للنظر في موضوع التطبيع والمطبَّعين مع الكيان الصهيوني في فلسطين العربية المحتلّة بموضوعية، وفي الوقت نفسه بالتزام بالثوابت القومية، يجدر أولاً إبراز الأسس والمعايير والقيم والالتزامات التي يجب أن تحكم الموضوع الفلسطيني برمَّته.

أولاً، التأكيد القاطع أن فلسطين أرض عربية، وهي جزء جغرافي استراتيجي بالغ الأهمية من الوطن العربي، إذ إنها الجزء الذي يربط الجناح الشرقي بالجناح الغربي من هذا الوطن، وبالتالي يجعل وحدة الوطن العربي ووحدة الأمة العربية في المستقبل هدفاً ممكن التحقيق.

من هنا فإن عروبة فلسطين هي في قلب الهدف القومي الوحدوي العربي الذي ناضلت، وتناضل وستناضل، أجيال عربية من أجل تحقيقه كمدخل لنهوض وأمن وتنمية المجتمع العربي برمّته.

ثانياً، وكنتيجة للبديهية الأولى، فإن غزو واحتلال فلسطين من جانب اليهود الصهاينة وتشريد الملايين من شعبها العربي إلى خارج وطنهم التاريخي هو اعتداء استعماري استيطاني استئصالي، لا على الشعب العربي الفلسطيني فقط، وإنما أيضاً، وبنفس القوة والخطورة، على شعوب الأمة العربية كافة. لذلك فإن الكيان الصهيوني هو عدو لكل العرب، ولا يمكن التسليم له بأي جزء من فلسطين العربية. وهذا يعني أن مشروع الدولتين، حتى لو قبل به الفلسطينيون وبعض العرب كمرحلة مؤقتة تفرضها موازين القوى، هو مشروع مرفوض من حيث المبدأ، وبالتالي فإن اعتراف اتفاقية أوسلو بسلطة ذلك الكيان على الجزء الفلسطيني المحتل في عام 1948 هو اعتراف غير شرعي لأنه تمَّ بالقسر والتهديد والتجويع والوعود الكاذبة.

أقصى ما يمكن القبول به هو دولة فلسطينية ديمقراطية يتعايش فيها اليهود المسالمون مع المسيحيين والمسلمين العرب، وهي دولة قطرية عربية، عضو في جامعة الدول العربية، ينطبق عليها كل ما ينطبق على بقية أقطار الوطن العربي من التزامات ومن تحولات مستقبلية تقرِّرها أجيال المستقبل العربية ضمن سعيها المستمر لقيام الوحدة العربية، أيَّاً سيكون شكلها، وأيّاً ستكون خطوات تدرُّجها، طال الزمن أم قصُر.

وثالثاً، فإن المشروع الصهيوني أكد، منذ انطلاقاته الأولى، وبلسان أعداد كبيرة من قادته، وبتسجيلات كتابية في ملايين الصفحات، أن الوطن الصهيوني النهائي المطلوب سيمتدُّ، معتمداً على أساطير دينية مختلقة ومتخيَّلة وتزويرات تاريخية، من النيل إلى الفرات. وهو، إذاً، مشروع استعماري حربي توسُّعي ضد كلّ العرب وضدّ وجودهم في قلب وطنهم العربي، وهو مشروع لن يقبل بأقلَّ من هيمنة جغرافية واقتصادية وسياسية وعسكرية على الوجود العربي المستقبلي.

يكفي أن نتذكر مشروع الصهيوني ورئيس الكيان السابق، شمعون بيريز، القائل بضرورة قيام شرق أوسط عربي – «إسرائيلي» موسَّع جديد يقوم على تفوُّق وقيادة علمية وتكنولوجية واقتصادية صهيونية، وعلى تمويل مالي عربي وقوة عمل رخيصة عربية وسوق عربي كبير واحد مشترك… يكفي أن نتذكر ذلك حتى نعرف ما ينتظر كل العرب، وليس الفلسطينيين منهم فقط، من إذلال واستغلال وخضوع للماكنة الصهيونية، ولمن يستعملها من دول الغرب، للسيطرة على الثروات العربية ونهبها من جانب النظام الرأسمالي العولمي الممنهج المتوحِّش.

ورابعاً، وفي ضوء كل ذلك، فإن فكرة السلام والتعايش مع الكيان الصهيوني، وذلك، كما يدَّعي المطبِّعون من أجل دخول العرب عصر العلم والتكنولوجيا واجتذاب استثمارات الاقتصاد العولمي لبلاد العرب المتخلِّفة والمتعطشة للمساعدات الخارجية، هي فكرة وهمية، مبنيَّة على تصورات ساذجة؛ فلا الغرب الرأسمالي الجشع، الذي خبر العرب وعوده وحيله وأكاذيبة طوال القرن العشرين، ولا العداء الصهيوني التاريخي المتمثل بعشرات التصريحات القائلة بضرورة إبقاء العرب متخلِّفين ومجزَّئين ضعافاً لا يوجِّهون أي خطر من أي نوع كان للوجود الصهيوني في كل أرض العرب، هما في وارد مساعدة العرب على النهوض من تخلُّفهم التاريخي المأسوي البشع. وحتى لو تغيَّرت طبيعة الطرفين فإن الثمن سيكون استباحة لأرض العرب ونهباً لثروات شعوبها وإلحاقاً للوطن العربي المهمَّش بالمركزية الغربية الاستعمارية.

وخامساً، وأخيراً، فقد وقَّعت عدة أقطار عربية معاهدات واتفاقيات سلام وتعاون مع الكيان الصهيوني، فما الذي كسبته تلك الأقطار العربية من وراء تلك التنازلات والأحلام الوهمية؟ هل أدَّى ذلك إلى أوضاع اقتصادية أفضل؟ أم أن تلك الأقطار تعيش اليوم أسوأ وأحلك أوضاعها الاقتصادية المتردِّية؟ ويعرف القاصي والداني أن الكيان الصهيوني يريد وسيسعى لجعل كل تنازل اقتصادي وأمني وكل اعتراف تطبيعي في تلك الاتفاقيات تنازلاً أبدياً لا رجعة عنه وحقاً وجودياً ضرورياً لقوة وأمن الكيان الصهيوني.

لنستمع إلى التصريحات الصهيونية في أيامنا الحالية في شأن انتهاء حقبة الامتياز المائية والجغرافية التي أعطيت للكيان الصهيوني، كجزء من اتفاق وادي عربة بين الكيان والأردن، لنعرف أن المؤقت في العقل الصهيوني هو دائم ومخلَّد. فما إن طالبت السلطات الأردنية بإرجاع المناطق المؤجرة للكيان الصهيوني في وادي عربة، التي انتهت مدة تأجيرها بعد مرور خمس وعشرين سنة في عامنا هذا، حتى أعلن القادة الصهاينة أنهم سيصرُّون على التفاوض في شأن تجديد ذلك التأجير. ويعرف الجميع معنى كلمة التفاوض مع الكيان الصهيوني، الذي سيجيِّش كل قوى الضغط الأمريكية ليجعل التفاوض مدخـلاً لتحقيق كل المطالب الصهيونية، وليرغم الحكومة الأردنية على قبول كل التنازلات الوطنية والاقتصادية المطلوبة.

ولنا عبرة في مفاوضات أوسلو الشهيرة بينما بين سلطة الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، التي كان من المفروض أن توصل إلى حلٍّ عادل للموضوع الفلسطيني خلال خمس سنوات كحدٍّ أعلى، وإذا بخمس وعشرين سنة تمرّ من دون الوصول إلى حل. أثناء تلك المدة ماطل الصهاينة حول كل نقطة وبنوا مزيداً من المستوطنات، وهوَّدوا القدس، واستولوا على نصف الضفة الغربية وضموُّها رسمياً لكيانهم، وأبقوا ملايين الفلسطينيين في المنافي والملاجئ خارج وطنهم. أما الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف والداعم والمندمج العضوي في المشروع الصهيوني، فإنها أبقت تلك المفاوضات عديمة الجدوى وجثة ما بين الحياة والموت، باستعمال الضغوط والابتزاز والوعود الكاذبة، وبمنع كل دول العالم من امتلاك ضمير أو أخلاق في أي مجال دولي سياسي أو حقوقي تجاه الموضوع الفلسطيني، إلّا إذا كان في مصلحة ترسيخ الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة.

وفي الحقبة الأخيرة، وخصوصاً بعد تسلُّم رئيس – وصفته عشرات الكتب الأمريكية وشخَّصه عشرات الاختصاصيين الأمريكيين بالنرجسي غير المتوازن وغير الأخلاقي – مقاليد السلطة في واشنطن، ازدادت المؤامرة كبراً وعنفواناً. لقد ثبتت أمريكا الحق الصهيوني في أن تكون القدس عاصمة كيانه الأبدية؛ وجاهرت بعدم حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم تحت أيِّ مسمّى وأي وسيلة قانونية؛ ودشَّنت خطوات التآمر لتدمير مؤسسة الأونروا؛ ووعدت العالم بتقديم صفقة إذلالية حقيرة تحت مسمَّى «صفقة القرن»، توصل الموضوع الفلسطيني إلى نهايته المميتة وتؤكِّد الهيمنة التامة الكاملة الصهيونية على فلسطين وشعبها، وتقود إلى تطبيع كامل مع كل الأقطار العربية. وكجزء من هذه الصفقة أغوَتْ وابتزَّت العديد من سلطات ورجالات بعض الأقطار العربية للبدء باتخاذ خطوات التطبيع المتسارعة مع الكيان الصهيوني. ولقد عرفت أمريكا كيف تخلط الأوراق السياسية، وكيف تجيِّش وتموِّل وتسلِّح وتثبِّت من خلال استخباراتها، أشكالاً لا حصر لها من التنظيمات الجهادية المتزمِّتة الإرهابية في طول بلاد العرب وعرضها، وتنجح في جعل عبثية جنون تلك التنظيمات، زوراً وبهتاناً، تحت راية الدين الإسلامي. وكانت النتيجة هي إيصالنا إلى أن نعيش الوضع السريالي العربي الحالي، ونكتوي بنيران حركات الرِّدَّة الفكرية والسياسية والقومية التي نجحت في إدخال بعضنا في هوَس قبول المشروع الصهيوني والتطبيع معه تمهيداً لإدماجه الشامل في الحياة العربية.

في ضوء تلك الأسس الوجودية العربية، وضرورات الالتزامات القومية في حدِّها الأدنى، وتنامي الأخطار والمطامع من جانب الصهيونية في فلسطين وبقية أقطار الوطن العربي، لا يستطيع الإنسان إلّا أن يتساءل عن المبرِّرات والموجبات والمصالح التي تقف وراء اندفاع البعض الحالي نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني.

برَّر البعض توجههم نحو التطبيع بالقول إن مسيرة التنمية في بلاد العرب قد تعثَّرت بسبب أعباء الصِّراع العربي – الصهيوني المكلفة. ولكن هل أن التنمية في بلاد العرب قد تعثرت حقاً بسبب تلك الأعباء، أم أن التنمية قد تعثرت، كما تؤكدها مئات الدراسات والتقارير الدولية، بسبب الفساد المالي والسياسي والأخلاقي المتجذِّر في كثير من مؤسسات الحكم والإدارة العربية، وبسبب الاقتصاد الرَّيعي الذي يسمح بتركيز الثروة في يد أقلية، بعيداً من رقابة مؤسسات المجتمع المدني العربي ومشاركتها، وبسبب الارتباط التابع العاجز مع مؤسسات الاقتصاد والمال الرأسمالية العولمية المهيمنة؟ فضلاً عن أن بعض الأنظمة العربية الوطنية دفعت ثمن مواقفها الاستقلالية بحرمانها الكثير من الميزات الاقتصادية في السوق العالمية التي كانت متاحة لغيرها من الحكومات والدول «المتعاونة» مع الغرب.

يبرِّر البعض الآخر بالقول إن الخلافات والصراعات العربية – الإيرانية قد وصلت إلى حدود إمكان الهيمنة الإيرانية على كل المشرق العربي. ولما كان الوضع الإقليمي العربي قد وصل إلى أقصى حدود التمزُّق والضعف، فإن الحكمة والضرورات الاستراتيجية تتطلبان بناء جبهة واحدة مع الكيان الصهيوني، المعادي بقوة وعنف لأي تمدُّد أو صعود إيراني في الشرق الأوسط، من أجل تطويق النفوذ الإيراني ومنع تمدُّده.

نحن العرب، لدينا ألف مشكلة ومشكلة مع إيران، وبعض قادتها ومؤسساتها يتحملون مسؤولية تفاقم الكثير من تلك المشاكل والصِّراعات؛ ولكن، هل حقاً أن الطريق لمواجهة وحلَّ تلك القضايا مع إيران يمرَ عبر النفوذ والإمكانيات الصهيونية؟ ألا يكمن الحل وتكمن قوة المواجهة في بناء منظومة إقليمية قومية عربية، متناسقة ومتعاونة، قادرة على أن تواجه إيران بنديَّة وتوازن، وإقناعها بالتعايش السلمي مع جيرانها العرب؟

أليس الوضع العربي والانقسامات العربية العبثية والارتماء في أحضان الغرب الاستعماري هي السبب في تدخلات كل دول الجوار العربي، من مثل إيران وتركيا، ومن مثل العدو الصهيوني نفسه، الذي تعمل استخباراته ليل نهار على تمزيق لحمة المجتمعات العربية؟

وينبري آخرون من المطبّعين بالقول إن العرب هم في أشدّ الحاجة إلى التقدم العلمي والتكنولوجي الصهيوني. ولكن هل حقاً أن التقدم العلمي والتكنولوجي متركّز فقط في الكيان الصهيوني؟

أليس ذلك التقدم موجود في دول غربية وشرقيه كثيرة، وهو معروض للبيع وللتعاون لمن يريد أن يشتري أو يبني مشاريع مشتركة؟

ويتعلل بعض المطبِّعين بأن قسماً من الفلسطينيين يتعايشون مع الوجود الصهيوني ويعترفون بديمومة وجوده في الجزء الذي يحتله حالياً. ولكن هل يستطيع الفلسطيني، القابع تحت قبضة القوة الأمنية والقانونية والاقتصادية الصهيونية، والمواجه يومياً لكل أنواع المضايقات في معيشته الحياتية الأساسية، إلّا أن يتعايش مرحلياً مع سلطة ذلك الكيان؟

مع ذلك، ألا تقنع العديد من الانتفاضات الشعبية الفلسطينية الشاملة، والتضحيات الهائلة التي يقدمها الفلسطينيون يومياً، من مواجهة لقتل ممنهج متعمَّد، وتدمير منازل، واقتلاع أشجار، واستيلاء على أرض وسرقة مياه، وإبعاد عن الوطن، وإدخال إلى السجون من دون محاكمات عادلة… ألا يُقنع كل ذلك المطبّعين بأن لا يخذلوا الشعب الفلسطيني ويُدخلوه في حالة اليأس بسبب تطبيعهم المجاني مع عدو مجرم قاتل مستبيح للعمران وللبشر؟

هنا، نصل إلى ضرورة طرح السؤال المفصلي التالي: ما المطلوب؟ وما الخطوات العملية، سواءٌ من بعض الجهات الرسمية العربية أو من مؤسسات المجتمع المدني العربي، لمواجهة التطبيع الحالية والمطبّعين الخارجين عن إرادة شعوبهم؟

هذا سؤال يحتاج إلى أن تعالج جميع جوانبه العملية في الواقع العربي. ولأنه سؤال الساعة سنجيب عنه بتفصيل في افتتاحية أخرى مستقبلية.

 

قد يهمكم أيضاً  تفعيل مواجهة “صفقة القرن”

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #التطبيع #التطبيع_مع_الكيان_الصهيوني #مواجهة_التطبيع