مقدمة

وجدت الدول المستعمَرة نفسها أمام تحديات جمة بعد حصولها على الاستقلال، إذ واجهت عملية إعادة البناء المؤسسي للدولة المستقلة معيقات بنيوية ومتداخلة، منها ما يتعلق بالبيئة الداخلية ومنها ما له ارتباط بعوامل وأسباب خارجية. ولقد أدى تظافر هذه العوامل إلى تعثر بناء الدولة الحديثة وإلى ظهور أشكال ونماذج هجينة من الدول. ويعزو الباحثون أسباب تعثر الدولة الوطنية في عالم الجنوب إلى فرض النموذج الأوروبي للدولة على الشعوب غير الأوروبية. وفي هذا الإطار، يتم التمييز بين المقترب القانوني/السياسي والمقترب الاجتماعي في تفسير ظاهرة الدولة المتعثرة. فالمقترب الأول يرى أن التعثر يرتبط بأزمة الشرعية وانفجار المشاكل الداخلية وتعطل المؤسسات وانهيار القانون وقيام الحروب الأهلية وغياب الأجهزة القادرة على تمثيل الدولة في العالم الخارجي والتأثير في التفاعلات الدولية. أما المقترب الثاني فيرى أن هذه الأسباب تتجلى في انهيار جوهر الحكم الذي وصفه ماكس فيبر بـ «احتكار الاستعمال المشروع للعنف المادي»، حيث تعجز الشرطة والقضاء وباقي الأجهزة الأخرى عن الضبط الأمني والحفاظ على النظام العام، إما بسبب تفككها المؤسسي وإما بسبب عدم قدرتها على الاشتغال[1].

ومع التحولات العميقة التي ما انفك يشهدها العالم في العقود الأخيرة، ولا سيما بعد نهاية الحرب الباردة، برزت أشكال جديدة من الدول تتسم بهشاشة نظامها وتآكل شرعيتها وضعف كفاءتها وفشل مؤسساتها وإخفاق وظائفها وافتقارها إلى القواعد المثالية الموروثة عن نموذج الدولة الوستفالية. وللتوسع في هذه الموضوع، سنسلط الضوء بشيء من التفصيل والتحليل على نشأة وتطور ظاهرة الدولة الهشة (أولًا)، ثم سنتطرق إلى المفاهيم المتشابهة التي تتقاطع اصطلاحيًا ودلاليًا مع هذا المفهوم/الظاهرة (ثانيًا)، على أن نقدّم بعد ذلك بعض الملاحظات النقدية حول خلفيات هذا المفهوم وأبعاده (ثالثًا).

أولًا: مقاربة مفاهيمية للدولة الهشة

ظهر مفهوم «الدولة الهشّة» (Fragile State) في سياق الأبحاث التي انصبّ اهتمامها على معالجة قضايا الأمن والتنمية وإعادة البناء في بلدان العالم النامي، إلا أن بروزه كمفهوم شائع كان مع بداية تداوله في أدبيات البنك الدولي وغيره من المؤسسات والمنظمات الاقتصادية والمالية العالمية. فالبنك الدولي يعرِّف الدولة الهشة بأنها «تلك الدول التي تواجه تحديات على مستوى التنمية، تتمثل بضعف قدراتها المؤسسية، وافتقارها إلى الحكم الرشيد، ووجود حالة من عدم الاستقرار السياسي، وانتشار العنف الداخلي، وانخفاض في الدخل». أما صندوق النقد الدولي، فيعرف الدولة الهشة بنقيضها الذي هو «الدولة الوظيفية القادرة على أداء عدة وظائف أساسية، على رأسها احتكار العنف المشروع داخل المجتمع وإنفاذ القانون، وإدارة رشيدة للموارد الاقتصادية العامة، والاستثمار في رأس المال البشري، وإدارة جيدة للمرافق الخدماتية في الدولة، وغير ذلك»[2].

أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فترى أن «الدول تكون هشّة عندما تفتقر هياكلها المؤسسية للإرادة السياسية و/أو القدرة على توفير الوظائف الضرورية اللازمة للحد من الفقر والنهوض بالتنمية وضمان الأمن وحقوق الانسان لسكانها»[3].

