مقدمة:

تواجه البلدان العربية في مطلع القرن الحادي والعشرين العديد من الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية، يعدّ قسم منها من موروثات القرن الماضي، ومن مخلّفات الفترات الاستعمارية التي عاشتها غالبية الأقطار العربية. وتتصدّر هذه الإشكاليات ظاهرة الفقر، وما رافقها من اتساع فجوة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء في مجموعة من هذه البلدان، ولا سيما بعد تخلّي بلدان عربية عن متضمنات دولة الرعاية الاجتماعية، والتأثر برياح التغيرات الاقتصادية العالمية خلال الربع الأخير من القرن الماضي، فأفضت إلى تزايد أفراد المجتمع الذين يمكن تصنيفهم تحت «خط الفقر».

إن البلدان العربية التي فشلت إلى حدّ كبير في تجسيد كيانات اقتصادية متكاملة في ما بينها عن طريق التكامل والاندماج وتكوين أسواق مشتركة ومناطق حرّة، لا يمكنها أن تبقى بمعزل عن التطورات التي تفرضها البيئة الاقتصادية العالمية، بل وجدت نفسها مجبرة على الدخول في الفضاءات الاقتصادية الجديدة التي فرضتها عولمة الاقتصاد وشموليته، وأصبحت تبحث منفردة عن ترتيبات حمائية لاقتصاداتها وذلك عن طريق الدخول في شراكات اقتصادية وإقليمية كبرى تحركها قوى التنافس الحاد بين أوروبا وأمريكا، فمنها من اعتنق الشرق أوسطية، ومنها من اعتنق المتوسطية، ومنها من ما زال يتأرجح بين هذا وذاك.

ويرتبط تنامي الفقر في البلدان العربية بطريقة غير مباشرة مع «مسارات العولمة»، ولا سيما في جانبها الاقتصادي، إذ تشير الدراسات إلى أن الفقر وعدم المساواة داخل الدولة الواحدة، قد ازداد في الدول الأكثر سعياً إلى الاندماج في مسارات العولمة والساعية إلى التوسع في الانفتاح الاقتصادي.

وتأسيساً على ذلك، يأتي هذا البحث لدراسة واقع ظاهرة الفقر في الوطن العربي، والبحث في علاقتها بالظاهرة الاستعمارية من جهة، والعولمة الاقتصادية من جهة أخرى، من خلال الوقوف على متضمنات الظاهرة في المنطقة، وأهم استراتيجيات الخروج منها، وذلك من خلال المباحث الآتية:

أولاً: الفقر: وقفة عند المفهوم

الفقر ظاهرة قديمة جداً وآفة اجتماعية خطيرة شهدتها البشرية عبر العصور، وهي معقدة وذات جوانب متعددة: اقتصادية، وسياسية، وثقافية، وبيئية. والفقر، كما يعرّفه البعض، هو حالة من الحرمان تتجلى في انخفاض استهلاك الغذاء، وتدني الأوضاع الصحية والمستوى التعليمي وقلة فرص الحصول عليه، وتدني أحوال الإسكان، وانعدام الأصول الرأسمالية والمدّخرات[1].

ونجد من يعرّف الفقر بأنه «يمثل حالة عجز لدى الفرد أو الأسرة تؤدي إلى الحرمان من الكثير من الأشياء والضروريات الحياتية، وهذا العجز المؤدي إلى الحرمان يرجع إلى عدم كفاية الدخل أو إلى انعدامه أصلاً»[2].

ويختلف مفهوم وطرق قياس الفقر من مجتمع إلى آخر، كما يختلف دخل المجتمع نفسه من وقت إلى آخر، فمن يعدّ فقيراً، بحسب مستويات المعيشة في الولايات المتحدة الأمريكية، قد يعدّ غنياً في بعض الدول الأفريقية أو الآسيوية.

كما أن من كان يعتبر فقيراً نسبياً بمقاييس عشرين سنة مضت، بحسب احتياجات ومتطلبات الحياة في ذلك الوقت، قد يعتبر في الوقت الحاضر ضمن من يعيشون في الفقر المدقع[3].

وإذا ما سلّمنا جدلاً بأن الفقر هو مفهوم نسبي، بمعنى أن مفهوم «الفقير» قد يتغير من زمن إلى آخر، فإننا نكون أمام حالة استمرارية الفقر عبر الزمن، بل إن الفقير حتى بمفهومه المطلق، والذي يمكن اعتباره ذلك الذي لا يجد قوت يومه وليلته، ظل موجوداً عبر مختلف العصور.

ونجد عدة أنواع لظاهرة الفقر، وأبرز هذه الأنواع[4]: الفقر المادي، والفقر غير المادي، والفقر المطلق، والفقر النسبي، والفقر المؤقت، والفقر المستديم، والفقر المالي (النقدي)، والفقر الإنساني… إلخ.

وعموماً، هناك شكلان أساسيان للفقر في العصر الحالي، هما:

1 – فقر الدخل الذي يعرّف بمقياس ما يتوافر للإنسان من سلع وخدمات، متمثلاً بالإنفاق الاستهلاكي الحقيقي للفرد، ومقاربة فقر الدخل هي المقاربة المتبنّاة على أوسع نطاق في وضع السياسات ورسم مساراتها، والمقياس الأوسع استخداماً لتحديد الفقر في نطاق هذه المقاربة يعتمد النسبة العددية، أي إجمالي نسبة السكان التي تعيش دون مستوى معيشي متفق عليه، اصطلح على تعريفه بخط الفقر. وقد أشاع البنك الدولي استخدام خطوط الفقر الدولية التي تعتمد على دخل يعادل دولاراً أو دولارين للفرد يومياً.

2 – الفقر الإنساني الذي يعرّف بمقياس الدخل، وبأبعاد أخرى ذات قيمة حياتية، مثل التعليم والصحة والحرية السياسية.

ومما عقّد موضوع الفقر وأعاده إلى واجهة الاهتمام السياسي والاقتصادي، التحولات التي يشهدها العالم تحت شعار العولمة الاقتصادية التي رافقها انهيار واضح في مستوى المعيشة، خاصة في البلدان النامية التي شهدها العالم تحت ما سمّي بـ «الإصلاح الهيكلي»، ولذلك، فإن هناك اهتماماً كبيراً في السنوات الأخيرة لظاهرة الفقر وشريحة الفقراء التي لطالما زادت اتساعاً، إما على المستوى الوطني أو على المستويين الإقليمي والدولي.

ثانياً: العولمة الاقتصادية: دلالة المفهوم ونطاقه

يرى الكثير من الكتّاب والمفكّرين أن العولمة هي في الأصل اقتصادية، أي أن الجانب الاقتصادي من الحياة هو الذي تعولم، وأن البعد الاقتصادي للعولمة يمثل البعد الأكثر تحققاً واكتمالاً على أرض الواقع إذا ما قورن بالأبعاد الأخرى. ومن هنا، فقد هيمن الطابع الاقتصادي على ظاهرة العولمة.

والعولمة الاقتصادية هي عملية سيادة نظام اقتصادي واحد، تنضوي تحته مختلف بلدان العالم في منظومة متشابكة من العلاقات الاقتصادية، تقوم على أساس تبادل الخدمات والسلع والمنتجات والأسواق ورؤوس الأموال. ونتيجة لظهور الشركات متعددة الجنسيات، فقد تطورت العلاقات الاقتصادية بين بلدان العالم، وتضخّمت هذه الشركات لاستفادتها من فروق الأسعار، ونسبة الضرائب، ومستوى الأجور. والعولمة الاقتصادية هي أيضاً «الاقتصادات العالمية المفتوحة على بعضها، وهي أيديولوجيا ومفاهيم «الليبرالية الجديدة» التي تدعو إلى تعميم الاقتصاد والتبادل الحر كنموذج مرجعي، وإلى قيم المنافسة والإنتاجية»[5].

وهكذا يبدو البعد الاقتصادي للعولمة قائماً على مبدأ حرية التجارة الدولية، الذي يعني انسياب السلع والخدمات، وانتقال رؤوس الأموال بين الدول من دون عوائق أو حواجز، مما يسهل الوصول إلى الأسواق ومصادر الموارد الأولية، وكذلك تشجيع التجارة الدولية[6].

وتتضح ملامح العولمة في الاقتصاد من خلال المظاهر الآتية[7]:

– تنامي دور الشركات متعددة الجنسيات، وتزايد أرباحها، واتساع أسواقها، وتعاظم نفوذها في التجارة الدولية.

– تزايد دور المؤسسات المالية الدولية بشكل مباشر، وبخاصة في تصميم برامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات التثبيت والتكيف الهيكلي في الدول النامية (التحول إلى اقتصاد السوق)، ما يساهم في زيادة النزعة نحو الحكم (Governance) على المستوى العالمي في المجال الاقتصادي، أو بعبارة أخرى انتشار النشاط الدولي لوضع المعايير[8]، وهو ما تضطلع به بعض المنظمات الدولية، كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، وأخيراً المنظمة العالمية للتجارة التي أنشئت عام 1994، فقد أصبح هذا الثالوث بمثابة آلية التحكم والتوجيه للاقتصاد العالمي.

– تدويل بعض المشكلات الاقتصادية مثل الفقر، والتنمية البشرية، والتوجيه العالمي لتنسيق عمليات معالجة هذه المشكلات، والتعاون في حلها.

– سيادة الفكر الاقتصادي الليبرالي على النظام الاقتصادي العالمي، حيث أضحت الغلبة للفكر الاقتصادي الحر في مجال تقرير النظم الاقتصادية العالمية، وكذا في توجيه دفة السياسات والبرامج الاقتصادية عبر العالم. ويرجع هذا في المقام الأول إلى سقوط مصداقية الفكر الاقتصادي الماركسي في الاتحاد السوفياتي السابق، وفي دول شرق أوروبا، وفي العديد من دول الجنوب، وهو ما أتاح دمج اقتصادات هذه الدول في النظام الرأسمالي العالمي، وإلى القضاء على الثنائية الأيديولوجية التي ظلت لعدة عقود تشطر الاقتصاد العالمي إلى شطرين منعزلين.

– تعاظم الثورة التقنية الثالثة وتأثيرها في الاقتصاد العالمي من خلال توظيف التكنولوجيا المتطورة في مجال خدمة المصالح والمكاسب الرأسمالية. وتؤثر التقنية في العولمة الاقتصادية في ثلاثة جوانب رئيسية[9]:

* ابتداع طرق الإنتاج الشامل لتلبية طلب أعداد أكبر من المستهلكين داخل وخارج القطر.

* تحسين طرق النقل والمواصلات لحمل أعداد وكميات أكبر لمسافات طويلة في أقاصي الأرض بطرق أرخص وأسرع.

* تحسين وسائل نقل ومعالجة المعلومات للتحكم في الموارد والعمليات في أماكن مختلفة من العالم.

وتعتبر الشركات عبر الوطنية أكثر من يستعمل التقنيات الحديثة للإنتاج في أكثر من قطر، ومن خلال شبكة المعلومات تتعرّف هذه الشركات على احتياجات المستهلكين في الأقطار المختلفة، فحالياً تستخدم شركات الطيران مثلاً شبكة معلوماتها للتحكم في عمليات الحجز والسفريات حول العالم.

– اتجاه الاقتصاد العالمي نحو التمركز الإقليمي، أي تكتل الدول بعضها مع البعض الآخر اقتصادياً، وكان الدافع وراء ذلك ارتفاع حدّة المنافسة الاقتصادية العالمية، حيث وجدت الدولة الوطنية نفسها عاجزة عن القيام بدور فعال في هذه المنافسة، مما يشكّل تهديداً اقتصادياً لها. فتخلّت تدريجياً عن وظيفتها كعنصر داخل العلاقات الاقتصادية الدولية لتسمح للمجموعات الجهوية (الإقليمية) بالقيام بهذه الوظيفة. وإن الإقليمية أو الجهوية تعبّر عن وجود إرادة سياسية بين مجموعة من البلدان المتقاربة جغرافياً بإحـداث علاقات ذات طابـع خصوصي بينها اعتماداً على عنصر التقارب الجغرافي كأداة للتضامن المصلحي. أما أبرز تلك التكتلات الاقتصادية الإقليمية اليوم، فهو الاتحاد الأوروبي الذي يمثل نموذج العمل الاندماجي الأكثر تقدماً في عالم اليوم.

غير أن الملاحِظ لحركة التكامل الاقتصادي، يجد أنها نجحت في الاقتصادات وبين الدول التجارية الرئيسية. ومع أن الدول النامية لم تشهد نجاحاً مماثلاً في ما بينها، إلا أنها سجلت محاولات معتبرة لها في هذا المضمار.

– استخدام نظم استثمار في البشر فعّالة، تقوم على البحث عن النخب أصحاب الملكات وأصحاب المواهب، والقادرين على الابتكار وعلى التحسين، وعلى اكتشاف الفرص، وعلى الاستفادة منها واستثمارها، وفي الوقت ذاته استخدام نظم الحماية والصيانة الوقائية للبشر، باعتبارهم الثروة متزايدة القيمة، والأصول الغالبة هي التي تعطي أعلى عائد ومردود للاستثمار فيها، والقابلة للتجدد والتجديد الذاتي والقادرة على الابتكار.

والواضح، بعد استعراضنا لأبرز ملامح العولمة في بعدها الاقتصادي، أن السياسات الاقتصادية في ظل العولمة تتجه إلى مزيد من الانفتاح واعتماد اقتصاد السوق، ما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والاعتماد المتبادل بين الدول، كما يطرح تحديات كبيرة أمام كثير من الدول النامية، التي عليها أن تواجه بحزم الآثار السلبية لعولمة الاقتصاد.

ثالثاً: الوطن العربي: غنى المستعمِر وفقر المستعمَر

لا بد من ملاحظة أن أي اقتصاد لا يخلو من ظاهرة الفقر. ولكن اتساع تلك الظاهرة – كما هو الحال في كثير من البلدان العربية – هو الأمر المقلق، إذ يرتبط ذلك بجملة من الأسباب، أهمها مسألة العدالة الاقتصادية والاجتماعية. فالسياسات الاقتصادية الموجّهة لصالح الطبقة الغنية هي إحدى أهم آليات إنتاج الفقر. وأهم السياسات المسببة للفقر هي السياسة النقدية من خلال التأثير في سعر الفائدة. ويؤثر سعر الفائدة في خفض الحوافز المرتبطة بالاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي. ويسبب ذلك انخفاض الطلب على العمالة.

كما يربط بعض الاقتصاديين الجوع وسوء التغذية بالزيادة السكانية الكبيرة في الأقطار العربية، وكذا بالتقلبات المناخية التي تؤثر في الإنتاج، فضلاً عن قلة فرص العمل، وانخفاض مستوى التكنولوجيا الزراعية، بالإضافة إلى التذرع بالبعد عن الأسواق الرئيسية للتبادل.

ويرى صموئيل عبود أن حالة الفقر والجوع ليست حالة ثابتة وأزلية مع البلدان العربية، بل إن أغلب هذه البلدان فقيرة نتيجة لعملية النهب المتواصل التي قامت بها الدول الأوروبية أثناء توسعها الاستعماري، والتي ما زالت مستمرة إلى وقتنا الحاضر عن طريق ما يسمّى بـ «الاستعمار الجديد»[10].

كما يرى رمزي زكي أن التزايد السكاني في العالم الثالث – بما فيه الوطن العربي – ليس خاصية لهذه الشعوب، وأن بداية الاختلال الذي حدث بين النمو السكاني المرتفع ودرجة التقدم الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول، كان نتاجاً حتمياً للاستعمار ونتيجة مترتبة على نشاط رؤوس الأموال الأجنبية داخل هذه الدول»[11].

وعليه، فظاهرة الفقر وسوء التغذية ليست لصيقة بالأقطار العربية، بل هي من محدثات الاستعمار، وليس أدل على ذلك من أن المستعمر قام خلال الحقبة الاستعمارية بدور بغيض في تشويه هيكلية البنى المزروعة بما يخدم المواد الأولية التي تحتاجها مصانعه (كما فعل الاستعمار الفرنسي بالنسبة إلى زراعة الكروم في الجزائر)، ما أسهم في إهمال إنتاج المواد الزراعية وتنويعها.

رابعاً: الاتجاهات الرئيسة لاستراتيجية خفض الفقر في البلدان العربية: واقع جديد وأدوار جديدة

تتطلب محاربة الفقر أن نكون قادرين على تحديد تعريف له، وعلى قياسه. تبدأ العملية دائماً باختيار الحيّز الذي سيتم فيه تعريف الفقر. ويمكن أن يكون الحيّز أحادي البعد عندما يُعرّف الفقر بمتغير واحد فقط – عادة الدخل أو الاستهلاك أو يكون الحيّز متعدد الأبعاد عندما يُعرّف الفقر بالعديد من المتغيّرات.

وقد رأى أمارتيا سِنْ الفائز بجائزة نوبل، في مساهمةٍ رائدةٍ له عام 1976، أن مشكلة قياس الفقر تتضمّن أمرين: الأول تحديد من هم الفقراء، والثاني تجميع خصائص هؤلاء الفقراء في مؤشّر عامّ يحدّد مدى الفقر. ويمكن حلّ المشكلة الأولى بتعيين حدٍّ فاصل يمثِّل عتبة عدم كفاية الدخل أو الإنجاز الاجتماعيّ (التعليم، والصحّة، والإسكان، والملبس، وتوفّر السلع العامّة، وغير ذلك). ويكون الأشخاص تحت الحدّ الفاصل فقراء. ثمّ يُحتَسَب معدَّلُهم للحصول على نسبة وقوع الفقر وشدّته[12].

وبناءً على خط الفقر الدولي المحدد بدولارين يوميّاً، فإن نحو 34.6 مليون عربي كانوا، في العام 2005، يعيشون في فقر مدقع[13] .

لقد سجل اليمن نسبة 59.9 بالمئة من الفقر الوطني، وسورية 30 بالمئة، ويزداد الفقر المدقع حدة في البلدان العربية ذات الدخل المنخفض بنسبة 36.2 بالمئة من السكان. أما بالنسبة إلى الفقر الإنساني الذي يعبّر عن حرمان المرء للإمكانات والفرص، فتسجل الأقطار العربية المنخفضة الدخل أعلى مستوى بنسبة 35 بالمئة مقارنة بـ 12 بالمئة في الدول المرتفعة الدخل، ما يعكس نقص مستويات الصحة والتعليم والمعيشة. ووفقاً لدليل الفقر الإنساني، يسجل السودان نسبة فقر تقدر بـ 34.3 بالمئة، واليمن 36.6 بالمئة، وموريتانيا 35,6 بالمئة، والمغرب 31.8 بالمئة على الدليل، ما انعكس على أمن الإنسان العربي[14].

وتشير إحصاءات سنة 2010 إلى أنه من بين 1.7 مليار شخص في جميع أنحاء العالم، يعرِّفهم دليل الفقر المتعدِّد الأبعاد بأنّهم يعيشون في الفقر المتعدِّد الأبعاد، يعيش 2.5 بالمئة منهم في الأقطار العربيّة، ما يعني أن 41.225 مليون شخص يعيشون في الفقر المتعدِّد الأبعاد في هذه المنطقة من العالم. والبلدان العربية الأقلّ نموّاً، كجيبوتي والصومال وجزر القمر وموريتانيا، بشكل خاصّ، هي أكبر مساهم في الفقر في المنطقة العربيّة بمتوسط شدة الفقر قدره 0.473، و0.633، و0.552، و0.571 على التوالي، وبنسبة فقر سجل أعلاها في الصومال بنسبة 51 بالمئة، تليها جزر القمر بـ 41 بالمئة، وموريتانيا بـ 35 بالمئة، واليمن بـ 28 بالمئة.

وتشير إحصاءات 2013 إلى أنه يوجد في المنطقة العربيّة 21.5 مليون شخص من الفئات الضعيفة التي تواجه خطر الفقر، و18.8 مليون شخص يعيشون في فقر «مدقِع»، ما يمثِّل 9.3 بالمئة، و7.9 بالمئة على الترتيب من مجموع السكّان البالغ عددهم 231.1 مليون نسمة سنة 2010. وقد سجلت أعلى نسبة في البلدان العربية الأقل نمواً (40.6 بالمئة) والبلدان العربية التي عرفت حراكا اجتماعياً، كمصر، وليبيا، وسورية، وتونس[15].

ولعله يحصل الاتفاق على ضرورة تفعيل دور الأقطار العربية في مواجهة هذه الأرقام المخيفة لظاهرة الفقر عربياً، ذلك أن الدولة ظلّت، كصورة من صور التنظيم السياسي والقانوني للسلطة السياسية في المجتمعات، تضطلع بدورها عبر العصور من خلال استهدافها تحقيق الخير العام لأعضاء المجتمع ككلّ. وهذا ما يصطلح عليه بـ «وظائف الرفاه العام»، التي يقصد بها جميع وظائف الدولة التي يؤدي قيامها بها إلى التحسين المباشر للأحوال التي يعيش المواطنون أو يعملون في ظلها، كتحسين الصحة والسكن والضمان الاجتماعي، وما شابهها من متطلبات الحياة الكريمة. وهذه الوظائف هي التي تجعل الدولة أداة للخدمة، لا أداة للسيطرة[16] .

وقد وجدت هذه الفكرة قبولاً واسعاً، خاصة منذ بدايات القرن العشرين[17]، فكانت الدولة تحرص على الرعاية الاجتماعية لمواطنيها، في ما يتصل بتوفير الغذاء والإسكان والتعليم والرعاية الصحية، والحد الأدنى للأجور. كما واكب ذلك أيضاً تبنّي سياسات الضرائب التصاعدية التي تستهدف إعادة توزيع الدخل على المستوى الوطني تحقيقاً للعدالة الاجتماعية، ودعماً للطبقات المتوسطة التي تعتبر عماد الاستقرار والتوازن في المجتمع. وقد أدى هذا الاتجاه والسياسات التي تولّدت عنه إلى إيجاد ما عرف بمصطلح «دولة الرفاه» (Walfer State) في الولايات المتحدة الأمريكية ونظم الاشتراكية الديمقراطية في دول أوروبا الغربية[18].

ويمكن القول إن العوامل الباعثة على الأخذ بهذه السياسات – خلال القرن الماضي – التي كانت تتمثل بالصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، وانتشار النزعات الديمقراطية الجماهيرية، وزيادة قوة النقابات العمالية، فقدت تأثيرها، فلم تعُد تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام في ظلّ العولمة، حيث أخذ رأس المال الأجنبي يمارس ضغوطاً متزايدة على الحكومات لخفض الضرائب، وأصبح تقليص الإنفاق الحكومي على برامج الرعاية الاجتماعية يمثل السمة الغالبة على برامج الإصلاح (Reform) الاقتصادي في دول الشمال، وبرامج التكيف (Adjustment) في دول الجنوب، وكذا برامج التحول (Transition) في دول الكتلة الاشتراكية السابقة[19].

وإذا كنا اليوم نتحدث عن عالم يزيد تكامله وتقلّ عدالته، فإننا نتحدث في اللحظة نفسها عن الحاجة إلى الوظيفة الاجتماعية للدولة. يصدق هذا التحليل بالأساس على دول العالم الثالث – ومنها الأقطار العربية – حديثة الوفود إلى الساحة الرأسمالية، والتي أورثها إطلاق قوى السوق مشاكل جسيمة لا قبل لها بها، لكن دول العالم المتقدم، العريقة في التقاليد الرأسمالية، غير معفية بالكامل من مشاكل من النوع نفسه. ففي دول الاتحاد الأوروبي – قبل توسيعه مؤخراً – هناك ما لا يقل عن 18 مليون عاطل، كما أن 17 بالمئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر.

تتطلب أوضاع كهذه من الأقطار العربية الاضطلاع بمجموعة مهمة من الوظائف الاجتماعية – التي ترتبط بأشكال مباشرة وغير مباشرة بمواجهة ظاهرة الفقر – يمكن إيجازها في ما يأتي:

1 – تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في المجالات المختلفة من خلال آليات ووسائل جديدة تقوم على أساس الشراكة بين الدولة والمواطنين وقوى المجتمع المدني، ومن خلال الأسلوب اللامركزي في تحديد الاحتياجات وتوفير الوسائل والسبل الملائمة لتلبية هذه الاحتياجات، وهو ما يعني إحياء دور المجتمع المدني في مجال تقديم هذه الخدمات.

2 – الاهتمام بمشكل الفقر من خلال توفير آليات نابعة من خبرة المجتمع في مجال التكافل الاجتماعي والتحول من أسلوب تقديم الإعانة إلى أسلوب المساعدة على الخروج من دائرة الفقر[20]. هناك حاجة إلى كسر الجمود في الإطار المؤسّسيّ الحاليّ لصنع السياسات الاجتماعيّة الاقتصاديّة للحدّ من الفقر في الأقطار العربيّة. إن الوضع الحاليّ النموذجيّ هو الوضع الذي تكون فيه وزارة واحدة أو أكثر في الحكومة (مثل وزارة الشؤون الاجتماعيّة أو وزارة التموين أو ما شابه ذلك) مسؤولة عن النشاطات والبرامج المتعلّقة بالحدّ من الفقر التي تستخدم بشكل منفصل في معظمها بدلاً من استخدام مجموعة مشتركة متعدِّدة القطاعات. وبناءً على ذلك، يمكن أن تبدأ عمليّة إعادة الهيكلة من مكانٍ ما، على المدى القصير أو القصير جدّاً، ثمّ تنتقل تدريجياً نحو الوضع المطلوب على أساس الفجوة بينها وبين ما خُطِّطَ له من إصلاحات مؤسّسيّة حاسمة يتطلّبها النهج المتعدِّد الأبعاد. إنّ وجود « إرادة سياسيّة قويّة» لَيُشجِّعُ الإصلاحات المؤسّسيّة الحاسمة، كأنْ تُنشأَ نقطة اتّصال مؤسّسيّة تشكِّل آليّةً لتنسيق مختلف فروع الحكومة، ومنع أي نزاع قد يطرأ داخل الهيئات الحكوميّة المعنيّة، وضمان الإدارة الرشيدة للحكم[21].

3 – علاج الجوانب الاجتماعية لمشكلة البطالة، من خلال التعامل مع المجتمعات المحلية، وتحديد طبيعة المشكلة لكل مجتمع محلي، والبحث عن أساليب نابعة من هذه المجتمعات المحلية لعلاج مشكلة البطالة فيها.

4 – تطوير نظم التأمينات الاجتماعية والمعاشات بما يتلاءم والظروف الجديدة، وابتكار الوسائل الملائمة لإدارة واستثمار أموال التأمينات الاجتماعية، بما يؤدي إلى توفير موارد جديدة لتمويل نظم هذه التأمينات.

5 – إدارة الصراع الاجتماعي في أبعاده ومستوياته الجديدة المتداخلة والمعقّدة، وبما يؤدي إلى تقليل حدّة العنف الاجتماعي إلى أقل درجة ممكنة، وهو ما يحقق الدرجة الملائمة من الاستقرار الاجتماعي، وذلك عن طريق الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وقوى المجتمع المدني[22].

6 – الاستثمار في مجال تنمية الموارد البشرية في التعليم والتدريب، لأن الدولة الوطنية تحتاج إلى مزيد من العلم والمعرفة والخبرة، خاصة في مجالات الاستثمار والإنتاج، من أجل مواجهة التحديات الناشئة عن تطبيق آليات السوق، وهو ما يتطلب دعم جسور التعاون بين مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي من جهة، وبينها وبين المجتمع ومؤسساته المختلفة من جهة أخرى، بالإضافة إلى تنمية وتشجيع ملكات الإبداع بمختلف الحوافز المادية والأدبية[23]. ولأن محور الانقسام الاجتماعي قد صار بين من يعلمون ويعرفون، ومن لا يعلمون ولا يعرفون، فإن قيام الدولة بتوفير الفرص المتكافئة للراغبين في التعليم والقادرين عليه، واكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لعصر العولمة، يمثل جوهر تحقيق العدالة الاجتماعية في هذا العصر.

وإذا رجعنا إلى الوطن العربي في علاقته بالمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، فإن تجارب المنظمات الاقتصادية الدولية لم تعطِ خلال الربع الأخير من القرن الماضي نتائج مرضية على صعيد خفض الفقر واللامساواة في العديد من البلدان النامية، ولا سيَّما العربية منخفضة الدخل، وربما يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن الخلفية الاستراتيجية لبرامج هذه المنظمات تعتمد على متضمنات النظام الرأسمالي بقدر كبير، وما يتطلبه ذلك النظام من أجواء ليبرالية لا تتوافر في البلدان العربية وفقاً لمرحلة تطورها الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن التوجهات الإصلاحية لهذه المنظمات الاقتصادية الدولية الساعية في صورتها النهائية إلى اقتصادات متحولة نحو العولمة. ويتطلب ذلك التحول مناهضة الاتجاهات القومية التي تعدّ إحدى أهم صور ومكوّنات الوطنية المحلية العربية في إطار تحولاتها التاريخية، والتي تعدّ أيضاً إحدى ضرورات مرحلة تطورها الاقتصادي، ومن ثم فإن فرض نماذج للإصلاح من خارج بيئتها المحلية، تلائم مراحل ما بعد القومية.

هذه المسألة تتضمن في تكوينها تناقضاً يفضي بها إلى حالة جدلية، وقد انعكست هذه الحالة في بعض البلدان العربية في مرحلتها الراهنة بين محاولات الرأسمالية لفرض التكوينات الجغرافية لمنطقة اقتصادية شرق أوسطية ترتبط بمراكز صنع القرار الاقتصادي الرأسمالي من جانب، وسعي الحركات الوطنية إلى مناهضة هذه المسارات الرأسمالية. وهذه الإرهاصات هي أحد معطيات تنامي الوعي القومي على الصعيد العربي من جانب آخر.

ووفقاً للمسارات المذكورة، فإن خفض الفقر واللامساواة يتطلب برامج إنمائية تعتمد سياسات تنسجم والمعايير البيئية والثقافية والمحلية بمعناها الواسع، فضلاً عن الحفاظ على متضمنات ومعايير دولة الرعاية الاجتماعية التي تعدّ من الشروط الضرورية التي تتطلبها مرحلة الانتقال من الاقتصادات التجارية التي تغلب على بعض الاقتصادات العربية – حتى الريعية منها – إلى اقتصادات الصناعة والمعرفة التي تستهدفها الإصلاحات الاقتصادية، وأن يرافق هذه الاختيارات تحسين المناخ الاستثماري، سواء المحلي أو الأجنبي المباشر، ولتحقيق ذلك يجب العمل على إيجاد بيئة تحكمها معايير اقتصادية وغير اقتصادية، ولا سيَّما في ذلك الجانب المرتبط بإزالة الفساد وسيادة الحكم الصالح.

وعلى الرغم من أن التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين البلدان العربية يعد هدفاً بعيد المنال، إلا أن مسألة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي يستهدف تدنية الفقر واللامساواة تقتضي تناول الموضوع بمزيد من الجدية والموضوعية، ولا سيَّما أن المنطقة العربية تضم في تكويناتها التاريخية والقومية ما يؤهلها لإحداث قدر مناسب من ظاهرة التكامل التي تحقق لمجتمعاتها التقارب بين مستويات الدخل وتدنية عدم المساواة، إذ إن التباين في مواردها الاقتصادية على الصعيد القطري يمكّنها من الوصول إلى حالة من التكامل الذي يعظم منافعها، ويخفض أعباءها الاقتصادية والاجتماعية، ولا شك في أن عملية التكامل هذه ستؤدي إلى اتساع سوق العمل، ومن ثم ترفع أجوره في البلدان العربية منخفضة الدخل، وبالتالي فإن خفض الفقر يتأتى من ارتفاع أجوره المنخفضة من جهة، وما يصيبه من تزايد معدلات النمو نتيجة إعادة استخدامات الموارد وفقاً لميزتها النسبية وفرصة تكاليفها البديلة من جهة أخرى، فضلاً عن تطوير التجارة العربية البينية بوصفها إحدى معطيات التكامل الاقتصادي، التي تعمل بصورة غير مباشرة على تقليل التباين واللامساواة في ما بين البلدان العربية.

وجدير بالذكر أن منطق التكامل العربي لا ينسجم والخلفيات النظرية للمؤسسات الاقتصادية الدولية، إذ تتضمن استراتيجيتهم الوصول إلى أكبر قدر من مساحة العالم مفتوحة أمام رأس المال لأغراض التجارة والاستثمار الأجنبي، في حين أن التكامل الاقتصادي يعتمد منطقاً إقليمياً على الصعيد العربي، ومن ثم فإن برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي في الحالة الأخيرة تأخذ بعين الاعتبار المنافع الإقليمية العربية، لكن رؤى المنظمات الدولية تعتمد على تراكم رأس المال في الأنظمة ذات الليبرالية الجديدة، وبذلك لا تأخذ مسألة خفض الفقر بعين الاعتبار، وهذه العلاقة بين المنطقين تكون إشكالية اقتصادية ذات أبعاد جغرافية متناقضة.

وتتطلب الاتجاهات الرئيسة لاستراتيجية خفض الفقر في معظم البلدان العربية، تدنية أعباء الدين الخارجي، ولا سيَّما الاقتصادات العربية المنخفضة الدخل، إذ إن تخفيف عبء الدين الخارجي يؤثر في خفض الفقر وتحسين أوضاع السكان في إطار بيئة مناسبة للإصلاحات الاقتصادية على الصعيد القومي. ويمثل هذا الخفض أسلوباً من المساعدات الإنمائية للبلدان المذكورة، ويفضل أن تقترن هذه التوجهات بالتوسع في المساعدات المباشرة من الدول الأكثر غنى إلى الدول الأكثر فقراً، وذلك لإصلاح المناخ الاقتصادي والاجتماعي للفقر، لما له من تأثيرات محسوسة في مجالات خفض الفقر. إلا أن حقيقة الأمر وواقعيته، أن المساعدات العينية التي تقدم إلى بعض البلدان العربية، ولا سيَّما في صورة المعونات الغذائية، لا تأخذ بعين الاعتبار مسألة خفض الفقر، بقدر ما تستهدف الوصول إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب على السلع الغذائية الرئيسية في أسواقها العالمية، وذلك عند أسعار مستهدفة، ومن ثم فإنّ حالة وجود فائض في العرض (للحبوب مثلاً) في الأسواق المذكورة، يتم اجتزاؤه ويحوّل كمساعدات ليس للبلد الأكثر حاجة، إنما للبلدان الأكثر قبولاً للسياسات الموالية للأوضاع الليبرالية.

وما يؤكد ذلك، أن المساعدات المذكورة شهدت تقلبات واسعة، سواء في حجمها أو قيمتها، ارتبطت بصفة رئيسية بنمط العلاقة بين أسعارها المحلية في مواقع إنتاجها في البلدان المتقدمة ونظيراتها في الأسواق العالمية، بحيث تحقق تلك العلاقة أقصى ربح، وليس أكبر عائد.

وحتى من منظار اجتماعي، فإن بعض البلدان العربية لا تجسد مجموعات مميزة، الأمر الذي يجبرها على الانشغال في بناء الأمة، وكذلك في بناء الدولة. وهذا أمر صعب جداً، وخاصة في المجتمعات التي لا تملك قدراً كافياً من الثروة التي تمكّنها من استمالة مجموعات التنافس المحتملة – ومن هنا يتكرر انهيار هذه المجتمعات، ومن هنا أيضاً، وهو أمر واضح، إحجام الشركات متعددة الجنسيات عن الاستثمار في أشباه الدول. فمن غير المحتمل أن تقدم شركة تبغي الربح على وضع أموالها حيث لا تضمن سلامة عمالها[24].

كما أن محدّدات الإقراض من جانب المؤسسات النقدية الدولية تشير إلى مدى القرب السياسي من الولايات المتحدة الأمريكية، وبعبارة أخرى إن الحاجة الاقتصادية (تحسين أحوال الفقر) وحدها لا تفسر توقيع منح القروض من المؤسسات النقدية الدولية، بقدر ما يمثله السلام مع إسرائيل من أهمية في نمط تسهيلات منح القروض إلى البلدان العربية.

