء عبر التخلي، أو سحب السلطة الوالدية، أو الوفاة، أو حتى عبر علاقات يسودها الإهمال والعنف الرمزي، وهو ما يُخلف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة وغير متكافئة. وبذلك، يخلص بوغام إلى أن تفكك رابط القرابة يعَدُ نوعًا من أنواع اللامساواة الاجتماعية التي غالبًا ما تُهمل في التحليل، رغم تأثيرها البنيوي العميق على مسارات الأفراد.

ينتقل بوغام للتفصيل في ملامح هشاشة الروابط الاختيارية، حيث يتحدد هذا الأخير بوصفه أحد مكونات التنشئة الاجتماعية خارج الإطار الأسَري، إذ ينخرط الفرد في تفاعلات متعددة داخل جماعات متنوعة كالحيّ، وجماعات الأقران، والأصدقاء، والمؤسسات الدينية والثقافية والرياضية. ويتميز هذا الرابط بطابعه الاختياري الذي يتيح للأفراد هامشًا من الاستقلالية في بناء شبكات انتماءاتهم العلائقية، على خلاف رابط النسب الذي يُفرض على الفرد من دون اختيار. غير أن هذه الحرية تظل مؤطرة بمحددات اجتماعية. وتعدُّ العلاقة الزوجية مثالًا لهذا الرابط، حيث تقوم على الحماية المتبادلة والاعتراف المتبادل عبر تفاعلات رمزية دقيقة، في حين تمثل الصداقة نموذجًا لعلاقة ضعيفة التقنين المؤسساتي، لكنها معترف بها اجتماعيًا وغير نفعية نسبيًا وأكثر تحررًا من الإكراهات الاجتماعية.

تتخذ قطيعة رابط المشاركة الاختيارية أوجهًا متعددة. فالانفصال، رغم كونه اختيارًا حرًا، غالبًا ما يكون مصحوبًا بمعاناة نفسية وإعادة تكوين للهوية الفردية والشبكة العلائقية، وقد يمثل محفزًا لقطائع أخرى. كما تتسم الصداقات بالهشاشة، إذ تضعف أو تنقطع بفعل الحركية الجغرافية وتغير أنماط الحياة، وهو ما قد يؤدي إلى عزلة علائقية. وفي بعض الحالات، تعاش القطيعة بوصفها إنكارًا للاعتراف، سواء في العلاقات العاطفية أو داخل الجماعات. وعليه، فرابط المشاركة الاختيارية يعكس بدوره تفاوتات اجتماعية، حيث تتفاوت فرص الاستقرار العاطفي والاجتماعي والمشاركة الجمعوية تبعًا للانتماء الاجتماعي، بما يؤدي إلى تعميق اللامساواة الاقتصادية والثقافية القائمة.

يقوم رابط المشاركة العضوية على تعلم وممارسة وظيفة داخل تنظيم العمل، كما يرتكز على تكامل الوظائف الذي يوفر للأفراد مكانة اجتماعية تجمع بين الحماية والشعور بالنفع. وتتمثل بوادر هذا الرابط عبر مسار يمتد من المدرسة إلى عالم الشغل حيث يكتسب معناه، من دون أن يقتصر على المجال الاقتصادي وحده، إذ يرتبط كذلك بالتنظيم السياسي ونظام دولة الرعاية الاجتماعية. فالاندماج المهني لا يعني فقط تحقيق الذات داخل العمل المنتج، بل يشمل كذلك التمتع بحماية اجتماعية. ومن ثم، يقوم النموذج المثال للاندماج المهني على الجمع بين الاعتراف بقيمة العمل، ماديًا ورمزيًا، وبين الضمانات الاجتماعية التي يوفرها الشغل.

تتخذ لايَقينية رابطة المشاركة العضوية دلالتين: غياب، الحماية الاجتماعية أو تراجعها في مواجهة المخاطر، ودونية المكانة الاجتماعية التي تولد معاناة نفسية. وتتجسد هاتان الدلالتان في مفهوم الهشاشة المهنية، سواء من خلال هشاشة الشغل المرتبطة بعدم الاستقرار وفقدان الحقوق، أو هشاشة العمل المرتبطة بانعدام الاعتراف وضعف الأجر. وتؤدي تحولات سوق الشغل، وتنامي المرونة والمنافسة والفردانية في الأداء، إلى تعميق التفاوتات المهنية وزيادة هشاشة فئات واسعة من الأجراء. كما يساهم استمرار البطالة وسياسات التشغيل الموجهة نحو الفئات الهشة في تكريس مراتب اجتماعية دنيا تصبح دائمة، بدلًا من أن تمثل حلولًا مؤقتة، وهو ما يعكس أزمة عميقة في نموذج الاندماج القائم على الشغل.

يستند رابط المواطنة إلى الانتماء إلى الأمة، حيث تمنح الحقوق والواجبات على أساس المساواة بين المواطنين، من دون أن يعني ذلك زوال التفاوتات الاجتماعية. ويميز داخل هذا الرابط بين الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، بوصفها تجسيدًا لمبدأ المساواة الشاملة والاعتراف بالفرد كمواطن كامل الانتماء للجماعة السياسية. كما يرتكز رابط المواطنة على مبدأي الحماية والاعتراف، من خلال ضمان الحماية الاجتماعية والسياسية، وتمكين المواطن من الاستقلالية المادية الضرورية لشرعيته السياسية. غير أن هذا الرابط ليس محصنًا من القطيعة، وبخاصة عندما يُقصى الأفراد عن المؤسسات أو يحرمون الوثائق والإجراءات التي تتيح لهم ممارسة حقوقهم.

يبرز بوغام صورًا متعددة لإخفاق الاندماج المواطَني، كأوضاع الأجانب غير النظاميين، والمشرَّدين أو المستبعَدين من أنظمة المساعدة الفئوية، إضافة إلى أولئك المحتجزين في حلول طارئة تتحول إلى أوضاع دائمة تكرس دونيتهم. كما يشير إلى أن انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون والتمييز الواقعي في الوصول إلى الحقوق يؤديان إلى تقويض رابط المواطَنة. ويرتبط ذلك بتراجع الثقة في المؤسسات، وصعود مشاعر الخوف، وهو ما يعمق المسافة مع الفئات الأكثر فقرًا ويغذي الإحساس بالاغتراب السياسي لدى فئات واسعة تشعر بأنها منفصلة عن المجتمع وعن اللعبة السياسية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 566 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 566 نيسان/أبريل 2026

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 566 في نيسان/أبريل 2026.

يوسف أكلزي: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة
شعيب الدكالي – الجديدة – المغرب.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز