أولاً: إشكالية التاريخ والتأريخ

لعقود طويلة، انصرفت الدراسات التاريخية إلى تحديد التمايز الواضح بين مفهومي التاريخ والتأريخ. فالتاريخ يتضمن نشاط الناس الطبيعي في مختلف المجالات، أما التأريخ أو الكتابة التاريخة فيقوم به المؤرخ الذي يدوِّن ما صنعه الناس من أعمال مادية أو وثائق تاريخية تدل على نشاطاتهم. لذا يشير مفهوم «التأريخ» إلى عمل المؤرخين ومناهجهم المتعددة في كتابة التاريخ وفق رؤى علمية، وفلسفية، وأدبية، وأيديولوجية متنوعة، ومتناقضة أحياناً. وقد تعددت مدارس فهم التاريخ وكتابته. وعبر الحقب التاريخية، تبلورت اجتهادات متعددة أبرزها أن الكتابة التاريخية لا تقتصر على سرد أحداث الماضي والحديث عن الشخصيات البارزة بل تتضمن ما قام به الناس من أعمال مادية وثقافية مثبتة في المكان والزمان.

لم تتأسس الكتابة التاريخية في بداية نشأتها على ركائز علمية، بل عمد المؤرخ إلى تدوين الأحداث التاريخية مقرونة بانطباعاته، السلبية منها والإيجابية. «كان التأريخ مجموعة نظريات وأنماط ومفاهيم. ويسعى المؤرخ لكي يظهر بصفته المستبد العادل في النظر إلى الماضي، والعمل على تفكيك أحداثه وكتابة وقائعه بصورة انتقائية في أغلب الأحيان»‏[1].

في القرن الخامس قبل الميلاد وصف هيرودوت التاريخ بأنه «الفاصل المحسوب بالأجيال والذي يحمل على الانتقال من مظلمة إلى الانتقام لها أو إلى إزالتها. والمؤرخ، بتحقيقه بطريقة ما في أزمنة الانتقام الإلهي، هو الذي يستطيع، بفضل علمه، أن يجمع ويتيح رؤية طرفَي السلسلة. ذلك هو معنى تاريخ الملك وهو ينتقل من السعادة إلى الشقاء، يدفع عند الجيل الرابع خطيئة جده. لكن ذلك ليس هو طريق التاريخ والعدالة. والتاريخانية في عصرنا تسمح بطرح استفهام المؤرخ حول علاقاتنا بالزمان. بمعنى أن يتناول المؤرخ عدة أزمنة بممارسته الذهاب والإياب بين الحاضر والماضي، والأفضل المواضي شديدة الابتعاد على وجه الاحتمال، سواء في الزمان أو في المكان. فهذه الحركة هي خصوصيته الوحيدة»‏[2].

وصف الفيلسوف هوبز المؤرخ اليوناني توسيديديس المتوفى قرابة العام 400 قبل الميلاد بأنه «أعظم مؤرخ سياسي على مر الزمن». وتتجلى الأهمية القصوى لتاريخه في أنه حمل طابع عقله الناشط والممحص، الذي لا يستسلم للحظة واحدة ولا يحيد عن موضوعه بتأثير من إغراء الإثارة أو الرأي الشائع.

وتحدث المؤرخ اليوناني توسيديديس نفسه عن طريقته في كتابة التاريخ بقوله: «لعل كتابي في التاريخ يبدو صعب القراءة لافتقاره إلى عنصر الرومانسية المشوقة… حسبي أن يجد في كلماتي فائدة أولئك الذين يسعون إلى استيعاب أحداث الماضي والتي سوف تتكرر في وقت من الأوقات في المستقبل ما دامت الطبيعة البشرية على ما هي عليه. إن كتابي هذا ليس بالكتاب الذي يلائم قراء اليوم، إذ قصدت به أن يدوم إلى الأبد… لذلك لم يكن التاريخ آسراً في حد ذاته وحسب، وإنما لا بد أن يكون ذا فائدة لينتفع به من يرى في التجربة عظة»‏[3].

تطورت كتابة التاريخ كثيراً مع تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية على المستوى الكوني. فظهرت مدارس واتجاهات عديدة في فهم التاريخ وكتابته. وأدّت منهجية التاريخ الاجتماعي دوراً رائداً في إبراز حركية المجتمع من خلال ركائزه الثلاث: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وكان لكتاب التاريخ اليوم الصادر بالفرنسية دور بارز في نشر منهجية التاريخ الاجتماعي بشكل خاص. حفل الكتاب بمقولات علمية متنوعة، وتضمن مقولات لأبرز المؤرخين الاجتماعيين في فرنسا من أمثال جاك بيرك، وجان بوفيه، وأنطوان كازانوفا، وجورج دوبي، وجاك لو غوف، وجورج سادول، وألبير سوبول، وبيار فيلار وغيرهم. وتمحورت مقولاته حول الركائز الأساسية في فهم التاريخ وكتابته، وأبرزها: المصادر التاريخية، ومناهج كتابة التاريخ، والقضايا النظرية والتطبيقات الميدانية، وركائز التاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات، ونقد الإشكاليات والفرضيات المعتمدة في دراسة الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789، وغيرها‏[4].

على المستوى الأكاديمي تبلورت عدة مدارس لفهم التاريخ، منها: المدرسة الجغرافية؛ المدرسة القومية؛ المدرسة الدينية؛ المدرسة الاقتصادية؛ المدرسة الاجتماعية؛ المدرسة الثقافية؛ والمدرسة الحضارية. وظهرت إلى جانبها مدارس متنوعة لكتابة التاريخ على أسس علمية. وركزت على التوثيق الجيد، ودقة التحليل، وموضوعية الفرضيات والاستنتاجات. كانت أبرز المدارس السائدة في التأريخ العلمي: المدرسة الوصفية؛ المدرسة السردية؛ المدرسة الشكية؛ المدرسة السببية؛ المدرسة الوضعية؛ مدرسة التاريخ الاجتماعي؛ والمدرسة الحضارية. فبدأت الكتابة التاريخية ترتقي من سرد المرويات إلى النقد العلمي، وتحول التأريخ إلى علم يدرَّس في الجامعات والمعاهد، ووُضعت له قواعد صارمة يتعرض من يتجاوزها لكثير من النقد والاتهام بتشويه الحقائق أو تزوير التاريخ. وكتبت دراسات متعددة عن «تاريخية الكتابة التاريخية» التي أكدت أن الكتابة التاريخية هي وليدة بيئة ثقافية محددة في الزمان والمكان. وهي قابلة للتطور والتغيير مع تطور مناهج التعليم الأكاديمي، وطرق تدريس التاريخ، ونقد الوثائق، والمقارنة النقدية بين معطيات الأرشيف المحلي والأرشيف العالمي. وانتشرت على نطاق واسع دراسة التأريخ في ضوء تاريخه أو «تاريخ التأريخ» الذي يبرز تطور الكتابة التاريخية وما رافقها من مناهج تأريخية.

كانت الكتابة التاريخية في أوروبا في القرن الثامن عشر ترتكز على المرويات السردية والشخصيات البارزة من دون ذكر للناس العاديين. فانتقد الكاتب الفرنسي فولتير بشدة هذا الأسلوب في عام 1774 بقوله: «في كل ما قرأت لم أجد سوى تاريخ الملوك والقادة العسكريين، وأنا كلي شوق لمعرفة تاريخ الناس، كل الناس». ثم تطورت مناهج فهم التاريخ وكتابته بصورة واضحة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وبخاصة بعد بروز مدرسة التاريخ الاجتماعي في فرنسا التي شددت على تاريخ المجتمع، بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية وتجاوزت التركيز على تاريخ الأفراد البارزين.

في هذا المجال، برز تباين واضح بين اتجاهات متعددة لدى المؤرخين في تعريف التأريخ وتحديد دوره. فهناك من رأى فيه بحثاً عن الحقائق وتدوينها، وهي النظرة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر بصورة خاصة. وهناك من حدد دوره بتقديم الحقائق التاريخية وتفسيرها من دون إضافة آراء شخصية. وذلك على قاعدة أن «الحقائق مقدسة أما رأي المؤرخ فمجاني». وهذا ما جعل من الوثائق التاريخية الركيزة الأساسية في كتابة التاريخ، في حين يقتصر دور المؤرخ على تدوين الأحداث التاريخية وتفسيرها من دون استخلاص الدروس منها.

ثم تبلورت مدرسة تأريخية جديدة ركزت على دور المؤرخ في فهم التاريخ قبل كتابته وذلك على قاعدة أن «التاريخ من صنع الناس، وأن التأريخ من صنع المؤرخ». فساهمت تلك النظرية في توليد مقولة علمية معتبرة: «قبل أن تدرس التاريخ ادرس المؤرخ، وقبل أن تدرس المؤرخ ادرس البيئة التي عاش فيها». فالفهم العلمي للتاريخ يتطلب أيضاً دراسة البيئة الثقافية للمؤرخ التي أدّت الدور الأساسي في فهمه للتأريخ وبلورة مقولاته النظرية.

هناك إذاً صلة وثيقة بين فهم التاريخ وكتابته، وبين الاتجاهات الفكرية والتبدلات الاقتصادية والاجتماعية التي تركت أثراً واضحاً في كتابة التاريخ ودفعت المؤرخين إلى إعادة النظر في دراساتهم عبر طبعات جديدة مزيدة ومنقحة. وكانت رؤية المؤرخين لأحداث التاريخ تتطور مع تطور الظروف الموضوعية والمقولات الثقافية التي ساهمت في التكوين العلمي للمؤرخ، وفي رؤيته للتطور التاريخي. وحظيت الاكتشافات العلمية الحديثة، وثورات العلوم والتكنولوجيا والتواصل والإعلام باهتمام بالغ، وساهمت بدورها في تطور مدارس فهم التاريخ ومناهج التأريخ. وأدّت الدراسات الأكاديمية دوراً بارزاً في تشكيل وعي تاريخي جديد تبلور من خلال تدريس التاريخ ومراكز الأبحاث التاريخية في الجامعات العالمية المتطورة التي تستقطب سنوياً أعداداً متزايدة من طلبة الدكتوراه في التاريخ الوافدين من الدول النامية ومنها الدول العربية، ثم عادوا لتدريس التاريخ وكتابته على أسس عصرية في جامعاتهم الوطنية. فانتشرت مناهج علمية جديدة كان له أثر مباشر في تطور الكتابة التاريخية على المستوى العربي. ومنهم عدد كبير ممن تأثروا بالرؤية الأوروبية لفهم تاريخ العرب الحديث والمعاصر التي ترى أن الغرب، بجناحيه الأوروبي والأمريكي، كوّن مركزاً لانطلاقة العلوم الحديثة. وأثرت المقولات الاستشراقية الغربية سلباً في النظرة الموضوعية في كتابة التاريخ العربي وتطور الثقافة العربية وتفاعلها مع الثقافات العالمية.

«فالثقافة مفهوم يضم عنصراً نقياً ودافعاً إلى السمو هو مخزون كل مجتمع من أفضل ما تحققت المعرفة به والتفكير فيه (…). مع مرور الزمن تغدو الثقافة مقترنة، غالباً بصورة عدوانية، بأمة أو بدولة (…). والثقافة بهذا المعنى مصدر من مصادر الهوية، وهي مصدر صدامي أيضاً، كما نراها الآن في حالات «الرجوع» إلى الثقافة والتراث (…). وقد أنتجت هذه الرجوعات في العالم الذي كان خاضعاً للاستعمار سابقاً أنواعاً شتى من الأصوليات الدينية والقومية، والثقافية. بهذا المعنى الثاني، هي مسرح من نمط ما تشتبك عليه قضايا سياسية وعقائدية متعددة ومتباينة. فالمشكلة في هذه الفكرة عن الثقافة هي أنها تقتضي لا أن يبجِّل المرء ثقافته وحسب، بل أن يفكر بها أيضاً بوصفها معزولة عن عالم الحياة اليومية لأنها تتسامى فوق هذا العالم وتتجاوزه»‏[5].

تطورت بعض الآراء السلبية في أواخر القرن العشرين إلى ركائز نظرية لتجديد الإمبريالية العالمية. وأبرز مقولاتها: نهاية التاريخ، وصدام الحضارات، والفوضى الخلّاقة. فبرز رد صارم لإثبات عدم علمية تلك المقولات. فالتاريخ لن ينتهي، والحضارات تتفاعل ولا تصادم، والفوضى لن تكون خلاقة ولن تسود العالم. في خاتمة كتابه يطرح هارولد موللر سؤال ما العمل؟ ويرى أن الحل باعتماد المخطط التالي: «تقديم توصيف علمي جديد لعالم الدول في المرحلة الراهنة، والعمل على إدماج روسيا، وتقديم العون لمناطق الأطراف، واعتماد أسلوب المشي على الحبال لتشجيع التعاون مع دول آسيا، والتصالح مع العالم الإسلامي، ووضع شروط موضوعية للتبادل الاقتصادي، وتعزيز دور المنظمات غير الحكومية في مجالات العمل الاجتماعي، وتعزيز مكانة المرأة، وإصلاح الغرب، ورفض مقولة صراع الحضارات وإبدالها بمقولة الحوار بين الثقافات»‏[6]. انطلاقاً من الفهم العقلاني لتطور التاريخ ومناهج كتابته، اتسع الزمن التاريخي المعاصر لجميع الشعوب لكي تشارك في صناعة التاريخ العالمي وفق الظروف الموضوعية لكل دولة أو جماعة. وبات واضحاً أن التفاعل بين الحضارات يؤدي الدور الأساسي في نهضة الجماعات الحضارية بعد تعثر مسيرتها على غرار ما قامت به اليابان، والصين، والهند. والفرصة متاحة أمام العرب لاستنهاض جديد، والرد الحضاري على التحدي الخارجي.

ثانياً: فلسفة التاريخ ورؤية التاريخ العربي على قاعدة «التحدي والاستجابة»

تأثر علم التاريخ في مرحلة الحداثة الكونية بصورة واضحة وعميقة بالاتجاهات الفلسفية التي انطلقت من أوروبا في عصر الأنوار وحملت معها مقولات الحرية، والمساواة، والإخاء، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية لتعم العالم بأسره. وتوسعت الفروع المعرفية لعلم التاريخ، وتعددت مناهجه واتجاهاته، والرؤى الفلسفيه لفهمه وكتابته.

تضمن كتاب النظريات الفلسفية في فهم التاريخ آراء عدد كبير ممن يطلق على أبحاثهم صفة «فلسفة التاريخ»، من أمثال هيغل، وكارل ماركس، وسبينوزا، وكانط، وبرغسون وغيرهم. واستعرض أبرز النظريات في فلسفة التاريخ، وحياة الإنسان واستمراره بعد موته، وأهمية التاريخ وعلوم الإنسان، وحرية فهم التاريخ بطرق مختلفة، والفارق النوعي بين التاريخ المكتوب والتاريخ الشفوي، ومفهوم الزمن التاريخي، وكتابة التاريخ على أساس صراع الطبقات، والقواعد العلمية الحديثة لفهم التاريخ واستخلاص الدروس منه، ومفهوم المادية التاريخية، والتمييز بين العقل التاريخي والعقل الديالكتيكي. وهي موضوعات مفيدة جداً تساعد على فهم مقولة «التاريخ العبء والتاريخ الحافز»‏[7].

أطلق الفيلسوف الألماني هيغل على نظريته في فلسفة التاريخ صفة «النظرية الجريئة» التي ساهمت في فهم المسيرة التاريخية بصورة أكثر عمقاً. ففي كتابه فلسفة الحق (Philosophy of Right) وبصورة أوسع في محاضرات في فلسفة التاريخ (Lectures on the Philosophy of History)»، لم يفسر هيغل التاريخ بقوانينه الخاصة بل بمفاهيم فلسفية كالحرية، والمطلق، والروح، والجوهر. وأكد أن القوة الدافعة لمسيرة التاريخ هي العقل. فالتاريخ، في جوهره، هو كفاح الإنسان ليحقق أمنياته البشرية إلى أقصى حد. وعمل الإنسان يطور المجتمع الإنساني لأن تاريخ المجتمع هو تاريخ الجهود المبدعة التي تغير رغبات الإنسان ومواقفه. ومن خلال الإنتاج الجماعي يدخل الناس في علاقات بينية لا بد منها، ومستقلة عن إرادتهم الفردية. وتتطور العلاقات الإنسانية مع تطور قوى الإنتاج.

لا يبنى تعريف «فلسفة التاريخ» على بعض منظّريها لأن نظرة الفلاسفة إلى التاريخ وطرق كتابته وتحليله تختلف بين مرحلة تاريخية وأخرى، لكنها كانت على الدوام شديدة الصلة بتطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة، وما رافقها من ثورات علمية وصناعية، ومقولات فكرية وفلسفية متطورة باستمرار. وتأثرت نظريات فهم التاريخ وكتابته بتطور الفكر العلمي والمفاهيم الفلسفية. وساهمت تلك المفاهيم بعمق في تطور الدراسات التاريخية على المستوى العالمي. وتضمنت نظرية «فلسفة التاريخ» منهجاً خاصاً للتحليل الفلسفي في علم التاريخ من خلال دراسة المفاهيم التي اعتمدها الفلاسفة في كتابة أعمالهم التاريخية من جهة، إلى جانب البحث الفلسفي عن طبيعة المسيرة التاريخية الشمولية، بمعزل عن الأعمال الفردية في الأبحاث التاريخية، من جهة أخرى. وأسست «فلسفة التاريخ» لمقولتين أساسيتين: ركزت الأولى على نشر الفكر الفلسفي النقدي في فهم التاريخ وكتابته، والثانية على «الفلسفة التأملية للتاريخ».

رأى شبنغلر في كتابه تدهور الغرب (The Decline of the West) «أن التاريخ لا هدف نهائياً له. وهو يعبر عن عدد من الوحدات الحضارية ومنها الحضارة العربية كواحدة منها، وهي كزهور الحقل تنمو ثم تندثر». وتندرج مقولته في إطار الفلسفة التأملية للتاريخ العالمي من حيث صعود وانهيار الخلافات، والإمبراطوريات، والدول، بسبب كثرة النزاعات الداخلية والإقليمية والعالمية. فالتحديات الراهنة التي تواجه كتابة التاريخ العلمي على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي كبيرة ومعقدة.

يبقى التساؤل المنهجي الأهم في ظروف احتدام النزاعات السياسية والدينية والعرقية والقبلية في تاريخ العرب المعاصر يتمحور حول القضايا النظرية التالية: هل يمكن كتابة تاريخ العرب بصورة شمولية، علمية ودقيقة، من دون استخدام مقولة «التحدي والاستجابة»، وأبرز تجلياتها رسم صورة دقيقة عن كيفية الخروج من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز؟ وهل يمكن توليد جيل جديد من المؤرخين المهتمين بالتاريخ المستقبلي أو استشراف التاريخ من خلال فهم المسارات المحتملة لحركة الواقع العربي؟ وهل تسمح التقاليد الأكاديمية التقليدية العربية في اعتماد مقولة «التحدي والاستجابة» لإعداد الدراسات العليا وأطروحات الدكتوراه في التاريخ العربي على أسس عقلانية وتنويرية؟

ونشر توينبي كتاباً بعنوان دراسة التاريخ (Study of History)، تضمن مقولاته الأساسية عن تطور تاريخ البشرية من خلال نماذج حضارية بارزة، وتوصل إلى مقولات نظرية تشدد على التاريخ بوصفه علماً شمولياً. وبعدما اعتمد طريقة استقرائية لدراسة مجمل نشاطات الناس تبين له أن الحضارة وحدة متكاملة، وجديرة بأن تشكل موضوعاً متكامـلاً للدراسات التاريخية. أما عزل الأجزاء المكونة لها بعضها عن البعض الآخر فيقدم صورة مشوّشة عن الحضارة كما هو الحال في التاريخ المحلي للدول التي تنتسب إلى قومية جامعة. وعلى عكس حالة المجتمع البدائي حيث كان يسود الركود والتكرار، تبدو الحالة الحضارية فاعلة وفي حركة مستمرة. فمسيرة التاريخ، حسب نظرية توينبي، تصدر عن التحول من حالة الركود إلى حالة التقدم الخلّاق المولّد لنمو الحضارات.

في هذا العمل التاريخي الضخم والمتميز رسم توينبي سيرورة الحضارات الكبرى في مختلف مراحل التاريخ. واعتمد منهجية التأريخ للجماعة الكبيرة أو القومية بدلاً من التأريخ للجماعات الصغيرة. فمكنته تلك المنهجية من إصدار مجموعة كاملة من تاريخ الحضارات صدرت تباعاً خلال فترة زمنية طويلة. تندرج منهجيته في كتابة تاريخ الحضارات في إطار عدة محاولات صدرت عبر مجموعات كبيرة بعنوان التاريخ العالمي، أو تاريخ الحضارات، أو تاريخ الأمم. وتذكِّر منهجيته في دراسة نشأة الحضارات وتطورها ثم أفولها، بمنهجية ابن خلدون في رسم أطوار الدولة في زمانه التي قامت على العصبية القبلية أو الدينية.

شكلت مقولة أرنولد توينبي عن «التحدي والاستجابة» التي بلورها من خلال مجموعته المعتبرة عن تاريخ الحضارات عمـلاً رائداً في فهم تاريخ الحضارات وكتابته على أسس موضوعية. وهي تبرز تاريخ الجماعات من خلال الثقافات التي أنتجتها. وأكد في نظريته الرائدة عن «التحدي والاستجابة» أن الحضارات العريقة لا تندثر بل تبقى كامنة إلى أن تجد من يستفيد منها في بناء نهضة جديدة تقوم على التوازن بين الأصالة التاريخية والتفاعل مع الحضارات الكونية الجديدة أو المتجددة.

فالحضارات في مرحلة ازدهارها تجد صعوبة في الاستمرار لفترة زمنية طويلة قبل أن تتقدمها حضارات أخرى. وشكلت الحضارات القديمة ركيزة صلبة لنشأة وتطور الدولة العالمية ذات التأثير الفاعل في تاريخ العالم. هي ترى اليوم أن ثقافتها الكونية بمنزلة الوريث الشرعي لجميع الحضارات السابقة. لذلك أسهب توينبي في نشر عدة مجلدات لتحليل الحضارات الكونية، والأديان الكونية، والتفاعل الكوني بين الحضارات في المكان، وفي الزمان. وخصص حيّزاً واسعاً للإجابة عن السؤال المنهجي الأساسي: لماذا دراسة التاريخ؟ وتوصل إلى استنتاجٍ ذي شأن مفاده أنه عندما تتعرض الحضارة للتحدي المصيري (Challenge) وتستجيب له استجابة ناجحة (Response)، لا تقتصر النتيجة على تجاوز المحنة السابقة بل تتولد لديها القدرة على مواجهة تحديات مستقبلية. وبتوالي مواجهة التحديات باستجابات أكبر «تنمو الحضارة وتنمو معها قدرات الناس الداخلية، ويتحول الرد على التحدي الخارجي إلى الرد على التحدي الداخلي للسيطرة على محيطهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم»‏[8].

من خلال الزمن التاريخي الطويل أو الممتد تظهر الشعوب الحية قدرتها على الممانعة، والصمود، ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها. فالحضارات الحية تشكل التاريخ الحافز الرافض للتبعية من جهة والقادر على تفاعل حر مجدداً من موقع الندية مع الحضارات والثقافات من جهة أخرى. أما الشعوب العاجزة عن الحوار المتكافئ فتفقد قدرتها على حماية حضاراتها أولاً. فتسارع شعوب أخرى إلى استعياب تلك الحضارة لتدخلها في نسيجها الثقافي، وتبدع من خلالها رافداً جديداً من روافد الحضارة الكونية. وقدمت الحضارة الغربية نموذجاً واضحاً في تفاعلها مع الحضارة اليونانية من خلال الحضارة العربية التي بدت عاجزة عن متابعة مسارها التاريخي بعد وصولها إلى العصر الذهبي في زمن الخليفة العباسي المأمون.

في زمن العولمة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، روَّج كل من الباحث الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما، والباحث صموئيل هنتنغتون للدعوة إلى نهاية عصر الأيديولوجيات، أو «نهاية التاريخ»، و«صدام الحضارت». وكأن حركة التاريخ توقفت عند ما وصلت إليه الليبرالية الغربية انطلاقاً من المقولات النظرية التي رسم معالمها الفيلسوف الألماني هيغل.

حملت تلك الدعوات بعداً سياسياً هدفه تأكيد سيطرة الغرب على العالم بأسره، والترويج لمقولة أن القارة الأوروبية باتت عجوزاً وغير قادرة على تجديد مقولاتها الثقافية. لكن سيطرة القطب الأمريكي الأوحد على العالم باتت اليوم موضع شك بسب تنامي الصراعات على المستوى الكوني، وعجز دولة واحدة عن تحمّل أعباء سيطرة دولية تسببت بحربين عالميتين مدمرتين وحروب فرعية كثيرة في إطار حرب باردة امتدت لأكثر من أربعة عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ودلت المقولات الجديدة للعولمة، وبخاصة نهاية التاريخ، وصراع الحضارات، والفوضى الخلاقة، على قصور نظري فاضح.

تعرضت تلك المقولات لنقد شديد من المؤرخين، العرب وغير العرب، الذين وصفوها بخواء ثقافي لم تشهد أوروبا مثيـلاً له في مرحلة صعودها الإمبريالي وسيطرتها على العالم. فنهاية التاريخ ليست مقولة علمية، لأن الحضارات تتفاعل ولا تتصادم. والحضارة العربية هي من الحضارات الإنسانية الحية والقادرة على رد التحدي والتفاعل مع الحضارات الإنسانية الأخرى من موقع الندّية والمشاركة الفاعلة في بناء التاريخ الكوني على أساس التفاعل الإيجابي بين الشعوب، على اختلاف أعراقهم، وثقافاتهم، وأنظمتهم السياسية. وأثبت النقد العلمي العربي لتلك النظرية أن التاريخ العبء ليس قدراً دائماً بل يمكن تجاوزه، لأن حركة التاريخ سيرورة مستمرة تفسر صعود أيديولوجيات معيَّنة في بعض المراحل التاريخية وانهيارها في مراحل أخرى. ويقدم صعود وانهيار النازية، والفاشية، ومختلف الدكتاتوريات العسكرية، والأنظمة التوتاليتارية خير برهان على صدقية الحركة التاريخية واحتمالاتها المستقبلية الكبيرة جداً. وما ينطبق على حركة التاريخ بوجه عام ينطبق أيضاً على تاريخ الأمم ذات الحضارات الإنسانية العريقة، ومنها تاريخ الشعوب العربية في تحولاته الدائمة منذ الاستقلال السياسي للدول العربية في القرن العشرين. وقدمت دراسات توينبي في مجال تاريخ الحضارات نموذجاً متقدماً على دراسة تاريخ الجماعات الكبيرة وحضاراتها وما يرتبط بها من مشكلات فرعية في إطار الزمن التاريخي الطويل الذي يتكامل فيه تاريخ الحضارات الإنسانية بكامل أبعاده.

ثالثاً: عبء تاريخ الأفراد ومأزق التاريخ المدرسي العربي الموحد

لعل أبرز النتائج النظرية التي رافقت التبدلات العالمية الراهنة أن الحاضر يفسر الماضي وليس العكس. فهذه النظرية ترصد الكثير من الظاهرات الاجتماعية المستمرة عبر الأمثال الشعبية وعادات وتقاليد الولادة والزواج والوفاة والعودة بها إلى الذاكرة التاريخية الجماعية لتدوينها. وشكلت تلك النظرية مدخـلاً جيداً لفهم تاريخ الجماعات أكثر منه لتاريخ الأفراد الذين يقدمون ثبتاً بأعمالهم عبر المذكرات.

لكن المؤرخ المدقق يتجاوز مرويات السيرة الذاتية إلى الذاكرة الجماعية، وتطور العادات والتقاليد، ويستجلي ما سكتت عنه المصادر المكتوبة، ويجري مقارنة بين الثابت والمتحول في فهم التبدلات التاريخية من الماضي إلى الحاضر. ويدرس بدقة تطور العادات وسلوكيات الأجيال المتعاقبة عبر مختلف المراحل التاريخية. تكمن أهمية تلك النظرية أيضاً في إبراز دور الجماعات التي شاركت في صناعة الحدث التاريخي في تحولاته المستمرة ورسم صورة دقيقة، موثقة ومسندة إلى مصادر علمية، للسلوكيات الجماعية ورصد نشاطاتها على المدى الزمني الطويل.

أشير هنا إلى أن رؤية المؤرخين الاجتماعيين للحدث التاريخي مبتوراً ومقطوعاً عن جذوره التاريخية تُعَد عمـلاً تعسفياً. كما أن إغفال الوثائق المكتوبة الموجودة بصورة كثيفة في مراكز الأرشيف يشكل نقصاً فادحاً في الدراسات التاريخية العلمية، فلا يجوز عَدّ الفرد، مهما كان عظيماً، تاريخاً قائماً بذاته، بمعزل عمن سبقه أو جاء بعده من القادة البارزين. وليس من الحكمة تقديم رؤية أحادية الجانب لتفسير الحدث التاريخي.

لذا ينظر اليوم إلى منهجية التركيز على الفرد البارز في كتابة التاريخ بكثير من الشك لأنها كتابة تاريخية ضعيفة لا ترقى إلى مستوى الكتابة العلمية الموثقة التي تظهر دور الفرد البارز من خلال موقعه في عملية التطور التاريخي، فـ «النشاط الإنساني رهن بالقواعد الأساسية للمجتمع التي تتبلور من خلال نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج». كما أن التطور التاريخي يعبر عن قدرة الجماعة البشرية على تطوير نفسها وتطوير المجتمع. وتضخيم دور الفرد في عملية التطور التاريخي يتناقض مع المفهوم المادي للتاريخ أو النظرية القائلة بأن أساس التطور هو «صراع الجماعات وليس صراع الأفراد»‏[9].

تجاوزت الدراسات التاريخية العلمية منهجية التركيز فقط على آراء ومواقف الشخصيات البارزة وباتت تحلل الاتجاهات العامة للتطور التاريخي مع تبيان أثر بعض الشخصيات البارزة. ولم تعد الكتابة التاريخية تعتمد منهج سرد الحوادث أو وصفها، بل باتت تقدم تحليـلاً شمولياً لعملية التطور التاريخي مع ذكر المقدمات والأسباب وصولاً إلى أبرز النتائج. ويسعى بعض المؤرخين إلى إقامة التوازن في البحث التاريخي بين النظرية العلمية وتحليل الوقائع التاريخية. فكتابة التاريخ لا تقتصر على إبراز دور الشخصيات البارزة لأن علم التاريخ يتناول نشاط جميع الناس في علاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية من خلال المصادر التاريخية الدالة عليها.

أدّت الكتابة التاريخية العلمية دوراً بارزاً في بلورة الهوية الثقافة العربية المعاصرة. لكن تدريس تاريخ العرب الشمولي شكل عقبة أمام تطور الانتماء الوطني ووصلت إلى حدود الأزمة في لبنان. فتوقف تدريس التاريخ العبء في المدارس الرسمية والخاصة. وأخرجت مادة التاريخ من الامتحانات الرسمية بسبب الكتابة المؤدلجة التي تركز على الزعامات الطائفية. وما زالت كتابة التاريخ الوطني في أغلبية البلدان العربية تتبدل مع تبدل الحكام، وتركز على تاريخ الأفراد أو الأحزاب وتتجاهل أهمية التعددية والتنوع، ودور المواطنة في تطوير المجتمعات العربية. وقد أساءت الكتابة التاريخية المؤدلجة كثيراً إلى التاريخ العربي لأنها قدمته على غير حقيقته العلمية. وأدت إلى تراجع الدراسات التاريخية بكل وضوح، بسبب ضعف التوثيق، وغياب نقد المصادر والمراجع على أسس علمية، وعدم الالتزام بقواعد البحث التاريخي العلمي، والتركيز على موروث المجتع الأهلي ورموزه السياسة الطائفة والقبلية من دون الاكتراث الكافي بمؤسسات المجتمع المدني التي تنقل الناس من مرتبة الرعايا إلى مرتبة المواطنين الأحرار.

«فالعلاقة الراهنة بين المجتمع المدني والمكونات الأخرى في الدول النامية، ومنها المجتمعات العربية غير متكافئة في عدة مجالات، أبرزها العلاقة بين الجماعاة التقليدية والدولة الحديثة، وبين ولادة النظام الجمهوري والديمقراطية، وبين المجتمعات التقليدية والمجتمعات المدنية الحديثة النشأة، واثر المقولات الأوروبية في ولادة وتطور المجتمعات المدنية في ظل السلطنة العثمانية والدول العربية التي نشأت بعد تفككها»‏[10].

ترتدي مسألة كتاب التاريخ المدرسي العربي الموحد اعتباراً خاصاً في تقديم فهم مشترك بين المؤرخين في مجال الانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز. فهي ترتبط وثيقاً باستخلاص الدروس من الحروب المدمرة وكيفية بناء الثقة المتبادلة مجدداً بين الشعوب والمجتعات التي عاشت أهوال الحروب لسنين طويلة وتركت ذكريات مؤلمة لدى أجيال متعاقبة. لكن السياسة العقلانية التي اعتمدها قادة بعض الدول التي تحاربت بعنف ثم أعادت تنظيم علاقاتها على أسس جديدة قدمت نماذج تحتذى في مجال التصالح دون نسيان الماضي الأليم، كي لا يتكرر بصورة أكثر عنفاً. وخير المقولات التاريخية في هذا المجال هو العبارة التي أطلقها نيلسون مانديلا في مواجهة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا حين قال: «نسامح لكن لا ننسى». ويقدم الصراع الفرنسي – الألماني المدمر نموذجاً فذاً في التصالح العقلاني لاحقاً لتجاوز الماضي الأليم أو العبء وبناء التاريخ الحافز. ونجح ذلك التصالح بفضل السياسة العقلانية لقادة البلدين إلى أن أصبحت فرنسا وألمانيا الركيزتين الصلبتين في إقامة الاتحاد الأوروبي. كذلك نموذج اليابان التي دمرت الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر، ثم تعرضت للقنابل النووية الأمريكية عام 1945. فاعتمد الجانبان مقولة «عدو الأمس صديق اليوم»، ونماذج أخرى ذات دلالة‏[11].

بنتيجة تلك التبدلات الأساسية على المستوى الكوني اغتنت العلوم الإنسانية المعاصرة، وبخاصة علم التاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا الثقافية أو علم الإناسة، وعلم التراث الشعبي أو الفولكلور، وكثير غيرها بالمفاهيم الفلسفية. ومع انتشار تلك العلوم العصرية التي تساعد على فهم التاريخ وكتابته بصورة أفضل، لم يعد بالإمكان تجاهل دور كتاب التاريخ المدرسي الموحد لإعادة التواصل الثقافي والحضاري بين تاريخ العرب المعاصر والعصر الذهبي للثقافة العربية ودورها في الحضارة الإنسانية.

رابعاً: مشكلات انتقال العرب من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز

تحتل المنطقة العربية موقعاً استراتيجياً معتبراً بين القارات الثلاث، أوروبا، وآسيا وأفريقيا. وتختزن أرضه موارد طبيعية بالغة الغنى، وكانت لدى شعوبه كميات كبيرة من النقود الذهبية والفضية، وشكلت مدنه أسواقاً كبيرة لتصريف السلع الأوروبية وتوظيف قسم كبير من فائض الرساميل الأوروبية في عملية الإنتاج المربح. وقد تعرضت الشعوب العربية منذ مطلع القرن التاسع عشر لغزو أوروبي استعماري أدى إلى سقوطها تباعاً تحت السيطرة الأوروبية، واعتماد صور متعددة من الاحتلال المباشر، والحماية، والوصاية، والانتداب. نشر المؤرخون العرب دراسات علمية ذات شأن ركزت على دور العامل الخارجي في تفجير عدد كبير من الحركات الطائفية، والعرقية، والعاميات الفلاحية، وعصيان القبائل البدوية، وغيرها. وعملت الدول الاستعمارية الأوروبية على إضعاف السلطنة العثمانية تمهيداً لإسقاطها في الحرب العالمية الأولى واقتسام ولاياتها باسم الانتداب المعطى من عصبة الأمم، والإعلان عن وعد بلفور الذي شكل المدخل الأساسي لإعلان دولة إسرائيل ونشوب صراع ما زال مستمراً منذ مئة عام بين العرب والصهيونية العالمية. وكانت المؤتمرات التاريخية العربية حقل اختبار لكثير من المقولات النظرية التي تناولت تاريخ العرب الحديث والمعاصر بوصفه عبئاً على العرب بعد هزيمتهم أمام إسرائيل وحلفائها عام 1967، وبات من الصعب الخروج من التاريخ العربي العبء إلا بتضافر جهود جميع العرب.

إن دراسة التاريخ العربي العبء حقل بالغ الاتساع وشديد التنوع للكتابة التاريخية انطلاقاً من أن الحقائق التاريخية هي بطبيعتها نسبية وليست مطلقة. ومن واجب المؤرخ المدقق دراسة التطور التاريخي بجميع أبعاده وبناه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، واختيار الفرضيات العلمية الملائمة لتحليلها. لذا بات هاجس الوصول إلى حلول علمية لمشكلات العرب الراهنة والمستقبلية يتمحور حول كيفية الخروج من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز. فقدم بعض المؤرخين العرب دراسات تاريخية متميزة رسمت حركة التطور الاقتصادي – الاجتماعي العربي على المدى الزمني الطويل. وأكدت أن الشعوب الحية وذات الحضارات العريقة، ومنها الشعوب العربية قادرة على استخلاص «دروس التاريخ». فالتاريخ هو الحاضن لجميع العلوم، والبحث التاريخي مفتوح على جميع العلوم الإنسانية، يغنيها ويغتني بها في مجال التفاعل الثقافي الذي يشكل القاعدة الأساسية لنشأة الحضارات الإنسانية وتفاعلها عبر الزمان والمكان.

بعد قرون طويلة من الخضوع لقوى خارجية غير عربية وجد العرب أنفسهم في عصر تميز بالدعوة إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها من دون تدخل خارجي. فلكل شعب الحق في بناء دولته المستقلة وذات السيادة على أراضيه ضمن الحدود المعترف بها دولياً. ومن حق جميع الشعوب أن تحافظ على لغاتها، وثقافاتها، وعاداتها وتقاليدها التي تظهر شخصيتها المتميزة عبر التاريخ.

في عصر الثورات التحررية والصناعية والثقافية قدمت أوروبا مثالاً بارزاً على قيام الدول القومية المستقلة التي تحولت إلى نموذج يحتذى في تاريخ العرب الحديث والمعاصر. وتشكلت الدولة القومية الأوروبية على أساس مكوناتها الداخلية المتميزة، وتبنت نمط الإنتاج الرأسمالي الليبرالي في المجال الاقتصادي، والديمقراطية العلمانية في المجال السياسي. وكان للاكتشافات البحرية وللثورات الصناعية والعلمية أثر حاسم في تحول بعض الدول الأوروبية المتطورة إلى دول استعمارية وإمبريالية عملت على توحيد السوق العالمية والسيطرة على المواد الخام ومصادر الطاقة على المستوى الكوني.

في الوقت عينه، تقدم حركية التاريخ العربي في مرحلة الاستقلال السياسي وتحرير الأراضي العربية من السيطرة الغربية باستثناء فلسطين نموذجاً ساطعاً على دور مقولات النهضة العربية الأولى في بلورة الأسئلة الكبرى لبناء التاريخ العربي الحافز. ركزت مقولات النهضويين العرب على الجوانب الثقافية والمعرفية لفهم تاريخ العرب وكتابته بعيون عربية وليس استشراقية. وتفرعت الأسئلة الكبرى إلى مقولات نظرية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية في محاولة للإجابة عن تساؤل الأمير شكيب أرسلان: «لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم!» وهو تساؤل مشروع لأنه يقع في صلب عملية الانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز.

كانت الإجابة متنوعة، وتختلف جذرياً أحياناً بين المفكرين العرب في المشرق والمغرب، وفي توصيف المراحل التاريخية في تاريخ العرب الحديث والمعاصر. فقد خضعت كل من المنطقتين العربيتين لاستعمار أوروبي اعتمد أساليب متنوعة في قمع حركات التحرر الوطني العربي. إضافة إلى الأساليب القمعية المتشددة التي اعتمدتها السلطنة العثمانية في ما تبقى لها من الولايات العربية حتى الحرب العالمية الأولى. وسقطت فلسطين وجوارها في دائرة المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي شكل حاجزاً كبيراً بين مشرق العرب ومغربهم ومنع قيام الوحدة العربية.

كانت الأسئلة النهضوية ذات طابع شمولي تندرج ضمن أطر منهجية غايتها الأساسية هي الانتقال من التاريخ العربي العبء إلى التاريخ الحافز. فهناك سؤال الهوية العربية أو «من نحن؟». وما زال مطروحاً حتى الآن، لا بل زادت الأزمة حدة بعد تغييب الهوية العربية في زمن الانتفاضات العربية وما رافقها من حروب داخلية منذ عام 2011.

شكَّل إحساس العرب القوي بالهوية العربية عائقاً أمام اندماجهم الطوعي في التاريخ العالمي، مع أن التاريخ الكوني بات حقيقة راهنة وأثبت أن فرص اندلاع حرب عالمية باتت شبه معدومة لأنها تقود إلى تدمير الجنس البشري بكامله. والهوية الكونية لعصر العولمة لا يمكن أن تتجاوز الهويات المحلية التي تعيش مرحلة التاريخ العبء. وهي تفتقر إلى قيام الدولة الوطنية الجامعة، وذات السيادة التامة على أراضيها، والقادرة على حماية تاريخها وتراثها الثقافي وعاداتها وتقاليدها الموروثة من الذوبان القسري في ثقافة القرية الكونية من موقع التبعية والاستيلاب. وركز بعض المؤرخين العرب على ضرورة تغليب الانتماء إلى الدولة الوطنية على غيره من الانتماءات الأيديولوجية الشمولية، والقوموية، والإسلاموية المتشددة. ورأوا أن الحفاظ على الهوية الوطنية شرط أساسي للحفاظ على التعددية والتنوع بين المكونات السكانية داخل كل دولة عربية، وبخاصة تلك التي تضم جماعات سكانية متباعدة في الأصول، والأديان، والأعراق، والانتماء الأيديولوجي. فالهوية الوطنية هي الضامن الأساسي للتعددية والتنوع التي تفاخر بها الدول الأوروبية والأمريكية المتطورة. وبناء الدولة الديمقراطية المدنية المستقلة يشكل ركيزة أساسية لبناء نظام عالمي جديد على أسس أكثر إنسانية، وتجاوز النزاعات والأفكار التوتاليتارية الشمولية.

فالدول التي أنجزت وحدتها الوطنية على أسس سليمة نجحت بالانخراط السلس في النظام العالمي الجديد من موقع المشاركة في تحديد معالمه الأساسية كما فعلت الدول الكبرى ذات الحضارات العريقة. أما الدول التي عجزت عن بناء وحدتها الوطنية فلديها خوف شديد من التبعية والاستلاب الدائم للقوى الفاعلة في عصر عولمة القطب الأوحد أو المتعددة الأقطاب.

لدى العرب رغبة قوية في بناء دولة عربية جامعة انطلاقاً من إيمان راسخ بوحدة اللغة والدين والثقافة والتاريخ والحضارة والإرادة على العيش المشترك. كما أن التحديات الكبرى التي تواجه العرب في جميع دولهم تتطلب بناء نظام إقليمي عربي قادر على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. ويأتي الصراع العربي مع المشروع الاستيطاني الصهيوني المستمر منذ مئة عام في طليعة تلك التحديات. إضافة إلى فشل المشاريع التنموية المحلية، والخوف على الاستقلال والسيادة الوطنية في عصر التكتلات الجغراسية العملاقة، ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يجعل من إسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط تحيط بها دول عربية صغيرة وعاجزة عن التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

لذا يحتل سؤال الحرية حيزاً واسعاً في بناء التاريخ الحافز. فالإنسان الحر هو حجر الزاوية في النهوض العربي مجدداً. وقد صنف هيغل الصراع من أجل الحرية بأنه أرقى ما يقوم به الإنسان للإرتقاء من مرتبة العبد إلى مرتبة المواطن الحر. وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات والدول التي تناضل في سبيل حريتها واستقلالها. وتشعر جميع البلدان العربية الآن بأن حدودها الدولية عرضة للتغيير بسبب الضغوط التي تمارسها الدول الإقليمية المجاورة. وتسيطر على النظام العالمي دول كبرى تتحكم بالدول النامية وبشعوبها دون رادع، وتستخدم الشركات العالمية، وصندوق النقد الدولي، والاحتكارات الكبرى للهيمنة على الثروات الطبيعية في الوطن العربي.

خامساً: دعوات علمية لبناء التاريخ العربي الحافز

تشهد الكتابة التاريخية في المرحلة الراهنة وفرة وثائقية في مختلف المجالات، وتوجد بكثرة عبر مختلف وسائل الإعلام والنشر. لكن مناهج الجامعات العربية ما زالت تعطي الأولوية للمدرسة الوصفية أو السردية في كتابة التاريخ العربي. بالمقابل، يركز عدد متزايد من المؤرخين العرب على تحليل الوثائق والمصادر واعتماد الإشكاليات والفرضيات العلمية وصولاً إلى استنتاجات رصينة تسهم في تطوير علم التاريخ عند العرب. ولا يجدون حرجاً في استخدام التقنيات الحديثة لحفظ الروايات الشفوية التي تزود المؤرخين بمصادر جديدة. وأولت الدراسات التاريخية المعاصرة الاكتراث الكافي بالروايات الشفوية لدراسة الأحداث المعاصرة التي ما زال بعض صانعيها على قيد الحياة. وتستخدم الروايات الشفوية بصورة مكثفة في إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية عامة، ومنها برامج خاصة لمن تطلق عليهم وسائل الإعلام صفة «شاهد على العصر».

وشهدت الدراسات التاريخية المعتمدة على منهجية التاريخ الاجتماعي نقلة نوعية في نشر مفاهيم جديدة، كالعقلانية، والمواطنة، والتعددية، والتنوع، والتراث الحضاري، وثقافة التغيير وما ارتبط بها من مقولات نظرية إضافية كالمجتمع المدني، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. وقدمت مادة غنية في عدد متزايد من الدراسات العلمية الرصينة، والندوات والمؤتمرات المحلية والدولية. وساهمت المفاهيم العلمية الجديدة في تطوير مقولة الانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز التي باتت محورية في الرد الحضاري العربي على التحدي الاستعماري الأوروبي في تاريخ العرب الحديث والمعاصر.

تنوعت المقولات الجديدة في فهم تاريخ العرب المعاصر ومناهج كتابته على أسس عقلانية تشمل مختلف جوانبه. لكن غياب النقد العلمي للمفاهيم النظرية الخاطئة لا يزال سائداً في الدراسات التاريخية العربية بسبب هيمنة الخطاب السلطوي الأيديولوجي المسيطر والتركيز على إبراز دور القادة على حساب دور الشعوب العربية.

ونظراً إلى تجاهل التأريخ للتعددية السكانية والتنوع الثقافي في الوطن العربي تحولت بعض الدراسات التاريخية إلى مديح للسلطة الحاكمة، أو إلى مونولوج ثقافي حول قضايا الحق والخير والعدالة والحنين إلى ماضي العرب في عصره الذهبي. فأنتجت نوعاً من البلادة الذهنية في الكتابة التاريخية التي مارست التبشير بقضايا مثالية في وقت تغرق فيه المجتمعات العربية في التخلف والقهر والاستلاب. وتراجع البحث التاريخي العلمي في الوطن العربي مع قصور نظري في شرح الأسباب العميقة للتخلف العربي المستمر منذ قرون طويلة. وفشلت مشاريع النهوض العربي وما ترتب عليها من نتائج بالغة السوء على مختلف الصعد.

تشكل مقولة التاريخ العربي الحافز منطلقاً لنهضة عربية جديدة تعيد للعرب موقعهم الفاعل على المستويين الإقليمي والدولي. ورغم الإيجابيات الكثيرة التي حفلت بها الساحة العربية من نضالات تحررية وتبدلات ثقافية باتجاه الحداثة السليمة فالثقافة العربية مهددة اليوم في ركائزها البنيوية تحت وطأة ثقافة «القرية الكونية» التي تهدد الركائز البنيوية للثقافات الوطنية في الدول النامية. وتنشر ثقافة العولمة مقولات أيديولوجية خاطئة واستفزازية حول صراع الحضارات، وإخضاع الثقافات العريقة قسرياً إلى ثقافات العولمة وسوقها الاستهلاكية. وذلك يتطلب تجاوز المقولات الأيديولوجية التي تتبنى رؤية ضبابية للواقع العربي الموغل في التخلف وتقترح حلولاً طوباوية مثقلة بالتاريخ العبء الذي لا يمكن استحضار عصره الذهبي إلى واقع شديد التخلف والتبعية.

من أول أهداف التاريخ الحافز على الجانب الثقافي إقامة التوازن بين الاستفادة القصوى من ثمرات التقدم التكنولوجي العالمي، والرفض الصريح للجوانب السلبية التي ترافق عملية التغريب الثقافي وتزيد من تخلف المجتمعات العربية. وذلك يتطلب الانفتاح على الثقافات الإنسانية، والتطلع إلى المستقبل بنظرة تفاؤلية، وحماية كل ما هو إيجابي في التراث العربي الأصيل، وبناء مجتمع المعرفة العربي بأدمغة عربية وبمقولات ذات خصوصية ثقافية عربية لإطلاق حداثة سليمة على قاعدة العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.

أدّت مقولات الحرية والإبداع على المستوى الكوني دوراً بارزاً في توليد ثقافات عالمية جديدة تتفاعل بقوة على الساحة الثقافية العربية، وسيكون لها دور أساسي في توليد التاريخ الحافز الذي يعيد ربط حاضر العرب بماضيهم الذهبي إلى جانب المشاركة الفاعلة في الثقافة الكونية.

وشارك عدد كبير من المؤرخين المتنورين العرب في صوغ ركائز التاريخ العربي الحافز والرد العقلاني على مأزق التخلف العربي الراهن بسبب الارتباط التبعي بالخارج والذي يقود إلى مزيد من التخلف. كما أن هيمنة الخطاب السلفي إلى جانب التبعية يقود بالضرورة إلى فقدان الهوية والتراث والأصالة معاً، وهو أقصر السبل إلى المزيد من التبعية والتغريب.

ومنهم من درس تجارب التحديث العالمية الناجحة، وبوجه خاص تجربة اليابان والصين والهند وغيرها من دول النمور الآسيوية التي جمعت بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح التام على مقولات الحداثة السليمة وفق خصائص وطنية غير مقتبسة من تجارب أوروبية أو آسيوية. فالحداثة السليمة تساعد على الحفاظ على التراث العربي والهوية العربية، وعلى مشاركة العرب في بناء ثقافية كونية جديدة وعولمة أكثر إنسانية. وسؤال التقدم هو نفسه سؤال المستقبل والإبداع الثقافي والحضاري على قاعدة الإنجازات العلمية والتقنية التي تنتجها مراكز الأبحاث العلمية وتوظف لها الدول المتطورة موازنات سنوية كبيرة. فأين مقولات التاريخ العربي الحافز من مسيرة الثقافة الكونية الواحدة؟ وهل ينفع التغني بماضي العرب الذهبي الذي أضاء نوره العام إذا كان العرب يعيشون اليوم مرحلة التاريخ العبء والتخلف المريع؟

قدم عدد من المؤرخين العرب أجوبة عقلانية على تلك الأسئلة المنهجية. نكتفي هنا بالإشارة إلى اثنين من كبار المؤرخين العرب الرواد الذين نشروا مشاريع متكاملة يسهم تنفيذها في الانتقال من التاريخ العربي العبء إلى التاريخ الحافز. فسلّط المؤرخ قسطنطين زريق الضوء على ماضي العرب وحاضرهم في كتبه: نحن والتاريخ، وفي معركة الحضارة، ونحن والمستقبل. وأكد أن الفكر العربي المعاصر بحاجة ماسة إلى النقد العلمي الذي بني على الركائز التالية: العقلانية، والموضوعية، والنقد الحضاري، والعزم. ودعا إلى تحويل الخيار العقلاني والأخلاقي إلى قلق عربي شامل بالمعنى الإيجابي.

فهناك شعور بالخوف والإحباط من عدم قدرة العرب على المشاركة النشطة في التاريخ الكوني، لا من موقع الخوف على ماضي الأمة العربية بل على حاضرها ومستقبلها أيضاً كأمة عريقة كان لها دور مميز في الحضارة الإنسانية. ومن واجب أبنائها استعادة ذلك الدور بفاعلية في المرحلة الراهنة. «فموقفنا من ماضينا مظهر من مظاهر موقفنا العقلي أو موقفنا الكياني العام. فنحن اليوم في دور تحوّل وتبدّل من مجتمع تسطو عليه نظم القرون الوسطى وذهنيتها إلى مجتمع يتطلع إلى حياة جديدة قائمة على النظم التي تمثل المدنية الحديثة، وعلى العقلية التي أنشأت هذه النظم ولا تزال تعمل في تحويلها وتعديلها». ويضيف: «في كتابي نحن والتاريخ حاولت تبيان مبادئ الصناعة التأريخية والتفكير التأريخي، واستقراء واقعنا التاريخي الحاضر والموقف الذي يجب أن نتخذه من ماضينا. ومع أن ذلك الكتاب كان متجهاً إلى الماضي، فإنه لم يتخلَّ عن الحاضر أو عن المستقبل. […] وسعيت في كتابي نحن والمستقبل إلى وصف الأنماط المختلفة لريادة المستقبل، مؤكداً بخاصة على النمط العلمي الذي غدا اليوم قائماً بذاته وجهداً متغلغـلاً في كثير من الدراسات النظرية والتطبيقات العملية. ثم تقدمت إلى تحليل موقفنا المستقبلي: ما هو وماذا يجب أن يكون إذا أردنا أن نبني المجتمع القادر الفاضل والإنسان العربي المتحرر الكريم. وفي هذه المرحلة من حياتنا العربية التي سيكون له كبير الأثر في تقرير مصيرنا لما تجيش به من تطورات ولما تضطرب به الإنسانية قاطبة من تفاعلات وتحولات، تعظم وظيفة الفكر وتتضخم تبعة الكلمة […]. ولعله بذلك يرتفع إلى مستوى الواجب الذي تفرضه على كل منا هذه المرحلة المصيرية من حياتنا ليكون لنا مستقبل، وليكون مستقبـلاً أفضل»‏[12].

المؤرخ عبد العزيز الدوري، بدوره، رسم السمات المنهجية الدقيقة لفهم التاريخ العربي وطرق كتابته على أسس عقلانية سليمة. فكان من رواد التاريخ الاقتصادي – الاجتماعي العربي، وقدم دراسات متميزة في نقد المنهج الاستشراقي في نظرته إلى التاريخ العربي. كان في طليعة المؤرخين العرب الذين قرروا مواجهة مقولات الاستشراق الغربي بالمفاهيم العلمية ذات الحضور العالمي وليس بمفاهيم تقليدية بائسة تحت ستار خادع من الأصالة، والحرص على التراث. وأثبت كفاءة عالية في امتلاك المنهج العلمي في الدراسات التاريخية الاقتصادية، ونشر الوعي عن الجذور التاريخية للأمة العربية من حيث هي أمة حية تفاعلت مع الثقافات العالمية على مر العصور. ودعا إلى العروبة الحضارية كرابط ثابت يجمع ماضي الأمة العربية بحاضرها، ويمهد لها الطريق لبناء مستقبل أفضل.

ونظراً إلى معرفته الشمولية بمدارس فهم التاريخ وكتابته بصورة علمية، أكد مراراً أن النقاش الراهن في البحث التاريخي وفي اتجاهاته «لم يعد يقتصر على كون التاريخ علماً أو أدباً، أو بالأحرى حول نسبة التاريخ إلى أحد فروع المعرفة الأساسيين، بل اتجه الرأي إلى أهمية التاريخ كموضوع حيوي لذاته، له أسسه وطرائق بحثه وأهدافه وله خطورته الخاصة بين حقول المعرفة حتى أطلق بعضهم على العصر الحديث «عصر التاريخ»‏[13].

فالتاريخ في نظر الدوري وسيلة لفهم الحاضر في ضوء الماضي، ولا يدرّس كمادة جامدة تعيد التذكير بأحداث الماضي فقط، بل كسلسلة متصلة الحلقات. فما نعيشه اليوم من أحداث هو نتاج التطورات التي بدأت في الماضي واستمرت حتى الآن، بحيث يصبح الفهم المعمق للحاضر خير وسيلة لفهم الماضي، وتوضيح الصلة بين حاضر العرب وماضيهم، وخصوصاً في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وأكد مراراً أن تأثير الماضي يمتد إلى الحاضر باتجاه المستقبل. وذلك يتطلب تتبع حركة التاريخ في مختلف حقبه وليس الحقبة الزمنية التي تسبق الحدث مباشرة. ما يساعد المؤرخ على تكوين فهم عقلاني شمولي في امتداده عبر اتساع المكان والزمن التاريخي، ويمنحه القدرة على تقديم رؤية شمولية لتطور الأحداث التاريخية وما رافقها من تبدلات سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها. وشدد على ضرورة الربط بين ثقافة المؤرخ وحسن انتقائه للوثائق في بحثه عن حقائق التاريخ. «فالمؤرخ دون حقائق لا جذور له، والحقائق دون مؤرخ تبقى دون حياة أو معنى. التاريخ هو عملية تفاعل متصل بين المؤرخ وحقائقه، أو «حوار متصل بين الماضي والحاضر». وتعريف التاريخ وتفسيره في الزمن الحديث، يرتبطان أساساً بسير المجتمعات الغربية وبتطور الفكر الغربي»‏[14].

ونظراً إلى العلاقة الوثيقة بين سكن الناس على أرض محددة وإنجاز أعمالهم، الصغيرة منها والكبيرة، عليها، تبرز علاقة جدلية بين مكان الحدث التاريخي وزمانه، وتجعل من الجغرافيا الحاضن الأساسي للتاريخ بحيث تفتقد الكتابة التاريخية الجانب الأساسي من علميتها في حال تجاهل المؤرخ دور الجغرافيا في احتضان التاريخ عبر مختلف الحقب. وانتقد الدوري المؤرخين العرب الذين تجاهلوا دور العامل الجغرافي في كتابة التاريخ أو قللوا من شأنه. ودعا إلى كتابة علمية عقلانية تُظهر دور الفرد البارز إلى جانب الفرد العادي أو الجماهير الشعبية التي يعود الفضل إليها في صنع التاريخ. فالتاريخ شمولي بطبيعته لأن من يصنعه هم الناس، على اختلاف مواقعهم، ونشاطاتهم، واتجاهاتهم، وألوانهم، وأديانهم. ونبَّه إلى مخاطر تركيز بعض المؤرخين على دور الأفراد البارزين بمعزل عن الجماهير التي تصنع التاريخ وتقدم التضحيات الكبيرة. وأكد إقامة التوازن بين الأصالة والمعاصرة في المجتمعات العربية الحديثة، لأن التوازن يحافظ على كل ما هو إيجابي في التراث من دون أن يضع العوائق أمام العلوم العصرية التي تشكل القاعدة الصلبة لبناء مجتمع عصري قادر على مواجهة التبدلات المحلية والإقليمية، والتحديات التي أنتجتها الثورات العلمية الحديثة وتكنولوجيا الاتصال والتواصل بين الأفراد والجماعات على غرار ما شهدته المجتمعات الحديثة. فعالم اليوم يشهد تنافساً حاداً على إنتاج العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة وتوظيفهما في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وفي التفاعل الإيجابي بين الشرق والغرب.

سادساً: آفاق جديدة لتطور التاريخ الحافز عربياً

لم تثبت صيغة المقاومة السلبية أو الممانعة العربية للمشروع التغريبي نجاحها ولم تساعد على بناء دولة مدنية قوية، وحداثة سليمة، وتنمية مستدامة، وجميعها من الركائز الضرورية للحفاظ على التراث والأصالة والهوية. فالحداثة السليمة على قاعدة نشر العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة هي المدخل الأساسي للانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز، والمشاركة في الثقافة الكونية المتطورة باستمرار من باب الإبداع الثقافي وليس استهلاك ثقافة الآخرين مع التغزل بثقافة تراثية عربية معترف بها دولياً ولا فضل لعرب اليوم في إنتاجها. يتطلب التاريخ الحافز المزيد من الإنتاج الثقافي والحضاري انطلاقاً من مشاركة العرب في الإنجازات العلمية والتقنية التي تنشرها مراكز الأبحاث العلمية العالمية وتوظف لها الدول المتطورة نسبة كبيرة من موازناتها السنوية بهدف تحقيق التنمية الاجتماعية والرخاء الاقتصادي. وأكد عدد كبير من الاقتصاديين العرب أن مشاريع التنمية المحلية في كل دولة عربية لم تحقق نجاحات كبيرة. ومعظم البلدان العربية تعيش أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة أدت إلى زيادة عدد الفقراء، والأميين، والعاطلين من العمل بأرقام كبيرة ومقلقة جداً. ودعوا مراراً إلى إقامة مشاريع التكامل الاقتصادي والتنمية الشمولية بين الدول العربية تتويجاً لجهود مشتركة تقوم بها الدول لإرساء البنى التحتية العصرية، وتأهيل الكوادر البشرية، والارتقاء بالتنمية المحلية ذات الآفاق المحدودة إلى التنمية العربية الشاملة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية في عصر التكتلات المالية والاقتصادية العملاقة. لكن أياً من خطط التنمية الشمولية العربية لم تبصر النور ولم تحقق تنمية عربية مستدامة. وتعيش المنطقة العربية اليوم هاجس الخوف من تراجع كبير للخدمات الأساسية التي تحققت زمن الطفرة النفطية.

يمكن توصيف السمات الأساسية لنجاح مقولة التاريخ العربي الحافز بأنها رؤية مستقبلية لحركة التطور التاريخي للمجتمعات العربية في انتقالها من مرحلة السيطرة الخارجية إلى مرحلة الاستقلال، والسيادة الوطنية، وبناء مجتمع المعرفة العربي بوصفه الرد الحضاري على تحديات العولمة. تفرض المرحلة الراهنة في التاريخ العالمي على العرب إعادة نظر شاملة في المقولات النظرية السابقة التي عجزت عن مواجهة التحديات، وإطلاق مقولات علمية جديدة لبناء مجتمع المعرفة العربي كركيزة مستقبلية صلبة للتاريخ الحافز. وتأتي مقولات التعاون أو التضامن أو التكامل العربي بالمرتبة الأولى في سلم أولويات بناء التاريخ العربي الحافز في عصر التكتلات الجغراسية والقارية الكبيرة. فالدول الصغيرة، الغنية منها والفقيرة، لم تعد قادرة على حماية سكانها في زمن السلم وزمن الحرب. وهي تعقد اتفاقيات، وتحالفات، وتقوم بمناورات عسكرية مشتركة مع دولة عظمى لحماية نفسها من مخاطر الحروب الأهلية، والنزاعات الإقليمية، والمضاربات المالية التي تدمر اقتصاد الدول الصغيرة والنامية من الداخل. ويساعد بناء النظام الإقليمي العربي وفق أسس ديمقراطية سليمة على نقل العرب من عصر الدويلات الضعيفة إلى مرحلة النظام الإقليمي الموحد.

يشعر العرب اليوم بضرورة ملحة لبناء الدولة الوطنية الجامعة التي تمهد لقيام نظام إقليمي عربي جامع على أساس احترام الخصوصية السياسية لكل دولة عربية، والتعاون المثمر على المستوى الاقتصادي، والتفاعل الإيجابي على المستوى الثقافي. وتعززت مؤخراً الدعوة إلى التضامن والتكامل العربي، وعقدت مؤتمرات وندوات كثيرة قدمت توصياتها إضافات علمية متميزة ومقولات عقلانية لتوحيد العرب على قاعدة العروبة الثقافية أو الحضارية، وحماية الدولة الوطنية بحدودها الراهنة‏[15].

لقد باتت حروب التدمير المستمرة منذ عام 2011 تهدد أكثر من دولة عربية بالانهيار الكامل بعد ملايين القتلى والجرحى والمهجرين والمشردين، وهدر مئات مليارات الدولارات على التسليح، والدمار الاقتصادي الشامل. ودلت تجربة العقود السابقة على أن التنمية في أغلبية البلدان العربية باتت عرضة للتآكل من الداخل، ولتآمر الشركات المتعددة القوميات والعابرة للحدود، والاحتكارات العالمية الضخمة، المالية منها والاقتصادية. فزمن العولمة هو زمن التكتلات الضخمة في جميع المجالات. وعبثاً تحاول البلدان العربية الحفاظ على مستوى مقبول من التنمية المستدامة ما لم تتعاون على بناء نظام إقليمي عربي فاعل للرد على التحدي الخارجي والانتقال بالعرب من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز.

غني عن التذكير أن النظام الديمقراطي هو الإطار الأفضل لتفتح وعي الإنسان بصورة طبيعية ودون عوائق تمنعه من ممارسة دوره ككائن حر، ولديه طاقات عقلية وإبداعية تسهم في الحفاظ على التراث الإنساني العربي والمشاركة الفاعلة في التاريخ الكوني. وتحتل الديمقراطية السليمة الحيز الأكبر في بناء مجتمع المعرفة العربي لكي يمارس المواطن العربي فعل الإنتاج والابداع بحرية على أرضه العربية. ولدى العرب طاقات بشرية هائلة من المبدعين الذين يشاركون في إنتاج مختلف حقول المعرفة الإنسانية والثورات العلمية والتكنولوجية. بيد أن إمعان الأنظمة التسلطية العربية في تجاهل الكفاءات العلمية العربية ومنعها من ممارسة دورها الطبيعي في التغيير الديمقراطي جعلت أعداداً كبيرة منهم تغادر دولها إلى بلاد الاغتراب حيث تقدم لها الإغراءات المادية والمعنوية للاستقرار خارج بلدانهم العربية.

بيد أن نقل المجتمعات العربية من مرحلة الخضوع شبه الكامل لمقولات التاريخ العبء وعبادة الماضي الذهبي إلى رحاب التاريخ الحافز والعلوم العصرية المفتوحة على ثورات العلم والاتصالات يحتاج أيضاً إلى وقف استغلال الدين في السياسة، والانصرف إلى تأهيل الشباب العربي لدور حضاري جديد في التاريخ الكوني. قدّم الفيلسوف هيغل رؤية متميزة عن «العلاج التاريخي للمبادئ العقدية». لقد عولجت المبادئ العقدية علاجاً تاريخياً فاعتبرت في منزلة قناعات منسوبة إلى الغير وأنها قصص تاريخية. والمهم هو: كيف لهذه الأقاصيص التاريخية أن تنشأ وتظهر، وماذا كانت علاقتها بالآخرين الذين أسسوها؟ […] إن الكيفية المطلقة التي تنشأ بها العقائد من أعماق الروح ومن ثم ضرورتها وحقيقتها التي لها بالنسبة إلى روحنا تمت إزاحتها جانباً في العلاج التاريخي. فالانشغال بهذه الكيفية المطلقة ومعها هذه المبادئ العقدية يتم بحماسة ومعرفة مختصة. لكن الانشغال لا يكون بالمضمون بل بالوجه الخارجي منه، وبالخصومات المتعلقة به، ومع الانفعالات التي ارتبطت بالوجه الخارجي عن كيفية هذه النشأة. […] فالتاريخ ينشغل بالحقائق التي كانت بها من حيث نسبتها إلى الغير، وليس بالحقائق التي كان ينبغي أن تكون حقائق ذاتية لمن ينشغلون بها»‏[16].

والنخب العربية، على اختلاف تنوعها ومواقعها، مدعوة اليوم إلى التعاون في ما بينها لإنتاج ثقافة عربية عصرية تسهم في تطوير المجتمعات العربية. على أن تنتهج نهجاً عقلانياً لحماية القيم الإيجابية العربية الموروثة من التشويه، وتنتج ثقافة عصرية تكون قيمة مضافة لتراث العرب الذهبي فتغنيه وتغتني به. ويسهم تطوير الفكر العربي العقلاني في التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي السليم على امتداد الوطن العربي، لكنه لا يعطي ثماره الإيجابية إلا من خلال مؤسسات ثقافية عصرية وشمولية تشكل الإطار الطبيعي للتفاعل الخلاق والحوار المثمر بين التيارات الثقافية العربية والعالمية. فالحداثة العربية السليمة هي نتاج ثقافة عقلانية عربية بالدرجة الأولى. والتاريخ العربي الحافز هو نتاج انفتاح التيارات الثقافية العربية على الثقافات الأخرى، واحترام الرأي الآخر وحق الاختلاف معه كشرط أساسي لإنجاح مسرة التاريخ الحافز وتطويره بآفاق مستقبلية واعدة.

علماً أن المقولات النظرية حول إقامة التوازن بين التراث الحضاري والحداثة السليمة تبقى مجرد وصفات ثقافية صعبة المنال ما لم تحظ بدعم سلطة سياسية عربية متنورة تدرك دور الثقافة والمثقفين في التنمية المستدامة. وذلك يطرح جدلية العلاقة بين الثقافة والسلطة، لا من موقع التعارض أو الإلغاء المتبادل بل من موقع التفاعل الإيجابي لوضع تلك المقولات موضع التطبيق العملي. ونجاح سيرورة التاريخ الحافز وفق أهداف شمولية ومتصاعدة لنقل المجتمعات العربية من مرحلة إلى أخرى أرقى رهن بتوليد نخب تنويرية على مختلف الصعد، ومراكز بحثية مزودة بأدوات ثقافية متطورة، وتأطير النخب الثقافية العربية الفاعلة ضمن نظام ديمقراطي، ودولة مدنية عادلة، وفصل السلطات، وإعداد أجيال متعاقبة من النخب الشبابية المنفتحة على الثقافات العالمية.

على قاعدة الرؤية المنهجية التي تؤكد أن الحاضر يفسر الماضي وليس العكس، لا تصنف الدعوة إلى التاريخ الحافز في المرحلة العربية الراهنة كمحاولة لاستعادة التراث العربي في عصره الذهبي بحيث تبدو تلك الدعوة ماضوية فتفقد قدرتها على التفاعل مع ثقافة العولمة، ولا تمثل استجابة إلى التحدي الحضاري لإثبات قدرة العرب على النهوض مجدداً.

ليس هناك من عجز بنيوي في الفكر العربي المعاصر، أو في الثقافة العربية، أو لدى المثقفين العرب بحيث يتم تحميلهم مسؤولية فشل مشاريع الاستنهاض العربي. وقد نجحت شعوب كثيرة لا تملك الجزء اليسير من الموارد والطاقات العربية وتجاوزت هزائمها السابقة وباتت في طليعة النظام العالمي. فأسباب الفشل ليست في البنية الثقافية بل في السياسات العربية المعتمدة منذ عقود طويلة التي أعاقت الاستجابة العربية للتحدي الحضاري الغربي، وتقاعست عن دعم وتطوير الإبداع الثقافي العربي، وتغييب التراث العقلاني العربي عن موقع الفعل في الثقافة العربية المعاصرة التي تراجعت بصورة واضحة لصالح ثقافة سلفية مهيمنة.

نخلص إلى القول إن إشكالية التاريخ الحافز في عصر العولمة ليست مقولة تراثية بل صيغة عقلانية عصرية ذات ركائز متعددة أبرزها الفكر الحر المبدع، وإنتاج الثقافة العربية القادرة على مواجهة ثقافة العولمة. وغالباً ما يتم التفاعل الثقافي من طريق الإقناع والحوار وليس من طريق العنف أو الإكراه كما يزعم منظّرو مقولات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»، و«الفوضى الخلّاقة». ولا يفتقر الوطن العربي إلى نخب متميزة من المتنورين المؤمنين فعـلاً بدور الثقافة العربية العصرية إلى جانب التراث الحضاري العربي في بناء التاريخ الحافز وإعادة العرب إلى دائرة الفعل على المستويين الإقليمي والدولي. بيد أن مسيرة بناء التاريخ العربي الحافز تعثرت كثيراً في زمن الانتفاضات العربية الأخيرة والتدخلات الخارجية. وباتت البيئة الثقافية في بعض المجتمعات العربية أسيرة فكر سلفي يعمل على منع الحداثة السليمة من تحقيق غايتها بالتحول إلى ثقافة فاعلة في المجتمعات العربية العصرية. ولم تتحول المقولات العقلانية العربية إلى حجر الزاوية في عملية التغيير والتطوير والتحديث بل منع المثقف العربي المبدع من توليد التاريخ الحافز ورسم آفاقه المستقبلية. وأصيب أصحاب المشاريع النهضوية العربية بخيبات أمل ناجمة عن وجود خلل عميق في بنية الثقافة العربية المعاصرة يستدعي «نقد العقل العربي» الذي لم يخرج بعد من دائرة الغيبيات وميتافيزيقا الدين. وأطلق فوزي منصور عنواناً مثيراً لكتابه خروج العرب من التاريخ، في إشارة إلى عجزهم عن المشاركة في الثقافة العصرية التي هي سمة بارزة لعصر العولمة. وذلك يطرح مجموعة تساؤلات نظرية ذات شأن حول أسباب الحروب الراهنة غير النظامية التي حولت الكثير من الأقطار العربية إلى مصدر قلق لشعوب تعيش بين «اللاحرب واللاسلام».

«لعل أبرز عناوين المرحلة التاريخية الراهنة في النظام العالمي الجديد هي التالية: حرب غير نظامية في القرن العشرين شكلت أداة في هيكلة الدولة، وأداة للتدخل الخارجي. وبعد الحرب الباردة أصبحت الدولة أداة في إعادة تنشيط المهارة الاستعمارية، وبات النظام العالمي يفتقر إلى مفهوم النظام العقلاني، ودخل مرحلة «اللاحرب واللاسلام». ويشهد العالم اليوم حروباً لا نهاية لها وفوضى منظمة تقوم على صناعة المخاطر، وتعمل على تنظيم الاقتصاد السياسي للفوضى وتقاسم النفوذ»‏[17].

أخيراً، بعدما هدرت طاقات عربية كبيرة دون جدوى اقتصادية وثقافية واجتماعية في العقود الماضية، وفشلت أغلبية المشاريع التي لم تفرد للتنمية الثقافية المستدامة سوى نسبة ضئيلة من الدخل القومي العربي، برز تخلف مريع في البحث العلمي العربي، وفي الإنتاج الثقافي والإبداعي. وتراجع دور العلوم العصرية في البلدان العربية التي تشهد نزيفاً حاداً لآلاف الأدمغة العربية التي استقرت في الخارج، ومنهم من تبوأ أعلى المراكز العلمية وحصل على جوائز عالمية. لذا تبدو الحاجة ملحة إلى خطط علمية مدروسة للتنمية الثقافية لإطلاق التاريخ العربي الحافز، والحرص على إبقاء الطاقات الإبداعية العربية داخل الوطن العربي، والسعي إلى استعادة قسم من الأدمغة المهاجرة. وقد وصف عدنان السيد حسين مشكلات النظام العربي في مطلع الألفية الثالثة بقوله: «في ضوء التحديات الدولية وبينها تحدي الإرهاب، نقترح إعادة دفع النظام العربي وتعزيزه من خلال المحددات التالية: الاقتناع بمفهوم جديد للأمن العربي، وإيجاد آليات جديدة لتسوية النزاعات العربية – العربية، وإيلاء القيم الديمقراطية اهتماماً كبيراً، وتطوير التشريعات العربية باتجاه إقامة دولة المؤسسات على المستوى الوطني، وتطوير جامعة الدول العربية، وإعادة الاعتبار لقضية فلسطين وللصراع العربي – الإسرائيلي بوصفه أولوية في العمل العربي المشترك، وتفعيل النظام العربي دولياً، والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لتحديد معنى الإرهاب وسبل مكافحته، ومخاطبة الرأي العام الغربي بعقلانية ووعي عميق بالمتغيرات الدولية»‏[18].

ملاحظات ختامية

شدد رواد المنهج العلمي على أن التأريخ العلمي ليس استعادة لأخبار الماضي من خلال الوثائق والمصادر، بل قراءة نقدية لأحداث الماضي بعيون الحاضر ومعارفه المتطورة. ولكي تكون كتابة التاريخ نقدية لا بد من تملك المؤرخ لمناهج علم التاريخ معرفياً، والاستفادة من دروس التاريخ، وفهم أواليات التحدي الحضاري والرد على التحدي من موقع الندية، وإقامة التفاعل الإيجابي بين الماضي والحاضر لبناء مستقبل أفضل.

جمع بعض المؤرخين العرب المتميزين بين النقد التاريخي، وفلسفة التاريخ العربي والإسلامي في مختلف مراحله. وعملوا على إعادة تأريخ عدد من القضايا التاريخية الخلافية وفق منهجية جديدة في تحقيب التاريخ العربي، ونشأة علم التاريخ عند العرب. وقدموا نماذج بالغة الدلالة على الأبحاث التاريخية العلمية المعتبرة في تصويب النظرة إلى الثقافة العربية، وموجبات تجديد الفكر العربي في النظرية والممارسة معاً بما يتلاءم مع موقع العرب ودورهم في عصر العولمة. فمثلت دراساتهم العلمية مشروعاً متميزاً لكتابة التاريخ العربي وفق منهجية جديدة ترفض تغليب الأيديولوجيا القوموية أو الدينية على البحث العلمي في كتابة التاريخ العربي. واعتمدوا الوثائق والمصادر العربية الأصلية في الرد على المقولات الاستشراقية المغلوطة، وتبنوا المنهج الشمولي في رؤية جوانب التاريخ العربي مجتمعة، العسكرية منها والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والدينية، والثقافية، والحضارية وغيرها. ومثّل مسار الأحداث منطلقاً لفهم الجذور التاريخية التي انطلقت منها. ولا يجوز أن تبعد دراسة الماضي المؤرخ عن المشكلات والقضايا الفاعلة في الحاضر لأن التاريخ وحدة متكاملة الحلقات قاعدتها بنية حضارية لا تتوقف عن التطور. والمنهج الشمولي الممتد وليس الفرعي هو الأكثر قدرة على فهم حركية المجتمعات العربية في تبدلاتها التاريخية المتلاحقة.

ساهمت المقولات النقدية الرائدة التي امتازت بالدقة والموضوعية، في تعميق الوعي العلمي في القضايا الأكثر حساسية في التاريخ العربي. فنشأ جيل جديد من المؤرخين العرب الذين يكملون اليوم مسيرة البحث العلمي التاريخي على خطى جيل الرواد. وأثبت عدد وافر من المؤرخين الاجتماعيين الشباب قدرة ملحوظة على فهم التاريخ العربي معرفياً من طريق الفكر العلمي النقدي. وهناك حاجة ملحة اليوم إلى تقديم رؤية جديدة للمصادر العربية، وتوليد تيار ثقافي عربي جديد يعمل على تجديد المنهج العلمي في فهم إشكاليات التاريخ العربي.

إن نشر الوعي العلمي بتاريخ العرب والعالم مسؤولية أجيال متعاقبة من المؤرخين العرب. وبات بالإمكان كتابة تاريخ العرب بصورة علمية موثقة تساعد على تصويب المقولات النظرية السائدة في ضوء الوثائق الرسمية المحلية في كل دولة عربية، ووثائق أرشيف الدول المعنية بتاريخ العرب. ولا بد من اعتماد منهج التاريخ الاجتماعي التحليلي في نقد الوثائق والدراسات العلمية التي تناولت تاريخ العرب في مختلف مراحله، وبخاصة المعاصرة منها. فالمؤرخ الموضوعي ليس محايداً بالمعنى السطحي الذي يفهمه البعض عن الحياد والموضوعية، بل منحاز دوماً إلى الحقائق التاريخية بالصورة العلمية التي تدل عليها الوثائق الأصلية. وهو منحاز أيضاً إلى التحليل الموضوعي الذي يسهم في توليد مقولات ثقافية تساعد على إنقاذ الفكر التاريخي العربي من مقولات الأيديولوجيا الدينية والقوموية المتشددة التي شوهت الكتابة العلمية عن تاريخ العرب. كما أن النظرة العلمية إلى التاريخ شديدة الصلة باتجاهات الوعي العام وتطور البنية الثقافية العربية. وهي تبرز عملية التفاعل أو التصادم بين الآراء والمفاهيم الموروثة وبين المقولات الجديدة.

تأثرت كتابة التاريخ العربي إبان المرحلة الاستعمارية الأوروبية ومرحلة الاستقلال التي تلتها كثيراً بمناهج استشراقية غربية في كتابة التاريخ العربي نظراً إلى وفرة الوثائق والمصادر المكدسة في أرشيف الدول الاستعمارية عن الوطن العربي بكامل دوله. ولا تزال الكتابة عن تاريخ العرب متعثرة بسبب تقليد الدراسات الاستشراقية الغربية. مع ذلك، نجح المؤرخون العرب الذين تبنوا المنهج العلمي في ربط التاريخ المحلي أو الوطني بالتاريخ القومي العربي وبالتاريخ العالمي. وتبلورت لديهم نظرة جديدة إلى التاريخ العربي في علاقته بالتاريخ العالمي وتفاعل الحضارة العربية مع الحضارات الأخرى منذ أقدم العصور من دون أي تصادم أو صراع مع الحضارات الآسيوية القديمة أو الأوروبية الحديثة. يتحمل المؤرخون العرب اليوم مسؤولية كتابة تاريخهم على أسس علمية سليمة وفق أرقى مناهج النقد التاريخي. وهي مهمة ثقافية بامتياز وتحتاج إلى استيعاب الاتجاهات العالمية في كتابة التاريخ، والاستفادة منها في كتابة تاريخ كل بلد عربي إلى جانب التركيز على تاريخ العرب العام أو الشمولي في مختلف تجلياته. وليس بإمكان المؤرخين العرب كتابة تاريخ دولهم ومجتمعاتهم على أسس سليمة من دون التفاعل الإيجابي مع حركية التأريخ العالمي ومقولاته، أو الابتعاد عنها تحت ذرائع واهية من الخصوصية الخادعة التي تمجد الانغلاق على الذات ورفض التفاعل مع الآخر. وهم بأمسّ الحاجة إلى فهم النظريات والاتجاهات الحديثة في علم التاريخ والاستفادة منها في أبحاثهم العلمية. فتغييب التفاعل مع الكتابة التاريخية النقدية بأبعادها النظرية يصيب المؤرخين العرب بالبلادة الذهنية. وهم مدعوون أيضاً إلى نقد مصادرهم التاريخية لتنقيتها من شوائب المقولات الاستشراقية الغربية التي ألحقت بالكتابة التاريخية العربية أضراراً فادحة ومستمرة، ومنعتهم من التفاعل الإيجابي مع التاريخ العالمي مقولات المركزية الأوروبية.

تشهد المرحلة الراهنة نقلة نوعية في كتابة التاريخ العربي شعارها تخليص الكتابة العلمية من أسر الأيديولوجيا التي أفسدت البحث العلمي التاريخي من دون أن تقدم إفادة تذكر للثقافة العربية. وتزايد الاهتمام بالكشف عن الوثائق الرسمية ومقارنتها مع وثائق الأرشيف المتنوعة، المحلية منها والدولية. وبرز اكتراث واضح بتطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب الأوضاع السياسية والإدارية والعسكرية والتربوية وغيرها. وتضافرت الجهود العلمية الكبيرة في توليد جيل جديد من المهتمين بالتاريخ العربي للعمل على دراسة وثائق الأرشيف الخاصة بالتاريخ العربي، وجمعها من مصادرها ووضعها في تصرف الباحثين العرب، ونشر ثقافة تاريخية عربية عقلانية بعد عقود طويلة على تجاهلها ومنع الدعم المالي الكافي لاحتضان المؤرخين الاجتماعيين العرب، وبخاصة الشباب منهم. فالدراسات التاريخية المتميزة عربياً هي نتاج مبادرات فردية، ودور نشر عربية قليلة تعمل على دعم البحث العلمي التاريخي والإبداع الثقافي في غياب شبه تام لدعم الدولة. تطرح الآن أسئلة منهجية كثيرة حول دور الثقافة التاريخية في نشر المفهوم الوطني الشمولي في المجتمعات العربية لحمايتها من التفكك، وكيفية التواصل الإيجابي بين العصر الذهبي لتاريخ العرب، وتاريخهم المعاصر الذي يشهد نزاعات أهلية مدمرة.

فالتخلف الثقافي ساهم في بروز علاقة ملتبسة بين ماضي العرب الذهبي ومستقبلهم الضبابي في عصر العولمة. يحتاج الوطن العربي اليوم إلى بناء حاضره بصورة عقلانية تجعله قادراً على الانتقال من مرحلة التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز. وذلك يتطلب نقد التاريخ العبء بصورة موضوعية عبر دراسات علمية مسندة إلى الوثائق الأصلية، وإجراء مقارنة بين الوثائق الخارجية والوثائق المحلية، واعتماد مناهج علمية عصرية للخروج من منهجية السرد التاريخي السائدة في الجامعات العربية لأنها فاقمت أزمة الكتابة العلمية للتاريخ العربي.

شهدت المجتمعات العربية تبدلات جذرية على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فقوى التغيير الديمقراطي العربية على قناعة تامة بأن الصراع العربي – الصهيوني قد ازداد حدة. واستمرار المشروع الاستيطاني الصهيوني يسعى لتفجير البلدان العربية من الداخل، وتدمير القوى الحية والمقاومة فيها. وكان منذ بداية نشأته جزءاً لا يتجزأ من المشروع الإمبريالي الغربي للسيطرة على الموارد الاقتصادية الهائلة في الوطن العربي وإلحاق الدول العربية تبعياً بالاحتكارات الأجنبية.

تنطلق البداية الحقيقية لبناء التاريخ العربي الحافز من التصدي لمخاطر المشروع الصهيوني وتحرير الإرادة العربية والثروات العربية من سيطرة الاحتكارات الأجنبية. وستبقى أسئلة الحرية، والوحدة، والتنمية الشمولية المستدامة فاعلة بقوة إلى حين تحرير الإنسان العربي، والأرض العربية، والثروات العربية من الاحتلال الأجنبي، بأشكاله المختلفة وأدواته المتعددة. ويتطلب الانتقال من دراسة التاريخ إلى تدريسه في المدارس والمعاهد والجامعات العربية تجديد الأسس المنهجية الواجب اعتمادها من جانب المهتمين بتدريس التاريخ العربي على مختلف المستويات. يرسم التأريخ العلمي الشمولي حركة المجتمع بجميع فئاته، وعلى مختلف الصعد. ويكتب التاريخ بوصفه تأريخاً لشعب متصل الحلقات وليس لأسر تعاقبت على الحكم؛ ويدرس تاريخ الشعوب العربية وليس تاريخ الأسر الحاكمة فقط لأن تاريخ الشعوب هو الأقرب إلى الروح العلمية في فهم التاريخ وكتابته. كما يدرس التاريخ بتوجيه وطني لتقوية التضامن بين الشعوب العربية من دون تجاهل التباين بين أنظمتها السياسية، وزرع الثقة لدى الأجيال المتعاقبة من العرب بقدرة شعوبهم على النهوض مجدداً والإنتاج الحضاري وإبراز دور العرب الدائم بالحياة الثقافية وبالمؤسسات العلمية. مع التذكير بما قدمه علماء العرب من اكتشافات رائدة في مجالات الكيمياء، والطب، والرياضيات، والفلك، وإبراز دور التنظيمات المحلية والمؤسسات التشريعية والسياسية والنقابية في التقدم الاقتصادي والخدمات الاجتماعية. فالهدف المرتجى من تدريس علم التاريخ هو تنمية الروح العلمية لدى الأجيال العربية الشابة من خلال معلومات تاريخية صحيحة ودقيقة. ويبدأ التوجيه العلمي مع اختيار المادة التاريخية وطريقة توثيقها وعرضها بصورة موضوعية بعيدة من النمطية الفارغة من أي مضمون. وتفترض دراسة التاريخ وكتابته أيضاً فهم المشكلات الاجتماعية والسياسية على حقيقتها دون تلفيق، ومعالجتها بالكشف عن جذورها وأصولها، وتحليلها بمنهج تاريخي علمي مستنير، وتجريدها من الشوائب التي لحقت بها.

فالمؤرخ الموضوعي مُطالب بالالتزام الصارم بقواعد المنهج العلمي النقدي في كتابة التاريخ والحفاظ على روح الثقافة العربية القادرة على مواجهة ثقافة العولمة، والتفاعل معها من موقع الندّية، لأن التاريخ مكوّن أساسي في الثقافة العربية ويؤدي دوراً فاعـلاً في بلورة الهوية الثقافية العربية وتنمية الروح الوطنية لدى العرب. والتاريخ الحافز والقادر على مواجهة تحديات المستقبل بحاجة ماسة إلى تعاون قادة العرب على بناء استراتيجية طويلة الأمد لإزالة المعوقات التي تحد من العمل العربي المشترك. والبلدان العربية محكومة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالتعاون المشترك، ونبذ كل أشكال العنف بين الشعوب العربية. والتعاون العربي – العربي على أسس سليمة وبآفاق مستقبلية واعدة هو المدخل الأساسي لبناء التاريخ العربي الحافز ودخول العرب مرحلة التاريخ الكوني من موقع الفاعل فيه وليس من موقع التبعية للقوى الإقليمية والعظمى. وفي حال عجز العرب عن بناء ركائز صلبة للتاريخ الحافز لحماية الوحدة الوطنية وضمان الحريات العامة والخاصة وتحقيق التنمية الشمولية المستدامة، يتعرض استقلال البلدان العربية لمخاطر جدية. لأن المكتسبات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تحققت في ظل الدولة العربية المستقلة هي الآن عرضة للتآكل. ولم تنجح الدول العربية في بناء مشروع اقتصادي أو ثقافي جامع رغم الأموال النفطية الطائلة التي تم استنزافها في مشاريع استهلاكية وشراء أسلحة بكميات هائلة استُخدم بعضها في تدمير البلدان العربية. ومع التحاق أعداد كبيرة من الأدمغة العربية سنوياً بمراكز الابحاث الدولية، بات البحث العلمي في الوطن العربي يفتقر إلى الشروط الضرورية لمواجهة التبدلات العلمية والتكنولوجية المتسارعة في الدول المتطورة.

إن تجديد البحث عن مقولات التاريخ الحافز في المنطقة العربية يعني، وبالدرجة الأولى، إعادة التذكير بأن الأوضاع المضطربة التي تعيشها المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة باتت تهدد بقاء العرب على أراضيهم. فعولمة القطب الأوحد المتحالف مع المشروع الصهيوني تضع العرب أمام تحديات مصيرية. ومن أولى واجبات العرب إيجاد نظام إقليمي عربي لكسر حلقة التبعية والاستلاب للنظام العالمي الجديد، والانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز. فهويتهم الوطنية مهددة، واستقلالهم السياسي عرضة للزوال، وبقاء حدودهم الجغرافية المعترف بها دولياً رهن بتوازنات الدول الكبرى التي ترسم خرائط لدول جديدة في الشرق الأوسط الجديد، ومواردهم النفطية ومدخراتهم المالية عرضة للزوال.

ختاماً، يبنى التاريخ الحافز الذي يستحق هذه الصفة في المجال النظري على مجتمع المعرفة العصري، لأنه المدخل الصلب لنشر ثقافة التغيير الجذري التي تنمي قدرات الإنسان العربي على التغيير الشمولي بالطرق الديمقراطية وبالقوة الناعمة وليس من طريق العنف والانقلاب العسكري. فالتاريخ العربي الحافز مقولة نظرية فاعلة في بناء نهضة علمية وثقافية عربية جديدة تتطلب بقاء الأدمغة العربية داخل الوطن العربي، ووضع برامج طويلة الأمد لاستعادة المهاجرين منهم، وعصرنة المؤسسات الثقافية والعلمية في الوطن العربي، وعقلنة الأنظمة السياسية العربية، وبناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على مواجهة تحديات العولمة. وهناك قناعة تامة لدى عدد كبير من المؤرخين العرب بقدرة الثقافة العربية الحية على التفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى من موقع الندية وليس من موقع «تشبه المغلوب بالغالب»، وفق مقولة ابن خلدون التي بنى عليها حيزاً واسعاً من مقولاته النظرية حول فهم التاريخ العربي والإسلامي. ولا تكتسب أسئلة التاريخ الحافز صدقيتها على أرض الواقع إلا إذا استطاعت تغيير الإنسان العربي إيجابياً بعد أن كاد يفقد ثقته بنفسه، وبثقافته، وبتاريخه بسبب الهزائم المتلاحقة التي حلت بالعرب. ولا تتم إعادة ثقة الإنسان العربي بمستقبل الشعوب العربية عبر الخطب الرنانة والشعارات الأيديولوجية العالية النبرة في المؤتمرات الشعبوية الحاشدة بل بالإصلاح الجذري للنظم السياسية والاقتصادية في المجتمعات العربية، واعتماد الكفاءة، والشفافية، ونظام القيم، واحترام الحقوق الأساسية للإنسان العربي، وعدم التفريط بشبر واحد من الأراضي العربية المحتلة. لذا تختلف أسئلة التاريخ العربي الحافز اليوم جذرياً عن تلك التي أنتجها المتنورون العرب في عصر النهضة العربية الأولى لمواجهة قوى الاستعمار الخارجي. علماً أن معظم المقولات الإصلاحية التي طرحها مفكرو عصر النهضة الأولى بقيت من دون تنفيذ لأن حضور المقولات الاستشراقية الغربية، في مجال كتابة التاريخ وغيره من حقول المعرفة، بقي فاعـلاً في جميع البلدان العربية بعد نيلها الاستقلال السياسي. وما زالت أسئلة التاريخ الحافز، وبخاصة أسئلة الحرية، والسيادة الوطنية، والوحدة الداخلية، والتنمية المستدامة، مطروحة بحدة على امتداد الوطن العربي. وبعد قرابة المئة عام على ولادة دول المشرق العربي يبدو الاستقلال السياسي لعدد من دولها مهدداً أكثر من أي وقت مضى، وباتت حدودها الإقليمية التي رسمتها اتفاقيات سايكس – بيكو معرضة للتغيير الجذري بعد الإعلان عن بدء تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد برعاية أمريكية – إسرائيلية. فهل ينجح العرب في الانتقال التدريجي على أسس ديمقراطية سليمة من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز؟.

 

قد يهمكم أيضاً  طه عبد الرحمن والقراءة التداولية للتراث

للمزيد من المواضع ذات الصلة… اضغطوا على المنحى التنويري عند جرجي زيدان من خلال كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي»

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #التاريخ_العربي #علم_التأريخ #التارخ_العبء #التاريخ_الحافز_عربياً #كتابة_التاريخ #الهوية_القومية_العربية #الحضارات #دراسات_تاريخية #دراسات_إجتماعية