إن مسألة خفض الفقر لا ترتبط بالمتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية من دون نظيرتها السياسية، وعليه تأتي مسألة التكامل الاقتصادي العربي في جوانبها الاقتصادية والسياسية في مقدمة استراتيجية خفض الفقر وتقييد آليات إنتاجه.

خاتمة

– لا يمكن أن تقتصر قضيّة الفقر واللامساواة على مؤشّر واحد، أي لا يمكن أن يقتصر الفقر على نقص الدخل وحده. القضاء على فقر الدخل، إن تحقّق، يكون نتيجة إيجابيّة تماماً، ولكنّه لن يقضيَ على الفقر.

– إن التعرّف إلى التحديات التي تواجه أي بلد لمحاربة الفقر تعتبر الخطوة الأولى لتحديد الفلسفة والسياسات المناسبة لمكافحة الفقر، ومن ثم وضع البرامج التفصيلية والإجراءات العملية التي تتسم بالواقعية والمرونة في التصدي لقضية الفقر واتخاذ ما يلزم من الاستراتيجيات ووسائل المساندة من المؤسسات الرسمية والأهلية، وأن يدرك صانعو السياسات العامة ظروف بلدهم، واضعين في المقام الأول المصلحة الوطنية.

– إن حسن إدارة الاقتصاد الكلي، والتأكد من توزيع الفرص ومكاسب النمو بعدالة يعدّ من العناصر الأساسية لنجاح السياسات وبرامج مكافحة الفقر، ومن حسن إدارة الاقتصاد وجود مؤسسات منظمة وأجهزة فعالة تقوم بدورها في تصميم الخطط وتنفيذ الإجراءات ومتابعتها وتقويمها.

– يمثل دور الحكومة أهمية كبيرة في نجاح جهود مكافحة الفقر، وإن المبادرات التي تضطلع بها للقضاء على الفقر تسهم بشكل مباشر في تحسين نوعية الحياة، وزيادة قدرات الفقراء الإنتاجية وتوظيف النمو الاقتصادي لخدمة أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإن إدراك الحكومة لهذا الدور، والقيام به على أكمل وجه، من شأنه أن يجنب المجتمع الانقسام العرقي والاضطرابات السياسية.

– يتطلب تقليل الفقر نوعين من السياسات، تقوم إحداهما على التوسع الاقتصادي القائم على استثمار وزيادة الثروة القومية، وهو ما يتيح المزيد من المشاركة الاقتصادية، وفرص العمل، والثانية، هي الدور الحكومي في تقديم برامج ومشروعات للمساعدة المباشرة للفقراء ومحدودي الدخل.

– من الوسائل الناجعة لمكافحة الفقر دعم القدرات الإنتاجية للفقراء وتمليكهم الأصول الإنتاجية، وكذلك توفير خدمات جيدة النوعية للفقراء في الصحة والتعليم والمرافق العامة، ومساعدة الفقراء بالقروض الحسنة، والتوسع في برامج الاقتراض متناهية الصغر ومن دون فوائد.

– تشكّل الأساليب والأدوات الإسلامية عناصر مهمة من خلال تقديم القروض متناهية الصغر ومن دون فوائد، وتوظيف الزكاة، وتنمية الأوقاف الإسلامية لدعم برامج مكافحة الفقر، وتقديم القروض الحسنة للوكالات العاملة في مجال المشروعات الصغيرة المملوكة للفقراء.

– يجب أن تكون الحلول للقضاء على الفقر واللامساواة متعدِّدة الأبعاد، وأن تركِّزَ على التدخّلات الهادفة في الأجزاء المتخلّفة من البلاد، مثل المناطق الريفيّة في حالة مصر. وعلى الاستثمارات في الحلول المتعدِّدة الأبعاد التي تستهدف واقع حياة الفقراء والحدّ من اللامساواة المتعدّدة الأبعاد بين الريف والحضر، أن تعنيَ الاندماج الاجتماعيّ والمشاركة، وبالطبع تحسين جودة حياة الناس. وهذا يجب أن يحشد القدرة التنمويّة للمجتمع والتقدّم السلس نحو «تغيير نظم القيم والمواقف لدى الناس كي لا يشعروا بالعجز وبأنّهم بلا مأوى، بل حتّى يشعروا بأنّهم ابتدأوا يعيشون في بلدهم، مع مؤسّساتهم، وحكومتهم، وقيادتهم.

– البحث عن آليات فعلية لتطبيق التكامل الاقتصادي العربي، انطلاقاً من ترسيخ هذه الفكرة على مستوى النخب، والبدء بمستويات قليلة، ثم تعميم فكرة التكامل والاستفادة في هذا الإطار من التجارب الدولية الناجحة على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي، وتعميم الاستفادة عربياً من وفورات العائدات النفطية من خلال تبادل عربي بيني يستفيد من جميع المقدرات الاقتصادية والبشرية العربية.

 

قد يهمكم أيضاً  انعكاسات السياسات الحكومية في مصر على مشكلة الفقر

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الفقر_في_العالم_العربي #الفقر #السياسات_الحكومية_في_البلدان_العربية #العولمة_الاقتصادية #الإرث_الاستعماري #المقدرات_الاقتصادية_العربية #الاقتصاد_العربي #الظروف_الاجتماعية #الظروف_الاقتصادية #التنمية_في_العالم_العربي #المقدرات_البشرية_العربية #دراسات