انطلاقًا من هذه التعريفات، تشير هشاشة الدولة إلى عدم القدرة على القيام بأدوارها الوظيفية المتمثلة أساسًا في بسط السلطة وسيادة القانون والحفاظ على الاستقرار وتوفير الأمن وغيره من الخدمات الأساسية الأخرى. بعبارة أخرى، يمكن وصف هذا المفهوم بأنه تشخيص باثولوجي شامل لكل الأمراض التي ما فتئت ترزخ تحت وطأتها دول الجنوب على مر العقود الأخيرة[4]. وتتسم «الدولة الهشة» بمجموعة من الخصائص، يتمثل أهمها بأزمة الشرعية وضُعف المؤسسات الحكومية وعدم فعاليتها وسوء إدارة الحكم وعدم تماسك اللحمة الوطنية وتمزق النسيج الاجتماعي والتنافس العنيف على السلطة، وما يؤدي إليه ذلك من نزوح داخلي وتدفق اللاجئين وتنامي النزعات الانفصالية وقيام الحروب الأهلية، علاوة على تفشي الفساد وانتشار الفقر بفعل انخفاض مستويات النمو الاقتصادي وتعطل التنمية[5].

تتفق الأدبيات البحثية التي عالجت ظاهرة الدولة الهشة على تقديم أبعادها في ثلاثة عناصر رئيسية وهي: السلطة والقدرة والشرعية.

(1) السلطة: يشير بُعد السلطة إلى مدى احتكار الدولة للإكراه، حيث يؤدي ضعف سلطة الدولة إلى الحد من قدرتها على إنفاذ القانون لحماية سلامة مواطنيها من التهديدات المادية التي تستهدفها.

(2) القدرة: وتعني قدرة الدولة على توفير شروط الحياة الأساسية لمواطنيها، كالحماية الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.

(3) الشرعية: هي اكتساب السلطة الحكومية الحق أو الإطار القانوني لوجودها وعملها، وتعبر عن مدى قبول الشعب بممارسة هذه الأخيرة لوظائفها استنادًا إلى القواعد المحددة في نظامها الدستوري والقانوني[6]. وبقدر ما تتراجع الثقة في السلطة تتعمق أزمة الشرعية.

ومنذ سنة 2006، دأب صندوق السلام بتعاون مع مجلة فورين بوليسي على إصدار مؤشر الدولة الهشة FSI الذي هو عبارة عن تقرير سنوي يضمّ تصنيف 178 دولة استنادًا إلى مختلف المشكلات والضغوط التي تواجهها هذه الدول والتي تحدد مستويات هشاشتها[7]. ويستخدم صندوق السلام 12 مؤشرًا لقياس الفشل والهشاشة[8]، يقسمها إلى عدّة مؤشرات فرعية ذات طبيعة أمنية واجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها:

1 – مؤشرات التماسك الاجتماعي 

أ – مؤشر أداء الأجهزة الأمنية

يقيّم هذا المؤشر التهديدات الأمنية القائمة في البلد مثل التفجيرات والهجمات والتمرد والانقلابات والعمليات الإرهابية والإجرامية، كما يقيّم أيضًا ثقة المواطنين في الأجهزة الأمنية الوطنية أيضًا[9].

ب – مؤشر انقسام النخب

يأخذ هذا المؤشر في الحسبان انقسام مؤسسات الدولة على أسس طبقية أو عرقية أو دينية، وكذا عدم الانسجام والتوافق بين النخب الحاكمة بسبب تباين الخلفيات القومية أو الطائفية. كما يراعي أيضًا صراع القوى السياسية والانتقال السياسي والعمليات الانتخابية وكذا شرعية السلطة[10].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 529 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 529 آذار/مارس 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

أحمد المرابطي: أستاذ باحث في القانون العام، كلية العلوم القانونية والسياسية،
جامعة ابن طفيل – المغرب.

الصورة من Getty Images.

[1]سعيد الصديقي، الدولة في عالم متغير: الدولة الوطنية والتحديات العالمية الجديدة (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2008)، ص 125.

[2]         فرحة أبو فرحة، «الدولة الهشة في أفريقيا على ضوء علم الاجتماع السياسي، قراءات أفريقية، العدد 27 (كانون الثاني/يناير-آذار/مارس 2016)، ص 30.

[3]         Claire Mcloughlin, Topic Guide of Fragile States, Government and Social Development Resource Center, 2009, p 8.

[4]         Eghosa E. Osaghae, «Fragile State,» Development in Practice, vol. 17, nos. 4–5 (August 2007), p. 692.

[5]         Ibid.

[6]         Jörn Grävingholt, Sebastian Ziaja and Merle Kreibaum, State Fragility: Towards a Multi-dimensional Empirical Typology (Bonn: German Development Institute, 2012), pp. 8-10.

[7]         Fragile States Index: Methodology and CAST Framework (Washington, DC: The Fund for Peace, 2017), p. 3.

[8]         حسب مؤشر الدولة الهشة لسنة 2021، فإن الدول العشر الأكثر هشاشة في العالم هي كالآتي: اليمن، الصومال، جنوب السودان، سورية، الكونغو الديمقراطية، أفريقيا الوسطى، تشاد، السودان، أفغانستان، زيمبابوي.

[9]         Ibid., p. 6.

[10]        Ibid.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز